الآية ٢٧ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٧ من سورة الفتح

لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًۭا قَرِيبًا ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 145 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أري في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة ، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام ، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل ، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء ، حتى سأل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه في ذلك ، فقال له فيما قال : أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟

قال : " بلى ، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا " قال : لا قال : " فإنك آتيه ومطوف به " .

وبهذا أجاب الصديق - رضي الله عنه - أيضا حذو القذة بالقذة ; ولهذا قال تعالى : ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ) : [ و ] هذا لتحقيق الخبر وتوكيده ، وليس هذا من الاستثناء في شيء ، [ وقوله ] : ( آمنين ) أي : في حال دخولكم .

وقوله : ( محلقين رءوسكم ومقصرين ) ، حال مقدرة ; لأنهم في حال حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين ، وإنما كان هذا في ثاني الحال ، كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره ، وثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " رحم الله المحلقين " ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟

قال : " رحم الله المحلقين " .

قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟

قال : " رحم الله المحلقين " .

قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟

قال : " والمقصرين " في الثالثة أو الرابعة .

وقوله : ( لا تخافون ) : حال مؤكدة في المعنى ، فأثبت لهم الأمن حال الدخول ، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد .

وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع منالحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بها ذا الحجة والمحرم ، وخرج في صفر إلى خيبر ففتحها الله عليه بعضها عنوة وبعضها صلحا ، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع ، فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر ، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم ، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة ، جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، وأبو موسى الأشعري وأصحابه ، ولم يغب منهم أحد ، قال ابن زيد : إلا أبا دجانة سماك بن خرشة ، كما هو مقرر في موضعه ثم رجع إلى المدينة ، فلما كان في ذي القعدة [ في ] سنة سبع خرج إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية ، فأحرم من ذي الحليفة ، وساق معه الهدي ، قيل : كان ستين بدنة ، فلبى وسار أصحابه يلبون .

فلما كان قريبا من مر الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه ، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا ، وظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزوهم ، وأنه قد نكث العهد الذي بينه وبينهم من وضع القتال عشر سنين ، وذهبوا فأخبروا أهل مكة ، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم ، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج ، وسار إلى مكة بالسيف مغمدة في قربها ، كما شارطهم عليه .

فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال : يا محمد ، ما عرفناك تنقض العهد .

قال : " وما ذاك ؟

" قال : دخلت : علينا بالسلاح والقسي والرماح .

فقال : " لم يكن ذلك ، وقد بعثنا به إلى يأجج " ، فقال : بهذا عرفناك ، بالبر والوفاء .

وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و [ لا ] إلى أصحابه غيظا وحنقا ، وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، فدخلها عليه الصلاة والسلام ، وبين يديه أصحابه يلبون ، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى ، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية ، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقودها ، وهو يقول : باسم الذي لا دين إلا دينه باسم الذي محمد رسوله خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله بأن خير القتل في سبيله يا رب إني مؤمن بقيله فهذا مجموع من روايات متفرقة .

قال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال : لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في عمرة القضاء ، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : خلوا بني الكفار عن سبيله إني شهيد أنه رسوله خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك قال : لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في عمرة القضاء ، مشى عبد الله بن رواحة بين يديه ، وفي رواية وابن رواحة آخذ بغرزه ، وهو يقول : خلوا بني الكفار عن سبيله قد نزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله يا رب إني مؤمن بقيله نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن الصباح ، حدثنا إسماعيل - يعني ابن زكريا - عن عبد الله - يعني ابن عثمان - عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل مر الظهران في عمرته ، بلغ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قريشا [ تقول ] : ما يتباعثون من العجف .

فقال أصحابه : لو انتحرنا من ظهرنا ، فأكلنا من لحمه ، وحسونا من مرقه ، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة .

قال : " لا تفعلوا ، ولكن اجمعوا لي من أزوادكم " .

فجمعوا له وبسطوا الأنطاع ، فأكلوا حتى تركوا وحثا كل واحد منهم في جرابه ، ثم أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل المسجد ، وقعدت قريش نحو الحجر ، فاضطبع بردائه ، ثم قال : " لا يرى القوم فيكم غميرة " فاستلم الركن ثم رمل ، حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود ، فقالت قريش : ما ترضون بالمشي أما إنكم لتنقزون نقز الظباء ، ففعل ذلك ثلاثة أشواط ، فكانت سنة .

قال أبو الطفيل : فأخبرني ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك في حجة الوداع .

وقال أحمد أيضا : حدثنا يونس ; حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مكة ، وقد وهنتهم حمى يثرب ، ولقوا منها سوءا ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ، ولقوا منها شرا ، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر ، فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما قالوا ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ أصحابه ] أن يرملوا الأشواط الثلاثة ; ليرى المشركون جلدهم ، قال : فرملوا ثلاثة أشواط ، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون ، ولم يمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم ، فقال المشركون : أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ؟

هؤلاء أجلد من كذا وكذا .

أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد ، به وفي لفظ : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة ، أي من ذي القعدة ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب ، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم .

قال البخاري : وزاد ابن سلمة - يعني حماد بن سلمة - عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لعامه الذي استأمن قال : " ارملوا " .

ليرى المشركون قوتهم ، والمشركون من قبل قعيقعان .

وحدثنا محمد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : إنما سعى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبيت وبالصفا والمروة ، ليرى المشركون قوته .

ورواه في مواضع أخر ، ومسلم والنسائي ، من طرق ، عن سفيان بن عيينة ، به .

وقال أيضا : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، سمع ابن أبي أوفى يقول : لما اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سترناه من غلمان المشركين ومنهم ; أن يؤذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

انفرد به البخاري دون مسلم .

وقال البخاري أيضا : حدثنا محمد بن رافع ، حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا فليح ، وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم ، حدثنا أبي حدثنا فليح بن سليمان ، عن نافع ، عن ابن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرا ، فحال كفار قريش بينه وبين البيت ، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا ، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا .

فاعتمر من العام المقبل ، فدخلها كما كان صالحهم ، فلما أن قام بها ثلاثا ، أمروه أن يخرج فخرج .

وهو في صحيح مسلم أيضا .

وقال البخاري أيضا : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام ، فلما كتبوا الكتاب كتبوا : " هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله " .

قالوا : لا نقر بهذا ، ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ، ولكن أنت محمد بن عبد الله .

قال : " أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله " .

ثم قال لعلي بن أبي طالب : " امح : رسول الله " .

قال : لا والله لا أمحوك أبدا .

فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب ، وليس يحسن يكتب ، فكتب : " هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله : لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب ، وألا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه ، وألا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها " فلما دخلها ومضى الأجل ، أتوا عليا فقالوا : قل لصاحبك : اخرج عنا فقد مضى الأجل ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فتبعته ابنة حمزة تنادي : يا عم ، يا عم .

فتناولها علي فأخذ بيدها ، وقال لفاطمة : دونك ابنة عمك فحملتها ، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ، فقال علي : أنا أخذتها وهي ابنة عمي ، وقال جعفر : ابنة عمي وخالتها تحتي ، وقال زيد : ابنة أخي ، فقضى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالتها ، وقال : " الخالة بمنزلة الأم " ، وقال لعلي : " أنت مني وأنا منك " وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي " وقال لزيد : " أنت أخونا ومولانا " قال علي : ألا تتزوج ابنة حمزة ؟

قال : " إنها ابنة أخي من الرضاعة " انفرد به من هذا الوجه .

وقوله : ( فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) أي : فعلم الله تعالى من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموا أنتم ، ( فجعل من دون ذلك ) أي : قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - ( فتحا قريبا ) : وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) يقول تعالى ذكره: لقد صدق الله رسوله محمدا رؤياه التي أراها إياه أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين, لا يخافون أهل الشرك, مقصِّرا بعضهم رأسه, ومحلِّقا بعضهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) قال هو دخول محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم البيت والمؤمنون, محلقين رءوسهم ومقصرين.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) قال: أُرِيَ بالحُديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين, فقال أصحابه حين نحر بالحُديبية: أين رؤيا محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؟

حدثنا بشر, قال ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) قال: رأى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه يطوف بالبيت وأصحابه, فصدّق الله رؤياه, فقال ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ )...

حتى بلغ ( لا تَخَافُونَ ).

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) قال: أُري في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام, وأنهم آمنون محلِّقين رءوسهم ومقصِّرين.

حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ).

.

إلى آخر الآية.

قال: قال لهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إنّي قَدْ رأيْتُ أنَّكُمْ سَتَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرَام مُحَلِّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ " فلما نـزل بالحُديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك, فقالوا: أين رؤياه؟

فقال الله ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) فقرأ حتى بلغ ( وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ ) إني لم أره يدخلها هذا العام, وليكوننّ ذلك ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ )...

إلى قوله ( إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) لرؤيا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم التي أريها أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف, يقول: محلقين ومقصرين لا تخافون.

وقوله ( فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ) يقول تعالى ذكره: فعلم الله جلّ ثناؤه ما لم تعلموا, وذلك علمه تعالى ذكره بما بمكة من الرجال والنساء المؤمنين, الذين لم يعلمهم المؤمنون, ولو دخلوها في ذلك العام لوطئوهم بالخيل والرَّجل, فأصابتهم منهم معرّة بغير علم, فردّهم الله عن مكة من أجل ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ) قال: ردّه لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات, وأخره ليدخل الله في رحمته من يشاء من يريد أن يهديه.

وقوله ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) اختلف أهل التأويل في الفتح القريب, الذي جعله الله للمؤمنين دون دخولهم المسجد الحرام محلِّقين رءوسهم ومقصِّرين, فقال بعضهم: هو الصلح الذي جرى بين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبين مشركي قريش.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) قال: النحر بالحُديبية, ورجعوا فافتتحوا خيبر, ثم اعتمر بعد ذلك, فكان تصديق رؤياه في السنة القابلة.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الزهريّ, قوله ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) يعني: صلح الحُديبية, وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه, إنما كان القتال حيث التقى الناس; فلما كانت الهدنة وضعت الحرب, وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا, فالتقَوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة, فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه, فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) قال: صلح الحُديبية.

وقال آخرون: عنى بالفتح القريب في هذا الموضع: فتح خيبر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) قال: خيبر حين رجعوا من الحُديبية, فتحها الله عليهم, فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلا واحدا من الأنصار, يقال له: أبو دجانة سماك بن خرشة, كان قد شهد الحديبية وغاب عن خَيبر.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه جعل لرسوله والذين كانوا معه من أهل بيعة الرضوان فتحا قريبا من دون دخولهم المسجد &; 22-260 &; الحرام, ودون تصديقه رؤيا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وكان صلح الحُديبية وفتح خيبر دون ذلك, ولم يخصص الله تعالى ذكره خبره ذلك عن فتح من ذلك دون فتح, بل عمّ ذلك, وذلك كله فتح جعله الله من دون ذلك.

والصواب أن يعمه كما عمه, فيقال: جعل الله من دون تصديقه رؤيا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بدخوله وأصحابه المسجد الحرام محلِّقين رءوسهم ومقصِّرين, لا يخافون المشركين صلح الحُديبية وفتح خيبر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا .قال قتادة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة ، فلما صالح قريشا بالحديبية ارتاب المنافقون حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه يدخل مكة ، فأنزل الله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق فأعلمهم أنهم سيدخلون في غير ذلك العام ، وأن رؤياه - صلى الله عليه وسلم - حق .

وقيل : إن أبا بكر هو الذي قال إن المنام لم يكن مؤقتا بوقت ، وأنه سيدخل .

وروي أن الرؤيا كانت بالحديبية ، وأن رؤيا الأنبياء حق .

والرؤيا أحد وجوه الوحي إلى الأنبياء .

لتدخلن أي في العام القابل المسجد الحرام إن شاء الله قال ابن كيسان : إنه حكاية ما قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه ، خوطب في منامه بما جرت به العادة ، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك ولهذا استثنى ، تأدب بأدب الله تعالى حيث قال تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله .

وقيل : خاطب الله العباد بما يحب أن يقولوه ، كما قال : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وقيل : استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون ، قاله ثعلب .

وقيل : كان الله علم أنه يميت بعض هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية فوقع الاستثناء لهذا المعنى ، قاله الحسين بن الفضل .

وقيل : الاستثناء من [ ص: 264 ] آمنين ، وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به العادة .

وقيل : معنى إن شاء الله إن أمركم الله بالدخول .

وقيل : أي : إن سهل الله .

وقيل : إن شاء الله أي : كما شاء الله .

وقال أبو عبيدة : إن بمعنى " إذ " ، أي : إذ شاء الله ، كقوله تعالى : اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين أي : إذ كنتم .

وفيه بعد ; لأن ( إذ ) في الماضي من الفعل ، و ( إذا ) في المستقبل ، وهذا الدخول في المستقبل ، فوعدهم دخول المسجد الحرام وعلقه بشرط المشيئة ، وذلك عام الحديبية ، فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا ، ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه فساءهم ذلك واشتد عليهم وصالحهم ورجع ، ثم أذن الله في العام المقبل فأنزل الله : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق وإنما قيل له في المنام : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام ، فليس هنا شك كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل على الشك ، والله تعالى لا يشك ، ولتدخلن تحقيق فكيف يكون شك .

