الآية ٢٨ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٨ من سورة الفتح

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى ، مبشرا للمؤمنين بنصرة الرسول صلوات الله [ وسلامه ] عليه على عدوه وعلى سائر أهل الأرض : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ) أي : بالعلم النافع والعمل الصالح ; فإن الشريعة تشتمل على شيئين : علم وعمل ، فالعلم الشرعي صحيح ، والعمل الشرعي مقبول ، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل ، ( ليظهره على الدين كله ) أي : على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض ، من عرب وعجم ومليين ومشركين ، ( وكفى بالله شهيدا ) أي : أنه رسوله ، وهو ناصره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) يعني تعالى ذكره بقوله ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) الذي أرسل رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالبيان الواضح, وَدِين الحَق, وهو الإسلام; الذي أرسله داعيا خلقه إليه ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) يقول: ليبطل به الملل كلها, حتى لا يكون دين سواه, وذلك كان كذلك حتى ينـزل عيسى ابن مريم, فيقتل الدجال, فحينئذ تبطل الأديان كلها, غير دين الله الذي بعث به محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, ويظهر الإسلام على الأديان كلها.

وقوله ( وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أشهدك يا محمد ربك على نفسه, أنه سيظهر الدين الذي بعثك به ( وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) يقول: وحسبك به شاهدا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد, قال.

ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا أبو بكر الهُذَليّ, عن الحسن ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الدين كله, وهذا إعلام من الله تعالى نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, والذين كرهوا الصلح يوم الحديبية من أصحابه, أن الله فاتح عليهم مكة وغيرها من البلدان, مسليهم بذلك عما نالهم من الكآبة والحزن, بانصرافهم عن مكة قبل دخولهموها, وقبل طوافهم بالبيت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا .قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله أي يعليه على كل الأديان .

فالدين اسم بمعنى المصدر ، ويستوي لفظ الواحد والجمع فيه .

وقيل : أي : ليظهر رسوله على الدين كله ، أي : على الدين الذي هو شرعه بالحجة ثم باليد والسيف ، ونسخ ما عداه .وكفى بالله شهيدا شهيدا نصب على التفسير ، والباء زائدة ، أي : كفى الله شهيدا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وشهادته له تبين صحة نبوته بالمعجزات .

وقيل : شهيدا على ما أرسل به لأن الكفار أبوا أن يكتبوا : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أخبر بحكم عام، فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى } الذي هو العلم النافع، الذي يهدي من الضلالة، ويبين طرق الخير والشر.{ وَدِينِ الْحَقِّ } أي: الدين الموصوف بالحق، وهو العدل والإحسان والرحمة.وهو كل عمل صالح مزك للقلوب، مطهر للنفوس، مرب للأخلاق، معل للأقدار.{ لِيُظْهِرَهُ } بما بعثه الله به { عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } بالحجة والبرهان، ويكون داعيا لإخضاعهم بالسيف والسنان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) على أنك نبي صادق فيما تخبر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره» أي دين الحق «على الدين كله» على جميع باقي الأديان «وكفى بالله شهيدا» أنك مرسل بما ذكر كما قال الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الذي أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، بالبيان الواضح ودين الإسلام؛ ليُعْليه على الملل كلها، وحسبك -أيها الرسول- بالله شاهدًا على أنه ناصرك ومظهر دينك على كل دين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ) ..أى : هو - عز وجل - وحده ، الذى أرسل رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إرسالا ملتبسا الهدى ، أى : بالدليل الواضح والبرهان الساطع الذى يهدى للطريق التى هى أقوم .

.وأرسله - أيضا - بالدين الحق وهو دين الإِسلام ، الذى هو خاتم الأديان ، وأكملها ، ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ) أى : من أجل أن يظهره ويعليه على جميع الأديان ، لما فيه من هدايات ، وعبادات ، وآداب ، وأحكام ، وتشريعات ، قد جمعت محاسن الأديان السابقة التى جاء بها الأنبياء ، وأضافت إليها جديدا اقتضته حكمة الله - تعالى - ورحمته بهذه الأمة التى أرسل رسوله محمدا إليها .وقد بين - سبحانه - أن هذا الدين هو المقوبل عنده دون سواه ، فقال ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين ) ولقد ظهر هذا الدين فعم المشارق ، والمغارب ، وسيبقى - بإذن الله - ظاهرا عل الأديان كلها بقوة حجته ، ونصاعة براهينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .والباء فى قوله : ( وكفى بالله شَهِيداً ) مزيدة لتأكيد هذا الإِظهار .أى : وكفى بشهادة الله - تعالى - شهادة على حقية هذا الدين ، وعلى هذا الإِظهار الذى تكفل الله - تعالى - به لدين الإِسلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ وكفى بالله شَهِيداً * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً ﴾ .

تأكيداً لبيان صدق الله في رسوله الرؤيا، وذلك لأنه لما كان مرسلاً لرسوله ليهدي، لا يريد ما لا يكون مهدياً للناس فيظهر خلافه، فيقع ذلك سبباً للضلال، ويحتمل وجوهاً أقوى من ذلك، وهو أن الرؤيا بحيث توافق الواقع تقع لغير الرسل، لكن رؤية الأشياء قبل وقوعها في اليقظة لا تقع لكل أحد فقال تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ﴾ وحكى له ما سيكون في اليقظة، ولا يبعد من أن يريه في المنام ما يقع فلا استبعاد في صدق رؤياه، وفيها أيضاً بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ أي من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة له و(الهدى) يحتمل أن يكون هو القرآن كما قال تعالى: ﴿ أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لّلنَّاسِ  ﴾ وعلى هذا ﴿ دِينَ الحق ﴾ هو ما فيه من الأصول والفروع، ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالحق أي مع الحق إشارة إلى ما شرع، ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصول و ﴿ دِينَ الحق ﴾ هو الأحكام، وذلك لأن من الرسل من لم يكن له أحكام بل بين الأصول فحسب، والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للاستغراق أي كل ما هو هدى، ويحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء  ﴾ وهو إما القرآن لقوله تعالى: ﴿ كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ  ﴾ إلى أن قال: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء  ﴾ وإما ما اتفق عليه الرسل لقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده  ﴾ والكل من باب واحد لأن ما في القرآن موافق لما اتفق عليه الأنبياء وقوله تعالى: ﴿ وَدِينِ الحق ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون الحق اسم الله تعالى فيكون كأنه قال: بالهدى ودين الله.

وثانيها: أن يكون الحق نقيض الباطل فيكون كأنه قال: ودين الأمر الحق.

وثالثها: أن يكون المراد به الانقياد إلى الحق والتزامه ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ أي أرسله بالهدى وهو المعجز على أحد الوجوه ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ أي جنس الدين، فينسخ الأديان دون دينه، وأكثر المفسرين على أن الهاء في قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ راجعة إلى الرسول، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق أي أرسل الرسول بالدين الحق ليظهره أي ليظهر الدين الحق على الأديان، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل للاظهار هو الله، ويحتمل أن يكون هو النبي أي ليظهر النبي دين الحق، وقوله تعالى: ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ أي في أنه رسول الله وهذا مما يسلي قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد الكفار عليهم العهد المكتوب، وقالوا لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول الله بل اكتبوا محمد بن عبد الله، فقال تعالى: ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ في أنه رسول الله، وفيه معنى لطيف وهو أن قول الله مع أنه كاف في كل شيء، لكنه في الرسالة أظهر كفاية، لأن الرسول لا يكون إلا بقول المرسل، فإذا قال ملك هذا رسولي، لو أنكر كل من في الدنيا أنه رسول فلا يفيد إنكارهم فقال تعالى أي خلل في رسالته بإنكارهم مع تصديقي إياه بأنه رسولي، وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله ﴾ فيه وجوه: أحدها: خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذي سبق ذكره بقوله: ﴿ أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ ورسول الله عطف بيان.

وثانيها: أن محمداً مبتدأ خبره رسول الله وهذا تأكيد لما تقدم لأنه لما قال: ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ ولا تتوقف رسالته إلا على شهادته، وقد شهد له بها محمد رسول الله من غير نكير.

وثالثها: وهو مستنبط وهو أن يقال: ﴿ مُحَمَّدٌ ﴾ مبتدأ و ﴿ رَسُولِ الله ﴾ عطف بيان سيق للمدح لا للتمييز ﴿ والذين مَعَهُ ﴾ عطف على محمد، وقوله: ﴿ أَشِدَّاءُ ﴾ خبره، كأنه تعالى قال: ﴿ والذين مَعَهُ ﴾ جميعهم ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين  ﴾ وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فكما في قوله: ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ  ﴾ وقال في حقه ﴿ بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وعلى هذا قوله: ﴿ تَرَاهُمْ ﴾ لا يكون خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكون عاماً أخرج مخرج الخطاب تقديره أيها السامع كائناً من كان، كما قلنا إن الواعظ يقول انتبه قبل أن يقع الانتباه ولا يريد به واحداً بعينه، وقوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً ﴾ لتمييز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم، وركوع المرائي وسجوده، فإنه لا يبتغي به ذلك.

وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال الراكعون والساجدون ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ  ﴾ وقال الراكع يبتغي الفضل ولم يذكر الأجر لأن الله تعالى إذا قال لكم أجر كان ذلك منه تفضلاً، وإشارة إلى أن عملكم جاء على ما طلب الله منكم، لأن الأجرة لا تستحق إلا على العمل الموافق للطلب من المالك، والمؤمن إذا قال أنا أبتغي فضلك يكون منه اعترافاً بالتقصير فقال: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله ﴾ ولم يقل أجراً.

وقوله تعالى: ﴿ سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ نُورُهُمْ يسعى  ﴾ وعلى هذا فنقول نورهم في وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر السموات والارض  ﴾ ومن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه، فيتبين على وجهه النور منبسطاً، مع أن الشمس لها نور عارضي يقبل الزوال، والله نور السموات والأرض فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في وجهه نور يبهر الأنوار وثانيهما: أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود والثاني: ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين ليلاً من الحسن نهاراً، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر.

وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ فيه ثلاثة أوجه مذكورة أحدها: أن يكون ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ، و ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ﴾ خبراً له، وقوله تعالى: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ خبراً مبتدأ محذوف تقديره ومثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع.

وثانيها: أن يكون خبر ذلك هو قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ وقوله: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ﴾ مبتدأ وخبره كزرع.

وثالثها: أن يكون ذلك إشارة غير معينة أوضحت بقوله تعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ كقوله: ﴿ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ  ﴾ وفيه وجه رابع: وهو أن يكون ذلك خبراً له مبتدأ محذوف تقديره هذا الظاهر في وجوههم ذلك يقال ظهر في وجهه أثر الضرب، فنقول أي والله ذلك أي هذا ذلك الظاهر، أو الظاهر الذي تقوله ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع ﴾ .

أي وصفوا في الكتابين به ومثلوا بذلك وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفاً وله نمو إلى حد الكمال، فكذلك المؤمنون، والشطء الفرخ و ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ يحتمل أن يكون المراد أخرج الشطء وآزر الشطء، وهو أقوى وأظهر والكلام يتم عند قوله: ﴿ يُعْجِبُ الزراع ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار ﴾ أي تنمية الله ذلك ليغيظ أو يكون الفعل المعلل هو.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ أي وعد ليغيظ بهم الكفار يقال رغماً لأنفك أنعم عليه.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض، ويحتمل أن يقال هو للتبعيض، ومعناه: ليغيظ الكفار والذين آمنوا من الكفار لهم الأجر العظيم، والعظيم والمغفرة قد تقدم مراراً والله تعالى أعلم، وهاهنا لطيفة وهو أنه تعالى قال في حق الراكعين والساجدين إنهم ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله ﴾ وقال: لهم أجر ولم يقل لهم ما يطلبونه من ذلك الفضل وذلك لأن المؤمن عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجراً يعتد به، فقال لا أبتغي إلا فضلك، فإن عملي نزر لا يكون له أجر والله تعالى آتاه ما آتاه من الفضل وسماه أجراً إشارة إلى قبول عمله ووقوعه الموقع وعدم كونه عند الله نزراً لا يستحق عليه المؤمن أجراً، وقد علم بما ذكرنا مراراً أن قوله: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ لبيان ترتب المغفرة على الإيمان فإن كل مؤمن يغفر له كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ والأجر العظيم على العمل الصالح، والله أعلم.

قال المصنف رحمه الله تعالى: تمّ تفسير هذه السورة يوم الخميس السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بالهدى وَدِينِ الحق ﴾ بدين الإسلام ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ليعليه ﴿ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ على جنس الدين كله، يريد: الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب: وقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة.

وقيل: هو عند نزول عيسى حين لا يبقى على وجه الأرض كافر.

وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات.

وفي هذه الآية تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنّ الله تعالى سيفتح لهم من البلاد ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون إليه من فتح مكة ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ على أنّ ما وعده كائن.

وعن الحسن رضي الله عنه: شهد على نفسه أنه سيظهر دينك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا ﴾ رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ وأصْحابَهُ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا وحَسِبُوا أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في عامِهِمْ، فَلَمّا تَأخَّرَ قالَ بَعْضُهم واللَّهِ ما حَلَقْنا ولا قَصَّرْنا ولا رَأْيْنا البَيْتَ فَنَزَلَتْ والمَعْنى صَدَّقَهُ في رُؤْياهُ.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ فَإنَّ ما رَآهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ وهو العامُ القابِلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ وهو القَصْدُ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الثّابِتِ عَلى الإيمانِ والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وأنْ يَكُونَ قَسَمًا إمّا باسِمِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِنَقِيضِ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ جَوابُهُ وعَلى الأوَّلَيْنِ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَةِ.

بِالمَشِيئَةِ تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ، أوْ إشْعارًا بِأنَّ بَعْضَهم لا يَدْخُلُ لِمَوْتٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ حِكايَةً لِما قالَهُ مَلَكُ الرُّؤْيا، أوِ النَّبِيُّ  لِأصْحابِهِ.

﴿ آمِنِينَ ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ.

﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ أيْ مُحَلِّقًا بَعْضُكم ومُقَصِّرًا آخَرُونَ.

﴿ لا تَخافُونَ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ لا تَخافُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ مِنَ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ ذَلِكَ.

﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ مِن دُونِ دُخُولِكُمُ المَسْجِدَ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ.

﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ لِيَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يَتَيَسَّرَ المَوْعُودُ.

﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ أوْ بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ.

﴿ وَدِينِ الحَقِّ ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ.

﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُغَلِّبَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ كُلِّهِ بِنَسْخِ ما كانَ حَقًّا وإظْهارِ فَسادِ ما كانَ باطِلًا، أوْ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِهِ إذْ ما مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما وعَدَهُ مِنَ الفَتْحِ.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ كائِنٌ أوْ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى} بالتوحيد {وَدِينِ الحق} أي الإسلام {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه {عَلَى الدين كُلِّهِ} على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من اديات المشركين وأهل الكتاب ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العزة والغلبة وقيل هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الارض كافر وقيل هو اظهار بالحجج والآيات {وكفى بالله شَهِيداً} على أن ما وعده كائن وعن الحسن شهد على نفسه أنه سيظهر دينه والتقدير وكفاه الله شهيدا وشهيد تمييز أو حال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِهِ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، والتِباسُهُ بِالهُدى بِمَعْنى أنَّهُ هادٍ، وقِيلَ: أيْ مُصاحِبًا لِلْهُدى، والمُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ الواضِحُ والحُجَّةُ السّاطِعَةُ أوِ القُرْآنُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ وهُما مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلَ أيْ أرْسَلَهُ بِسَبَبِ الهُدى أوْ لِأجْلِهِ ﴿ ودِينِ الحَقِّ ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالهُدى الأُصُولُ وبِدِينِ الحَقِّ الفُرُوعُ فَإنَّ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن لَمْ يُرْسَلْ بِالفُرُوعِ وإنَّما أُرْسِلَ بِالأُصُولِ وتِبْيانِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ نَقِيضُ الباطِلِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى أيْ ودِينُ اللَّهِ الحَقُّ، وجَوَّزَ الإمامُ غَيْرَ ذَلِكَ أيْضًا ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُعْلِيَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ بِجَمِيعِ أفْرادِهِ أيْ ما يُدانُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمِلَلِ فَيَشْمَلُ الحَقَّ والباطِلَ، وأصْلُ الإظْهارِ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ فَلِذا كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْلاءِ وعَنْ جَعْلِهِ بادِيًا لِلرّائِي ثُمَّ شاعَ في ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وإظْهارُهُ عَلى الحَقِّ بِنَسْخِ بَعْضِ أحْكامِهِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ، وعَلى الباطِلِ بِبَيانِ بُطْلانِهِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ بِحَسَبِ المَقامِ، أنْ يَكُونَ إظْهارُهُ عَلى الدِّينِ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ وقالُوا: ما مِن أهْلِ دِينٍ حارَبُوا المُسْلِمِينَ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، ويَكْفِي في ذَلِكَ اسْتِمْرارُ ما ذُكِرَ زَمانًا مُعْتَدًّا بِهِ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِينَ عَلى كُتُبِ التَّوارِيخِ والوَقائِعِ، وقِيلَ: إنَّ تَمامَ هَذا الإعْلاءِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ لا يَبْقى حِينَئِذٍ دِينٌ سِوى الإسْلامِ، ووُقُوعُ خِلافِ ذَلِكَ بَعْدُ لا يَضُرُّ إمّا لِنَحْوِ ما سَمِعْتَ وإمّا لِأنَّ الباقِيَ مِنَ الدُّنْيا إذْ ذاكَ كُلًّا شَيْءٌ، وفي الجُمْلَةِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الفَتْحِ وتَوْطِينٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ تَعالى سَيَفْتَحُ لَهم مِنَ البِلادِ ويُتِيحُ لَهم مِنَ الغَلَبَةِ عَلى الأقالِيمِ ما يَسْتَقِلُّونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَتْحَ مَكَّةَ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى أنَّ ما عَدَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن إظْهارِ دِينِهِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ أوِ الفَتْحِ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلى رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ادَّعاها وأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ عَلى يَدِهِ وذَلِكَ شَهادَةٌ مِنهُ تَعالى عَلَيْها، واقْتَصَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّازِّيُّ وجَعَلَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً عَمّا وقَعَ مِن سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إذْ لَمْ يَرْضَ بِكِتابَةِ ﴿ ”مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ“ ﴾ وقالَ ما قالَ.

وجَعَلَ بَعْضُ الأفاضِلِ إظْهارَ المُعْجِزَةِ شَهادَةً مِنهُ تَعالى عَلى تَحَقُّقِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا ولا يَظْهَرُ إلّا بِضَمِّ إخْبارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ يعني: حقق الله تعالى رؤيا رسول الله  بالوفاء، والصدق، وذلك أن النبيّ  رأى في المنام قبل الخروج إلى الحديبية، أنهم يدخلون المسجد الحرام.

فأخبر الناس بذلك، فاستبشروا.

فلما صدهم المشركون، قالت المنافقون في ذلك ما قالت.

فنزل لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ يعني: يصدق رؤياه بالحق لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعني: ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام في العام الثاني.

ويقال: نزلت الآية بعد من دخلوا في العام الثاني لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعني: ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ يعني: لتدخلن إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ يعني: بإذن الله، وأمره.

ويقال: هذا اللفظ حكاية الرؤيا.

وذلك أن النبي  حين رأى في المنام، رأى كأن ملكاً ينادي وهو يقول: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله، فأنزل الله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ وهو قول الملك لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من العدو مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ يعني: منهم من يحلق، ومنهم من يقصر لاَ تَخافُونَ العدو فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا قال مقاتل: فعلم أن يفتح عليهم خيبر قبل ذلك، فوعد لهم الفتح، ثم دخول مكة، ففتحوا خيبر، ثم رجعوا، ثم دخلوا مكة، وأتوا عمرة القضاء.

وقال الكلبي في قوله: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا يعني: علم الله أنه سيكون في السنة الثانية، ولم تعلموا أنتم، فلذلك وقع في أنْفسكم ما وقع فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يعني: بالتوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وَدِينِ الْحَقِّ وهو الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: على الأديان كلها قبل أن تقوم الساعة.

فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بأن محمداً رسول الله  ، وإن لم يشهد كفار مكة، وذلك حين أراد أن يكتب محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: إنا لا نعرف بأنك رسول الله ولا نشهد.

قال الله عزّ وجلّ: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وإن لم يشهد سهيل، وأهل مكة.

قال عز وجل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ بالغلظة رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعني: متوادّين فيما بينهم تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يعني: يكثرون الصلاة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني: يلتمسون من الحلال.

وقال بعضهم: وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني: أبا بكر أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ يعني: عمر رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعني: عثمان تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يعني: عليّاً رضوان الله عليهم أجمعين يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني: الزبير، وعبد الرحمن بن عوف سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ يعني: علاماتهم، وهي الصفرة في وجوههم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يعني: من السهر بالليل.

ويقال: يعرفون غُرّاً محجلين يوم القيامة، من أثر الوضوء.

وقال مجاهد: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قال: الخشوع، والوقار.

وقال منصور: قلت لمجاهد: أهذا الذي يكون بين عيني الرجل؟

قال: إن ذلك قد يكون للرجل، وهو أقسى قلباً من فرعون.

ثم قال: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ يعني: هذا الذي ذكره من نعتهم، وصفتهم في التوراة.

ثم ذكر نعتهم في الإنجيل فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ يعني: مثل محمد  وأصحابه كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ.

روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: مثلهم في التوراة، والإنجيل واحد.

قال: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ قرأ ابن كثير، وابن عامر: شَطْأَهُ بنصب الشين، والطاء.

والباقون: بنصب الشين، وجزم الطاء.

ومعناهما واحد.

وهو فراخ الزرع.

وقال مجاهد: شَطْأَهُ يعني: قوائمه.

قرأ ابن عامر: فَازَرَهُ بغير مد.

والباقون بالمد ومعناهما واحد.

يعني: قواه.

ومنه قوله عز وجل: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه: 31] يعني: أقوي به ظهري.

ويقال: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني: سنبله فَآزَرَهُ يعني: أعانه وقواه.

فَاسْتَغْلَظَ يعني: غلظ الزرع، واستوى.

فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ وهو جماعة الساق يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ يعني: الزارع إذا نظر في زرعه بعد ما استغلظ، واستوى، يعجبه ذلك.

فكذلك النبيّ  ، تبعه أبو بكر، ثم تبعه عمر، ثم تبعه واحد بعد واحد من أصحابه، حتى كثروا ففرح النبيّ  بذلك لكثرتهم.

لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني: أهل مكة يكرهون ذلك لما رأوا من كثرة المسلمين، وقوتهم.

وروى خيثمة عن عبد الله بن مسعود  أنه كان يقرئهم القرآن في المسجد، فأتى على هذه الآية: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فقال: أنتم الزرع، وقد دنا حصادكم.

ويقال: كَزَرْعٍ يعني: محمدا  .

أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني: أبا بكر فَآزَرَهُ يعني: أعانه عمر على كفار مكة فَاسْتَغْلَظَ يعني: تقوى بنفقة عثمان فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يعني: قام على أمره علي بن أبي طالب يعينه، وينصره على أعدائه.

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني: طلحة، والزبير.

وكان الكفار يكرهون إيمان طلحة والزبير لشدة قوتهما، وكثرة أموالهما.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ يعني: لهم.

ويقال: فيما بينهم، وبين ربهم.

ويقال: مِنْ هاهنا لإبانة الجنس.

يعني: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ أي: من أصحاب النبيّ  مَغْفِرَةً لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً يعني: ثواباً وافراً في الجنة.

روي عن رسول الله  أنه قال: «من قرأ سُوَرَةَ الفَتْحِ فَكَأنَّمَا شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ  » .

والله سبحانه أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع «١» : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- صلّى الله عليه وسلّم-.

ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨)

وقوله سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...

الآية: «رُوِيَ في تفسيرها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» «٢» وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون: وأين الرؤيا؟

ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بأَنْ قَالَ: «وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا» ، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه «٣» ، ثم أنزل الله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...

الآية، واللام في: لَتَدْخُلُنَّ لامُ القَسَمِ.

وقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء: إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، / أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة إذ فيهم- ولا بُدَّ- مَنْ يموتُ أو يمرض.

ت: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون: هو أخذ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ أُرِيَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةَ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ ورَأى كَأنَّهُ هو وأصْحابُهُ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَفَرِحُوا، فَلَمّا خَرَجُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ حَسِبُوا أنَّهم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ في عامِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا قالَ المُنافِقُونَ: أيْنَ رُؤْياهُ الَّتِي رَأى؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَخَلُوا في العامِ المُقْبِلِ.» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ "إنَّ" بِمَعْنى "إذْ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَهُ، والخَلْقُ يَسْتَثْنُونَ فِيما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ ثَعْلَبٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهم سَيَدْخُلُونَهُ، ولَكِنِ اسْتَثْنى عَلى ما أمَرَ الخَلْقَ بِهِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى دُخُولِ بَعْضِهِمْ أوْ جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ الحِكايَةِ لِما رَآهُ النَّبِيُّ  في المَنامِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

والسّادِسُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى الأمْنِ والخَوْفِ، فَأمّا الدُّخُولُ، فَلا شَكَّ فِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ العَدُوِّ ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ مِنَ الشَّعْرِ ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ عَدُوًّا.

﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في الصُّلْحِ.

والثّانِي: أنَّ في تَأْخِيرِ الدُّخُولِ صَلاحًا.

والثّالِثُ: فَعَلِمَ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكم خَيْبَرَ قَبْلَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ إسْحاقَ.

وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ كانَ فَتْحًا في أوَّلِ السُّورَةِ.

وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [بَراءَةٍ: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ شَهِدَ لَهُ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: كَفى بِهِ شَهِيدًا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِنَ أثَرِ السُجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارِ وعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  رَأى في مَنامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلى العُمْرَةِ أنَّهُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ هو وأصْحابُهُ، بَعْضُهم مُحَلِّقُونَ وبَعْضُهم مُقَصِّرُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرى ذَلِكَ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَأخْبَرَ الناسَ بِهَذِهِ الرُؤْيا، ووَثِقَ الجَمِيعُ بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في وُجْهَتِهِمْ تِلْكَ، وقَدْ كانَ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، لَكِنْ لَيْسَ في تِلْكَ الجِهَةِ، ورُوِيَ أنَّ رُؤْياهُ  إنَّما كانَتْ أنَّ مَلِكًا جاءَهُ فَقالَ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ ، وأنَّهُ بِهَذا أعْلَمُ الناسِ، فَلَمّا قَضى اللهُ تَعالى بِالصُلْحِ في الحُدَيْبِيَةِ، وأخَذَ رَسُولُ اللهِ  في الصَدْرِ، وقالَ المُنافِقُونَ: وأيْنَ الرُؤْيا؟

ووَقَعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُؤْيا بِالحَقِّ ﴾ ، و ﴿ "صَدَقَ" ﴾ هَذِهِ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، واللامُ في ﴿ "لَتَدْخُلُنَّ" ﴾ لامُ القَسَمِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ "صَدَقَ"؛ لِأنَّها مِن قَبِيلِ: تُبَيِّنُ وتُحَقِّقُ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يُعْطِي القَسَمَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَلَكِ المُخْبِرِ لِلنَّبِيِّ  في قَوْلِهِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَتَهُ كَما وقَعَتْ، وقالَ آخَرُونَ: هو أخْذٌ مِنَ اللهِ تَعالى عِبادَهُ بِأدَبِهِ في اسْتِعْمالِ الِاسْتِثْناءِ في كُلِّ فِعْلٍ يُوجِبُ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ ولا بُدَّ، أو كانَ مِمّا قَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما اسْتَثْنى مِن حَيْثُ كَلُّ واحِدٍ مِنَ الناسِ مَتى رَدَّ هَذا الوَعْدَ إلى نَفْسِهِ أمْكَنَ أنْ يَتِمَّ الوَعْدُ فِيهِ وأنْ لا يَتِمَّ، إذْ قَدْ يَمُوتُ الإنْسانُ أو يَمْرَضُ أو يَغِيبُ، وكُلُّ واحِدٍ في ذاتِهِ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِثْناءِ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى عَزَّ وجَلَّ في الجُمْلَةِ إذْ فِيهِمْ ولا بُدَّ مَن يَمُوتُ، وقالَ آخَرُونَ: اسْتَثْنى لِأجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "آمِنِينَ" ﴾ لا لِأجْلِ إعْلامِهِ بِالدُخُولِ، فَكَأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُؤَخَّرٌ عن مَوْضِعِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ مِن أجْلِ الأمْنِ أو مِن أجْلِ الدُخُولِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أخْبَرَ بِهِما ووَقَعَتِ الثِقَةُ بِالأمْرَيْنِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أيِّهِما كانَ فَهو اسْتِثْناءٌ مِن واجِبٍ.

وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" بِمَعْنى "إذْ" فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: "إذْ شاءَ اللهُ، وهَذا حَسَنٌ في مَعْناهُ لَكِنَّ كَوْنَ "إنْ" بِمَعْنى "إذْ" غَيْرُ مَوْجُودٍ في لِسانِ العَرَبِ، ولِلنّاسِ بَعْدُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أقْوالٌ مُخَلَّطَةٌ غَيْرَ هَذِهِ لا طائِلَ فِيها اخْتَصَرْتُها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنْ شاءَ اللهُ لا تَخافُونَ" بَدَلُ "آمِنِينَ".

ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ تِلْكَ الرُؤْيا فِيما يَسْتَأْنِفُونَهُ مِنَ الزَمانِ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِذَلِكَ وسَكَنَتْ، فَخَرَجَتْ في العامِ المُقْبِلِ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ  إلى مَكَّةَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، ودَخَلَها ثَلاثَةَ أيّامٍ هو وأصْحابُهُ، وصَدَقَتْ رُؤْياهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ يُرِيدُ ما قَدَّرَهُ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ في تِلْكَ المُدَّةِ ودُخُولِ الناسِ فِيهِ، وما كانَ أيْضًا بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ دَفَعَ اللهُ تَعالى بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ وفِيما يَدْنُو إلَيْكم.

واخْتَلَفَ الناسُ في الفَتْحِ القَرِيبِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْعَةُ الرِضْوانِ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ الصُلْحُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِلنَّبِيِّ  : أوَ فَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: نَعَمْ،» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الفَتْحُ القَرِيبُ هو فَتْحُ مَكَّةَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ مِن دُونِ دُخُولِ النَبِيِّ  وأصْحابِهِ مَكَّةَ، بَلْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعامٍ، لِأنَّ الفَتْحَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ "الفَتْحُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ كُلَّ ما وقَعَ لِلنَّبِيِّ  فِيهِ ظُهُورٌ وفَتْحٌ عَلَيْهِ، وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ في تَرْتِيبِ أعْوامِ هَذِهِ الأخْبارِ عن قُطْرُبٍ قَوْلًا خَطَأً جَعَلَ فِيهِ الفَتْحَ سَنَةَ عَشْرٍ، وجُعِلَ حَجُّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَبْلَ الفَتْحِ، وذَلِكَ كُلُّهُ تَخْلِيطٌ وخَوْضٌ فِيما لَمْ يُتْقِنْهُ مَعْرِفَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، تَعْظِيمٌ لِأمْرِ رَسُولِ اللهِ  ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، ورَأى بَعْضُ الناسِ "أنَّ" لَفْظَةَ "لِيُظْهِرَهُ" تَقْتَضِي مَحْوَ غَيْرِهِ بِهِ فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّ هَذا الخَبَرَ يَظْهَرُ لِلْوُجُودِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، فَإنَّهُ لا يَبْقى في وقْتِهِ دِينٌ إلّا الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيِّ والثَعْلَبِيِّ، ورَأى قَوْمٌ أنَّ الإظْهارَ هو الإعْلاءُ وإنْ بَقِيَ مِنَ الدِينِ الآخَرِ أجْزاءٌ، وهَذا مَوْجُودٌ الآنَ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَمَّ أكْثَرَ الأرْضِ وظَهَرَ عَلى كُلِّ دِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ مَعْناهُ: شاهِدًا، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: شاهِدًا عِنْدَكم بِهَذا الخَبَرِ ومُعَلِّمًا بِهِ، والثانِي: شاهِدًا عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُنْكِرِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ  الرادِّينَ في صَدْرِهِ، ومُعاقِبًا لَهم بِحُكْمِ الشَهادَةِ، فالآيَةُ - عَلى هَذا - وعِيدٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ شاحُوا في أنْ يَكْتُبَ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ  "، فَرَدَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ كُلِّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﴾ ، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو ابْتِداءٌ وخَبَرٌ اسْتُوفِيَ فِيهِ تَعْظِيمُ مَنزِلَةِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ ﴿ "أشِدّاءُ"، ﴾ و ﴿ "رُحَماءُ" ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "مُحَمَّدٌ" ابْتِداءٌ، و" رَسُولُ اللهِ " صِفَةٌ لَهُ، و"الَّذِينَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، و ﴿ "أشِدّاءُ" ﴾ خَبَرٌ عَنِ الجَمِيعِ، و"رُحَماءُ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، فَفي القَوْلِ الأوَّلِ اخْتَصَّ النَبِيُّ  بِوَصْفِهِ وهَؤُلاءِ بِوَصْفِهِمْ، وفي القَوْلِ الثانِي اشْتَرَكَ الجَمِيعُ في الشِدَّةِ والرَحْمَةِ، والأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، لِأنَّهُ خَبَرٌ مُضادٌّ لِقَوْلِ الكُفّارِ: لا نَكْتُبُ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عنهم عِنْدَ الجُمْهُورِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ الإشارَةَ إلى مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ ب"الَّذِينَ مَعَهُ"، و"أشِدّاءُ" جَمْعُ شَدِيدٍ، أصْلُهُ أشْدِداءٌ، أدْغَمَ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أشِدّاءُ" ﴾ و ﴿ "رُحَماءُ" ﴾ بِالرَفْعِ، ورَوى قُرَّةُ عَنِ الحَسَنِ "أشِدّاءَ" و"رُحَماءَ" بِنَصْبِهِما، قالَ أبُو حاتِمٍ: ذَلِكَ عَلى الحالِ، والخَبَرُ "تَراهُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ "أشِدّاءَ" عَلى المَدْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ ، أيْ تَرى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَثِيرًا فِيهِمْ، و ﴿ "يَبْتَغُونَ" ﴾ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ، وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عُبَيْدٍ: "وَرُضْوانًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سِيماهُمْ" ﴾ مَعْناهُ: عَلامَتُهُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذِهِ السِيما، فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: كانَتْ جِباهُهم مُتَرَّبَةً مِن كَثْرَةِ السُجُودِ في التُرابِ، كانَ يَبْقى عَلى المَسْحِ أثَرُهُ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَسْجُدُونَ عَلى التُرابِ لا عَلى الأثْوابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وخالِدٌ الحَنَفِيٌّ، وعَطِيَّةُ: هو وعْدٌ بِحالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَجْعَلُ لَهم نُورًا مِن أثَرِ السُجُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما يَجْعَلُ غِرَّةً مِن أثَرِ الوُضُوءِ...

الحَدِيثُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ اتِّصالُ القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: عَلامَتُهم في تَحْصِيلِهِمُ الرِضْوانَ يَوْمَ القِيامَةِ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُجُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السِيما بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "فَضْلًا"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السَمْتُ الحَسَنُ هو السِيما، وهو خُشُوعٌ يَبْدُو عَلى الوَجْهِ، وهَذِهِ حالَةُ مُكْثِرِي الصَلاةَ، لِأنَّها تَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وتُقِلُّ الضَحِكَ، وتَرُدُّ النَفْسَ بِحالَةٍ تَخْشَعُ مَعَها الأعْضاءُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: السِيما بَياضٌ وصُفْرَةٌ وتَهَيُّجٌ يَعْتَرِي الوُجُوهَ مِنَ السَهَرِ، وقالَ مَنصُورٌ: سَألُتُ مُجاهِدًا: هَلِ السِيما هي الأثَرَ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَجُلِ؟

فَقالَ: لا، وقَدْ تَكُونُ مِثْلَ رُكْبَةِ البَعِيرِ وهو أقْسى قَلْبًا مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: السِيما حُسْنٌ يَعْتَرِي وُجُوهَ المُصَلِّينَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لَها في عَيْنِ الرائِي حُسْنًا تابِعًا لِلْإجْلالِ الَّذِي في نَفْسِهِ، ومَتى أجَّلَ الإنْسانُ أمْرًا حَسُنَ عِنْدَهُ مَنظَرُهُ، ومِن هَذا الحَدِيثِ الَّذِي في الشِهابِ: « "مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَهارِ"،» وهو حَدِيثٌ غَلَطٌ فِيهِ ثابِتُ بْنُ مُوسى الزاهِدُ، سَمِعَ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: حَدَّثَنا الأعْمَشُ، عن أبِي سُفْيانَ، عن جابِرٍ، ثُمَّ نَزَعَ شَرِيكُ لَمّا رَأى ثابِتَ الزاهِدَ فَقالَ يَعْنِيهِ: "مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَهارِ"، فَظَنَّ ثابِتٌ أنَّ هَذا الكَلامَ مُتَرَكِّبٌ عَلى السَنَدِ المَذْكُورِ فَحَدَّثَ بِهِ عن شَرِيكٍ.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "مِن إثْرِ" بِسُكُونِ الثاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما بِمَعْنًى، وقَرَأ قَتادَةُ: "مِن آثارِ" جَمْعًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ الآيَةُ.

المَثَلُ هُنا: الوَصْفُ أوِ الصِفَةُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: ذَلِكَ الوَصْفُ هو مَثَلُهم في التَوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ، وتَمَّ القَوْلُ.

و"كَزَرْعٍ" ابْتِداءُ تَمْثِيلٍ يَخْتَصُّ بِالقُرْآنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ الضَحّاكُ: المَعْنى: ذَلِكَ المَعْنى هو وصْفُهم في التَوْراةِ، وتَمَّ القَوْلُ، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿ وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المَثَلانِ جَمِيعًا في التَوْراةِ وفي الإنْجِيلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَزَرْعٍ" ﴾ هو عَلى كُلِّ الأقْوالِ وفي أيِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ فَرْضُ مَثَلٍ لِلنَّبِيِّ  وأصْحابِهِ في أنَّ النَبِيَّ  بُعِثَ وحْدَهُ، فَكانَ كالزَرْعِ حَبَّةً واحِدَةً، ثُمَّ كَثُرَ المُسْلِمُونَ فَهم كالشَطْءِ وهو فِراخُ السُنْبُلَةِ الَّتِي تَنْبُتُ حَوْلَ الأصْلِ، يُقالُ: أشَطَأْتُ الشَجَرَةَ إذا خَرَجَتْ غُصُونُها، وأشْطَأ الزَرْعَ: إذا خَرَجَ شَطْأهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ: "شَطْأهُ" بِفَتْحِ الطاءِ والهَمْزِ دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "شَطّاهُ" بِفَتْحِ الطاءِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "شَطَّهُ"، رَمى بِالهَمْزَةِ وفَتَحَ الطاءَ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، ورُوِيَ عن عِيسى "شِطاءَهُ" بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "شَطُّوهُ" بِالواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ، أو بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ، ولا يَكُونُ الشَطْؤُ إلّا في البُرِّ والشَعِيرِ، وهَذِهِ كُلُّها لُغاتٌ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "الزَرْعُ" النَبِيُّ  ، "فَآزَرَهُ" عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، "فاسْتَغْلَظَ" بِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، "فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ" بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَآزَرَهُ" ﴾ وزْنُهُ: "أفْعَلَهُ"، قالَهُ الحَسَنُ، ورَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ وحْدَهُ: "فَأزْرَهُ" عَلى وزْنِ "فَعْلَهُ" دُونَ مَدٍّ، ولِذَلِكَ كُلِّهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما ساواهُ طُولًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ بِجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبِ أيْ: هو مَوْضِعٌ لَمْ يُرْعَ نَبْتُهُ فَكَمُلَ حَتّى ساوى شَجَرَ الضالِّ، فالفاعِلُ - عَلى هَذا المَعْنى - الشَطْءُ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ "آزَرَهُ" أو "أزْرَهُ" بِمَعْنى أعانَهُ وقَوّاهُ، مَأْخُوذٌ ذَلِكَ مِنَ الأزْرِ وشَدِّهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الشَطْءُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الزَرْعُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُقَوِّي صاحِبَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "آزَرَهُ" وزْنُهُ فاعَلَهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، أنَّ وزْنَهُ: أفْعَلَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لا مالَ إلّا العِطافُ تُؤْزُرُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أمْ ثَلاثِينَ وابْنَةُ الجَبَلِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "عَلى سُؤْقِهِ" بِالهَمْزِ، وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، يَهْمِزُونَ الواوَ الَّتِي قَبْلَها ضَمَّةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِحَبُّ المُؤْقِدانَ إلَيَّ مُؤْسى وَ ﴿ يُعْجِبُ الزُرّاعَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فَإذا أعْجَبَ الزُرّاعَ فَهو أحْرى أنْ يُعْجِبَ غَيْرَهم لِأنَّهُ لا عَيْبَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ أعْجَبَ العارِفِينَ بِالعُيُوبِ، ولَوْ كانَ مَعِيبًا لَمْ يُعْجِبْهُمْ، وهُنا تَمَّ المَثَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَعَلَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِفَةِ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ، و ﴿ "الكُفّارِ" ﴾ هُنا: المُشْرِكُونَ، قالَ الحَسَنُ: مِن غَيْظِ الكَفّارِ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِمَكَّةَ: "لا عُبِدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنهُمْ" ﴾ هي لِبَيانِ الجِنْسِ ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ وعْدُ مُرَجٍّ لِلْجَمِيعِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَتْحِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

زيادة تحقيق لصدق الرؤيا بأن الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين ما كان ليريه رؤيا صادقة.

فهذه الجملة تأكيد للتحقيق المستفاد من حرف (قد) ولام القسم في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ [الفتح: 27].

وبهذا يظهر لك حسن موقع الضمير والموصوللِ في قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ لأن الموصول يفيد العلم بضمون الصلة غالباً.

والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ ، وهم يعلمون أن رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله فهو يذكرهم بهاتين الحقيقتين المعلومتين عندهم حين لم يجروا على موجَب العلم بهما فخامرتهم ظنون لا تليق بمن يعلم أن رؤيا الرسول وحي وأن الموحي له هو الذي أرسله فكيف يريه رؤيا غير صادقة.

وفي هذا تذكير ولَوْم للمؤمنين الذين غفلوا عن هذا وتعريض بالمنافقين الذين أدخلوا التردد في قلوب المؤمنين.

والباء في ﴿ بالهدى ﴾ للمصاحبة وهو متعلق ب ﴿ أرسل ﴾ والهدى أطلق على ما به الهدى، أي كقوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2]، وقوله: ﴿ شهرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ﴾ [البقرة: 185].

وعطف ﴿ دين الحق ﴾ على الهدى ليشمل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحكام أصولها وفروعها مما أوحي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سوى القرآن من كل وحي بكلام لم يقصد به الإعجاز أو كان من سُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون المراد ﴿ بالهدى ﴾ أصول الدين من اعتقاد الإيمان وفضائل الأخلاق التي بها تزكية النفس، و ﴿ بدين الحق ﴾ : شرائع الإسلام وفروعه.

واللام في ﴿ ليظهره ﴾ لتعليل فعل ﴿ أرسل ﴾ ومتعلقاته، أي أرسله بذلك ليظهر هذا الدين على جميع الأديان الإلهية السالفة ولذلك أكد ب ﴿ كله ﴾ لأنه في معنى الجمع.

ومعنى ﴿ يظهره ﴾ يُعْلِيه.

والإظهار: أصله مشتق من ظهر بمعنى بدا، فاستعمل كناية عن الارتفاع الحقيقي ثم أطلق مجازاً عن الشرف فصار أظهره بمعنى أعلاه، أي ليشرفه على الأديان كلها، وهذا كقوله في حق القرآن ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ﴾ [المائدة: 48].

ولما كان المقصود من قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى الخ الشهادة بأن الرؤيا صدْق ذيّل الجملة بقوله: وكفى باللَّه شهيداً ﴾ أي أجزأتكم شهادة الله بصدق الرؤيا إلى أن تروا مَا صْدَقَها في الإبان.

وتقدم الكلام على نظير ﴿ وكفى باللَّه شهيداً ﴾ في آخر سورة النساء (79).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  ، رَأى في المَنامِ، أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَمّا صالَحَ قُرَيْشًا بِالحُدَيْبِيَةِ، ارْتابَ المُنافِقُونَ، حَتّى قالَ  : (فَما رَأيْتُ في هَذا العامِ)» ثُمَّ قالَ ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلِمَ أنَّ دُخُولَها إلى سَنَةٍ ولَمْ تَعْلَمُوهُ أنْتُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: عَلِمَ أنَّ بِمَكَّةَ رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ; الآيَةَ.

ثُمَّ قالَ ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي جَرى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  وقُرَيْشٍ بِالحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الشَّرْطِ والِاسْتِثْناءِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وإنَّما خَرَجَ مَخْرَجَ الحِكايَةِ عَلى عادَةِ أهْلِ الدِّينِ، ومَعْناهُ لَتَدْخُلُونَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: إنْ شاءَ اللَّهُ في دُخُولِ جَمِيعِكم أوْ بَعْضِكم، ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟

فأنزل الله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ فرجعوا ففتحوا خيبر، ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: كان تأويل رؤياه في عمرة القضاء.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: هو دخول محمد صلى الله عليه وسلم البيت والمؤمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطوف بالبيت وأصحابه، فصدق الله رؤياه بالحق.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ قال: رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى آخر الآية.

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين» فلما نزلت بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، فقال الله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ لا تخافون ﴾ أي لم أره أنه يدخله هذا العام، وليكونن ذلك، ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ قال: رده لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات وأخره ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يريد الله أن يهديه ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر حين رجعوا من الحديبية فتحها الله عليهم، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلاً واحداً من الأنصار يقال له أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً في ذي القعدة معه المهاجرون والأنصار حتى أتى الحديبية، فخرجت إليه قريش، فردوه عن البيت حتى كان بينهم كلام وتنازع حتى كاد يكون بينهم قتال، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وعدتهم ألف وخمسمائة تحت الشجرة، وذلك يوم بيعة الرضوان، فقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع، حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام، ففعل، فخرجوا إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف، ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه، فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة، وجاء بالبدن معه، وجاء الناس معه، فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين ﴾ وأنزل عليه: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ﴾ [ البقرة: 194] الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ محلقين رؤوسكم ومقصرين ﴾ .

أخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة «عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال:والمقصرين» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين» .

وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمقصرين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين» وكنت يومئذ محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن يحيى بن أبي الحصين عن جدته أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة في حجة الوداع.

وأخرج أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قال رجل: والمقصرين فقال في الثالثة أو الرابعة وللمقصرين» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قيل له لم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة فقال: «إنهم لم يشكوا» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين قالها ثلاثاً فقالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم قال: إنهم لم يشكوا» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون للرجل أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول للحلاق إذا حلق في الحج والعمرة أبلغ للعظمين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: السنة أن يبلغ بالحلق إلى العظمين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن.

وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ مفسَّر في سورة براءة [آية: 33] إلى قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أي: على ما أرسل، قال مقاتل: وهذا رد على المشركين لمَّا أملى رسول الله -  -: هذا ما صالح عليه محمد رسوله، أنكروا ذلك على ما بينا، فأنزل الله هذه الآية (١) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 77، "زاد المسير" 7/ 445، "القرطبي" 16/ 292.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة؛ أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون ورُوي أنه أتاه ملك في النوم فقال له: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ الآية: فأخبر الناس برؤياه: ذلك، فظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام، فلما صده المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون: أين الرؤيا، ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق ﴾ أي تلك الرؤيا صادقة، وسيخرج تأويلها بعد ذلك، فاطمأنت قلوب المؤمنين وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل، هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، وظهر صدق رؤياه وتلك عُمرة القضية القضاء ثم فتح مكة بعد ذلك، ثم حج هو وأصحابه، وصدق في هذا الموضع يتعدى إلى مفعولين، وبالحق يتعلق بصدق، أو بالرؤيا على أن يكون حالاً منها ﴿ إِن شَآءَ الله ﴾ لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك محال على الله، اختلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال: الأول أنه استثناء قاله الملك الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فحكى الله مقالته كما وقعت والثاني: أنه تأديب من الله لعباده ليقولوا إن شاء الله في كل أمر مستقبل، والثالث أنه استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته؛ لأنه يمكن أن يتم له الأمر أو يموت، أو يمرض فلا يتم له، والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا لدخول المسجد، والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ الحلق والتقصيير من سنة الحج والعمرة، والحلق أفضل من التقصير، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله المحلقين ثلاثاً ثم قال في المرة الأخيرة والمقصرين» ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدّة، فإنه لما انقعد الصلح، وارتفعت الحرب ورغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وخمسمائة، وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ يعني فتح خيبر، وقيل بيعة الرضوان وقيل صلح الحديبية، وهذا هو الأصح «لأن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتح هو يا رسول الله؟

قال: نعم» وقيل: هو فتح مكة وهذا ضعيف، لأن معنى قوله: ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ قبل دخول المسجد الحرام، وإنما كان فتح مكة بعد ذلك، فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة، وفتح مكة عام ثمانية ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ ذكره في براءة [33] ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ أي شاهداً بأن محمداً رسول الله، أو شاهداً بإظهار دينه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ مع كثرة أولئك، وقوتهم، وتأهبهم للقتال، وضعف هؤلاء وقلة عددهم؛ لأن أولئك كانوا خرجوا للقتال والحرب، مستعدين لذلك، متأهبين، وهؤلاء كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، فكفّ أيدي أولئك مع عدتهم وقوتهم وكثرتهم عن هؤلاء مع ضعفهم وقلة عددهم، حتى أظفرهم بأولئك بما ذكر في القصة أن المسلمين كانوا اشتغلوا بالترامي بالنبل والحجارة حتى هزموهم وأدخلوهم بطن مكة؛ على ما ذكر، ثم أظفرهم بهم، كف أيدي هؤلاء عنهم ويتم لهم الظفر بهم؛ ليعلم هؤلاء أن التدبير في الأمر إلى الله -  - دونهم، وله السلطان على الخلق جميعاً، لا سلطان لأحد في سلطانه، ولا قوة إلا بالله.

وأما ما ذكر من الامتنان هو ما ذكر من كف أيدي أولئك عن هؤلاء عند شدة خوفهم منهم وفزعهم بما ذكرنا من قوة أولئك [و]كثرتهم، وضعف هؤلاء وقلة عددهم، حتى أظفرهم؛ يذكر منته عليهم؛ ليستأدي شكره، ويكف أيدي هؤلاء عنهم.

فإن قيل: ما كف أيدي أولئك عن هؤلاء، المنة ظاهرة، ولكن أية منة تكون في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؟

فيقال: جائز أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؛ ليستأدي منهم شكره بذلك، وهو الإسلام لله -  - على جميع خلقه منة؛ ليستأدي منهم شكراً على الكافرين والمسلمين جميعاً.

ويحتمل أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك على المؤمنين - أيضاً - هو ما ذكر على إثره: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنه لو لم يكن يكف أيدي المؤمنين عنهم حتى يتم لهم الظفر بهم فدخلوا مكة وهنالك مؤمنون لأصابهم ما ذكر من المعرة وغيره، فكان في كف أيدي المؤمنين عن أولئك منة عظيمة عليهم؛ لما بينا من قبل من فيها من المؤمنين من غير علم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ وهم لم يكونوا في بطن مكة، إنما كانوا بالحديبية، وبينها وبين مكة أميال، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أظفرهم بهم وقهرهم وهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة، على ما ذكر أنهم هزموهم حتى أدخلوهم في بيوت مكة.

والثاني: ببطن مكة؛ أي: بقرب مكة.

وجائز أن يكنى ببطن مكة؛ أي: قربها.

وقال بعضهم: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ أي: الحرم، والحرم كله مكة، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ لم يزل الله -  - عالماً بأعمالهم، بصيراً.

وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي أولئك عن هؤلاء، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيراً؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: صدوهم عما قصدوا، وهو الطواف بالبيت والزيارة له، وذلك في المسجد الحرام؛ ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ وقوله: ﴿ مَعْكُوفاً ﴾ أي: محبوساً، والمعكوف هو الحبس، ومنه سمي العاكف والمعتكف.

ثم قوله: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى، فأما الحرم نفسه فليس هو محله؛ فكأنه قال: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان -  - معتمراً، وذكر أنه كان متمتعاً، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله سقط، وخرج عن حكم المتعة، ويعود إلى مكة، وله أن يصرفه إلى ما شاء؛ ألا ترى أن النبي  نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في الحرم؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط، ويخرج عن حكم المتعة.

وفيه أن دم الإحصار لا يجوز أن إراقته إلا في الحرم؛ إذ الحديبية تجمع الحرم والحل جميعاً عندنا، فإنما كان نحرها في الحرم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ أي: تقتلوهم وتهلكوهم ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لولا ما فيها - أعني: في مكة - من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، لأتم لكم الظفر بهم، ودخلتم عليهم، لكن منعكم عن دخولكم مكة؛ لما ذكر.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

قال بعضهم: لزمكم الدية بقتلهم، وكذا روي عن محمد بن إسحاق.

وقال بعضهم: الكفارة.

وقال بعضهم: الإثم والذنب؛ أي: يصيبكم منهم الإثم بقتلكم إياهم؛ وهذا لا يحتمل؛ لأنهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، لا يلحقهم الإثم والذنب؛ لأن الله -  - وضع الإثم عنا فيما لا نعلمه، ولم يضع طريق العلم به، قال الله -  -: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ .

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فيصيبكم من الكفرة وأهل النفاق ما يسوءكم بقتلكم إياهم من اللائمة، والتعيير، وغير ذلك من القيل والقال؛ يقولون: إنهم قتلوا أصحابهم ومن كان على دينهم من أهل الإسلام؛ فيجدون بذلك سبيلا إلى ما ذكرنا، فيسوءكم ذلك، والله أعلم.

والثاني: يصيبكم الأسف والحزن والندامة الدائمة بقتلكم أهل الإيمان وأهل الإسلام إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم، والله أعلم.

ثم المخالف لنا تعلق بهذه الآية في مسألتين: إحداهما: فيمن أسلم ولم يهاجر إلينا: أنه تجب الدية في قتله؛ لقوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وهي غرم الدية.

والثانية: هل يباح الرمي على حصون المشركين إذا كان فيها أسارى المسلمين وأطفال المسلمين، وإحراق الحصون أو الرمي على الكفار الذين تترسوا بأطفال المسلمين؟

قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم، ولا بأس بأن يحرقوا الحصن ويقصدوا به المشركين دون المسلمين، وكذلك إحراق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال مالك: لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين، لم يرموا، ولا يحرق الحصن، ولكن لا بأس بأن يرمى الحصن بالمنجنيق، ونحو ذلك.

وقال الشافعي: لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى وأطفال المسلمين، ولو تترسوا بهم فله قولان.

واحتج هؤلاء [بأن] من عادتهم أنهم كانوا يعبدون ما يهوون ومالت إليهم أنفسهم من الأصنام والأوثان وغيرها، وينصرون من عبدوها، ويدفعون عنهم فيذبون عنها، فجائز أن يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أولئك الأصنام وعبادها، والذب عنهم حمية الجاهلية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر: هو شيء أنزله من السماء؛ لطفاً منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم.

وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان، ولكن أنشأ في قلوبهم ما يسكن به قلوبهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ أي: أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر، وخلقها لهم، ليس أن أنزلها عليهم من مكان إلى مكان، ولكن على الإنشاء والخلق، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ثم السكينة تحتمل أسباباً له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم، والأسباب تختلف.

ويحتمل شيئاً آخر سوى ذلك، وهو اللطف الذي جعل لهم، فسكن قلوبهم بذلك اللطف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ألزمهم كلمة بها يتقون النار.

ثم يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ ﴾ : إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبداً إلى يوم القيامة، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، وذلك أنه لما كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول الله  كتب: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، فقال ذلك: اكتب كذا، لا ندري ما الرحمن الرحيم.

وذلك كلمة التقوى، والله أعلم.

والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ أي: بتلك الكلمة، وكانوا أهلا لها ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي كلمة الإخلاص ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ من الأمم السالفة وأهلها، والله أعلم.

أو كانوا أحق بها في الإظهار في الخلق والقيام بذلك، وكانوا أحق بها في إلزامها في أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قال أهل التأويل: قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ﴾ أي: حقق الله لرسوله الرؤيا التي أراها إياه الحق؛ أي: بالوفاء لذلك.

ويحتمل: أي: صير النبي  صادقاً عندهم فيما أخبرهم أنه رأى، وجعله صادقاً في ذلك؛ والأول أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر: أن ادخلوا المسجد الحرام، وإن كان في الظاهر خبراً؛ كرؤيا إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ  ﴾ ، ثم قال الله -  -: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ  ﴾ دل على أن ما رأى إبراهيم - صلوات الله عليه - من الذبح هو أمر بذلك، فإن كان التأويل هذا فيخرج الثنيا المذكور فيه على أثره، كأنه يقول: ادخلوا المسجد الحرام محلقين ومقصرين إن شاء الله أن تؤمنوا في دخولكم، وإذا لم تأمنوا لم يشأ أن تدخلوه، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ على الوعد، فيخرج الثنيا المذكور على وجهين: أحدهما: على التبرك والتيمن، كما يتبرك بذكر اسمه في فعل يفعله، والله أعلم.

والثاني: على الأمر لكل في نفسه إذا أخبر غيره أنه يدخل أن يقول: إن شاء الله، كما يؤمر بالثنيا من أخبر شيئاً أنه يفعله، كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

ويحتمل أن يذكر الثنيا؛ لأن الوعد في الظاهر وإن كان للجملة كقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ، فجائز أن يكون المراد منه بعض منهم، ليس الجملة؛ لاحتمال أن يموت بعض منهم [و] ألا يكون هو مراداً و[المراد] الجملة، فذكر الثنيا؛ لئلا يكون خلف في الوعد من النبي  ، ثم ما ذكر من رؤيا النبي -  ، وأخبر أنه حققها يحتمل ما ذكر من دخول المسجد الحرام على أثره، فإن كان ذلك؛ فيكون قوله  : ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ هو تفسير لتلك الرؤيا.

وجائز أن تكون الرؤيا في غير ذلك.

وقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ابتداء وعد وأمر من الله  ، وكذلك ما ذكر من قوله حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ  ﴾ .

يحتمل ما ذكر في هذه الآية: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل غير هذا أيضاً، وقد أخبر أنه حققها وصدقها، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ .

يخبر أنهم يدخلون المسجد الحرام محلقين مقصرين.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في إبتداء الإحرام، يخرج على التزين على ما يزين المحرم في ابتداء إحرامه من نحو التطيب واللباس والحلق والتقصير، ونحو ذلك، يخبر أنهم يدخلون على التزين في المسجد الحرام آمنين من الكفار، فإن كان على ذلك فهو على الثياب والطيب وغير ذلك.

وذكر أن النبي  كان معتمرا، فسميت تلك عمرة القضاء؛ حيث منع في عام الحديبية وكان معتمرا [فسميت] تلك عمرة وإن حاجا فيكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ بعد رجوعهم من منى إلى طواف الزيارة في ذلك الوقت يكونون محلقين مقصرين، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في أمره رسوله  بالخروج للحج عام الحديبية على علم منه أنه لا يصل إلى مكة وأنه يحال بينه وبين دخول مكة وقضاء النسك، ولا يحتمل إلى ذلك إلا بأمر من الله  ، ليس هو كغيره من الناس أنهم يفعلون أفعالا بلا أمر، ثم يمنعون أو ينهون عن ذلك، فأما رسول الله  فلا يفعل شيئاً إلا عن أمر منه له بذلك.

قيل: يحتمل إنما أمر بذلك مع علمه بأنهم يمنعون عن ذلك؛ تعليما منه رسوله وأمته حكم الإحصار: أن من حصر عن الحج، ومنع عن دخول مكة؛ لقضاء النسك، ماذا يلزمه؟

وبم يخرج منه؟

ولله  أن يعلم خلقه أحكام شريعته مرة بأمر يأمرهم بذلك، أو بخبر يخبرهم، ومرة بفعل النبي  يمتحنهم بما شاء، له الحكم والأمر في الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافُونَ ﴾ .

أي: تدخلون مكة آمنين، لا تخافون عدوكم، ولا منعهم إياكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: علم ما وعد لكم من فتح خيبر وغنائمه ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم ما أرى وصوله  من الرؤيا وتحقيقها ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم في رجوعكم عن الحديبية أشياء لم تعلموها أنتم من إظهار ما أظهر من نفاق أهل النفاق فيهم، وأهل الاضطراب من المحققين والمصدقين وغير ذلك، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - في قوله  : ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يقول: إن ذلك الدخول أي سنة؟

ولم تعلموا أنتم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ .

قال بعضهم: جعل من قبل أن يدخلوا مكة ﴿ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ ، أي: عاجلا فتح خيبر، والله أعلم.

وقول أهل التأويل: إنه اشتد على الناس رجوعهم من الحديبية وصدهم المشركون عما قصدوا، بعدما أخبرهم الرسول  أنه رأى في المنام أنهم يدخلون على ما وقع عندهم أن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حق كالوحي.

لكن هذا لا يحتمل من المسلمين ما يحتمل من المنافقين على ما ذكر أنهم قالوا حين أخبر رسول الله  بالحديبية أن الرؤيا [كذب] أو كلام نحوه؛ فكل هذا يحتمل من المنافقين، فأما من المسلمين فلا يحتمل أن يقع في قلوبهم شيء من ذلك؛ لما لم يكن في الآية بيان ولا توقيت أنهم متى يدخلون؟

بل فيها الوعد بالدخول ليس فيها أنه متى؟

ألا ترى أن يوسف -  - رأى رؤيا وخرجت بعد أربعين سنة أو أقل أو أكثر؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يخفى عليهم إذا لم يكن في الوعد توقيت أنه يجوز أن يتأخر أو يتقدم، والله أعلم.

ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول الله  ؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم إن ثبت له الأمر بذلك على علم من الله  أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن الله  قد يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم  بذبح ولده، ثم كان حقيقة المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: أرسله بالهدى من كل ضلال أو حيرة.

أو أرسله بالبيان من كل عمى وشبهة، وهو هذا القرآن الذي سماه مرة: هدى، ورحمة، ونورا، ونحو ذلك، وهو ما وصفه - عز وجل - أن من تمسك به يكون ما ذكر هدى من كل ضلالة وحيرة، ونورا من كل ظلمة، وبيانا من كل عمى وشبهة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

جائز أن يكون الحق هو نعت الدين وهو الإسلام، وهو الدين الحق، وسائر الأديان باطلة.

ويحتمل أن يكون قوله  : ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ ؛ أي: دين الإله الذي هو الإله الحق، وهو الإله المستحق الألوهية وغيره من الأديان دين الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

الإظهار: هو الغلبة، ثم تخرج غلبته على الدين كله على وجهين: أحدهما: أي: غلب هذا الدين على الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق، وأنه من عند الله جاء، وقد كان بحمد الله كما ذكر، حتى عرف أهل الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق إلا من كابر عقله وعاند الحق أو غفل عن دلائله، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: يغلب على الأديان كلها، أي: يغلب على أهل الأديان كلهم حتى يصير أهل الإسلام ظاهرين غالبين من بين غيرهم، ويتوارى جميع أهل الأديان ويختفوا، ولكن ذلك في وقت دون وقت، وهو الوقت الذي ذكره بعض أهل التأويل، وهو في قوت خروج عيسى -  - يصير أهل الأديان كلهم أهل دين واحد وهو الإسلام.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، أي: يظهر ما يحتاج أهل هذا الدين كله وما حدث لهم من الحاجة - على الأديان كلها، بما ضمن في القرآن معاني تقع الكفاية بها في الحوادث كلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بأن ما جاء به سيدنا محمد  ، إنما جاء به من عند الله، فإن كان التأويل هذا، فإنما تكون هذه الشهادة في الآخرة.

والثاني: يحتمل قوله  : ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بما أنشأه له من الآيات والحجج شهادة منه على رسالته وبنوبته، وذلك في الدنيا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله هو الذي أرسل رسوله محمدًا  بالبيان الواضح ودين الحق الذي هو دين الاسلام؛ ليعليه على الأديان المخالفة له كلها، وقد شهد الله على ذلك، وكفى بالله شاهدًا.

من فوائد الآيات الصد عن سبيل الله جريمة يستحق أصحابها العذاب الأليم.

تدبير الله لمصالح عباده فوق مستوى علمهم المحدود.

التحذير من استبدال رابطة الدين بحمية النسب أو الجاهلية.

ظهور دين الإسلام سُنَّة ووعد إلهي تحقق.

<div class="verse-tafsir" id="91.L4RZe"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله