الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٨ من سورة الفتح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٨ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال تعالى ، مبشرا للمؤمنين بنصرة الرسول صلوات الله [ وسلامه ] عليه على عدوه وعلى سائر أهل الأرض : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ) أي : بالعلم النافع والعمل الصالح ; فإن الشريعة تشتمل على شيئين : علم وعمل ، فالعلم الشرعي صحيح ، والعمل الشرعي مقبول ، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل ، ( ليظهره على الدين كله ) أي : على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض ، من عرب وعجم ومليين ومشركين ، ( وكفى بالله شهيدا ) أي : أنه رسوله ، وهو ناصره .
القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) يعني تعالى ذكره بقوله ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) الذي أرسل رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالبيان الواضح, وَدِين الحَق, وهو الإسلام; الذي أرسله داعيا خلقه إليه ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) يقول: ليبطل به الملل كلها, حتى لا يكون دين سواه, وذلك كان كذلك حتى ينـزل عيسى ابن مريم, فيقتل الدجال, فحينئذ تبطل الأديان كلها, غير دين الله الذي بعث به محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, ويظهر الإسلام على الأديان كلها.
وقوله ( وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أشهدك يا محمد ربك على نفسه, أنه سيظهر الدين الذي بعثك به ( وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) يقول: وحسبك به شاهدا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد, قال.
ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا أبو بكر الهُذَليّ, عن الحسن ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الدين كله, وهذا إعلام من الله تعالى نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, والذين كرهوا الصلح يوم الحديبية من أصحابه, أن الله فاتح عليهم مكة وغيرها من البلدان, مسليهم بذلك عما نالهم من الكآبة والحزن, بانصرافهم عن مكة قبل دخولهموها, وقبل طوافهم بالبيت.
قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا .قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله أي يعليه على كل الأديان .
فالدين اسم بمعنى المصدر ، ويستوي لفظ الواحد والجمع فيه .
وقيل : أي : ليظهر رسوله على الدين كله ، أي : على الدين الذي هو شرعه بالحجة ثم باليد والسيف ، ونسخ ما عداه .وكفى بالله شهيدا شهيدا نصب على التفسير ، والباء زائدة ، أي : كفى الله شهيدا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وشهادته له تبين صحة نبوته بالمعجزات .
وقيل : شهيدا على ما أرسل به لأن الكفار أبوا أن يكتبوا : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله .
أخبر بحكم عام، فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى } الذي هو العلم النافع، الذي يهدي من الضلالة، ويبين طرق الخير والشر.{ وَدِينِ الْحَقِّ } أي: الدين الموصوف بالحق، وهو العدل والإحسان والرحمة.وهو كل عمل صالح مزك للقلوب، مطهر للنفوس، مرب للأخلاق، معل للأقدار.{ لِيُظْهِرَهُ } بما بعثه الله به { عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } بالحجة والبرهان، ويكون داعيا لإخضاعهم بالسيف والسنان.
( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) على أنك نبي صادق فيما تخبر .
«هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره» أي دين الحق «على الدين كله» على جميع باقي الأديان «وكفى بالله شهيدا» أنك مرسل بما ذكر كما قال الله تعالى.
هو الذي أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، بالبيان الواضح ودين الإسلام؛ ليُعْليه على الملل كلها، وحسبك -أيها الرسول- بالله شاهدًا على أنه ناصرك ومظهر دينك على كل دين.
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ) ..أى : هو - عز وجل - وحده ، الذى أرسل رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إرسالا ملتبسا الهدى ، أى : بالدليل الواضح والبرهان الساطع الذى يهدى للطريق التى هى أقوم .
.وأرسله - أيضا - بالدين الحق وهو دين الإِسلام ، الذى هو خاتم الأديان ، وأكملها ، ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ) أى : من أجل أن يظهره ويعليه على جميع الأديان ، لما فيه من هدايات ، وعبادات ، وآداب ، وأحكام ، وتشريعات ، قد جمعت محاسن الأديان السابقة التى جاء بها الأنبياء ، وأضافت إليها جديدا اقتضته حكمة الله - تعالى - ورحمته بهذه الأمة التى أرسل رسوله محمدا إليها .وقد بين - سبحانه - أن هذا الدين هو المقوبل عنده دون سواه ، فقال ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين ) ولقد ظهر هذا الدين فعم المشارق ، والمغارب ، وسيبقى - بإذن الله - ظاهرا عل الأديان كلها بقوة حجته ، ونصاعة براهينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .والباء فى قوله : ( وكفى بالله شَهِيداً ) مزيدة لتأكيد هذا الإِظهار .أى : وكفى بشهادة الله - تعالى - شهادة على حقية هذا الدين ، وعلى هذا الإِظهار الذى تكفل الله - تعالى - به لدين الإِسلام .
بيان لفساد ما قاله المنافقون بعد إنزال الله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين ووقوفهم عند ما أمروا به من عدم الإقبال على القتال وذلك قولهم ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا ولا قصرنا حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أن المؤمنين يدخلون مكة ويتمون الحج ولم يعين له وقتاً فقص رؤياه على المؤمنين، فقطعوا بأن الأمر كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وظنوا أن الدخول يكون عام الحديبية، والله أعلم أنه لا يكون إلا عام الفتح فلما صالحوا ورجعوا قال المنافقون استهزاء ما دخلنا ولا حلقنا فقال تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق ﴾ وتعدية صدق إلى مفعولين يحتمل أن يكون بنفسه، وكونه من الأفعال التي تتعدى إلى المفعولين ككلمة جعل وخلق، ويحتمل أن يقال عدى إلى الرؤيا بحرف تقديره صدق الله رسوله في الرؤيا، وعلى الأول معناه جعلها واقعة بين صدق وعده إذ وقع الموعود به وأتى به، وعلى الثاني معناه ما أراه الله لم يكذب فيه، وعلى هذا فيحتمل أن يكون رأى في منامه أن الله تعالى يقول ستدخلون المسجد الحرام فيكون قوله: ﴿ صَدَقَ ﴾ ظاهراً لأن استعمال الصدق في الكلام ظاهر، ويحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام رأى أنه يدخل المسجد فيكون قوله: ﴿ صَدَقَ الله ﴾ معناه أنه أتى بما يحقق المنام ويدل على كونه صادقاً يقال صدقني سن بكره مثلاً وفيما إذا حقق الأمر الذي يريه من نفسه، مأخوذ من الإبل إذا قيل له هدع سكن فحقق كونه من صغار الإبل، فإن هدع كلمة يسكن بها صغار الإبل وقوله تعالى: ﴿ بالحق ﴾ قال الزمخشري هو حال أو قسم أو صفة صدق، وعلى كونه حال تقديره صدقه الرؤيا ملتبسة بالحق وعلى تقدير كونه صفة تقديره صدقه صدقاً ملتبساً بالحق وعلى تقدير كونه قسماً، إما أن يكون قسماً بالله فإن الحق من أسمائه، وإما أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل هذا ما قاله، ويحتمل أن يقال (إن) فيه وجهين آخرين: أحدهما: أن يقال فيه تقديم تأخير تقديره: صدق الله رسوله بالحق الرؤيا، أي الرسول الذي هو رسول بالحق وفيه إشارة إلى امتناع الكذب في الرؤيا لأنه لما كان رسولاً بالحق فلا يرى في منامه الباطل والثاني: أن يقال بأن قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ إن قلنا بأن الحق قسم فأمر اللام ظاهر، وإن لم يقل به فتقديره: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، والله لتدخلن، وقوله: والله لتدخلن، جاز أن يكون تفسيراً للرؤيا يعني الرؤيا هي: والله لتدخلن، وعلى هذا تبين أن قوله: ﴿ صَدَقَ الله ﴾ كان في الكلام لأن الرؤيا كانت كلاماً، ويحتمل أن يكون تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿ صَدَقَ الله رَسُولَهُ ﴾ يعني والله ليقعن الدخول وليظهرن الصدق فلتدخلن ابتداء كلام وقوله تعالى: ﴿ إِن شَاءَ الله ﴾ فيه وجوه: أحدها: أنه ذكره تعليماً للعباد الأدب وتأكيداً لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا ﴾ الثاني: هو أن الدخول لما لم يقع عام الحديبية، وكان المؤمنون يريدون الدخول ويأبون الصلح قال: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم، إنما تدخلون بمشيئة الله تعالى الثالث: هو أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ذكر أنه بمشيئة الله تعالى، لأن ذلك من الله وعد ليس عليه دين، ولا حق واجب، ومن وعد بشيء لا يحققه إلا بمشيئة الله تعالى وإلا فلا يلزمه به أحد، وإذا كان هذا حال الموعود به في الوحي المنزّل صريحاً في اليقظة فما ظنكم بالوحي بالمنام وهو يحتمل التأويل أكثر مما يحتمله الكلام، فإذا تأخر الدخول لم يستهزئون؟
الرابع: هو أن ذلك تحقيقاً للدخول وذلك لأن أهل مكة قالوا لا تدخلوها إلا بإرادتنا ولا نريد دخولكم في هذه السنة، ونختار دخولكم في السنة القابلة، والمؤمنون أرادوا الدخول في عامهم ولم يقع.
فكان لقائل أن يقول بقي الأمر موقوفاً على مشيئة أهل مكة إن أرادوا في السنة الآتية يتركوننا ندخلها وإن كرهوا لا ندخلها فقال لا تشترط إرادتهم ومشيئتهم، بل تمام الشرط بمشيئة الله، وقوله: ﴿ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تخافون ﴾ إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره، فقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ إشارة إلى الأول وقوله: ﴿ مُحَلِّقِينَ ﴾ إشارة إلى الآخر، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ مُحَلّقِينَ ﴾ حال الداخلين والداخل لا يكون الآن محرماً، والمحرم لا يكون محلقاً، فقوله: ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ ينبئ عن الدوام فيه إلى الحلق فكأنه قال: تدخلونها آمنين متمكنين من أن تتموا الحج محلقين.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ لاَ تخافون ﴾ أيضاً حال معناه غير خائفين، وذلك حصل بقوله تعالى: ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ فما الفائدة في إعادتها؟
نقول: فيه بيان كمال الأمن، وذلك لأن بعد الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم فقال: تدخلون آمنين، وتحلقون، ويبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام، وقوله تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ أي من المصلحة وكون دخولكم في سنتكم سبباً لوطء المؤمنين والمؤمنات أو ﴿ فَعَلِمَ ﴾ للتعقيب، ﴿ فَعَلِمَ ﴾ وقع عقيب ماذا؟
نقول إن قلنا المراد من ﴿ فَعَلِمَ ﴾ وقت الدخول فهو عقيب صدق، وإن قلنا المراد ﴿ فَعَلِمَ ﴾ المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب، والتقدير يعني حصلت المصلحة في العام القابل ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ من المصلحة المتجددة ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ إما صلح الحديبية، وإما فتح خيبر، وقد ذكرناه وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ يدفع وهم حدوث علمه من قوله: ﴿ فَعَلِمَ ﴾ وذلك لأن قوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ يفيد سبق علمه العام لكل علم محدث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بالهدى وَدِينِ الحق ﴾ بدين الإسلام ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ليعليه ﴿ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ على جنس الدين كله، يريد: الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب: وقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة.
وقيل: هو عند نزول عيسى حين لا يبقى على وجه الأرض كافر.
وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات.
وفي هذه الآية تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنّ الله تعالى سيفتح لهم من البلاد ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون إليه من فتح مكة ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ على أنّ ما وعده كائن.
وعن الحسن رضي الله عنه: شهد على نفسه أنه سيظهر دينك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا ﴾ رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ وأصْحابَهُ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا وحَسِبُوا أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في عامِهِمْ، فَلَمّا تَأخَّرَ قالَ بَعْضُهم واللَّهِ ما حَلَقْنا ولا قَصَّرْنا ولا رَأْيْنا البَيْتَ فَنَزَلَتْ والمَعْنى صَدَّقَهُ في رُؤْياهُ.
﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ فَإنَّ ما رَآهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ وهو العامُ القابِلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ وهو القَصْدُ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الثّابِتِ عَلى الإيمانِ والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وأنْ يَكُونَ قَسَمًا إمّا باسِمِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِنَقِيضِ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ جَوابُهُ وعَلى الأوَّلَيْنِ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَةِ.
بِالمَشِيئَةِ تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ، أوْ إشْعارًا بِأنَّ بَعْضَهم لا يَدْخُلُ لِمَوْتٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ حِكايَةً لِما قالَهُ مَلَكُ الرُّؤْيا، أوِ النَّبِيُّ لِأصْحابِهِ.
﴿ آمِنِينَ ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ.
﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ أيْ مُحَلِّقًا بَعْضُكم ومُقَصِّرًا آخَرُونَ.
﴿ لا تَخافُونَ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ لا تَخافُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.
﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ مِنَ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ ذَلِكَ.
﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ مِن دُونِ دُخُولِكُمُ المَسْجِدَ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ.
﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ لِيَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يَتَيَسَّرَ المَوْعُودُ.
﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ أوْ بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ.
﴿ وَدِينِ الحَقِّ ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ.
﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُغَلِّبَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ كُلِّهِ بِنَسْخِ ما كانَ حَقًّا وإظْهارِ فَسادِ ما كانَ باطِلًا، أوْ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِهِ إذْ ما مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما وعَدَهُ مِنَ الفَتْحِ.
﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ كائِنٌ أوْ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ.
<div class="verse-tafsir"
{هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى} بالتوحيد {وَدِينِ الحق} أي الإسلام {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه {عَلَى الدين كُلِّهِ} على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من اديات المشركين وأهل الكتاب ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العزة والغلبة وقيل هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الارض كافر وقيل هو اظهار بالحجج والآيات {وكفى بالله شَهِيداً} على أن ما وعده كائن وعن الحسن شهد على نفسه أنه سيظهر دينه والتقدير وكفاه الله شهيدا وشهيد تمييز أو حال
﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِهِ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، والتِباسُهُ بِالهُدى بِمَعْنى أنَّهُ هادٍ، وقِيلَ: أيْ مُصاحِبًا لِلْهُدى، والمُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ الواضِحُ والحُجَّةُ السّاطِعَةُ أوِ القُرْآنُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ وهُما مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلَ أيْ أرْسَلَهُ بِسَبَبِ الهُدى أوْ لِأجْلِهِ ﴿ ودِينِ الحَقِّ ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالهُدى الأُصُولُ وبِدِينِ الحَقِّ الفُرُوعُ فَإنَّ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن لَمْ يُرْسَلْ بِالفُرُوعِ وإنَّما أُرْسِلَ بِالأُصُولِ وتِبْيانِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ نَقِيضُ الباطِلِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى أيْ ودِينُ اللَّهِ الحَقُّ، وجَوَّزَ الإمامُ غَيْرَ ذَلِكَ أيْضًا ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُعْلِيَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ بِجَمِيعِ أفْرادِهِ أيْ ما يُدانُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمِلَلِ فَيَشْمَلُ الحَقَّ والباطِلَ، وأصْلُ الإظْهارِ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ فَلِذا كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْلاءِ وعَنْ جَعْلِهِ بادِيًا لِلرّائِي ثُمَّ شاعَ في ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وإظْهارُهُ عَلى الحَقِّ بِنَسْخِ بَعْضِ أحْكامِهِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ، وعَلى الباطِلِ بِبَيانِ بُطْلانِهِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ بِحَسَبِ المَقامِ، أنْ يَكُونَ إظْهارُهُ عَلى الدِّينِ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ وقالُوا: ما مِن أهْلِ دِينٍ حارَبُوا المُسْلِمِينَ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، ويَكْفِي في ذَلِكَ اسْتِمْرارُ ما ذُكِرَ زَمانًا مُعْتَدًّا بِهِ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِينَ عَلى كُتُبِ التَّوارِيخِ والوَقائِعِ، وقِيلَ: إنَّ تَمامَ هَذا الإعْلاءِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ لا يَبْقى حِينَئِذٍ دِينٌ سِوى الإسْلامِ، ووُقُوعُ خِلافِ ذَلِكَ بَعْدُ لا يَضُرُّ إمّا لِنَحْوِ ما سَمِعْتَ وإمّا لِأنَّ الباقِيَ مِنَ الدُّنْيا إذْ ذاكَ كُلًّا شَيْءٌ، وفي الجُمْلَةِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الفَتْحِ وتَوْطِينٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ تَعالى سَيَفْتَحُ لَهم مِنَ البِلادِ ويُتِيحُ لَهم مِنَ الغَلَبَةِ عَلى الأقالِيمِ ما يَسْتَقِلُّونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَتْحَ مَكَّةَ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى أنَّ ما عَدَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن إظْهارِ دِينِهِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ أوِ الفَتْحِ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلى رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ادَّعاها وأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ عَلى يَدِهِ وذَلِكَ شَهادَةٌ مِنهُ تَعالى عَلَيْها، واقْتَصَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّازِّيُّ وجَعَلَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً عَمّا وقَعَ مِن سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إذْ لَمْ يَرْضَ بِكِتابَةِ ﴿ ”مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ“ ﴾ وقالَ ما قالَ.
وجَعَلَ بَعْضُ الأفاضِلِ إظْهارَ المُعْجِزَةِ شَهادَةً مِنهُ تَعالى عَلى تَحَقُّقِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا ولا يَظْهَرُ إلّا بِضَمِّ إخْبارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني: وعدكم الله غنيمة أخرى لم تقدروا عليها.
يعني: لم تملكوها بعد، وهو فتح مكة.
ويقال: هو فتح قرى فارس، والروم.
قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها يعني: علم الله أنكم ستفتحونها، وستغنمونها، فجمعها، وأحرزها لكم.
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً من الفتح وغيره وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة يوم الحديبية.
ويقال: أسد وغطفان يوم خيبر.
لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يعني: قريبا ينفعهم، ولا مانعاً يمنعهم من الهزيمة.
قوله عز وجل: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ يعني: هكذا سنة الله بالغلبة، والنصرة لأوليائه، والقهر لأعدائه.
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يعني: تغييراً، وتحويلاً.
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ يعني: أيديكم عن أهل مكة من بعد أن أَظْفَركم عليهم.
وذلك أن جماعة من أهل مكة، خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين، فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوهم بيوت مكة.
وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: طلع قوم وهم ثمانون رجلاً على رسول الله من قبل التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه، فأخذهم رسول الله ، وخلى سبيلهم.
فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ يعني: بوسط مكة مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: سلطكم عليهم وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً بحرب بعضكم بعضاً.
قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله تعالى وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَن تطوفوا به وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً يعني: محبوساً.
يقال: عكفته عن كذا إذا حبسته.
ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه.
يعني: صيروا الهدي محبوساً عن دخول مكة، وهي سبعون بدنة.
ويقال: مائة بدنة.
أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يعني: منحره، ومنحرة منى للحاج، وعند الصفا للمعتمر.
ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ بمكة لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنهم مؤمنون.
يعني: لم تعرفوا المؤمنين من المشركين أَنْ تَطَؤُهُمْ يعني: تحت أقدامكم.
ويقال: فتضربوهم بالسيف فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ يعني: تلزمكم الدية بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير علم منكم لهم، ولا ذنب لكم.
وذلك أن بعض المؤمنين كانوا مختلطين بالمشركين، غير متميزين، ولا معروفي الأماكن.
ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ لو دخلتموها أن تقتلوهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لو فعلتم فيصيبكم من قتلهم معرة.
يعني: يعيركم المشركون بذلك، ويقولون: قتلوا أهل دينهم كما قتلونا، فتلزمكم الديات.
ثم قال: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: تميزوا من المشركين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: لو تميزوا بالسيف.
وقال القتبي: صار قوله: لَعَذَّبْنَا جواباً لكلامين أحدهما، لولا رجال مؤمنون، والآخر لَوْ تَزَيَّلُوا يعني: لو تفرقوا، واعتزلوا.
يعني: المؤمنين من الكافرين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً وهو القتل.
قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك أنهم قالوا: قتل آباءنا، وإخواننا.
ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا.
والله لا يدخل علينا، فهذه الحمية التي في قلوبهم.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ يعني: طمأنينته عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فأذهب عنهم الحمية، حتى اطمأنوا، وسكتوا.
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى يعني: ألهمهم كلمة لا إله إلا الله حتى قالوا: وَكانُوا أَحَقَّ بِها يعني: كانوا في علم الله تعالى أحق بهذه الكلمة من كفار مكة وَأَهْلَها يعني: وكانوا أهل هذه الكلمة عند الله تعالى وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً يعني: عليماً بمن كان أهلاً لذلك وغيره.
<div class="verse-tafsir"
الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع «١» : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- صلّى الله عليه وسلّم-.
ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨)
وقوله سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...
الآية: «رُوِيَ في تفسيرها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» «٢» وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون: وأين الرؤيا؟
ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بأَنْ قَالَ: «وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا» ، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه «٣» ، ثم أنزل الله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...
الآية، واللام في: لَتَدْخُلُنَّ لامُ القَسَمِ.
وقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء: إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، / أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة إذ فيهم- ولا بُدَّ- مَنْ يموتُ أو يمرض.
ت: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون: هو أخذ من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ أُرِيَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةَ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ ورَأى كَأنَّهُ هو وأصْحابُهُ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَفَرِحُوا، فَلَمّا خَرَجُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ حَسِبُوا أنَّهم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ في عامِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا قالَ المُنافِقُونَ: أيْنَ رُؤْياهُ الَّتِي رَأى؟!
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَخَلُوا في العامِ المُقْبِلِ.» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ "إنَّ" بِمَعْنى "إذْ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَهُ، والخَلْقُ يَسْتَثْنُونَ فِيما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ ثَعْلَبٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهم سَيَدْخُلُونَهُ، ولَكِنِ اسْتَثْنى عَلى ما أمَرَ الخَلْقَ بِهِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى دُخُولِ بَعْضِهِمْ أوْ جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ الحِكايَةِ لِما رَآهُ النَّبِيُّ في المَنامِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
والسّادِسُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى الأمْنِ والخَوْفِ، فَأمّا الدُّخُولُ، فَلا شَكَّ فِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ العَدُوِّ ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ مِنَ الشَّعْرِ ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ عَدُوًّا.
﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في الصُّلْحِ.
والثّانِي: أنَّ في تَأْخِيرِ الدُّخُولِ صَلاحًا.
والثّالِثُ: فَعَلِمَ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكم خَيْبَرَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ.
وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ كانَ فَتْحًا في أوَّلِ السُّورَةِ.
وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [بَراءَةٍ: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ شَهِدَ لَهُ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: كَفى بِهِ شَهِيدًا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ يُرِيدُ اللهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ هو مَنعُهُمُ النَبِيَّ وأصْحابَهُ مِنَ العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ يُرِيدُ العُمْرَةَ وتَعْظِيمَ البَيْتِ، وخَرَجَ مَعَهُ بِمِائَةِ بَدَنَةٍ،» قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: بِسَبْعِينَ، قالَهُ المُسَوِّرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، «فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ قالَ أهْلُ مَكَّةَ: هَذا مُحَمَّدُ الَّذِي قَدْ حارَبَنا وقَتَلَ فِينا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مُراغَمَةً لَنا، واللهِ لا تَرْكَناهُ حَتّى نَمَوْتَ دُونَ ذَلِكَ، فاجْتَمَعُوا لِحَرْبِهِ واسْتَنْجَدُوا بِقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ الأحابِيشُ، وبَعَثُوا فَغَوَّرُوا لِرَسُولِ اللهِ المِياهَ الَّتِي تُقَرِّبُ مِن مَكَّةَ، فَجاءَ رَسُولُ اللهِ حَتّى نَزَلَ عَلى بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وحِينَئِذٍ وضَعَ سَهْمَهُ في الماءِ فَجَرى غَمْرًا حَتّى كَفى الجَيْشُ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ إلى مَكَّةَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وبَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ إلَيْهِ رِجالًا مِنهم عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وبَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ، وتَوَقَّفَ رَسُولُ اللهِ هُناكَ أيّامًا حَتّى سَفَرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وبِهِ انْعَقَدَ الصُلْحُ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ عنهم ويَعْتَمِرَ مِنَ العامِ القادِمِ، فَهَذا كانَ صَدُّهم إيّاهُ،» وهو مُسْتَوْعِبٌ في كُتُبِ السِيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والهَدْيَ" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والهَدِيُّ" بِكَسْرِ الدالِّ وشَدِّ الياءِ، وهُما لُغَتانِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوكُمْ ﴾ ، أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ، و"مَعْكُوفًا" حالٌ، ومَعْناهُ: مَحْبُوسًا، تَقُولُ: عَكَفْتُ الرَجُلَ عن حاجَتِهِ إذا حَبَسْتُهُ، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ "عَكَفَ" لا يَعْرِفُهُ مُتَعَدِّيًا، وحَكى ابْنُ سِيدَهْ وغَيْرُهُ تَعَدِّيهِ، وهَذا العَكْفُ الَّذِي وقَعَ لِلْهَدْيِ كانَ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ بِصَدِّهِمْ، ومِن قِبَلِ المُسْلِمِينَ لِرُؤْيَتِهِمْ وتَصَرُّفِهِمْ في أمْرِهِمْ فَحَبَسُوا هَدْيَهُمْ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيها الصَدُّ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وصَدُّوا الهَدْيَ كَراهَةَ أنْ، أو عن أنْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيها العَكْفُ، فَتَكُونُ "أنْ" مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيِ الهَدْيُ المَحْبُوسُ لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وهَذا هو حَبْسُ المُسْلِمِينَ، وإلّا فَحَبْسُ المُشْرِكِينَ لَيْسَ لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ.
و ﴿ "مَحِلَّهُ": ﴾ مَكَّةُ والبَيْتُ.
وَذَكَرَ اللهُ تَعالى العِلَّةَ في أنَّ صَرْفَ المُسْلِمِينَ ولَمْ يُمَكِّنْهم مِن دُخُولِ مَكَّةَ في تِلْكَ الوُجْهَةِ، وهو أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ، رِجالٌ ونِساءٌ، خَفِيَ إيمانُهُمْ، فَلَوِ اسْتَباحَ المُسْلِمُونَ بَيْضَتَها أهْلَكُوا أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، قالَ قَتادَةُ: فَدَفَعَ اللهُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ بِبَرَكَةِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ عَنِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "رِجالٌ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَوْلا قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ أنْ تَطَؤُوهُمْ، أيْ: لَوْلا وطْئُكم قَوْمًا مُؤْمِنِينَ، فَهو عَلى هَذا في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ تَعْلَمُوا وطْأهم أنَّهُ وطْءُ المُؤْمِنِينَ، والوَطْءُ هُنا: الإهْلاكُ بِالسَيْفِ وغَيْرِهِ، عَلى وجْهِ التَشْبِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ووَطِئْتَنا وطْئًا عَلى حَنَقِ ∗∗∗ وطْءَ المُقَيَّدِ نابَتَ الهَرْمِ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "اللهُمَّ، اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،»، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ آخِرَ وطْأةِ الرَبِّ يَوْمَ وجٍّ بِالطائِفِ"؛» لِأنَّها كانَتْ آخِرَ وقْعَةٍ لِلنَّبِيِّ ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى النَقّاشُ.
وَ "المَعَرَّةُ": السُوءُ والمَكْرُوهُ اللاصِقُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرِّ والعُرَّةِ وهي الجَرَبُ الصَعْبُ اللازِمُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذِهِ المَعَرَّةِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي المَأْثَمُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي الدِيَةُ، وهَذانَ ضَعِيفانِ لِأنَّهُ لا إثْمَ ولا دِيَةَ في قَتْلِ مُؤْمِنٍ مَسْتُورِ الإيمانِ مِن أهْلِ الحَرْبِ، وقالَ الطَبَرِيُّ - حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ -: هي الكَفّارَةُ، وقالَ مُنْذِرٌ: المَعَرَّةُ: أنْ يَعِيبَهُمُ الكُفّارُ ويَقُولُوا: قَتَلُوا أهْلَ دِينِهِمْ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي المَلامُ والقَوْلُ في ذَلِكَ وتَألُّمِ النَفْسِ مِنهُ في باقِي الزَمانِ، وهَذِهِ أقْوالُ حَسّانَ، وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمَكَّنّاكم مِن دُخُولِ مَكَّةَ وأيَّدْناكم عَلَيْهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَتَنالُكم مِنهُ مَعَرَّةٌ".
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيُدْخِلَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ: لَوْلا هَؤُلاءِ لَدَخَلْتُمْ مَكَّةَ، لَكِنْ شَرَّفَنا هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِأنْ رَحِمْناهم ودَفَعْنا بِسَبَبِهِمْ عن مَكَّةَ لِيُدْخِلَ اللهُ تَعالى، أيْ: لِيُبَيِّنَ لِلنّاظِرِ أنَّ اللهَ تَعالى يُدْخِلَ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، أو أيْ: لِيَقَعَ دُخُولُهم في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ودَفُعُهُ عنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالإيمانِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَوْلا قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ آمَنُوا لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ، وهَذا مَذْكُورٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "مَن يَشاءُ" ﴾ يَضْعُفُ هَذا التَأْوِيلُ.
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ أيْ: لَوْ ذَهَبُوا عن مَكَّةَ، تَقُولُ: زَيَّلْتُ زَيْدًا عن مَوْضِعِهِ إزالَةً، أيْ أذْهَبْتُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ مِن "زالَ يَزُولُ"، وقَدْ قِيلَ: هو مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وقَتادَةُ: [تُزايِلُوا] بِألِفٍ بَعْدَ الزايِ، أيْ: ذَهَبَ هَؤُلاءِ عن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ عن هَؤُلاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنهُمْ" ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ إذا كانَ الضَمِيرُ في [تَزَيَّلُوا] لِلْجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقالَ النَحّاسُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ تَعالى مَن في أصْلابِ الكافِرِينَ مَن سَيُؤْمِنُ في غابِرِ الدَهْرِ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ والنَقّاشُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ مَرْفُوعًا.
والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ جَعَلَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَذَّبْنا ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أذْكُرْ إذْ جَعَلَ، و"الحَمِيَّةَ" الَّتِي جَعَلُوها هي حَمِيَّةُ أهْلِ مَكَّةَ في الصَدِّ، قالَ الزُهْرِيُّ: وحَمِيَّةُ سُهَيْلٍ ومَن شاهَدَ عَقْدَ الصُلْحِ في أنْ مَنَعُوا أنْ يَكْتُبَ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" ولَجُوا حَتّى كَتَبَ "بِاسْمِكَ اللهُمَّ"، وكَذَلِكَ مَنَعُوا أنْ يَكْتُبَ "هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" ولَجُوا حَتّى قالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: « "امْحُ واكْتُبْ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ..." الحَدِيثُ،» وجَعَلَها تَعالى حَمِيَّةً جاهِلِيَّةً لِأنَّها كانَتْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وفي غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ لَوْ جاءَهم مُحارِبًا لَعَذَرُوا في حَمِيَّتِهِمْ، وإنَّما جاءَ مُعَظِّمًا لِلْبَيْتِ لا يُرِيدُ حَرْبًا، فَكانَتْ حَمِيَّتُهم جاهِلِيَّةً صِرْفًا.
و"السَكِينَةُ" هي الطُمَأْنِينَةُ إلى أمْرِ رَسُولِ اللهِ والثِقَةُ بِوَعْدِ اللهِ تَعالى، والطاعَةُ وزَوالُ الأنَفَةِ الَّتِي لَحِقَتْ عُمَرَ وغَيْرَهُ.
و ﴿ "كَلِمَةَ التَقْوى" ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: "هِيَ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: هي "لا إلَهَ إلّا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هِيَ "لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ"، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ حِسانٌ ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَقِي النارَ، فَهي كَلِمَةُ التَقْوى، وقالَ الزُهْرِيُّ عَنِ المُسَوِّرِ، ومَرْوانَ: كَلِمَةُ التَقْوى المُشارُ إلَيْها هِيَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، وهي الَّتِي أباها كُفّارُ قُرَيْشٍ فَألْزَمَها اللهُ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَهم أحَقَّ بِها، وُ"لا إلَهَ إلّا اللهُ" أحَقُّ بِاسْمِ "كَلِمَةَ التَقْوى" مِن "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ."، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكانُوا أهْلَها وأحَقَّ بِها"، والمَعْنى: كانُوا أهْلَها عَلى الإطْلاقِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى وسابِقِ قَضائِهِ لَهُمْ، وقِيلَ: أحَقَّ بِها مِنَ اليَهُودِ والنَصارى في الدُنْيا، وقِيلَ: أهْلُها في الآخِرَةِ بِالثَوابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ إشارَةً إلى عِلْمِهِ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَفَعَ عن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِسَبَبِهِمْ، وَإلى عِلْمِهِ بِوَجْهِ المَصْلَحَةِ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَيُرْوى أنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ، أمِنَ الناسُ في تِلْكَ المُدَّةِ الحَرْبَ والفِتْنَةَ، وامْتَزَجُوا، وعَلَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ، وانْقادَ إلَيْهِ كُلُّ مَن كانَ لَهُ فَهْمٌ مِنَ العَرَبِ، وزادَ عَدَدُ الإسْلامِ أضْعافَ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ، ثُمَّ سارَ إلى مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعامَيْنِ في عَشَرَةِ آلافِ فارِسٍ، .
<div class="verse-tafsir"
زيادة تحقيق لصدق الرؤيا بأن الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين ما كان ليريه رؤيا صادقة.
فهذه الجملة تأكيد للتحقيق المستفاد من حرف (قد) ولام القسم في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ [الفتح: 27].
وبهذا يظهر لك حسن موقع الضمير والموصوللِ في قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ لأن الموصول يفيد العلم بضمون الصلة غالباً.
والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ ، وهم يعلمون أن رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله فهو يذكرهم بهاتين الحقيقتين المعلومتين عندهم حين لم يجروا على موجَب العلم بهما فخامرتهم ظنون لا تليق بمن يعلم أن رؤيا الرسول وحي وأن الموحي له هو الذي أرسله فكيف يريه رؤيا غير صادقة.
وفي هذا تذكير ولَوْم للمؤمنين الذين غفلوا عن هذا وتعريض بالمنافقين الذين أدخلوا التردد في قلوب المؤمنين.
والباء في ﴿ بالهدى ﴾ للمصاحبة وهو متعلق ب ﴿ أرسل ﴾ والهدى أطلق على ما به الهدى، أي كقوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2]، وقوله: ﴿ شهرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ﴾ [البقرة: 185].
وعطف ﴿ دين الحق ﴾ على الهدى ليشمل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحكام أصولها وفروعها مما أوحي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سوى القرآن من كل وحي بكلام لم يقصد به الإعجاز أو كان من سُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون المراد ﴿ بالهدى ﴾ أصول الدين من اعتقاد الإيمان وفضائل الأخلاق التي بها تزكية النفس، و ﴿ بدين الحق ﴾ : شرائع الإسلام وفروعه.
واللام في ﴿ ليظهره ﴾ لتعليل فعل ﴿ أرسل ﴾ ومتعلقاته، أي أرسله بذلك ليظهر هذا الدين على جميع الأديان الإلهية السالفة ولذلك أكد ب ﴿ كله ﴾ لأنه في معنى الجمع.
ومعنى ﴿ يظهره ﴾ يُعْلِيه.
والإظهار: أصله مشتق من ظهر بمعنى بدا، فاستعمل كناية عن الارتفاع الحقيقي ثم أطلق مجازاً عن الشرف فصار أظهره بمعنى أعلاه، أي ليشرفه على الأديان كلها، وهذا كقوله في حق القرآن ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ﴾ [المائدة: 48].
ولما كان المقصود من قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى الخ الشهادة بأن الرؤيا صدْق ذيّل الجملة بقوله: وكفى باللَّه شهيداً ﴾ أي أجزأتكم شهادة الله بصدق الرؤيا إلى أن تروا مَا صْدَقَها في الإبان.
وتقدم الكلام على نظير ﴿ وكفى باللَّه شهيداً ﴾ في آخر سورة النساء (79).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ، رَأى في المَنامِ، أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَمّا صالَحَ قُرَيْشًا بِالحُدَيْبِيَةِ، ارْتابَ المُنافِقُونَ، حَتّى قالَ : (فَما رَأيْتُ في هَذا العامِ)» ثُمَّ قالَ ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلِمَ أنَّ دُخُولَها إلى سَنَةٍ ولَمْ تَعْلَمُوهُ أنْتُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عَلِمَ أنَّ بِمَكَّةَ رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ; الآيَةَ.
ثُمَّ قالَ ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي جَرى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وقُرَيْشٍ بِالحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الشَّرْطِ والِاسْتِثْناءِ.
الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وإنَّما خَرَجَ مَخْرَجَ الحِكايَةِ عَلى عادَةِ أهْلِ الدِّينِ، ومَعْناهُ لَتَدْخُلُونَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: إنْ شاءَ اللَّهُ في دُخُولِ جَمِيعِكم أوْ بَعْضِكم، ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟
فأنزل الله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ فرجعوا ففتحوا خيبر، ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: كان تأويل رؤياه في عمرة القضاء.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: هو دخول محمد صلى الله عليه وسلم البيت والمؤمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطوف بالبيت وأصحابه، فصدق الله رؤياه بالحق.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى آخر الآية.
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين» فلما نزلت بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، فقال الله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ لا تخافون ﴾ أي لم أره أنه يدخله هذا العام، وليكونن ذلك، ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ قال: رده لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات وأخره ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يريد الله أن يهديه ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر حين رجعوا من الحديبية فتحها الله عليهم، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلاً واحداً من الأنصار يقال له أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً في ذي القعدة معه المهاجرون والأنصار حتى أتى الحديبية، فخرجت إليه قريش، فردوه عن البيت حتى كان بينهم كلام وتنازع حتى كاد يكون بينهم قتال، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وعدتهم ألف وخمسمائة تحت الشجرة، وذلك يوم بيعة الرضوان، فقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع، حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام، ففعل، فخرجوا إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف، ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه، فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة، وجاء بالبدن معه، وجاء الناس معه، فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين ﴾ وأنزل عليه: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ﴾ [ البقرة: 194] الآية.
أما قوله تعالى: ﴿ محلقين رؤوسكم ومقصرين ﴾ .
أخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة «عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال:والمقصرين» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين» .
وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمقصرين» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين» وكنت يومئذ محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن يحيى بن أبي الحصين عن جدته أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة في حجة الوداع.
وأخرج أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قال رجل: والمقصرين فقال في الثالثة أو الرابعة وللمقصرين» .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قيل له لم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة فقال: «إنهم لم يشكوا» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالها ثلاثاً فقالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم قال: إنهم لم يشكوا» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون للرجل أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول للحلاق إذا حلق في الحج والعمرة أبلغ للعظمين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: السنة أن يبلغ بالحلق إلى العظمين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن.
وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ مفسَّر في سورة براءة [آية: 33] إلى قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أي: على ما أرسل، قال مقاتل: وهذا رد على المشركين لمَّا أملى رسول الله - -: هذا ما صالح عليه محمد رسوله، أنكروا ذلك على ما بينا، فأنزل الله هذه الآية (١) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 77، "زاد المسير" 7/ 445، "القرطبي" 16/ 292.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة؛ أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون ورُوي أنه أتاه ملك في النوم فقال له: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ الآية: فأخبر الناس برؤياه: ذلك، فظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام، فلما صده المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون: أين الرؤيا، ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق ﴾ أي تلك الرؤيا صادقة، وسيخرج تأويلها بعد ذلك، فاطمأنت قلوب المؤمنين وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل، هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، وظهر صدق رؤياه وتلك عُمرة القضية القضاء ثم فتح مكة بعد ذلك، ثم حج هو وأصحابه، وصدق في هذا الموضع يتعدى إلى مفعولين، وبالحق يتعلق بصدق، أو بالرؤيا على أن يكون حالاً منها ﴿ إِن شَآءَ الله ﴾ لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك محال على الله، اختلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال: الأول أنه استثناء قاله الملك الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فحكى الله مقالته كما وقعت والثاني: أنه تأديب من الله لعباده ليقولوا إن شاء الله في كل أمر مستقبل، والثالث أنه استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته؛ لأنه يمكن أن يتم له الأمر أو يموت، أو يمرض فلا يتم له، والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا لدخول المسجد، والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ الحلق والتقصيير من سنة الحج والعمرة، والحلق أفضل من التقصير، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله المحلقين ثلاثاً ثم قال في المرة الأخيرة والمقصرين» ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدّة، فإنه لما انقعد الصلح، وارتفعت الحرب ورغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وخمسمائة، وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ يعني فتح خيبر، وقيل بيعة الرضوان وقيل صلح الحديبية، وهذا هو الأصح «لأن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتح هو يا رسول الله؟
قال: نعم» وقيل: هو فتح مكة وهذا ضعيف، لأن معنى قوله: ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ قبل دخول المسجد الحرام، وإنما كان فتح مكة بعد ذلك، فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة، وفتح مكة عام ثمانية ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ ذكره في براءة [33] ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ أي شاهداً بأن محمداً رسول الله، أو شاهداً بإظهار دينه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ مع كثرة أولئك، وقوتهم، وتأهبهم للقتال، وضعف هؤلاء وقلة عددهم؛ لأن أولئك كانوا خرجوا للقتال والحرب، مستعدين لذلك، متأهبين، وهؤلاء كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، فكفّ أيدي أولئك مع عدتهم وقوتهم وكثرتهم عن هؤلاء مع ضعفهم وقلة عددهم، حتى أظفرهم بأولئك بما ذكر في القصة أن المسلمين كانوا اشتغلوا بالترامي بالنبل والحجارة حتى هزموهم وأدخلوهم بطن مكة؛ على ما ذكر، ثم أظفرهم بهم، كف أيدي هؤلاء عنهم ويتم لهم الظفر بهم؛ ليعلم هؤلاء أن التدبير في الأمر إلى الله - - دونهم، وله السلطان على الخلق جميعاً، لا سلطان لأحد في سلطانه، ولا قوة إلا بالله.
وأما ما ذكر من الامتنان هو ما ذكر من كف أيدي أولئك عن هؤلاء عند شدة خوفهم منهم وفزعهم بما ذكرنا من قوة أولئك [و]كثرتهم، وضعف هؤلاء وقلة عددهم، حتى أظفرهم؛ يذكر منته عليهم؛ ليستأدي شكره، ويكف أيدي هؤلاء عنهم.
فإن قيل: ما كف أيدي أولئك عن هؤلاء، المنة ظاهرة، ولكن أية منة تكون في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؟
فيقال: جائز أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؛ ليستأدي منهم شكره بذلك، وهو الإسلام لله - - على جميع خلقه منة؛ ليستأدي منهم شكراً على الكافرين والمسلمين جميعاً.
ويحتمل أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك على المؤمنين - أيضاً - هو ما ذكر على إثره: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنه لو لم يكن يكف أيدي المؤمنين عنهم حتى يتم لهم الظفر بهم فدخلوا مكة وهنالك مؤمنون لأصابهم ما ذكر من المعرة وغيره، فكان في كف أيدي المؤمنين عن أولئك منة عظيمة عليهم؛ لما بينا من قبل من فيها من المؤمنين من غير علم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ وهم لم يكونوا في بطن مكة، إنما كانوا بالحديبية، وبينها وبين مكة أميال، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أظفرهم بهم وقهرهم وهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة، على ما ذكر أنهم هزموهم حتى أدخلوهم في بيوت مكة.
والثاني: ببطن مكة؛ أي: بقرب مكة.
وجائز أن يكنى ببطن مكة؛ أي: قربها.
وقال بعضهم: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ أي: الحرم، والحرم كله مكة، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ لم يزل الله - - عالماً بأعمالهم، بصيراً.
وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي أولئك عن هؤلاء، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيراً؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: صدوهم عما قصدوا، وهو الطواف بالبيت والزيارة له، وذلك في المسجد الحرام؛ ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ وقوله: ﴿ مَعْكُوفاً ﴾ أي: محبوساً، والمعكوف هو الحبس، ومنه سمي العاكف والمعتكف.
ثم قوله: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى، فأما الحرم نفسه فليس هو محله؛ فكأنه قال: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان - - معتمراً، وذكر أنه كان متمتعاً، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله سقط، وخرج عن حكم المتعة، ويعود إلى مكة، وله أن يصرفه إلى ما شاء؛ ألا ترى أن النبي نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في الحرم؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط، ويخرج عن حكم المتعة.
وفيه أن دم الإحصار لا يجوز أن إراقته إلا في الحرم؛ إذ الحديبية تجمع الحرم والحل جميعاً عندنا، فإنما كان نحرها في الحرم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ أي: تقتلوهم وتهلكوهم ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لولا ما فيها - أعني: في مكة - من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، لأتم لكم الظفر بهم، ودخلتم عليهم، لكن منعكم عن دخولكم مكة؛ لما ذكر.
ثم اختلف في قوله - -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
قال بعضهم: لزمكم الدية بقتلهم، وكذا روي عن محمد بن إسحاق.
وقال بعضهم: الكفارة.
وقال بعضهم: الإثم والذنب؛ أي: يصيبكم منهم الإثم بقتلكم إياهم؛ وهذا لا يحتمل؛ لأنهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، لا يلحقهم الإثم والذنب؛ لأن الله - - وضع الإثم عنا فيما لا نعلمه، ولم يضع طريق العلم به، قال الله - -: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ .
وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فيصيبكم من الكفرة وأهل النفاق ما يسوءكم بقتلكم إياهم من اللائمة، والتعيير، وغير ذلك من القيل والقال؛ يقولون: إنهم قتلوا أصحابهم ومن كان على دينهم من أهل الإسلام؛ فيجدون بذلك سبيلا إلى ما ذكرنا، فيسوءكم ذلك، والله أعلم.
والثاني: يصيبكم الأسف والحزن والندامة الدائمة بقتلكم أهل الإيمان وأهل الإسلام إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم، والله أعلم.
ثم المخالف لنا تعلق بهذه الآية في مسألتين: إحداهما: فيمن أسلم ولم يهاجر إلينا: أنه تجب الدية في قتله؛ لقوله - -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وهي غرم الدية.
والثانية: هل يباح الرمي على حصون المشركين إذا كان فيها أسارى المسلمين وأطفال المسلمين، وإحراق الحصون أو الرمي على الكفار الذين تترسوا بأطفال المسلمين؟
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم، ولا بأس بأن يحرقوا الحصن ويقصدوا به المشركين دون المسلمين، وكذلك إحراق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.
وقال مالك: لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.
وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين، لم يرموا، ولا يحرق الحصن، ولكن لا بأس بأن يرمى الحصن بالمنجنيق، ونحو ذلك.
وقال الشافعي: لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى وأطفال المسلمين، ولو تترسوا بهم فله قولان.
واحتج هؤلاء [بأن] من عادتهم أنهم كانوا يعبدون ما يهوون ومالت إليهم أنفسهم من الأصنام والأوثان وغيرها، وينصرون من عبدوها، ويدفعون عنهم فيذبون عنها، فجائز أن يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أولئك الأصنام وعبادها، والذب عنهم حمية الجاهلية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر: هو شيء أنزله من السماء؛ لطفاً منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم.
وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان، ولكن أنشأ في قلوبهم ما يسكن به قلوبهم؛ كقوله - -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ أي: أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر، وخلقها لهم، ليس أن أنزلها عليهم من مكان إلى مكان، ولكن على الإنشاء والخلق، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
ثم السكينة تحتمل أسباباً له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم، والأسباب تختلف.
ويحتمل شيئاً آخر سوى ذلك، وهو اللطف الذي جعل لهم، فسكن قلوبهم بذلك اللطف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ألزمهم كلمة بها يتقون النار.
ثم يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ ﴾ : إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبداً إلى يوم القيامة، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، وذلك أنه لما كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول الله كتب: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، فقال ذلك: اكتب كذا، لا ندري ما الرحمن الرحيم.
وذلك كلمة التقوى، والله أعلم.
والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ أي: بتلك الكلمة، وكانوا أهلا لها ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي كلمة الإخلاص ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ من الأمم السالفة وأهلها، والله أعلم.
أو كانوا أحق بها في الإظهار في الخلق والقيام بذلك، وكانوا أحق بها في إلزامها في أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قال أهل التأويل: قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ﴾ أي: حقق الله لرسوله الرؤيا التي أراها إياه الحق؛ أي: بالوفاء لذلك.
ويحتمل: أي: صير النبي صادقاً عندهم فيما أخبرهم أنه رأى، وجعله صادقاً في ذلك؛ والأول أشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر: أن ادخلوا المسجد الحرام، وإن كان في الظاهر خبراً؛ كرؤيا إبراهيم - - حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، ثم قال الله - -: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ دل على أن ما رأى إبراهيم - صلوات الله عليه - من الذبح هو أمر بذلك، فإن كان التأويل هذا فيخرج الثنيا المذكور فيه على أثره، كأنه يقول: ادخلوا المسجد الحرام محلقين ومقصرين إن شاء الله أن تؤمنوا في دخولكم، وإذا لم تأمنوا لم يشأ أن تدخلوه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ على الوعد، فيخرج الثنيا المذكور على وجهين: أحدهما: على التبرك والتيمن، كما يتبرك بذكر اسمه في فعل يفعله، والله أعلم.
والثاني: على الأمر لكل في نفسه إذا أخبر غيره أنه يدخل أن يقول: إن شاء الله، كما يؤمر بالثنيا من أخبر شيئاً أنه يفعله، كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
ويحتمل أن يذكر الثنيا؛ لأن الوعد في الظاهر وإن كان للجملة كقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ، فجائز أن يكون المراد منه بعض منهم، ليس الجملة؛ لاحتمال أن يموت بعض منهم [و] ألا يكون هو مراداً و[المراد] الجملة، فذكر الثنيا؛ لئلا يكون خلف في الوعد من النبي ، ثم ما ذكر من رؤيا النبي - ، وأخبر أنه حققها يحتمل ما ذكر من دخول المسجد الحرام على أثره، فإن كان ذلك؛ فيكون قوله : ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ هو تفسير لتلك الرؤيا.
وجائز أن تكون الرؤيا في غير ذلك.
وقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ابتداء وعد وأمر من الله ، وكذلك ما ذكر من قوله حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل ما ذكر في هذه الآية: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
ويحتمل غير هذا أيضاً، وقد أخبر أنه حققها وصدقها، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ .
يخبر أنهم يدخلون المسجد الحرام محلقين مقصرين.
ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في إبتداء الإحرام، يخرج على التزين على ما يزين المحرم في ابتداء إحرامه من نحو التطيب واللباس والحلق والتقصير، ونحو ذلك، يخبر أنهم يدخلون على التزين في المسجد الحرام آمنين من الكفار، فإن كان على ذلك فهو على الثياب والطيب وغير ذلك.
وذكر أن النبي كان معتمرا، فسميت تلك عمرة القضاء؛ حيث منع في عام الحديبية وكان معتمرا [فسميت] تلك عمرة وإن حاجا فيكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ بعد رجوعهم من منى إلى طواف الزيارة في ذلك الوقت يكونون محلقين مقصرين، والله أعلم.
فإن قيل: ما الحكمة في أمره رسوله بالخروج للحج عام الحديبية على علم منه أنه لا يصل إلى مكة وأنه يحال بينه وبين دخول مكة وقضاء النسك، ولا يحتمل إلى ذلك إلا بأمر من الله ، ليس هو كغيره من الناس أنهم يفعلون أفعالا بلا أمر، ثم يمنعون أو ينهون عن ذلك، فأما رسول الله فلا يفعل شيئاً إلا عن أمر منه له بذلك.
قيل: يحتمل إنما أمر بذلك مع علمه بأنهم يمنعون عن ذلك؛ تعليما منه رسوله وأمته حكم الإحصار: أن من حصر عن الحج، ومنع عن دخول مكة؛ لقضاء النسك، ماذا يلزمه؟
وبم يخرج منه؟
ولله أن يعلم خلقه أحكام شريعته مرة بأمر يأمرهم بذلك، أو بخبر يخبرهم، ومرة بفعل النبي يمتحنهم بما شاء، له الحكم والأمر في الخلق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافُونَ ﴾ .
أي: تدخلون مكة آمنين، لا تخافون عدوكم، ولا منعهم إياكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ .
هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: علم ما وعد لكم من فتح خيبر وغنائمه ما لم تعلموا.
ويحتمل: أي: علم ما أرى وصوله من الرؤيا وتحقيقها ما لم تعلموا.
ويحتمل: أي: علم في رجوعكم عن الحديبية أشياء لم تعلموها أنتم من إظهار ما أظهر من نفاق أهل النفاق فيهم، وأهل الاضطراب من المحققين والمصدقين وغير ذلك، والله أعلم.
وعن ابن عباس - - في قوله : ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يقول: إن ذلك الدخول أي سنة؟
ولم تعلموا أنتم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ .
قال بعضهم: جعل من قبل أن يدخلوا مكة ﴿ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ ، أي: عاجلا فتح خيبر، والله أعلم.
وقول أهل التأويل: إنه اشتد على الناس رجوعهم من الحديبية وصدهم المشركون عما قصدوا، بعدما أخبرهم الرسول أنه رأى في المنام أنهم يدخلون على ما وقع عندهم أن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حق كالوحي.
لكن هذا لا يحتمل من المسلمين ما يحتمل من المنافقين على ما ذكر أنهم قالوا حين أخبر رسول الله بالحديبية أن الرؤيا [كذب] أو كلام نحوه؛ فكل هذا يحتمل من المنافقين، فأما من المسلمين فلا يحتمل أن يقع في قلوبهم شيء من ذلك؛ لما لم يكن في الآية بيان ولا توقيت أنهم متى يدخلون؟
بل فيها الوعد بالدخول ليس فيها أنه متى؟
ألا ترى أن يوسف - - رأى رؤيا وخرجت بعد أربعين سنة أو أقل أو أكثر؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يخفى عليهم إذا لم يكن في الوعد توقيت أنه يجوز أن يتأخر أو يتقدم، والله أعلم.
ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول الله ؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم إن ثبت له الأمر بذلك على علم من الله أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن الله قد يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم بذبح ولده، ثم كان حقيقة المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .
أي: أرسله بالهدى من كل ضلال أو حيرة.
أو أرسله بالبيان من كل عمى وشبهة، وهو هذا القرآن الذي سماه مرة: هدى، ورحمة، ونورا، ونحو ذلك، وهو ما وصفه - عز وجل - أن من تمسك به يكون ما ذكر هدى من كل ضلالة وحيرة، ونورا من كل ظلمة، وبيانا من كل عمى وشبهة، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .
جائز أن يكون الحق هو نعت الدين وهو الإسلام، وهو الدين الحق، وسائر الأديان باطلة.
ويحتمل أن يكون قوله : ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ ؛ أي: دين الإله الذي هو الإله الحق، وهو الإله المستحق الألوهية وغيره من الأديان دين الشيطان، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .
الإظهار: هو الغلبة، ثم تخرج غلبته على الدين كله على وجهين: أحدهما: أي: غلب هذا الدين على الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق، وأنه من عند الله جاء، وقد كان بحمد الله كما ذكر، حتى عرف أهل الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق إلا من كابر عقله وعاند الحق أو غفل عن دلائله، ولا قوة إلا بالله.
والثاني: يغلب على الأديان كلها، أي: يغلب على أهل الأديان كلهم حتى يصير أهل الإسلام ظاهرين غالبين من بين غيرهم، ويتوارى جميع أهل الأديان ويختفوا، ولكن ذلك في وقت دون وقت، وهو الوقت الذي ذكره بعض أهل التأويل، وهو في قوت خروج عيسى - - يصير أهل الأديان كلهم أهل دين واحد وهو الإسلام.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، أي: يظهر ما يحتاج أهل هذا الدين كله وما حدث لهم من الحاجة - على الأديان كلها، بما ضمن في القرآن معاني تقع الكفاية بها في الحوادث كلها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بأن ما جاء به سيدنا محمد ، إنما جاء به من عند الله، فإن كان التأويل هذا، فإنما تكون هذه الشهادة في الآخرة.
والثاني: يحتمل قوله : ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بما أنشأه له من الآيات والحجج شهادة منه على رسالته وبنوبته، وذلك في الدنيا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الله هو الذي أرسل رسوله محمدًا بالبيان الواضح ودين الحق الذي هو دين الاسلام؛ ليعليه على الأديان المخالفة له كلها، وقد شهد الله على ذلك، وكفى بالله شاهدًا.
من فوائد الآيات الصد عن سبيل الله جريمة يستحق أصحابها العذاب الأليم.
تدبير الله لمصالح عباده فوق مستوى علمهم المحدود.
التحذير من استبدال رابطة الدين بحمية النسب أو الجاهلية.
ظهور دين الإسلام سُنَّة ووعد إلهي تحقق.
<div class="verse-tafsir" id="91.L4RZe"