فإن بمعنى ( إذا )آمنين أي من العدو .

محلقين رءوسكم ومقصرين والتحليق والتقصير جميعا للرجال ، ولذلك غلب المذكر على المؤنث .

والحلق أفضل ، وليس للنساء إلا التقصير .

وقد مضى القول في هذا في ( البقرة ) وفي الصحيح أن معاوية أخذ من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - على المروة بمشقص .

وهذا كان في العمرة لا في الحج ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق في حجته .

( لا تخافون ) حال من المحلقين والمقصرين ، والتقدير : غير خائفين .

فعلم ما لم تعلموا أي علم ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح ما لم تعلموه أنتم .

وذلك أنه - عليه السلام - لما رجع مضى منها إلى خيبر فافتتحها ، ورجع بأموال خيبر وأخذ من العدة والقوة أضعاف ما كان فيه في ذلك العام ، وأقبل إلى مكة على أهبة وقوة وعدة بأضعاف ذلك .

وقال الكلبي : أي : علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم .

وقيل : علم أن بمكة رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم .فجعل من دون ذلك فتحا قريبا أي من دون رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح خيبر ، قاله ابن زيد والضحاك .

وقيل : فتح مكة .

وقال مجاهد : هو صلح الحديبية ، وقاله أكثر المفسرين .

قال الزهري : ما فتح الله في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية ; لأنه إنما كان القتال حين تلتقي الناس ، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا ، فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة .

فلم يكلم أحد بالإسلام [ ص: 265 ] يعقل شيئا إلا دخل فيه ، فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر .

يدلك على ذلك أنهم كانوا سنة ست يوم الحديبية ألفا وأربعمائة ، وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان في عشرة آلاف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المدينة رؤيا أخبر بها أصحابه، أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، فلما جرى يوم الحديبية ما جرى، ورجعوا من غير دخول لمكة، كثر في ذلك الكلام منهم، حتى إنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

فقال: \" أخبرتكم أنه العام؟\" قالوا: لا، قال: \"فإنكم ستأتونه وتطوفون به\" قال الله هنا: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } أي: لا بد من وقوعها وصدقها، ولا يقدح في ذلك تأخر تأويلها، { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } أي: في هذه الحال المقتضية لتعظيم هذا البيت الحرام، وأدائكم للنسك، وتكميله بالحلق والتقصير، وعدم الخوف، { فَعَلِمَ } من المصلحة والمنافع { مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } الدخول بتلك الصفة { فَتْحًا قَرِيبًا } ولما كانت هذه الواقعة مما تشوشت بها قلوب بعض المؤمنين، وخفيت عليهم حكمتها، فبين تعالى حكمتها ومنفعتها، وهكذا سائر أحكامه الشرعية، فإنها كلها، هدى ورحمة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين ، ويحلقون رءوسهم ويقصرون ، فأخبر بذلك أصحابه ، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك ، فلما انصرفوا ولم يدخلوا شق عليهم ، فأنزل الله هذه الآية .

وروي عن مجمع بن جارية الأنصاري : قال شهدنا الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، [ فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر ، فقال بعضهم : ما بال الناس ؟

فقالوا : أوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فخرجنا نوجف ، فوجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ] واقفا على راحلته عند كراع الغميم ، فلما اجتمع إليه الناس قرأ : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " ، فقال عمر : أو فتح هو يا رسول الله ؟

قال : " نعم والذي نفسي بيده " .

ففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح الحديبية ، وتحقق الرؤيا كان في العام المقبل ، فقال جل ذكره : " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " ، أخبر أن الرؤية التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق .

قوله : ( لتدخلن ) يعني وقال : لتدخلن .

وقال ابن كيسان : " لتدخلن " من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه حكاية عن رؤياه ، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك ، وإنما استثنى مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى ، تأدبا بآداب الله ، حيث قال له : " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " ( الكهف - 23 ) .

وقال أبو عبيدة : " إن " بمعنى إذ ، مجازه : إذ شاء الله ، كقوله : " إن كنتم مؤمنين " .

وقال الحسين بن الفضل : يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول ، لأن بين الرؤيا وتصديقها سنة ، ومات في تلك السنة ناس فمجاز الآية : لتدخلن المسجد الحرام كلكم إن شاء الله .

وقيل الاستثناء واقع على الأمن لا على الدخول ، لأن الدخول لم يكن فيه شك ، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند دخول المقبرة : " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " ، فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت .

( محلقين رءوسكم ) كلها ( ومقصرين ) بأخذ بعض شعورها ( لا تخافون فعلم ما لم تعلموا ) أن الصلاح كان في الصلح وتأخير الدخول ، وهو قوله تعالى : " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " الآية ( الفتح - 25 ) .

( فجعل من دون ذلك ) أي من قبل دخولكم المسجد الحرام ( فتحا قريبا ) وهو صلح الحديبية عند الأكثرين ، وقيل : فتح خيبر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحقِّ» رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ويحلقون ويقصرون فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا معه وصدهم الكفار بالحديبية ورجعوا وشق عليهم ذلك وراب بعض المنافقين نزلت، وقوله بالحق متعلق بصدق أو حال من الرؤيا وما بعدها تفسيرها «لتدخلنِّ المسجد الحرام إنْ شاء الله» للتبرك «آمنين محلقين رءوسكم» أي جميع شعورها «ومقصرين» بعض شعورها وهما حالان مقدرتان «لا تخافون» أبدا «فعلم» في الصلح «ما لم تعلموا» من الصلاح «فجعل من دون ذلك» أي الدخول «فتحا قريبا» هو فتح خيبر وتحققت الرؤيا في العام القابل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد صدق الله رسوله محمدًا رؤياه التي أراها إياه بالحق أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين، لا تخافون أهل الشرك، محلِّقين رؤوسكم ومقصِّرين، فعلم الله من الخير والمصلحة (في صرفكم عن "مكة" عامكم ذلك ودخولكم إليها فيما بعد) ما لم تعلموا أنتم، فجعل مِن دون دخولكم "مكة" الذي وعدتم به، فتحًا قريبًا، وهو هدنة "الحديبية" وفتح "خيبر".

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد الله - تالى - صدق ما شاهد النبى - صلى الله عليه وسلم - فى رؤياه ، وبين الحكمة التى من أجلها أرسله إلى الناس كافة فقال - تعالى - : ( لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ .

.

.

بالله شَهِيداً ) .قال الآلوسى ما ملخصه : " رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى المنام قبل خروجه إلى الحديبية ، أنه هو واصحابه قد دخلوا مكة آمنين ، وقد حلقوا وقصروا ، فقص الرؤيا على أصحابه ، ففرحوا واستبشروا ، وظنوا أنهم سيدخلونها فى عامهم هذا ، وقالوا : إن رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق ، فلما تأخر ذلك قال بعض المنافقين - على سبيل التشكيك والاعتراض - والله ما حلقنا ولا قصرنا ، ولا رأينا المسجد الحرام ، فنزلت هذه الآية .وقد روى عن عمر - رضى الله عنه - أنه قال نحو ذلك - على سبيل الفهم والاستكشاف - ليزداد يقينه .

.والصدق يكون بالقول ويكون بالفعل ، وما فى الآية صدق بالفعل ، وهو التحقيق ، أى حقق - سبحانه - للرسول رؤيته .

.وقوله ( بالحق ) صفة لمصدر محذوف ، أى : صدقا ملتبسا بالحق ، أو بمحذوف على أنه حال من الرؤيا ، أى : رؤيا ملتبسة بالحق .والمعنى : والله لقد أرينا رسولنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة التى لا تتخلف ، ولا يحوم حولها ريب أو شك ، وحققنا له ما اشتملت عليه هذه الرؤيا من بشارات سارة ، وعطايا كريمة ، على حسب ما اقتضته حكمتنا وإرادتنا .وقوله : ( لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ) جواب لقسم محذوف وقوله : ( آمِنِينَ ) وما بعده ، حال من فاعل ( لَتَدْخُلُنَّ ) .

.

أى : والله لتدخلن - أيها المؤمنون - المسجد الحرام فى عامكم المقبل إن شاء الله ، حالة كونكم آمنين من كل فزع ، وحالة كونكم بعضكم يحلق شعر رأسه كله ، وبعضكم يكتفى بقص جزء منه ، وحالة كونكم لا تخافون أذى المشركين بعد ذلك .وقوله : ( إِن شَآءَ الله ) فيه ما فيه من الإِشعار بأن الرؤيا مع صدقها ، تحقيقها موكول إلى مشيئة الله - تعالى - وغلى قدرته ، لا إلى أحد سواه ، وفيه ما فيه من تعليم الناس وإرشادهم إلى أنهم يجب عليهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه عند إرادتهم لفعل من الأفعال ، كما قال - تعالى - ( وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله .

.

.

) قال بعض العلماء : " إن الله - تالى - استثنى فيما يعلم ، ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون " .ويرى بعضهم : أن الاستثناء هنا لتحقيق الخبر وتأكيده .استدل بعضهم بهذه الآية على أن الحلق غير متعين فى النسك ، بل يجزئ عنه التقصير ، إلا أن الحلق أفضل ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم اغفر للمحلقين قالوا : يا رسول الله ، والمقصرين ، قال اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول الله ، والمقصرين ، قال اللهم اغفر للمحلقين .

.

ثم قال بعد الثالثة : والمقصرين " .واستدل بها - أيضا - على أن التقصير للراس دون اللحية ، ودون سائر شعر البدن ، إذ الظاهر أن المراد : ومقصرين شعر رءوسكم .وقوله : ( لاَ تَخَافُونَ ) تأكيد وتقرير لقوله ( آمِنِينَ ) أى : آمنين عند دخولكم مكة للعمرة ولا تخافون بعد إتمامها ، لأن عناية الله - تعالى - ورعايته معكم .

.وقوله : ( فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ) بيان للحكمة فى تأخير دخولهم مكة عام الحديبية ، وتمكنيهم من دخولها فى العام الذى يليه .والجملة الكريمة معطوفة على قوله : ( لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ .

.

.

) أى : والله لقد حقق الله - تعالى - لرسوله رؤياه فى دخول مكة ، ولكن فى الوقت الذى يشاؤه ويختاره وتقتضيه حكمته ، لأنه - تعالى - علم ما لم تعلموه أنتم من أن المصلحة فى عدم دخولكم مكة فى عام صلح الحديبية ، وأن هذا الصلح هو خير لكم من دخولها ، لما يترتب عليه من منافع كثيرة لكم ، وقد جعل - سبحانه - بفضله - وإحسانه ( مِن دُونِ ذَلِكَ ) أى : من قبل دخولكم مكة ، وطوافكم بالمسجد الحرام ( فَتْحاً قَرِيباً ) هو فتح خيبر الذى خرجتم منه بالغنائم الوفيرة ، أو فتح خيبر ومعه صلح الحديبية ، الذى قال فيه الزهرى لا فتح فى الإِسلام كان أعظم من صلح الحديبية .هذا ، وقد بسط الإِمام ابن كثير ما أصابه المسلمون بعد صلح الحديبية من خيرات فقال ما ملخصه : " ورجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية فى ذى القعدة من السنة السادسة .

.

ثم خرج فى المحرم من السنة السابعة إلى خيبر ، ففتحها الله - تعالى - عليه .

.فلما كان فى ذى القعدة من السنة السابعة ، خرج إلى مكة معتمرا ، هو وأهل الحديبية ، فأحرم من ذى الحليفة ، وساق معه الهدى .

.

وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة فى قربها .

فدخلها وبين يديه أصحابه يلبون ، وعبد الله بن رواحه آخذ بزمام ناقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وينشد ويقول :خلوا بنى الكفار عن سبيله ...

إنى شيهد أنه رسولهوخرج المشركون من مكى لكى لا يروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، أما النساء والأطفال فقد جلسوا على لاطرق ينظرون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى المؤمنين .ومكث الرسول وأصحابه بمكة ثلاثة أيام اعتمر خلالها هو وأصحابهن ثم عادوا إلى المدينة .وهكذا تحققت رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الوقت الذى أراده - سبحانه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

بيان لفساد ما قاله المنافقون بعد إنزال الله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين ووقوفهم عند ما أمروا به من عدم الإقبال على القتال وذلك قولهم ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا ولا قصرنا حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أن المؤمنين يدخلون مكة ويتمون الحج ولم يعين له وقتاً فقص رؤياه على المؤمنين، فقطعوا بأن الأمر كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وظنوا أن الدخول يكون عام الحديبية، والله أعلم أنه لا يكون إلا عام الفتح فلما صالحوا ورجعوا قال المنافقون استهزاء ما دخلنا ولا حلقنا فقال تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق ﴾ وتعدية صدق إلى مفعولين يحتمل أن يكون بنفسه، وكونه من الأفعال التي تتعدى إلى المفعولين ككلمة جعل وخلق، ويحتمل أن يقال عدى إلى الرؤيا بحرف تقديره صدق الله رسوله في الرؤيا، وعلى الأول معناه جعلها واقعة بين صدق وعده إذ وقع الموعود به وأتى به، وعلى الثاني معناه ما أراه الله لم يكذب فيه، وعلى هذا فيحتمل أن يكون رأى في منامه أن الله تعالى يقول ستدخلون المسجد الحرام فيكون قوله: ﴿ صَدَقَ ﴾ ظاهراً لأن استعمال الصدق في الكلام ظاهر، ويحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام رأى أنه يدخل المسجد فيكون قوله: ﴿ صَدَقَ الله ﴾ معناه أنه أتى بما يحقق المنام ويدل على كونه صادقاً يقال صدقني سن بكره مثلاً وفيما إذا حقق الأمر الذي يريه من نفسه، مأخوذ من الإبل إذا قيل له هدع سكن فحقق كونه من صغار الإبل، فإن هدع كلمة يسكن بها صغار الإبل وقوله تعالى: ﴿ بالحق ﴾ قال الزمخشري هو حال أو قسم أو صفة صدق، وعلى كونه حال تقديره صدقه الرؤيا ملتبسة بالحق وعلى تقدير كونه صفة تقديره صدقه صدقاً ملتبساً بالحق وعلى تقدير كونه قسماً، إما أن يكون قسماً بالله فإن الحق من أسمائه، وإما أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل هذا ما قاله، ويحتمل أن يقال (إن) فيه وجهين آخرين: أحدهما: أن يقال فيه تقديم تأخير تقديره: صدق الله رسوله بالحق الرؤيا، أي الرسول الذي هو رسول بالحق وفيه إشارة إلى امتناع الكذب في الرؤيا لأنه لما كان رسولاً بالحق فلا يرى في منامه الباطل والثاني: أن يقال بأن قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ إن قلنا بأن الحق قسم فأمر اللام ظاهر، وإن لم يقل به فتقديره: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، والله لتدخلن، وقوله: والله لتدخلن، جاز أن يكون تفسيراً للرؤيا يعني الرؤيا هي: والله لتدخلن، وعلى هذا تبين أن قوله: ﴿ صَدَقَ الله ﴾ كان في الكلام لأن الرؤيا كانت كلاماً، ويحتمل أن يكون تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿ صَدَقَ الله رَسُولَهُ ﴾ يعني والله ليقعن الدخول وليظهرن الصدق فلتدخلن ابتداء كلام وقوله تعالى: ﴿ إِن شَاءَ الله ﴾ فيه وجوه: أحدها: أنه ذكره تعليماً للعباد الأدب وتأكيداً لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا  إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا  ﴾ الثاني: هو أن الدخول لما لم يقع عام الحديبية، وكان المؤمنون يريدون الدخول ويأبون الصلح قال: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم، إنما تدخلون بمشيئة الله تعالى الثالث: هو أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ذكر أنه بمشيئة الله تعالى، لأن ذلك من الله وعد ليس عليه دين، ولا حق واجب، ومن وعد بشيء لا يحققه إلا بمشيئة الله تعالى وإلا فلا يلزمه به أحد، وإذا كان هذا حال الموعود به في الوحي المنزّل صريحاً في اليقظة فما ظنكم بالوحي بالمنام وهو يحتمل التأويل أكثر مما يحتمله الكلام، فإذا تأخر الدخول لم يستهزئون؟

الرابع: هو أن ذلك تحقيقاً للدخول وذلك لأن أهل مكة قالوا لا تدخلوها إلا بإرادتنا ولا نريد دخولكم في هذه السنة، ونختار دخولكم في السنة القابلة، والمؤمنون أرادوا الدخول في عامهم ولم يقع.

فكان لقائل أن يقول بقي الأمر موقوفاً على مشيئة أهل مكة إن أرادوا في السنة الآتية يتركوننا ندخلها وإن كرهوا لا ندخلها فقال لا تشترط إرادتهم ومشيئتهم، بل تمام الشرط بمشيئة الله، وقوله: ﴿ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تخافون ﴾ إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره، فقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ إشارة إلى الأول وقوله: ﴿ مُحَلِّقِينَ ﴾ إشارة إلى الآخر، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ مُحَلّقِينَ ﴾ حال الداخلين والداخل لا يكون الآن محرماً، والمحرم لا يكون محلقاً، فقوله: ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ ينبئ عن الدوام فيه إلى الحلق فكأنه قال: تدخلونها آمنين متمكنين من أن تتموا الحج محلقين.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ لاَ تخافون ﴾ أيضاً حال معناه غير خائفين، وذلك حصل بقوله تعالى: ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ فما الفائدة في إعادتها؟

نقول: فيه بيان كمال الأمن، وذلك لأن بعد الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم فقال: تدخلون آمنين، وتحلقون، ويبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام، وقوله تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ أي من المصلحة وكون دخولكم في سنتكم سبباً لوطء المؤمنين والمؤمنات أو ﴿ فَعَلِمَ ﴾ للتعقيب، ﴿ فَعَلِمَ ﴾ وقع عقيب ماذا؟

نقول إن قلنا المراد من ﴿ فَعَلِمَ ﴾ وقت الدخول فهو عقيب صدق، وإن قلنا المراد ﴿ فَعَلِمَ ﴾ المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب، والتقدير يعني حصلت المصلحة في العام القابل ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ من المصلحة المتجددة ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ إما صلح الحديبية، وإما فتح خيبر، وقد ذكرناه وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ يدفع وهم حدوث علمه من قوله: ﴿ فَعَلِمَ ﴾ وذلك لأن قوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ يفيد سبق علمه العام لكل علم محدث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت.

ومعنى: ﴿ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه- تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علواً كبيراً- فحذف الجارّ وأوصل الفعل، كقوله تعالى: ﴿ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23] .

فإن قلت: بم تعلق ﴿ بالحق ﴾ ؟

قلت: إمّا بصدق، أي: صدقه فيما رأى، وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق: أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص، وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالاً منها أي: صدقه الرؤيا ملتبساً بالحق، على معنى أنها لم تكن من أضغاث الأحلام.

ويجوز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً: إمّا بالحق الذي هو نقيض الباطل.

أو بالحق الذي هو من أسمائه.

و ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ جوابه.

وعلى الأوّل هو جواب قسم محذوف أي والله لتدخلن.

فإن قلت: ما وجه دخول ﴿ إِن شَاءَ الله ﴾ في أخبار الله عز وجل؟

قلت: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليماً لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدّبين بأدب الله، ومقتدين بسنته.

وأن يريد: لتدخلنّ جميعاً إن شاء الله ولم يمت منكم أحداً، أو كان ذلك على لسان ملك، فأدخل الملك إن شاء الله.

أو هي حكاية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقصّ عليهم.

وقيل: هو متعلق بآمنين ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ أي من دون فتح مكة ﴿ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ وهو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا ﴾ رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ وأصْحابَهُ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا وحَسِبُوا أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في عامِهِمْ، فَلَمّا تَأخَّرَ قالَ بَعْضُهم واللَّهِ ما حَلَقْنا ولا قَصَّرْنا ولا رَأْيْنا البَيْتَ فَنَزَلَتْ والمَعْنى صَدَّقَهُ في رُؤْياهُ.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ فَإنَّ ما رَآهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ وهو العامُ القابِلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ وهو القَصْدُ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الثّابِتِ عَلى الإيمانِ والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وأنْ يَكُونَ قَسَمًا إمّا باسِمِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِنَقِيضِ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ جَوابُهُ وعَلى الأوَّلَيْنِ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَةِ.

بِالمَشِيئَةِ تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ، أوْ إشْعارًا بِأنَّ بَعْضَهم لا يَدْخُلُ لِمَوْتٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ حِكايَةً لِما قالَهُ مَلَكُ الرُّؤْيا، أوِ النَّبِيُّ  لِأصْحابِهِ.

﴿ آمِنِينَ ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ.

﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ أيْ مُحَلِّقًا بَعْضُكم ومُقَصِّرًا آخَرُونَ.

﴿ لا تَخافُونَ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ لا تَخافُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ مِنَ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ ذَلِكَ.

﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ مِن دُونِ دُخُولِكُمُ المَسْجِدَ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ.

﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ لِيَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يَتَيَسَّرَ المَوْعُودُ.

﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ أوْ بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ.

﴿ وَدِينِ الحَقِّ ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ.

﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُغَلِّبَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ كُلِّهِ بِنَسْخِ ما كانَ حَقًّا وإظْهارِ فَسادِ ما كانَ باطِلًا، أوْ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِهِ إذْ ما مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما وعَدَهُ مِنَ الفَتْحِ.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ كائِنٌ أوْ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لقد صدق الله رسوله الرؤيا} أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله صدقوا ما عاهدوا الله عليه روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصرا فقص الرؤيا على اصحابه ففرحوا وحسبوا

أنهم داخلوها في عامهم وقالوا إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وغيره والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت {بالحق} متعلق بصدق أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه وجوابه {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام} وعلى الأول هو جواب قسم محذوف {إِن شَآءَ الله} حكاية من الله تعالى ما قاله رسوله لأصحابه وقص عليهم أو تعليم لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته {آمنين} حال والشرط معترض {مُحَلِّقِينَ} حال من الضمير في آمنين {رؤوسكم} أي جميع شعورها {وَمُقَصِّرِينَ} بعض شعورها {لاَ تخافون} حال مؤكدة {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ}

أي من دون فتح مكة {فَتْحاً قَرِيباً} وهو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا ﴾ رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى وهو في الحُدَيْبِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، أنَّهُ هو وأصْحابُهُ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا فَقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وحَسِبُوا أنَّهم داخِلُوها في عامِهِمْ وقالُوا: إنَّ رُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ  حَقٌّ فَلَمّا تَأخَّرَ ذَلِكَ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُفَيْلٍ ورِفاعَةُ بْنُ الحَرْثِ: واللَّهُ ما حَلَقْنا ولا قَصَّرْنا ولا رَأيْنا المَسْجِدَ الحَرامَ فَنَزَلَتْ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ نَحْوَهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِكْشافِ لِيَزْدادَ يَقِينُهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّ رُؤْياهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما كانَتْ أنَّ مَلِكًا جاءَهُ فَقالَ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ إلَخْ، والمَعْنى لَقَدْ صَدَقَهُ سُبْحانَهُ في رُؤْياهُ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنُّ بَكْرِهِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ تَعالى أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ.

وقالَ الرّاغِبُ: الصِّدْقُ يَكُونُ بِالقَوْلِ ويَكُونُ بِالفِعْلِ وما في الآيَةِ صِدْقٌ بِالفِعْلِ وهو التَّحْقِيقُ أيْ حَقَّقَ سُبْحانَهُ رُؤْيَتَهُ.

وفي شَرْحِالكِرْمانِيِّ كَذِبٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: كَذَبَنِي الحَدِيثَ وكَذا صَدَقَ كَما في الآيَةِ، وهو غَرِيبٌ لِتَعَدِّي المُثْقَلِ لِواحِدٍ والمُخَفَّفِ لِمَفْعُولَيْنِ انْتَهى.

وفي البَحْرِ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ الثّانِي مِنهُما بِنَفْسِهِ وبِحَرْفِ الجَرِّ تَقُولُ صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ وصَدَقْتُهُ في الحَدِيثِ، وقَدْ عَدَّها بَعْضُهم في أخَواتِ اسْتَغْفَرْ وأمَرَ والمَشْهُورُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا ( بِالحَقِّ ) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أيْ بِالفَرْضِ الصَّحِيحِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ وهو ظُهُورُ حالِ المُتَزَلْزِلِ في الإيمانِ والرّاسِخِ فِيهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ أُخِّرَ وُقُوعُ الرُّؤْيا إلى العامِ القابِلِ أوْ حالٌ مِنَ الرُّؤْيا أيْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ أضْغاثِ الأحْلامِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وكَوْنُهُ حالًا مِن ( رَسُولَهُ ) وكَوْنُهُ ظَرْفًا لَغْوًا لِصَدَقَ وكَوْنُهُ قَسَمًا بِالحَقِّ الَّذِي هو مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ بِنَقِيضِ الباطِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ والوَقْفُ عَلى ( الرُّؤْيا ) وهو عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ والوَقْفُ عَلى ( بِالحَقِّ ) أيْ واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَّةِ بِالمَشِيئَةِ لِتَعْلِيمِ العِبادِ، وبِهِ يَنْحَلُّ ما يُقالُ: إنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها وعالِمٌ بِها قَبْلَ وُقُوعِها فَكَيْفَ وقَعَ التَّعْلِيقُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالمَشِيئَةِ، وفي مَعْنى ما ذُكِرَ قَوْلُ ثَعْلَبٍ: اسْتَثْنى سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما يَعْلَمُ لِيُسْتَثْنى الخَلْقُ فِيما لا يَعْلَمُونَ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ وُقُوعَ الدُّخُولِ مِن مَشِيئَتِهِ تَعالى لا مِن جَلادَتِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ قَدْ وضَعَ فِيهِ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وأصْلُهُ لَتَدْخُلُنَّهُ لا مَحالَةَ إلّا إنْ شاءَ عَدَمَ الدُّخُولِ فَهو وعْدٌ لَهم عَدَلَ بِهِ عَنْ ظاهِرِهِ لِأجْلِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ والإنْكارِ عَلى المُعْتَرِضِينَ عَلى الرُّؤْيا فَيَكُونُ مِن بابِ الكِنايَةِ انْتَهى.

وقَدْ أُجِيبَ عَنِ السُّؤالِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقِيلَ: الشَّكُّ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ، وفِيهِ شَيْءٌ سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ التَّعْلِيقَ راجِعٌ إلى دُخُولِهِمْ جَمِيعًا وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجِبائِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ ناظِرٌ إلى الأمْنِ فَهو مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ أيْ لَتَدْخُلُنَّهُ حالَ كَوْنِكم ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ العَدُوِّ إنْ شاءَ اللَّهُ.

ورَدَّهُما في الكَشْفِ فَقالَ: أمّا جَعْلُهُ قَيْدَ دُخُولِهِمْ بِالأسْرِ أوِ الأمْنِ فَفِيهِ أنَّ السُّؤالَ بَعْدُ باقٍ لِأنَّ الدُّخُولَ المَخْصُوصَ أيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو يُنافِي الشَّكَّ، ولَيْسَ نَظِيرَ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ إذْ لا يَبْعُدُ أنْ لا يَعْرِفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَقَرَّ الأمْرِ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ فَإمّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ الشَّكَّ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ أوْ بِأنَّهُ تَعْلِيمٌ، والثّانِي أوْلى لِأنَّ تَغْلِيبَ الشّاكِّينَ لا يُناسَبُ هَذا المَساقَ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ.

ودَفْعُ وُرُودِهِ عَلى الحُسَيْنِ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ في مَعْنى لَيَدْخُلُنَّهُ مَن شاءَ اللَّهُ دُخُولَهُ مِنكم فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ أنَّ مِنهم مَن لا يَدْخُلُهُ لِأنَّ أجَلَهُ يَمْنَعُهُ مِنهُ فَلا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِما ذُكِرَ.

وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما قالَهُ مَلَكُ الرُّؤْيا لَهُ  وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ أوْ لِما قالَهُ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ.

ورَدَّهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ كَيْفَ يَدْخُلُ في كَلامِهِ تَعالى ما لَيْسَ مِنهُ بِدُونِ حِكايَةٍ.

ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ بَيانٌ لِلرُّؤْيا وقائِلُها في المَنامِ المَلَكُ وفي اليَقَظَةِ الرَّسُولُ  فَهي في حُكْمِ المَحْكِيِّ في دَقِيقِ النَّظَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: وهي قَوْلُ المَلَكِ أوِ الرَّسُولِ لَتَدْخُلُنَّ إلَخْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وإنْ صَحَّحَ النَّظْمُ الكَرِيمُ لا يَدْفَعُ البُعْدَ، وقَدِ اعْتَرَضَ بِهِ عَلى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ لَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ كَوْنَهُ حِكايَةً ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَلُّ بُعْدًا مِن جَعْلِهِ مِن قَوْلِ المَلَكِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: ( إنْ ) بِمَعْنى إذْ وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وقَوْلُهُ  في زِيارَةِ القُبُورِ: «(أنْتُمُ السّابِقُونَ وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ)».

والبَصْرِيُّونَ لا يَرْتَضُونَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ حالٌ كَآمِنِينَ مِنَ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ إلّا أنَّ آمِنِينَ حالٌ مُقارَنَةٌ وهَذا حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ الدُّخُولَ في حالِ الإحْرامِ لا في حالِ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( آمِنِينَ ) والمُرادُ مُحَلِّقًا بَعْضُكم رَأْسَ بَعْضٍ ومُقَصِّرًا آخَرُونَ فَفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ أوْ فِيهِ نِسْبَةُ ما لِلْجُزْءِ إلى الكُلِّ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الحَلْقُ وهو مَعْرُوفٌ والتَّقْصِيرُ وهو أخْذُ بَعْضِ الشَّعْرِ فَلا بُدَّ مِن نِسْبَةِ كُلٍّ مِنهُما لِبَعْضٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ أيْضًا لِبَيانِ الأمْنِ بَعْدَ تَمامِ الحَجِّ ( وآمِنِينَ ) فِيما تَقَدَّمَ لِبَيانِ الأمْنِ وقْتَ الدُّخُولِ فَلا تَكْرارَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( آمِنِينَ ) فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنى آمِنِينَ كانَ حالًا مُؤَكَّدَةً، وإنْ أُرِيدَ لا تَخافُونَ تَبِعَةً في الحَلْقِ أوِ التَّقْصِيرِ ولا نَقْصَ ثَوابٍ فَهو حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، ولا يَخْفى الحالُ إذا جُعِلَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مُحَلِّقِينَ ﴾ أوْ ( مُقَصِّرِينَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ الحالُ بَعْدَ الدُّخُولِ؟

فَقِيلَ: لا تَخافُونَ أيْ بَعْدَ الدُّخُولِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَلْقَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ في النُّسُكِ بَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ التَّقْصِيرُ، وظاهِرُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ وهو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ في غَيْرِ النِّساءِ.

أخْرَجَ الشَّيْخانِ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ والمُقَصِّرِينَ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ والمُقَصِّرِينَ قالَ: والمُقَصِّرِينَ)».

وأمّا في النِّساءِ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَيْسَ عَلى النِّساءِ حَلْقٌ وإنَّما عَلى النِّساءِ التَّقْصِيرُ)».

والسُّنَّةُ في الحَلْقِ أنْ يُبْدَأ بِالجانِبِ الأيْمَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِلْحَلّاقِ هَكَذا وأشارَ بِيَدِهِ إلى جانِبِ الأيْمَنِ وإنْ يَبْلُغْ بِهِ إلى العَظْمَيْنِ» كَما قالَ عَطاءٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُما كانا يَقُولانِ لِلْحَلّاقِ ابْدَأْ بِالأيْمَنِ وابْلُغْ بِالحَلْقِ العَظْمَيْنِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ التَّقْصِيرَ بِالرَّأْسِ دُونَ اللِّحْيَةِ وسائِرِ شَعْرِ البَدَنِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ومُقَصِّرِينَ رُؤُوسَكم أيْ شَعْرَها لِظُهُورِ أنَّ الرُّؤُوسَ أنْفُسَها لا تُقَصَّرُ ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ الظّاهِرُ عَطْفُهُ عَلى ﴿ لَقَدْ صَدَقَ ﴾ فالتَّرْتِيبُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ الفِعْلِيِّ بِالمَعْلُومِ أيْ فَعَلِمَ عَقِيبَ ما أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ ما لَمْ تَعْلَمُوا مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِتَقْدِيمِ ما يَشْهَدُ لِلصِّدْقِ عِلْمًا فِعْلِيًّا، وقِيلَ: الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ﴿ فَجَعَلَ ﴾ لِأجْلِ هَذا العِلْمِ ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ أيْ مِن دُونِ تَحَقُّقِ مِصْداقِ ما أراهُ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ آمِنِينَ إلَخْ، وقِيلَ: أيْ مِن دُونِ فَتْحِ مَكَّةَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وهَذا أنْسَبُ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ وهو فَتْحُ خَيْبَرَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، والمُرادُ بِجَعْلِهِ وعْدَهُ تَعالى وإنْجازَهُ مِن غَيْرِ تَسْوِيفٍ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى صِدْقِ الرُّؤْيا وتَسْتَرْوِحَ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ إلى تَيَسُّرِ وُقُوعِها.

وقالَ في الكَشّافِ: ﴿ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ أيْ مِنَ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ فَتْحِ مَكَّةَ إلى العامِ القابِلِ، وفِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لَمْ يَقَعْ في العامِ الَّذِي قالَهُ بَلْ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ، والتَّجَوُّزُ في العامِ القابِلِ أوْ تَأْوِيلُ الفَتْحِ بِدُخُولِ المُؤْمِنِينَ مَكَّةَ مُعْتَمِرِينَ لا يَخْفى حالُهُ.

الثّانِي إباءُ الفاءِ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلى إراءَةِ الرُّؤْيا قَطْعًا.

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِالتِزامِ كَوْنِ الفاءِ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ أوْ كَوْنُ المُرادِ فَأظْهَرَ مَعْلُومَهُ لَكم وهو الحِكْمَةُ فَتَدَبَّرْ.

ونُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ الفَتْحَ القَرِيبَ في الآيَةِ هو بَيْعَةُ الرِّضْوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ دُخُولُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ دُونَ مَكَّةَ عَلى أنَّهُ مُنافٍ لِلسِّياقِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ يعني: حقق الله تعالى رؤيا رسول الله  بالوفاء، والصدق، وذلك أن النبيّ  رأى في المنام قبل الخروج إلى الحديبية، أنهم يدخلون المسجد الحرام.

فأخبر الناس بذلك، فاستبشروا.

فلما صدهم المشركون، قالت المنافقون في ذلك ما قالت.

فنزل لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ يعني: يصدق رؤياه بالحق لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعني: ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام في العام الثاني.

ويقال: نزلت الآية بعد من دخلوا في العام الثاني لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعني: ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ يعني: لتدخلن إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ يعني: بإذن الله، وأمره.

ويقال: هذا اللفظ حكاية الرؤيا.

وذلك أن النبي  حين رأى في المنام، رأى كأن ملكاً ينادي وهو يقول: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله، فأنزل الله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ وهو قول الملك لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من العدو مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ يعني: منهم من يحلق، ومنهم من يقصر لاَ تَخافُونَ العدو فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا قال مقاتل: فعلم أن يفتح عليهم خيبر قبل ذلك، فوعد لهم الفتح، ثم دخول مكة، ففتحوا خيبر، ثم رجعوا، ثم دخلوا مكة، وأتوا عمرة القضاء.

وقال الكلبي في قوله: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا يعني: علم الله أنه سيكون في السنة الثانية، ولم تعلموا أنتم، فلذلك وقع في أنْفسكم ما وقع فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يعني: بالتوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وَدِينِ الْحَقِّ وهو الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: على الأديان كلها قبل أن تقوم الساعة.

فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بأن محمداً رسول الله  ، وإن لم يشهد كفار مكة، وذلك حين أراد أن يكتب محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: إنا لا نعرف بأنك رسول الله ولا نشهد.

قال الله عزّ وجلّ: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وإن لم يشهد سهيل، وأهل مكة.

قال عز وجل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ بالغلظة رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعني: متوادّين فيما بينهم تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يعني: يكثرون الصلاة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني: يلتمسون من الحلال.

وقال بعضهم: وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني: أبا بكر أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ يعني: عمر رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعني: عثمان تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يعني: عليّاً رضوان الله عليهم أجمعين يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني: الزبير، وعبد الرحمن بن عوف سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ يعني: علاماتهم، وهي الصفرة في وجوههم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يعني: من السهر بالليل.

ويقال: يعرفون غُرّاً محجلين يوم القيامة، من أثر الوضوء.

وقال مجاهد: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قال: الخشوع، والوقار.

وقال منصور: قلت لمجاهد: أهذا الذي يكون بين عيني الرجل؟

قال: إن ذلك قد يكون للرجل، وهو أقسى قلباً من فرعون.

ثم قال: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ يعني: هذا الذي ذكره من نعتهم، وصفتهم في التوراة.

ثم ذكر نعتهم في الإنجيل فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ يعني: مثل محمد  وأصحابه كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ.

روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: مثلهم في التوراة، والإنجيل واحد.

قال: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ قرأ ابن كثير، وابن عامر: شَطْأَهُ بنصب الشين، والطاء.

والباقون: بنصب الشين، وجزم الطاء.

ومعناهما واحد.

وهو فراخ الزرع.

وقال مجاهد: شَطْأَهُ يعني: قوائمه.

قرأ ابن عامر: فَازَرَهُ بغير مد.

والباقون بالمد ومعناهما واحد.

يعني: قواه.

ومنه قوله عز وجل: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه: 31] يعني: أقوي به ظهري.

ويقال: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني: سنبله فَآزَرَهُ يعني: أعانه وقواه.

فَاسْتَغْلَظَ يعني: غلظ الزرع، واستوى.

فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ وهو جماعة الساق يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ يعني: الزارع إذا نظر في زرعه بعد ما استغلظ، واستوى، يعجبه ذلك.

فكذلك النبيّ  ، تبعه أبو بكر، ثم تبعه عمر، ثم تبعه واحد بعد واحد من أصحابه، حتى كثروا ففرح النبيّ  بذلك لكثرتهم.

لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني: أهل مكة يكرهون ذلك لما رأوا من كثرة المسلمين، وقوتهم.

وروى خيثمة عن عبد الله بن مسعود  أنه كان يقرئهم القرآن في المسجد، فأتى على هذه الآية: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فقال: أنتم الزرع، وقد دنا حصادكم.

ويقال: كَزَرْعٍ يعني: محمدا  .

أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني: أبا بكر فَآزَرَهُ يعني: أعانه عمر على كفار مكة فَاسْتَغْلَظَ يعني: تقوى بنفقة عثمان فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يعني: قام على أمره علي بن أبي طالب يعينه، وينصره على أعدائه.

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني: طلحة، والزبير.

وكان الكفار يكرهون إيمان طلحة والزبير لشدة قوتهما، وكثرة أموالهما.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ يعني: لهم.

ويقال: فيما بينهم، وبين ربهم.

ويقال: مِنْ هاهنا لإبانة الجنس.

يعني: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ أي: من أصحاب النبيّ  مَغْفِرَةً لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً يعني: ثواباً وافراً في الجنة.

روي عن رسول الله  أنه قال: «من قرأ سُوَرَةَ الفَتْحِ فَكَأنَّمَا شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ  » .

والله سبحانه أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع «١» : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- صلّى الله عليه وسلّم-.

ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨)

وقوله سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...

الآية: «رُوِيَ في تفسيرها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» «٢» وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون: وأين الرؤيا؟

ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بأَنْ قَالَ: «وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا» ، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه «٣» ، ثم أنزل الله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...

الآية، واللام في: لَتَدْخُلُنَّ لامُ القَسَمِ.

وقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء: إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، / أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة إذ فيهم- ولا بُدَّ- مَنْ يموتُ أو يمرض.

ت: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون: هو أخذ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ أُرِيَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةَ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ ورَأى كَأنَّهُ هو وأصْحابُهُ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَفَرِحُوا، فَلَمّا خَرَجُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ حَسِبُوا أنَّهم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ في عامِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا قالَ المُنافِقُونَ: أيْنَ رُؤْياهُ الَّتِي رَأى؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَخَلُوا في العامِ المُقْبِلِ.» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ "إنَّ" بِمَعْنى "إذْ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَهُ، والخَلْقُ يَسْتَثْنُونَ فِيما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ ثَعْلَبٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهم سَيَدْخُلُونَهُ، ولَكِنِ اسْتَثْنى عَلى ما أمَرَ الخَلْقَ بِهِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى دُخُولِ بَعْضِهِمْ أوْ جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ الحِكايَةِ لِما رَآهُ النَّبِيُّ  في المَنامِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

والسّادِسُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى الأمْنِ والخَوْفِ، فَأمّا الدُّخُولُ، فَلا شَكَّ فِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ العَدُوِّ ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ مِنَ الشَّعْرِ ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ عَدُوًّا.

﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في الصُّلْحِ.

والثّانِي: أنَّ في تَأْخِيرِ الدُّخُولِ صَلاحًا.

والثّالِثُ: فَعَلِمَ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكم خَيْبَرَ قَبْلَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ.

وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ كانَ فَتْحًا في أوَّلِ السُّورَةِ.

وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [بَراءَةٍ: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَهِدَ لَهُ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: كَفى بِهِ شَهِيدًا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِنَ أثَرِ السُجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارِ وعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  رَأى في مَنامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلى العُمْرَةِ أنَّهُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ هو وأصْحابُهُ، بَعْضُهم مُحَلِّقُونَ وبَعْضُهم مُقَصِّرُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرى ذَلِكَ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَأخْبَرَ الناسَ بِهَذِهِ الرُؤْيا، ووَثِقَ الجَمِيعُ بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في وُجْهَتِهِمْ تِلْكَ، وقَدْ كانَ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، لَكِنْ لَيْسَ في تِلْكَ الجِهَةِ، ورُوِيَ أنَّ رُؤْياهُ  إنَّما كانَتْ أنَّ مَلِكًا جاءَهُ فَقالَ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ ، وأنَّهُ بِهَذا أعْلَمُ الناسِ، فَلَمّا قَضى اللهُ تَعالى بِالصُلْحِ في الحُدَيْبِيَةِ، وأخَذَ رَسُولُ اللهِ  في الصَدْرِ، وقالَ المُنافِقُونَ: وأيْنَ الرُؤْيا؟

ووَقَعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُؤْيا بِالحَقِّ ﴾ ، و ﴿ "صَدَقَ" ﴾ هَذِهِ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، واللامُ في ﴿ "لَتَدْخُلُنَّ" ﴾ لامُ القَسَمِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ "صَدَقَ"؛ لِأنَّها مِن قَبِيلِ: تُبَيِّنُ وتُحَقِّقُ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يُعْطِي القَسَمَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَلَكِ المُخْبِرِ لِلنَّبِيِّ  في قَوْلِهِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَتَهُ كَما وقَعَتْ، وقالَ آخَرُونَ: هو أخْذٌ مِنَ اللهِ تَعالى عِبادَهُ بِأدَبِهِ في اسْتِعْمالِ الِاسْتِثْناءِ في كُلِّ فِعْلٍ يُوجِبُ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ ولا بُدَّ، أو كانَ مِمّا قَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما اسْتَثْنى مِن حَيْثُ كَلُّ واحِدٍ مِنَ الناسِ مَتى رَدَّ هَذا الوَعْدَ إلى نَفْسِهِ أمْكَنَ أنْ يَتِمَّ الوَعْدُ فِيهِ وأنْ لا يَتِمَّ، إذْ قَدْ يَمُوتُ الإنْسانُ أو يَمْرَضُ أو يَغِيبُ، وكُلُّ واحِدٍ في ذاتِهِ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِثْناءِ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى عَزَّ وجَلَّ في الجُمْلَةِ إذْ فِيهِمْ ولا بُدَّ مَن يَمُوتُ، وقالَ آخَرُونَ: اسْتَثْنى لِأجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "آمِنِينَ" ﴾ لا لِأجْلِ إعْلامِهِ بِالدُخُولِ، فَكَأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُؤَخَّرٌ عن مَوْضِعِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ مِن أجْلِ الأمْنِ أو مِن أجْلِ الدُخُولِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أخْبَرَ بِهِما ووَقَعَتِ الثِقَةُ بِالأمْرَيْنِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أيِّهِما كانَ فَهو اسْتِثْناءٌ مِن واجِبٍ.

وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" بِمَعْنى "إذْ" فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: "إذْ شاءَ اللهُ، وهَذا حَسَنٌ في مَعْناهُ لَكِنَّ كَوْنَ "إنْ" بِمَعْنى "إذْ" غَيْرُ مَوْجُودٍ في لِسانِ العَرَبِ، ولِلنّاسِ بَعْدُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أقْوالٌ مُخَلَّطَةٌ غَيْرَ هَذِهِ لا طائِلَ فِيها اخْتَصَرْتُها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنْ شاءَ اللهُ لا تَخافُونَ" بَدَلُ "آمِنِينَ".

ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ تِلْكَ الرُؤْيا فِيما يَسْتَأْنِفُونَهُ مِنَ الزَمانِ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِذَلِكَ وسَكَنَتْ، فَخَرَجَتْ في العامِ المُقْبِلِ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ  إلى مَكَّةَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، ودَخَلَها ثَلاثَةَ أيّامٍ هو وأصْحابُهُ، وصَدَقَتْ رُؤْياهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ يُرِيدُ ما قَدَّرَهُ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ في تِلْكَ المُدَّةِ ودُخُولِ الناسِ فِيهِ، وما كانَ أيْضًا بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ دَفَعَ اللهُ تَعالى بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ وفِيما يَدْنُو إلَيْكم.

واخْتَلَفَ الناسُ في الفَتْحِ القَرِيبِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْعَةُ الرِضْوانِ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ الصُلْحُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِلنَّبِيِّ  : أوَ فَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: نَعَمْ،» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الفَتْحُ القَرِيبُ هو فَتْحُ مَكَّةَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ مِن دُونِ دُخُولِ النَبِيِّ  وأصْحابِهِ مَكَّةَ، بَلْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعامٍ، لِأنَّ الفَتْحَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ "الفَتْحُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ كُلَّ ما وقَعَ لِلنَّبِيِّ  فِيهِ ظُهُورٌ وفَتْحٌ عَلَيْهِ، وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ في تَرْتِيبِ أعْوامِ هَذِهِ الأخْبارِ عن قُطْرُبٍ قَوْلًا خَطَأً جَعَلَ فِيهِ الفَتْحَ سَنَةَ عَشْرٍ، وجُعِلَ حَجُّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَبْلَ الفَتْحِ، وذَلِكَ كُلُّهُ تَخْلِيطٌ وخَوْضٌ فِيما لَمْ يُتْقِنْهُ مَعْرِفَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، تَعْظِيمٌ لِأمْرِ رَسُولِ اللهِ  ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، ورَأى بَعْضُ الناسِ "أنَّ" لَفْظَةَ "لِيُظْهِرَهُ" تَقْتَضِي مَحْوَ غَيْرِهِ بِهِ فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّ هَذا الخَبَرَ يَظْهَرُ لِلْوُجُودِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، فَإنَّهُ لا يَبْقى في وقْتِهِ دِينٌ إلّا الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيِّ والثَعْلَبِيِّ، ورَأى قَوْمٌ أنَّ الإظْهارَ هو الإعْلاءُ وإنْ بَقِيَ مِنَ الدِينِ الآخَرِ أجْزاءٌ، وهَذا مَوْجُودٌ الآنَ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَمَّ أكْثَرَ الأرْضِ وظَهَرَ عَلى كُلِّ دِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ مَعْناهُ: شاهِدًا، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: شاهِدًا عِنْدَكم بِهَذا الخَبَرِ ومُعَلِّمًا بِهِ، والثانِي: شاهِدًا عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُنْكِرِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ  الرادِّينَ في صَدْرِهِ، ومُعاقِبًا لَهم بِحُكْمِ الشَهادَةِ، فالآيَةُ - عَلى هَذا - وعِيدٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ شاحُوا في أنْ يَكْتُبَ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ  "، فَرَدَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ كُلِّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﴾ ، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو ابْتِداءٌ وخَبَرٌ اسْتُوفِيَ فِيهِ تَعْظِيمُ مَنزِلَةِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ ﴿ "أشِدّاءُ"، ﴾ و ﴿ "رُحَماءُ" ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "مُحَمَّدٌ" ابْتِداءٌ، و" رَسُولُ اللهِ " صِفَةٌ لَهُ، و"الَّذِينَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، و ﴿ "أشِدّاءُ" ﴾ خَبَرٌ عَنِ الجَمِيعِ، و"رُحَماءُ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، فَفي القَوْلِ الأوَّلِ اخْتَصَّ النَبِيُّ  بِوَصْفِهِ وهَؤُلاءِ بِوَصْفِهِمْ، وفي القَوْلِ الثانِي اشْتَرَكَ الجَمِيعُ في الشِدَّةِ والرَحْمَةِ، والأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، لِأنَّهُ خَبَرٌ مُضادٌّ لِقَوْلِ الكُفّارِ: لا نَكْتُبُ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عنهم عِنْدَ الجُمْهُورِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ الإشارَةَ إلى مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ ب"الَّذِينَ مَعَهُ"، و"أشِدّاءُ" جَمْعُ شَدِيدٍ، أصْلُهُ أشْدِداءٌ، أدْغَمَ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أشِدّاءُ" ﴾ و ﴿ "رُحَماءُ" ﴾ بِالرَفْعِ، ورَوى قُرَّةُ عَنِ الحَسَنِ "أشِدّاءَ" و"رُحَماءَ" بِنَصْبِهِما، قالَ أبُو حاتِمٍ: ذَلِكَ عَلى الحالِ، والخَبَرُ "تَراهُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ "أشِدّاءَ" عَلى المَدْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ ، أيْ تَرى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَثِيرًا فِيهِمْ، و ﴿ "يَبْتَغُونَ" ﴾ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ، وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عُبَيْدٍ: "وَرُضْوانًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سِيماهُمْ" ﴾ مَعْناهُ: عَلامَتُهُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذِهِ السِيما، فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: كانَتْ جِباهُهم مُتَرَّبَةً مِن كَثْرَةِ السُجُودِ في التُرابِ، كانَ يَبْقى عَلى المَسْحِ أثَرُهُ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَسْجُدُونَ عَلى التُرابِ لا عَلى الأثْوابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وخالِدٌ الحَنَفِيٌّ، وعَطِيَّةُ: هو وعْدٌ بِحالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَجْعَلُ لَهم نُورًا مِن أثَرِ السُجُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما يَجْعَلُ غِرَّةً مِن أثَرِ الوُضُوءِ...

الحَدِيثُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ اتِّصالُ القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: عَلامَتُهم في تَحْصِيلِهِمُ الرِضْوانَ يَوْمَ القِيامَةِ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُجُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السِيما بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "فَضْلًا"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السَمْتُ الحَسَنُ هو السِيما، وهو خُشُوعٌ يَبْدُو عَلى الوَجْهِ، وهَذِهِ حالَةُ مُكْثِرِي الصَلاةَ، لِأنَّها تَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وتُقِلُّ الضَحِكَ، وتَرُدُّ النَفْسَ بِحالَةٍ تَخْشَعُ مَعَها الأعْضاءُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: السِيما بَياضٌ وصُفْرَةٌ وتَهَيُّجٌ يَعْتَرِي الوُجُوهَ مِنَ السَهَرِ، وقالَ مَنصُورٌ: سَألُتُ مُجاهِدًا: هَلِ السِيما هي الأثَرَ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَجُلِ؟

فَقالَ: لا، وقَدْ تَكُونُ مِثْلَ رُكْبَةِ البَعِيرِ وهو أقْسى قَلْبًا مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: السِيما حُسْنٌ يَعْتَرِي وُجُوهَ المُصَلِّينَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لَها في عَيْنِ الرائِي حُسْنًا تابِعًا لِلْإجْلالِ الَّذِي في نَفْسِهِ، ومَتى أجَّلَ الإنْسانُ أمْرًا حَسُنَ عِنْدَهُ مَنظَرُهُ، ومِن هَذا الحَدِيثِ الَّذِي في الشِهابِ: « "مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَهارِ"،» وهو حَدِيثٌ غَلَطٌ فِيهِ ثابِتُ بْنُ مُوسى الزاهِدُ، سَمِعَ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: حَدَّثَنا الأعْمَشُ، عن أبِي سُفْيانَ، عن جابِرٍ، ثُمَّ نَزَعَ شَرِيكُ لَمّا رَأى ثابِتَ الزاهِدَ فَقالَ يَعْنِيهِ: "مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَهارِ"، فَظَنَّ ثابِتٌ أنَّ هَذا الكَلامَ مُتَرَكِّبٌ عَلى السَنَدِ المَذْكُورِ فَحَدَّثَ بِهِ عن شَرِيكٍ.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "مِن إثْرِ" بِسُكُونِ الثاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما بِمَعْنًى، وقَرَأ قَتادَةُ: "مِن آثارِ" جَمْعًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ الآيَةُ.

المَثَلُ هُنا: الوَصْفُ أوِ الصِفَةُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: ذَلِكَ الوَصْفُ هو مَثَلُهم في التَوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ، وتَمَّ القَوْلُ.

و"كَزَرْعٍ" ابْتِداءُ تَمْثِيلٍ يَخْتَصُّ بِالقُرْآنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ الضَحّاكُ: المَعْنى: ذَلِكَ المَعْنى هو وصْفُهم في التَوْراةِ، وتَمَّ القَوْلُ، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿ وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المَثَلانِ جَمِيعًا في التَوْراةِ وفي الإنْجِيلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَزَرْعٍ" ﴾ هو عَلى كُلِّ الأقْوالِ وفي أيِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ فَرْضُ مَثَلٍ لِلنَّبِيِّ  وأصْحابِهِ في أنَّ النَبِيَّ  بُعِثَ وحْدَهُ، فَكانَ كالزَرْعِ حَبَّةً واحِدَةً، ثُمَّ كَثُرَ المُسْلِمُونَ فَهم كالشَطْءِ وهو فِراخُ السُنْبُلَةِ الَّتِي تَنْبُتُ حَوْلَ الأصْلِ، يُقالُ: أشَطَأْتُ الشَجَرَةَ إذا خَرَجَتْ غُصُونُها، وأشْطَأ الزَرْعَ: إذا خَرَجَ شَطْأهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ: "شَطْأهُ" بِفَتْحِ الطاءِ والهَمْزِ دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "شَطّاهُ" بِفَتْحِ الطاءِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "شَطَّهُ"، رَمى بِالهَمْزَةِ وفَتَحَ الطاءَ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، ورُوِيَ عن عِيسى "شِطاءَهُ" بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "شَطُّوهُ" بِالواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ، أو بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ، ولا يَكُونُ الشَطْؤُ إلّا في البُرِّ والشَعِيرِ، وهَذِهِ كُلُّها لُغاتٌ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "الزَرْعُ" النَبِيُّ  ، "فَآزَرَهُ" عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، "فاسْتَغْلَظَ" بِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، "فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ" بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَآزَرَهُ" ﴾ وزْنُهُ: "أفْعَلَهُ"، قالَهُ الحَسَنُ، ورَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ وحْدَهُ: "فَأزْرَهُ" عَلى وزْنِ "فَعْلَهُ" دُونَ مَدٍّ، ولِذَلِكَ كُلِّهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما ساواهُ طُولًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ بِجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبِ أيْ: هو مَوْضِعٌ لَمْ يُرْعَ نَبْتُهُ فَكَمُلَ حَتّى ساوى شَجَرَ الضالِّ، فالفاعِلُ - عَلى هَذا المَعْنى - الشَطْءُ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ "آزَرَهُ" أو "أزْرَهُ" بِمَعْنى أعانَهُ وقَوّاهُ، مَأْخُوذٌ ذَلِكَ مِنَ الأزْرِ وشَدِّهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الشَطْءُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الزَرْعُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُقَوِّي صاحِبَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "آزَرَهُ" وزْنُهُ فاعَلَهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، أنَّ وزْنَهُ: أفْعَلَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لا مالَ إلّا العِطافُ تُؤْزُرُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أمْ ثَلاثِينَ وابْنَةُ الجَبَلِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "عَلى سُؤْقِهِ" بِالهَمْزِ، وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، يَهْمِزُونَ الواوَ الَّتِي قَبْلَها ضَمَّةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِحَبُّ المُؤْقِدانَ إلَيَّ مُؤْسى وَ ﴿ يُعْجِبُ الزُرّاعَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فَإذا أعْجَبَ الزُرّاعَ فَهو أحْرى أنْ يُعْجِبَ غَيْرَهم لِأنَّهُ لا عَيْبَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ أعْجَبَ العارِفِينَ بِالعُيُوبِ، ولَوْ كانَ مَعِيبًا لَمْ يُعْجِبْهُمْ، وهُنا تَمَّ المَثَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَعَلَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِفَةِ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ، و ﴿ "الكُفّارِ" ﴾ هُنا: المُشْرِكُونَ، قالَ الحَسَنُ: مِن غَيْظِ الكَفّارِ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِمَكَّةَ: "لا عُبِدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنهُمْ" ﴾ هي لِبَيانِ الجِنْسِ ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ وعْدُ مُرَجٍّ لِلْجَمِيعِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَتْحِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ فأنزل اللَّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ [الفتح: 26] ودحض ما خامر نفوس فريق من الفشل أو الشك أو التحير وتبيين ما أنعم الله به على أهل بيعة الرضوان من ثواب الدنيا والآخرة إلى كشف شبهة عرضت للقوم في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا قبل خروجه إلى الحديبية، أو وهو في الحديبية: كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وحَلَقوا وقصَّروا.

هكذا كانت الرؤيا مُجملة ليس فيها وقوع حجّ ولا عمرة، والحلاق والتقصير مناسب لكليهما.

وقصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه على أصحابه فاستبشروا بها وعبَّروها أنهم داخلون إلى مكة بعمرتهم التي خرجوا لأجلها، فلما جرى الصلح وتأهب الناس إلى القفول أثار بعض المنافقين ذكر الرؤيا فقالوا: فأين الرؤيا فوالله ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا وقصرنا؟

فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه: إن المنام لم يكن موقتا بوقت وأنه سيدخل وأنزل الله تعالى هذه الآية.

والمعنى أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق وأن الله أوحى إليه بها وأنها وإن لم تقع في تلك القضية فستحقق بعد ذلك وكأنَّ الحكمة في إراءة الله رسوله صلى الله عليه وسلم لك الرؤيا أيامئذٍ وفي إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بها: أن الله أدخل بذلك على قلوبهم الثقة بقوتهم وتربية الجراءة على المشركين في ديارهم فتسلم قلوبهم من ماء الجبن فإن الأمراض النفسية إذا اعترت النفوس لا تلبث أن تترك فيها بقايا الداء زماناً كما تبقى آثار المرض في العضو المريض بعد النقاهة زماناً حتى ترجع إلى العضو قوته الأولى بعد مدة مناسبة.

وتوكيد الخبر بحرف (قد) لإبطال شبهة المنافقين الذين قالوا: فأين الرؤيا؟

ومعنى ﴿ صدق اللَّه رسوله الرؤيا ﴾ أنه أراه رؤيا صادقة لأن رؤيا الأنبياء وحي فآلت إلى معنى الخبر فوصفت بالصدق لذلك.

وهذا تطْمين لهم بأن ذلك سيكون لا محالة وهو في حين نزول الآية لمَّا يحصل بقرينة قوله: ﴿ إن شاء اللَّه ﴾ .

وتعدية ﴿ صدق ﴾ إلى منصوب ثان بعد مفعوله من النصب على نزع الخافض المسمّى بالحذف والإيصال، أي حذف الجار وإيصال الفعل إلى المجرور بالعمل فيه النصب.

وأصل الكلام: صدق الله رسوله في الرؤيا كقوله تعالى: ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ [الأحزاب: 23].

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للملابسة وهو ظرف مستقر وقع صفة لمصدر محذوف، أي صدقاً ملابسا الحق، أو وقوع حالا صفة لمصدر محذوف، أي صدقا ملابساً وقع حالاً من الرؤيا.

والحق: الغرض الصحيح والحكمة، أي كانت رؤيا صادقة وكانت مَجْعُولة محكمة وهي ما قدمناه آنفاً.

وجملة ﴿ لتدخلن المسجد الحرام ﴾ إلى آخرها يجوز أن يكون بياناً لجملة ﴿ صدق اللَّه ﴾ لأن معنى ﴿ لتدخلن ﴾ تحقيق دخول المسجد الحرام في المستقبل فيعلم منه أن الرؤيا إخبار بدخول لم يعين زمنه فهي صادقة فيما يتحقق في المستقبل.

وهذا تنبيه للذين لم يتفطنوا لذلك فجزموا بأن رؤيا دخول المسجد تقتضي دخولهم إليه أيامئذٍ وما ذلك بمفهوم من الرؤيا وكان حقهم أن يعلموا أنها وعد لم يعين إبان موعوده وقد فهم ذلك أبو بكر إذ قال لهم: إن المنام لم يكن موقتاً بوقت وأنه سيدخل.

وقد جاء في سورة يوسف (100) ﴿ وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ وليست هذه الجملة بياناً للرؤيا لأن صيغة القسم لا تلائم ذلك.

والأحسن أن تكون جملة لتدخلن المسجد الحرام } استئنافاً بيانياً عن جملة ﴿ صدق اللَّه رسوله ﴾ أي سيكون ذلك في المستقبل لا محالة فينبغي الوقف عند قوله: ﴿ بالحق ﴾ ليظهر معنى الاستئناف.

وقوله: ﴿ إن شاء اللَّه ﴾ من شأنه أن يذيل به الخبر المستقبل إذا كان حصوله متراخياً، ألا ترى أن الذي يقال له: افعل كذا، فيقول: أفعل إن شاء الله، لا يفهم من كلامه أنه يفعل في الحال أو في المستقبل القريب بل يفعله بعد زمن ولكن مع تحقيق أنه يفعله.

ولذلك تأولوا قوله تعالى في سورة يوسف (99) ﴿ وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين أنّ إن شاء اللَّه ﴾ للدخول مع تقدير الأمن لأنه قال ذلك حين قد دخلوا مصر.

أما ما في هذه الآية فهو من كلام الله فلا يناسبه هذا المحمل.

وليس المقصود منه التنصل من التزام الوعد، وهذا من استعمالات كلمة ﴿ إن شاء اللَّه ﴾ .

فليس هو مثل استعمالها في اليمين فإنها حينئذٍ للثُّنْيا لأنها في موضع قولهم: إلا أن يشاء الله، لأن معنى: إلا أن يشاء الله: عدم الفعل، وأما إن شاء الله، التي تقع موقع: إلا أن يشاء الله، فمعناه إن شاء الله الفعلَ.

والموعود به صادق بدخولهم مكة بالعمرة سنة سبع وهي عمرة القضية، فإنهم دخلوا المسجد الحرام آمنين وحَلق بعضهم وقصّر بعض غير خائفين إذ كان بينهم وبين المشركين عهد، وذلك أقرب دخول بعد هذا الوعد، وصادق بدخولهم المسجد الحرام عام حجة الوداع، وعدمُ الخوف فيه أظهر.

وأما دخولهم مكة يوم الفتح فلم يكونوا فيه محرمين.

قال مالك في «الموطأ» بعد أن ساق حديث قتل ابن خطل يومَ الفتح (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ محرماً والله أعلم).

و ﴿ محلقين رؤوسكم ﴾ حال من ضمير ﴿ آمنين ﴾ وعطف عليه ﴿ ومقصرين ﴾ والتحليق والتقصير كناية عن التمكن من إتمام الحج والعمرة وذلك من استمرار الأمن على أن هذه الحالة حكت ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياه، أي يحلق من رام الحلق ويقصر من رام التقصير، أي لا يعجلهم الخوف عن الحلق فيقتصروا على التقصير.

وجملة ﴿ لا تخافون ﴾ في موضع الحال فيجوز أن تكون مؤكدة ل ﴿ آمنين ﴾ تأكيداً بالمرادف للدلالة على أن الأمن كامل محقق، ويجوز أن تكون حالاً مؤسسة على أن ﴿ آمنين ﴾ معمول لفعل ﴿ تدخلُنّ ﴾ وأن ﴿ لا تخافون ﴾ معمول ل ﴿ ءامنين ﴾ ، أي آمنين أمن مَن لا يخاف، أي لا تخافون غدراً.

وذلك إيماء إلى أنهم يكونون أشد قوة من عدوّهم الذي أمنهم، وهذا يُومِئ إلى حكمة تأخير دخولهم مكة إلى عام قابل حيث يزدادون قوة واستعداداً وهو أظهر في دخولهم عام حجة الوداع.

والفاء في قوله: ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ لتفريع الأخبار لا لتفريع المخبر به لأن علم الله سابق على دخولهم وعلى الرؤيا المؤذنة بدخولهم كما تقدم في قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ [الفتح: 18].

وفي إيثار فعل ﴿ جعل ﴾ في هذا التركيب دون أن يقول: فتح لكم من دون ذلك فتحاً قريباً أو نحوه إفادة أن هذا الفتح أمره عجيب ما كان ليحصل مثله لولا أن الله كونه.

وصيغة الماضي في ﴿ جعل ﴾ لتنزيل المستقبل المحقق منزلة الماضي، أو لأن ﴿ جعل ﴾ بمعنى قدر.

ودون هنا بمعنى غير، ومِن (م) ابتدائية أو بيانية.

والمعنى: فجعل فتحاً قريباً لكم زيادة على ما وعدكم من دخول مكة آمنين.

وهذا الفتح أوله هو فتح خيبر الذي وقع قبل عمرة القضية وهذا القريب من وقت الصلح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  ، رَأى في المَنامِ، أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَمّا صالَحَ قُرَيْشًا بِالحُدَيْبِيَةِ، ارْتابَ المُنافِقُونَ، حَتّى قالَ  : (فَما رَأيْتُ في هَذا العامِ)» ثُمَّ قالَ ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلِمَ أنَّ دُخُولَها إلى سَنَةٍ ولَمْ تَعْلَمُوهُ أنْتُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: عَلِمَ أنَّ بِمَكَّةَ رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ; الآيَةَ.

ثُمَّ قالَ ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي جَرى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  وقُرَيْشٍ بِالحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الشَّرْطِ والِاسْتِثْناءِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وإنَّما خَرَجَ مَخْرَجَ الحِكايَةِ عَلى عادَةِ أهْلِ الدِّينِ، ومَعْناهُ لَتَدْخُلُونَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: إنْ شاءَ اللَّهُ في دُخُولِ جَمِيعِكم أوْ بَعْضِكم، ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟

فأنزل الله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ فرجعوا ففتحوا خيبر، ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: كان تأويل رؤياه في عمرة القضاء.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: هو دخول محمد صلى الله عليه وسلم البيت والمؤمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطوف بالبيت وأصحابه، فصدق الله رؤياه بالحق.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى آخر الآية.

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين» فلما نزلت بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، فقال الله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ لا تخافون ﴾ أي لم أره أنه يدخله هذا العام، وليكونن ذلك، ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ قال: رده لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات وأخره ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يريد الله أن يهديه ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر حين رجعوا من الحديبية فتحها الله عليهم، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلاً واحداً من الأنصار يقال له أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً في ذي القعدة معه المهاجرون والأنصار حتى أتى الحديبية، فخرجت إليه قريش، فردوه عن البيت حتى كان بينهم كلام وتنازع حتى كاد يكون بينهم قتال، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وعدتهم ألف وخمسمائة تحت الشجرة، وذلك يوم بيعة الرضوان، فقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع، حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام، ففعل، فخرجوا إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف، ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه، فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة، وجاء بالبدن معه، وجاء الناس معه، فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين ﴾ وأنزل عليه: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ﴾ [ البقرة: 194] الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ محلقين رؤوسكم ومقصرين ﴾ .

أخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة «عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال:والمقصرين» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين» .

وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمقصرين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين» وكنت يومئذ محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن يحيى بن أبي الحصين عن جدته أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة في حجة الوداع.

وأخرج أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قال رجل: والمقصرين فقال في الثالثة أو الرابعة وللمقصرين» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قيل له لم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة فقال: «إنهم لم يشكوا» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالها ثلاثاً فقالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم قال: إنهم لم يشكوا» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون للرجل أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول للحلاق إذا حلق في الحج والعمرة أبلغ للعظمين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: السنة أن يبلغ بالحلق إلى العظمين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن.

وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴾ قال مقاتل: إن الله تعالى أرى نبيه -  - في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوه عامهم ذلك، وقالوا: إن رؤيا النبي -  - حق، فلما انصرفوا ولم يدخلوه قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله هذه الآية (١) وقال مجاهد: أري هذه الرؤيا بالحديبية، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية أين رؤيا محمد -  -، فنزلت الآية (٢) قوله تعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾ المفسرون يجعلون هذا تفسير رؤياه وشرح ما رأى، ومقاتل يجعل هذا ابتداء إخبار عن الله تعالى أخبر المؤمنين أنهم يدخلونه فقال: (لتدخلن)، يعني: العام المقبل (٣)  - أنه قال ذلك لأصحابه (٤) ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ ، والاستثناء بالمشيئة على هذا القول حسن، لأنه من كلام رسول الله -  -، ثم معنى الاستثناء بالمشيئة يجوز أن يعود إلى الدخول، ويجوز أن يعود إلى الأمن، أي: لتدخلنه إن شاء الله الدخول، أو لتدخلنه آمنين إن شاء الله الأمن (٥) قال أبو عبيدة: (إن) بمعنى إذ يعني: إذ شاء الله، حيث أرى رسوله ذلك (٦) (٧) (٨) قوله تعالى: ﴿ آمِنِينَ ﴾ أي من العدو، و ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ﴾ يقال: حَلَقَ رأسَه، وحَلّق رأسه، والمحلق موضع حلق الرأس بمنى، ومنه قول الراجر: كلا وربِّ البيْتِ والمُحَلّقِ (٩) قوله: ﴿ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ أي من الشعر، يقال: قصر شعره، إذا جز من طوله، وهذا يدل على أن المُحْرم بالخيار عند التحلل من الإحرام إن شاء حلق وإن شاء قصر (١٠) قوله: ﴿ لَا تَخَافُونَ ﴾ حال من المحلقين والمقصرين، على تقدير غير خائفين (١١) قوله تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ أي: علم الله ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح، ولم تعلموه أنتم وهو خروج المؤمنين من بينهم والصلح المبارك موقعه العظيم أثره.

قال مقاتل: فعلم الله أنه يفتح عليهم خيبر قبل ذلك، ولم يعلموا (١٢) وقال غيره: علم الله أن ذلك كائن إلى سنة، ولم تعلموا أنتم (١٣) قوله: ﴿ فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ أي: من قبل الدخول فتحاً قريباً، يعني فتح خيبر في قول ابن عباس في رواية عطاء ومقاتل وابن زيد (١٤) (١٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 76، "تفسير الطبري" 13/ 107، وقد أخرجه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأورده البغوي 7/ 322 بغير سند 7/ 322، ونسبه القرطبي 16/ 289 لقتادة.

(٢) أخرج ذلك الطبري 13/ 107 عن مجاهد، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 609، "تفسير البغوي" 7/ 322.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 76، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 290.

(٤) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 152 ب، البغوي 7/ 323، والقرطبي 16/ 290.

(٥) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 152 ب، البغوي 7/ 323، وابن الجوزي 7/ 443.

(٦) لم أجد قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن"، ولكن قد نسبه إليه الثعلبي 10/ 152 ب، البغوي 7/ 323، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 443 والقرطبي 16/ 290، وأبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 101، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 145، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 204: (وقد زعم بعض أهل اللغة أن المعنى لتدخلن المسجد الحرام إذ شاء الله وزعم أنه مثل قوله: ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وأن مثله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) وهذا قول لا يعرج عليه ولا يَعرِفُ أحد من النحويين (إن) بمعنى (إذ) وإنما تلك (أن) فَغَلِطَ وبينهما فصل في اللغة والأحكام عند الفقهاء والنحويين).

وقال ابن عطية: وقال قوم: إن بمعنى إذ فكأنه قال: إذ شاء الله، وهذا حسن في معناه، ولكن كون إن بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب.

انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 15/ 120.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 28.

(٨) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 443، والقرطبي 16/ 290 عن ثعلب.

(٩) ورد الرجز في "اللسان" غير منسوب.

انظر: "اللسان" (حلق) 10/ 64.

(١٠) أخرج البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر  ما أن رسول -  - قال: "اللهم ارحم المحلقين".

قالوا: والمقصرين يا رسول الله.

قال: "اللهم ارحم المحلقين".

قالوا: والمقصرين يا رسول الله.

قال: و"المقصرين".

انظر: "صحيح البخاري" كتاب الحج- باب الحلق والتقصير عند الإحلال 2/ 188.

وقال القرطبي 2/ 381: قال علماؤنا: ففي دعاء رسول الله -  - للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير، وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان.

(١١) انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 312.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 77.

(١٣) ذكر ذلك السمرقندي في "تفسيره" 3/ 258 ونسبه للكلبي، ونسبه الماوردي في "تفسيره" 5/ 322، والقرطبي 16/ 291 للكلبي.

(١٤) أخرج ذلك الطبري 13/ 108 عن ابن زيد، "تفسير مقاتل" 4/ 77، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" لابن زيد 10/ 153 أ، ونسبه ابن الجوزي 7/ 444 لابن عباس وعطاء وابن زيد ومقاتل، ونسبه القرطبي لابن زيد والضحاك 16/ 291.

(١٥) أخرج ذلك الطبري 13/ 108 عن مجاهد والزهري وابن إسحاق، ونسبه الثعلبي لأكثر المفسرين 10/ 153 أ، ونسبه الماوردي لمجاهد 5/ 322، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 609، ونسبه ابن الجوزي لمجاهد والزهري وابن إسحاق 7/ 444، ونسبه القرطبي لمجاهد 16/ 291.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة؛ أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون ورُوي أنه أتاه ملك في النوم فقال له: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ الآية: فأخبر الناس برؤياه: ذلك، فظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام، فلما صده المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون: أين الرؤيا، ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق ﴾ أي تلك الرؤيا صادقة، وسيخرج تأويلها بعد ذلك، فاطمأنت قلوب المؤمنين وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل، هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، وظهر صدق رؤياه وتلك عُمرة القضية القضاء ثم فتح مكة بعد ذلك، ثم حج هو وأصحابه، وصدق في هذا الموضع يتعدى إلى مفعولين، وبالحق يتعلق بصدق، أو بالرؤيا على أن يكون حالاً منها ﴿ إِن شَآءَ الله ﴾ لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك محال على الله، اختلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال: الأول أنه استثناء قاله الملك الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فحكى الله مقالته كما وقعت والثاني: أنه تأديب من الله لعباده ليقولوا إن شاء الله في كل أمر مستقبل، والثالث أنه استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته؛ لأنه يمكن أن يتم له الأمر أو يموت، أو يمرض فلا يتم له، والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا لدخول المسجد، والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ الحلق والتقصيير من سنة الحج والعمرة، والحلق أفضل من التقصير، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله المحلقين ثلاثاً ثم قال في المرة الأخيرة والمقصرين» ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدّة، فإنه لما انقعد الصلح، وارتفعت الحرب ورغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وخمسمائة، وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ يعني فتح خيبر، وقيل بيعة الرضوان وقيل صلح الحديبية، وهذا هو الأصح «لأن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتح هو يا رسول الله؟

قال: نعم» وقيل: هو فتح مكة وهذا ضعيف، لأن معنى قوله: ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ قبل دخول المسجد الحرام، وإنما كان فتح مكة بعد ذلك، فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة، وفتح مكة عام ثمانية ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ ذكره في براءة [33] ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ أي شاهداً بأن محمداً رسول الله، أو شاهداً بإظهار دينه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ مع كثرة أولئك، وقوتهم، وتأهبهم للقتال، وضعف هؤلاء وقلة عددهم؛ لأن أولئك كانوا خرجوا للقتال والحرب، مستعدين لذلك، متأهبين، وهؤلاء كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، فكفّ أيدي أولئك مع عدتهم وقوتهم وكثرتهم عن هؤلاء مع ضعفهم وقلة عددهم، حتى أظفرهم بأولئك بما ذكر في القصة أن المسلمين كانوا اشتغلوا بالترامي بالنبل والحجارة حتى هزموهم وأدخلوهم بطن مكة؛ على ما ذكر، ثم أظفرهم بهم، كف أيدي هؤلاء عنهم ويتم لهم الظفر بهم؛ ليعلم هؤلاء أن التدبير في الأمر إلى الله -  - دونهم، وله السلطان على الخلق جميعاً، لا سلطان لأحد في سلطانه، ولا قوة إلا بالله.

وأما ما ذكر من الامتنان هو ما ذكر من كف أيدي أولئك عن هؤلاء عند شدة خوفهم منهم وفزعهم بما ذكرنا من قوة أولئك [و]كثرتهم، وضعف هؤلاء وقلة عددهم، حتى أظفرهم؛ يذكر منته عليهم؛ ليستأدي شكره، ويكف أيدي هؤلاء عنهم.

فإن قيل: ما كف أيدي أولئك عن هؤلاء، المنة ظاهرة، ولكن أية منة تكون في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؟

فيقال: جائز أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؛ ليستأدي منهم شكره بذلك، وهو الإسلام لله -  - على جميع خلقه منة؛ ليستأدي منهم شكراً على الكافرين والمسلمين جميعاً.

ويحتمل أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك على المؤمنين - أيضاً - هو ما ذكر على إثره: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنه لو لم يكن يكف أيدي المؤمنين عنهم حتى يتم لهم الظفر بهم فدخلوا مكة وهنالك مؤمنون لأصابهم ما ذكر من المعرة وغيره، فكان في كف أيدي المؤمنين عن أولئك منة عظيمة عليهم؛ لما بينا من قبل من فيها من المؤمنين من غير علم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ وهم لم يكونوا في بطن مكة، إنما كانوا بالحديبية، وبينها وبين مكة أميال، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أظفرهم بهم وقهرهم وهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة، على ما ذكر أنهم هزموهم حتى أدخلوهم في بيوت مكة.

والثاني: ببطن مكة؛ أي: بقرب مكة.

وجائز أن يكنى ببطن مكة؛ أي: قربها.

وقال بعضهم: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ أي: الحرم، والحرم كله مكة، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ لم يزل الله -  - عالماً بأعمالهم، بصيراً.

وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي أولئك عن هؤلاء، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيراً؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: صدوهم عما قصدوا، وهو الطواف بالبيت والزيارة له، وذلك في المسجد الحرام؛ ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ وقوله: ﴿ مَعْكُوفاً ﴾ أي: محبوساً، والمعكوف هو الحبس، ومنه سمي العاكف والمعتكف.

ثم قوله: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى، فأما الحرم نفسه فليس هو محله؛ فكأنه قال: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان -  - معتمراً، وذكر أنه كان متمتعاً، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله سقط، وخرج عن حكم المتعة، ويعود إلى مكة، وله أن يصرفه إلى ما شاء؛ ألا ترى أن النبي  نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في الحرم؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط، ويخرج عن حكم المتعة.

وفيه أن دم الإحصار لا يجوز أن إراقته إلا في الحرم؛ إذ الحديبية تجمع الحرم والحل جميعاً عندنا، فإنما كان نحرها في الحرم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ أي: تقتلوهم وتهلكوهم ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لولا ما فيها - أعني: في مكة - من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، لأتم لكم الظفر بهم، ودخلتم عليهم، لكن منعكم عن دخولكم مكة؛ لما ذكر.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

قال بعضهم: لزمكم الدية بقتلهم، وكذا روي عن محمد بن إسحاق.

وقال بعضهم: الكفارة.

وقال بعضهم: الإثم والذنب؛ أي: يصيبكم منهم الإثم بقتلكم إياهم؛ وهذا لا يحتمل؛ لأنهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، لا يلحقهم الإثم والذنب؛ لأن الله -  - وضع الإثم عنا فيما لا نعلمه، ولم يضع طريق العلم به، قال الله -  -: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ .

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فيصيبكم من الكفرة وأهل النفاق ما يسوءكم بقتلكم إياهم من اللائمة، والتعيير، وغير ذلك من القيل والقال؛ يقولون: إنهم قتلوا أصحابهم ومن كان على دينهم من أهل الإسلام؛ فيجدون بذلك سبيلا إلى ما ذكرنا، فيسوءكم ذلك، والله أعلم.

والثاني: يصيبكم الأسف والحزن والندامة الدائمة بقتلكم أهل الإيمان وأهل الإسلام إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم، والله أعلم.

ثم المخالف لنا تعلق بهذه الآية في مسألتين: إحداهما: فيمن أسلم ولم يهاجر إلينا: أنه تجب الدية في قتله؛ لقوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وهي غرم الدية.

والثانية: هل يباح الرمي على حصون المشركين إذا كان فيها أسارى المسلمين وأطفال المسلمين، وإحراق الحصون أو الرمي على الكفار الذين تترسوا بأطفال المسلمين؟

قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم، ولا بأس بأن يحرقوا الحصن ويقصدوا به المشركين دون المسلمين، وكذلك إحراق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال مالك: لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين، لم يرموا، ولا يحرق الحصن، ولكن لا بأس بأن يرمى الحصن بالمنجنيق، ونحو ذلك.

وقال الشافعي: لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى وأطفال المسلمين، ولو تترسوا بهم فله قولان.

واحتج هؤلاء [بأن] من عادتهم أنهم كانوا يعبدون ما يهوون ومالت إليهم أنفسهم من الأصنام والأوثان وغيرها، وينصرون من عبدوها، ويدفعون عنهم فيذبون عنها، فجائز أن يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أولئك الأصنام وعبادها، والذب عنهم حمية الجاهلية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر: هو شيء أنزله من السماء؛ لطفاً منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم.

وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان، ولكن أنشأ في قلوبهم ما يسكن به قلوبهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ أي: أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر، وخلقها لهم، ليس أن أنزلها عليهم من مكان إلى مكان، ولكن على الإنشاء والخلق، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ثم السكينة تحتمل أسباباً له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم، والأسباب تختلف.

ويحتمل شيئاً آخر سوى ذلك، وهو اللطف الذي جعل لهم، فسكن قلوبهم بذلك اللطف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ألزمهم كلمة بها يتقون النار.

ثم يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ ﴾ : إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبداً إلى يوم القيامة، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، وذلك أنه لما كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول الله  كتب: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، فقال ذلك: اكتب كذا، لا ندري ما الرحمن الرحيم.

وذلك كلمة التقوى، والله أعلم.

والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ أي: بتلك الكلمة، وكانوا أهلا لها ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي كلمة الإخلاص ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ من الأمم السالفة وأهلها، والله أعلم.

أو كانوا أحق بها في الإظهار في الخلق والقيام بذلك، وكانوا أحق بها في إلزامها في أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قال أهل التأويل: قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ﴾ أي: حقق الله لرسوله الرؤيا التي أراها إياه الحق؛ أي: بالوفاء لذلك.

ويحتمل: أي: صير النبي  صادقاً عندهم فيما أخبرهم أنه رأى، وجعله صادقاً في ذلك؛ والأول أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر: أن ادخلوا المسجد الحرام، وإن كان في الظاهر خبراً؛ كرؤيا إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ  ﴾ ، ثم قال الله -  -: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ  ﴾ دل على أن ما رأى إبراهيم - صلوات الله عليه - من الذبح هو أمر بذلك، فإن كان التأويل هذا فيخرج الثنيا المذكور فيه على أثره، كأنه يقول: ادخلوا المسجد الحرام محلقين ومقصرين إن شاء الله أن تؤمنوا في دخولكم، وإذا لم تأمنوا لم يشأ أن تدخلوه، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ على الوعد، فيخرج الثنيا المذكور على وجهين: أحدهما: على التبرك والتيمن، كما يتبرك بذكر اسمه في فعل يفعله، والله أعلم.

والثاني: على الأمر لكل في نفسه إذا أخبر غيره أنه يدخل أن يقول: إن شاء الله، كما يؤمر بالثنيا من أخبر شيئاً أنه يفعله، كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

ويحتمل أن يذكر الثنيا؛ لأن الوعد في الظاهر وإن كان للجملة كقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ، فجائز أن يكون المراد منه بعض منهم، ليس الجملة؛ لاحتمال أن يموت بعض منهم [و] ألا يكون هو مراداً و[المراد] الجملة، فذكر الثنيا؛ لئلا يكون خلف في الوعد من النبي  ، ثم ما ذكر من رؤيا النبي -  ، وأخبر أنه حققها يحتمل ما ذكر من دخول المسجد الحرام على أثره، فإن كان ذلك؛ فيكون قوله  : ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ هو تفسير لتلك الرؤيا.

وجائز أن تكون الرؤيا في غير ذلك.

وقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ابتداء وعد وأمر من الله  ، وكذلك ما ذكر من قوله حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ  ﴾ .

يحتمل ما ذكر في هذه الآية: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل غير هذا أيضاً، وقد أخبر أنه حققها وصدقها، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ .

يخبر أنهم يدخلون المسجد الحرام محلقين مقصرين.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في إبتداء الإحرام، يخرج على التزين على ما يزين المحرم في ابتداء إحرامه من نحو التطيب واللباس والحلق والتقصير، ونحو ذلك، يخبر أنهم يدخلون على التزين في المسجد الحرام آمنين من الكفار، فإن كان على ذلك فهو على الثياب والطيب وغير ذلك.

وذكر أن النبي  كان معتمرا، فسميت تلك عمرة القضاء؛ حيث منع في عام الحديبية وكان معتمرا [فسميت] تلك عمرة وإن حاجا فيكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ بعد رجوعهم من منى إلى طواف الزيارة في ذلك الوقت يكونون محلقين مقصرين، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في أمره رسوله  بالخروج للحج عام الحديبية على علم منه أنه لا يصل إلى مكة وأنه يحال بينه وبين دخول مكة وقضاء النسك، ولا يحتمل إلى ذلك إلا بأمر من الله  ، ليس هو كغيره من الناس أنهم يفعلون أفعالا بلا أمر، ثم يمنعون أو ينهون عن ذلك، فأما رسول الله  فلا يفعل شيئاً إلا عن أمر منه له بذلك.

قيل: يحتمل إنما أمر بذلك مع علمه بأنهم يمنعون عن ذلك؛ تعليما منه رسوله وأمته حكم الإحصار: أن من حصر عن الحج، ومنع عن دخول مكة؛ لقضاء النسك، ماذا يلزمه؟

وبم يخرج منه؟

ولله  أن يعلم خلقه أحكام شريعته مرة بأمر يأمرهم بذلك، أو بخبر يخبرهم، ومرة بفعل النبي  يمتحنهم بما شاء، له الحكم والأمر في الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافُونَ ﴾ .

أي: تدخلون مكة آمنين، لا تخافون عدوكم، ولا منعهم إياكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: علم ما وعد لكم من فتح خيبر وغنائمه ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم ما أرى وصوله  من الرؤيا وتحقيقها ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم في رجوعكم عن الحديبية أشياء لم تعلموها أنتم من إظهار ما أظهر من نفاق أهل النفاق فيهم، وأهل الاضطراب من المحققين والمصدقين وغير ذلك، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - في قوله  : ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يقول: إن ذلك الدخول أي سنة؟

ولم تعلموا أنتم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ .

قال بعضهم: جعل من قبل أن يدخلوا مكة ﴿ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ ، أي: عاجلا فتح خيبر، والله أعلم.

وقول أهل التأويل: إنه اشتد على الناس رجوعهم من الحديبية وصدهم المشركون عما قصدوا، بعدما أخبرهم الرسول  أنه رأى في المنام أنهم يدخلون على ما وقع عندهم أن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حق كالوحي.

لكن هذا لا يحتمل من المسلمين ما يحتمل من المنافقين على ما ذكر أنهم قالوا حين أخبر رسول الله  بالحديبية أن الرؤيا [كذب] أو كلام نحوه؛ فكل هذا يحتمل من المنافقين، فأما من المسلمين فلا يحتمل أن يقع في قلوبهم شيء من ذلك؛ لما لم يكن في الآية بيان ولا توقيت أنهم متى يدخلون؟

بل فيها الوعد بالدخول ليس فيها أنه متى؟

ألا ترى أن يوسف -  - رأى رؤيا وخرجت بعد أربعين سنة أو أقل أو أكثر؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يخفى عليهم إذا لم يكن في الوعد توقيت أنه يجوز أن يتأخر أو يتقدم، والله أعلم.

ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول الله  ؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم إن ثبت له الأمر بذلك على علم من الله  أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن الله  قد يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم  بذبح ولده، ثم كان حقيقة المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: أرسله بالهدى من كل ضلال أو حيرة.

أو أرسله بالبيان من كل عمى وشبهة، وهو هذا القرآن الذي سماه مرة: هدى، ورحمة، ونورا، ونحو ذلك، وهو ما وصفه - عز وجل - أن من تمسك به يكون ما ذكر هدى من كل ضلالة وحيرة، ونورا من كل ظلمة، وبيانا من كل عمى وشبهة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

جائز أن يكون الحق هو نعت الدين وهو الإسلام، وهو الدين الحق، وسائر الأديان باطلة.

ويحتمل أن يكون قوله  : ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ ؛ أي: دين الإله الذي هو الإله الحق، وهو الإله المستحق الألوهية وغيره من الأديان دين الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

الإظهار: هو الغلبة، ثم تخرج غلبته على الدين كله على وجهين: أحدهما: أي: غلب هذا الدين على الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق، وأنه من عند الله جاء، وقد كان بحمد الله كما ذكر، حتى عرف أهل الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق إلا من كابر عقله وعاند الحق أو غفل عن دلائله، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: يغلب على الأديان كلها، أي: يغلب على أهل الأديان كلهم حتى يصير أهل الإسلام ظاهرين غالبين من بين غيرهم، ويتوارى جميع أهل الأديان ويختفوا، ولكن ذلك في وقت دون وقت، وهو الوقت الذي ذكره بعض أهل التأويل، وهو في قوت خروج عيسى -  - يصير أهل الأديان كلهم أهل دين واحد وهو الإسلام.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، أي: يظهر ما يحتاج أهل هذا الدين كله وما حدث لهم من الحاجة - على الأديان كلها، بما ضمن في القرآن معاني تقع الكفاية بها في الحوادث كلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بأن ما جاء به سيدنا محمد  ، إنما جاء به من عند الله، فإن كان التأويل هذا، فإنما تكون هذه الشهادة في الآخرة.

والثاني: يحتمل قوله  : ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بما أنشأه له من الآيات والحجج شهادة منه على رسالته وبنوبته، وذلك في الدنيا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق حين أراه إياها في منامه وأخبر بها أصحابه، وهي أنه هو وأصحابه يدخلون بيت الله الحرام آمنين من عدوّهم، منهم المحلِّقون رؤوسهم، ومنهم المقصِّرون إيذانًا بنهاية النُّسُك.

فعَلم الله من مصلحتكم -أيها المؤمنون- ما لم تعلموا أنتم، فجعل من دون تحقيق الرؤيا بدخول مكة تلك السَّنَةَ فتحًا قريبًا، وهو ما أجراه الله من صلح الحديبية، وما تبعه من فتح خيبر على أيدي المؤمنين الذين حضروا الحديبية.

<div class="verse-tafsir" id="91.9pMKx"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله