تفسير الآية ٦ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٦ من سورة الفتح

وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًۭا ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 54 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ) أي : يتهمون الله في حكمه ، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية ; ولهذا قال : ( عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم ) أي : أبعدهم من رحمته ( وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله, وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار, وليعذّب المنافقين والمنافقات, بفتح الله لك يا محمد, ما فتح لك من نصرك على مشركي قريش, فيكبتوا لذلك ويحزنوا, ويخيب رجاؤهم الذي كانوا يرجون من رؤيتهم في أهل الإيمان بك من الضعف والوهن والتولي عنك في عاجل الدنيا, وصلي النار والخلود فيها في آجل الآخرة (وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ) يقول: وليعذب كذلك أيضا المشركين والمشركات (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ) أنه لن ينصرك, وأهل الإيمان بك على أعدائك, ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به, وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع, يقول تعالى ذكره: على المنافقين والمنافقات, والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظن دائرة السوء, يعني دائرة العذاب تدور عليهم به.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الكوفة (دَائِرَةُ السَّوْءِ) بفتح السين.

وقرأ بعض قرّاء البصرة (دَائِرَةُ السَّوْءِ) بضم السين.

وكان الفرّاء يقول: الفتح أفشى في السين; قال: وقلما تقول العرب دائرة السُّوء بضم السين, والفتح في السين أعجب إليّ من الضم, لأن العرب تقول: هو رجل سَوْء, بفتح السين; ولا تقول: هو رجل سُوء.

وقوله (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) يقول: ونالهم الله بغضب منه, ولعنهم: يقول: وأبعدهم فأقصاهم من رحمته (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ) يقول: وأعدّ لهم جهنم يصلونها يوم القيامة ( وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) يقول: وساءت جهنـم منـزلا يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات, والمشركون والمشركات.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراقوله تعالى : ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين ، وبأن يسلط النبي - عليه السلام - قتلا وأسرا واسترقاقا .

الظانين بالله ظن السوء يعني ظنهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرجع إلى المدينة ، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية ، وأن المشركين يستأصلونهم .

كما قال : بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا .

وقال الخليل وسيبويه : السوء هنا الفساد .

عليهم دائرة السوء في الدنيا بالقتل والسبي والأسر ، وفي الآخرة جهنم .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( دائرة السوء ) بالضم .

وفتح الباقون .

قال الجوهري : ساءه يسوءه سوءا ( بالفتح ) [ ص: 243 ] ومساءة ومساية ، نقيض سره ، والاسم السوء ( بالضم ) .

وقرئ ( عليهم دائرة السوء ) يعني الهزيمة والشر .

ومن فتح فهو من المساءة .وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، فإن الله يعذبهم بذلك، ويريهم ما يسوءهم؛ حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين، وظنوا بالله الظن السوء، أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل، ستكون لهم الدائرة على أهل الحق، فأدار الله عليهم ظنهم، وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا، { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } بما اقترفوه من المحادة لله ولرسوله، { وَلَعَنَهُمْ } أي: أبعدهم وأقصاهم عن رحمته { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) أهل النفاق بالمدينة وأهل الشرك بمكة ) الظانين بالله ظن السوء ) أن لن ينصر محمدا والمؤمنين ) عليهم دائرة السوء ) بالعذاب والهلاك ) وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويُعذَِب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السَّوء» بفتح السين وضمها في المواضع الثلاثة، ظنوا أنه لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين «عليهم دائرة السَّوء» بالذل والعذاب «وغضب الله عليهم ولعنهم» أبعدهم «وأعَدَّ لهم جهنم وساءت مصيرا» مرجعا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين يظنون ظنًا سيئًا بالله أنه لن ينصر نبيه والمؤمنين معه على أعدائهم، ولن يُظهر دينه، فعلى هؤلاء تدور دائرة العذاب وكل ما يسوءهم، وغضب الله عليهم، وطردهم من رحمته، وأعدَّ لهم نار جهنم، وساءت منزلا يصيرون إليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَيُعَذِّبَ ) - سبحانه - بعدله ( المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظَنَّ السوء .

.

.

) .أى : الظانين بالله - تعالى - وبرسوله وبالمؤمنين الظن السيئ بأن توهموا أن الدائرة ستدور على المؤمنين وأنهم هم الذين سينصرون .أو أنهم هم على الحق .

وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه على الباطل .فقوله : ( السوء ) صفة لموصوف محذوف .

أى : الظانين بالله ظن الأمر السوء .وقوله - تعالى - ( عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ) دعاء عليهم بأن ينزل بهم ما تقعوه للمؤمنين من سوء .

أى : عليهم وحدهم ينزل ما يتمنونه للمؤمنين من شر وسوء .والدائرة فى الأصل : تطلق على الخط بالشيء ، ثم استعملت فى النازلة المحيطة بمن نزلت به ، وستعمل أكثر ما تستعمل فى المصائب والمكاره .قال صاحب الكشاف : قوله : ( عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ) أى : ما يظنونه ويتوقعونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر علهيم .

والسوء : الهلاك الدمار .فإن قلت : هل من فرق بين السَّوْء والسُّوء؟

قلت : هما كالكَره والكُره ، والضَّعف والضُّعف : من ساء ، إلا أن المفتوح غالب فى أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شئ ، وأما السوء بالضم ، فجار مجرى الشر الذى هو نقيض الخير .ثم قال - تعالى - : ( وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً ) .أى : ليس عليهم دائرة السوء فقط ، بل وفضلا عن ذلك فقد غضب الله - تعالى - عليهم ، وطردهم من رحمته ، وأعد لهم فى الآخرة نار جهنم ، وساءت هذه النار مصيرا لهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يستدعي فعلاً سابقاً ﴿ لّيُدْخِلَ ﴾ فإن من قال ابتداء لتكرمني لا يصح ما لم يقل قبله جئتك أو ما يقوم مقامه وفي ذلك الفعل وجوه وضبط الأحوال فيه بأن تقول ذلك الفعل إما أن يكون مذكوراً بصريحه أو لا يكون، وحينئذ ينبغي أن يكون مفهوماً، فإما أن يكون مفهوماً من لفظ يدل عليه بل فهم بقرينة حالية فإن كان مذكوراً فهو يحتمل وجوهاً أحدها: قوله: ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا  ﴾ كأنه تعالى أنزل السكينة ليزدادوا إيماناً بسبب الإنزال ليدخلهم بسبب الإيمان جنّات، فإن قيل فقوله: ﴿ وَيُعَذّبَ  ﴾ عطف على قوله: ﴿ لّيُدْخِلَ ﴾ وازدياد إيمانهم لا يصلح سبباً لتعذيبهم، نقول بلى وذلك من وجهين: أحدهما: أن التعذيب مذكور لكونه مقصوداً للمؤمنين، كأنه تعالى يقول بسبب ازديادكم في الإيمان يدخلكم في الآخرة جنّات ويعذب بأيديكم في الدنيا الكفار والمنافقين الثاني: تقديره ويعذب بسبب ما لكم من الازدياد، يقال فعلته لأجرب به العدو والصديق أي لأعرف بوجوده الصديق وبعدمه العدو فكذلك ليزداد المؤمن إيماناً فيدخله الجنة ويزداد الكافر كفراً فيعذبه به ووجه آخر ثالث: وهو أن سبب زيادة إيمان المؤمنين بكثرة صبرهم وثباتهم فيعيى المنافق والكافر معه ويتعذب وهو قريب مما ذكرنا الثاني: قوله: ﴿ وَيَنصُرَكَ الله  ﴾ كأنه تعالى قال وينصرك الله بالمؤمنين ليدخل المؤمنين جنّات الثالث: قوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ  ﴾ على قولنا المراد ذنب المؤمن كأنه تعالى قال ليغفر لك ذنب المؤمنين، ليدخل المؤمنين جنات، وأما إن قلنا هو مفهوم من لفظ غير صريح فيحتمل وجوهاً أيضاً أحدها: قوله: ﴿ حَكِيماً  ﴾ يدل على ذلك كأنه تعالى قال: الله حكيم، فعل ما فعل ليدخل المؤمنين جنات.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ  ﴾ في الدنيا والآخرة، فيستجيب دعاءك في الدنيا ويقبل شفاعتك في العقبى ﴿ لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات ﴾ ثالثها: قوله: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ  ﴾ ووجهه هو أنه روي أن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هنيئاً لك إن الله غفر لك فماذا لنا؟

فنزلت هذه الآية كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك وفتحنا للمؤمنين ليدخلهم جنّات، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم من غير مقال بل من قرينة الحال، فنقول هو الأمر بالقتال لأن من ذكر الفتح والنصر علم أن الحال حال القتال، فكأنه تعالى قال إن الله تعالى أمر بالقتال ليدخل المؤمنين، أو نقول عرف من قرينة الحال أن الله اختار المؤمنين ليدخلهم جنّات.

المسألة الرابعة: قال هاهنا وفي بعض المواضع ﴿ المؤمنين والمؤمنات ﴾ وفي بعض المواضع اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كما في قوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون  ﴾ فما الحكمة فيه؟

نقول في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالجزاء الموعود به مع كون المؤمنات يشتركن معهم ذكرهن الله صريحاً، وفي المواضع التي ليس فيها ما يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين فقوله: ﴿ وَبَشّرِ المؤمنين ﴾ مع أنه علم من قوله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً  ﴾ العموم لا يوهم خروج المؤمنات عن البشارة، وأما هاهنا فلما كان قوله تعالى: ﴿ لّيُدْخِلَ المؤمنين ﴾ لفعل سابق وهو إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه أو النصر للمؤمنين أو الفتح بأيديهم على ما كان يتوهم لأن إدخال المؤمنين كان للقتال، والمرأة لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها صرح الله بذكرهن، وكذلك في المنافقات والمشركات، والمنافقة والمشركة لم تقاتل فلا تعذب فصرّح الله تعالى بذكرهن، وكذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات  ﴾ لأن الموضع موضع ذكر النساء وأحوالهن لقوله: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ...

وَأَقِمْنَ...

وَءاتِينَ...

وَأَطِعْنَ  ﴾ وقوله: ﴿ واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ  ﴾ فكان ذكرهن هناك أصلاً، لكن الرجال لما كان لهم ما للنساء من الأجر العظيم ذكرهم وذكرهن بلفظ مفرد من غير تبعية لما بينا أن الأصل ذكرهن في ذلك الموضع.

المسألة الخامسة: قال الله تعالى: ﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم ﴾ بعد ذكر الإدخال مع أن تكفير السيئات قبل الإدخال؟

نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: الواو لا تقتضي الترتيب الثاني: تكفر السيئات والمغفرة وغيرهما من توابع كون المكلف من أهل الجنة، فقدم الإدخال في الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة الثالث: وهو أن التكفير يكون بإلباس خلع الكرامة وهي في الجنة، وكان الإنسان في الجنة تزال عنه قبائح البشرية الجرمية كالفضلات، والمعنوية كالغضب والشهوة وهو التكفير وتثبت فيه الصفات الملكية وهي أشرف أنواع الخلع، وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مشهور وهو أن الإدخال والتكفير في الله فوز عظيم، يقال عندي هذا الأمر على هذا الوجه، أي في اعتقادي وثانيهما: أغرب منه وأقرب منه عقلاً، وهو أن يجعل عند الله كالوصف لذلك كأنه تعالى يقول ذلك عند الله، أي بشرط أن يكون عند الله تعالى ويوصف أن يكون عند الله فوز عظيم حتى أن دخول الجنة لو لم يكن فيه قرب من الله بالعندية لما كان فوزاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة ربّ العزة سبحانه في أخباره؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخْبِر ما لا يخفى.

فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟

قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن يكون فتح مكة- من حيث إنه جهاد للعدوّ- سبباً للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح.

وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم.

وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح.

فإن قلت: كيف يكون فتحاً وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟

قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحاً مبيناً.

وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا» ، وعن الشعبي: نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب: أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس؛ وبلغ الهدى محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة.

وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه.

وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد- وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم.

وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه.

وقيل: معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت: من الفتاحة وهي الحكومة، وكذا عن قتادة ﴿ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يريد: جميع ما فرط منك.

وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها.

وقيل: ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ﴿ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ فيه عز ومنعة- أو وصف بصفة المنصور إسناداً مجازياً أو عزيزاً صاحبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ ﴾ الثَّباتَ والطُّمَأْنِينَةَ.

﴿ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ حَتّى ثَبَتُوا حَيْثُ تَقْلَقُ النُّفُوسُ وتَدْحَضُ الأقْدامُ.

﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ يَقِينًا مَعَ يَقِينِهِمْ بِرُسُوخِ العَقِيدَةِ واطْمِئْنانِ النَّفْسِ عَلَيْها، أوْ أنْزَلَ فِيها السُّكُونَ إلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ  لِيَزْدادُوا إيمانًا بِالشَّرائِعِ مَعَ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها فَيُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ تارَةً ويُوقِعُ فِيما بَيْنَهُمُ السَّلَمَ أُخْرى كَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِالمَصالِحِ.

﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما يُقَدِّرُ ويُدَبِّرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه {الظآنين بالله ظَنَّ السوء} وقع السوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده

يقال فعل سوء اى مسخوط فاسدوا المراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء} مكي وأبو عمرو أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم والسوء الهلاك والدمار وغيرهما دائرة السوء بالفتح أي الدائرة التي يذمونها ويسخطونها السوء والسوء كالكره والكره والضعف والضعف إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء واما السوء فجاز مجرى الشر الذي هو نقيض الخير {وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مصيرا} جهنم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ عُطِفَ عَلى يُدْخِلَ أيْ ولِيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إلَخْ لِيَغِيظَهم مِن ذَلِكَ، وهو ظاهِرٌ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ في ﴿ لِيُدْخِلَ ﴾ حَتّى وجْهِ البَدَلِيَّةِ فَإنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ تُصَحِّحُهُ المُلابَسَةُ كَما مَرَّ، وازْدِيادُ الإيمانِ عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِهِ مِمّا يَغِيظُهم بِلا رَيْبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ عَطْفًا عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم أكْثَرُ ضَرَرًا عَلى المُسْلِمِينَ فَكانَ في تَقْدِيمِ تَعْذِيبِهِمْ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ.

﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ أيْ ظَنَّ الأمْرِ الفاسِدِ المَذْمُومِ وهو أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ  والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرَ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ مِنَ الشِّرْكِ أوْ غَيْرِهِ ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ أيْ ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَهو حائِقٌ بِهِمْ ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دائِرَةُ السُّوءِ) بِالضَّمِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ( السَّوْءِ ) بِالفَتْحِ عَلى ما في الصِّحاحِ أنَّ المَفْتُوحَ مَصْدَرٌ والمَضْمُومَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى المَساءَةِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى كالكُرْهِ والكَرْهِ عِنْدَ الكِسائِيِّ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ غَيْرَ أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ والمَضْمُومَ جَرى مَجْرى الشَّرِّ، ولَمّا كانَتِ الدّائِرَةُ هُنا مَحْمُودَةً وأُضِيفَتْ إلى المَفْتُوحِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ تَعَيَّنَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاكَ عَلى تَأْوِيلِ أنَّها مَذْمُومَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن دارَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، واسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ أكْثَرُ وهي مَصْدَرٌ بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ أوِ اسْمِ فاعِلٍ، وإضافَتُها عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْبَيانِ عَلى المُبالَغَةِ، وفي الكَشْفِ الإضافَةُ بِمَعْنى مِن عَلى نَحْوِ دائِرَةِ ذَهَبَ فَتَدَبَّرْ.

والكَلامُ إمّا إخْبارٌ عَنْ وُقُوعِ السُّوءِ بِهِمْ أوْ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وكانَ الظّاهِرُ فَلَعَنَهم فَأُعِدَّ بِالفاءِ في المَوْضِعَيْنِ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقِلٌّ في الوَعِيدِ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِلسَّبَبِيَّةِ فِيهِ ﴿ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ جَهَنَّمُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وذلك أن النبي  تجهز في سنة ست في ذي القعدة، فخرج إلى العمرة معه ألف وستمائة رجل، ويقال: ألف وأربعمائة، وساق سبعين بدنة.

فبلغ قريشاً خبر النبي  وأصحابه، فبعثوا خالد بن الوليد في عصابة منهم ليصدوا النبيّ  وأصحابه عن البيت؟

فلما نزل النبيّ  بعسفان قال: «إنَّ قُرَيْشاً جَعَلَتْ لِي عُيُوناً، فَمَنْ يَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ الثَّنِيَّةِ» .

فقال رجل من المسلمين: أنا يا رسول الله فخرج بهم، وانتهوا إلى الثنية، وصعدوا فيها.

فلما هبط رسول الله  من الثنية، بركت ناقته القصواء، فلم تنبعث، فزجرَها، وزجرها الناس، وضربوها، فلم تنبعث.

فقال الناس: خلأت القصواء أي: صارت حروناً.

فقال النبيّ  : «ما خَلأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا كَانَ ذلك لَهَا بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ» ، ثم قال: «لا يَسْأَلُونَنِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شَيْئاً يعظمون به حرماتهم، إلا قِبْلتُهُ مِنْهُمْ» ثَم زجرها، فانبعثت.

فلما نزلوا على القليب بالحديبية، لم يكن في البئر إلا ماء وشيك.

يعني: قليل متغير، فاستسقوا فلم يبق في البئر ماء.

فقال: مَن رجل يهيج لنا الماء؟

فقال رجل: أنا يا رسول الله.

فقال: «ما اسمك» ؟

قال: مرة.

فقال: «تأخر» ، فقال رجل آخر أنا يا رسول الله، فقال: «ما اسمك؟» .

قال: ناجيه.

فقال: «أنْزِلْ» .

فنزل، فأعطاه رسول الله  مشقصاً، فبحت به البئر، فنبع الماء.

وقال في رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان ماء الحديبية قد قل.

فأتى بدلو من ماء، فتوضأ منه رسول الله  ، وجعل منه في فيه، ثم مجه في الدلو، ثم أمرهم بأن يجعلوه في البئر، ففعلوا، فامتلأت البئر حتى كادوا يغرقون منها وهم جلوس.

ففزع المشركون لنزول النبيّ  وأصحابه في الحديبية، فجاؤوه، واستعدوا ليصدوه.

فقال رسول الله  لعمر: «يا عُمَرُ اذْهَبْ فَاسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نَعْتَمِرَ، وَيُخْلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ، لا أُرِيدُ مِنْهُمْ غَيْرَهُ» .

فقال عمر: يا رسول الله ليس ثم أحد من قومي يمنعني.

فأرسل عثمان، فإن هناك ناساً من بني عمه، يمنعونه، فذهب عثمان، فتلقاه أبان بن سعيد بن العاص، فقال له: أجرني من قومك حتى أبلغ رسالة رسول الله  ، فأجاره، وحمله على فرسه وراءه، ودخل به مكة فاستأذن عثمان قريشاً، فأبوا أن يأذنوا له.

فقال: أبان لعثمان!

طف أنت إن شئت.

فقال: لما كنت لأتقدم بين يدي رسول الله  ، وبقي هناك ثلاثة أيام، فذكر للنبي  أن عثمان قد قتل.

فقال لأصحابه: بايعوني على الموت.

فجلس النبيّ  تحت الشجرة، فبايعه أصحابه على الموت، فقال النبي  : «إِنِّي أَخَافُ أَلاَّ يُدْرِكَ عُثْمَانَ هَذِهِ البَيْعَةَ، فَأَنَا أُبَايِعُ لَهُ يَمِينِي بِشمَالِي» .

ثم رجع عثمان، فأخبر أنهم قد أبوا ذلك، وبلغت قريشاً البيعة، فكبرت تلك البيعة عندهم، وقالوا ليزيد بن الحارث الكناني: أردده عنا فقال النبيّ  : «ابْعَثُوا الهَدْيَ فِي وَجْهِهِ يَرَاهَا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ يُعَظِّمُونَ الهَدْيَ» .

فبعثوا الهدي في وجهه، فلما رأى يزيد بن الحارث الهدي قال: ما أرى أحداً يفلح بردّ هذا الهدي، ورجع إلى قريش.

فقال لهم: لا تردوا هذا الهدي فإني أخشى أن يصيبكم عذاب من السماء.

فأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، فجاء إلى النبيّ  ، فجلس إليه، فقال: يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة، فجعل يكلم رسول الله  ، ويومئ بيديه إلى لحيته، وكان المغيرة قائماً عند رسول الله  ، فضربه بالسوط على يده، وقال: اكفف يدك عن لحية رسول الله  قبل أن يصل إليك ما تكره.

فقال عروة: من هذا يا محمد؟

فقال: ابن أخيك المغيرة بن شعبة.

فقال: يا غدر ما غسلت سلحتك عني بعد.

أفتضرب يدي؟

قال: اكففها قبل أن لا تصل إليك.

فرجع عروة إلى قريش، فقالوا له: ما ورائك يا أبا يعقوب؟

فقال: خلوا سبيل الرجل يعتمر، فإني حضرت كسرى، وقيصر، والنجاشي، فما رأيت ملكاً قط أصحابه أطوع من هذا الملك.

والله إنه ليتنخم فيبتدرون نخامته، والله إنه ليجلس فيبتدرون التراب الذي يجلس عليه، وإنه ليتوضأ فيبتدرون وضوءه.

فقالوا: جبنت، وانتفح سحرك.

ثم قالوا لسهيل بن عمرو: اذهب واردده عنا، وصالحه.

فلما رآه رسول الله  قال: «قَدْ سَهُلَ أمْرُهُمْ» ، فجاءه سهيل في نفر من قريش فقال: يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة، على أن لك أن تأتيهم من العام المقبل، فتعتمر أنت، وأصحابك، ويدخل كل إنسان منكم بسلاحه راكباً، فتصالحنا على أن لا تقاتلنا، ولا نقاتلك سنتين.

فرضي رسول الله  بذلك.

فقال: اكتب بيننا وبينك كتاباً، فأمر علياً  إن يكتب، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل: لا أعرف الرحمن.

قال: فكيف أكتب؟

قال: اكتب باسمك اللهم فكتب باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله  .

فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله، لاتبعتك.

أفترغب عن اسم أبيك؟

فقال علي  : فو الله إنه لرسول الله  على رغم أنفك.

فقال رسول الله  : «أنا مَحَمَّدٌ رَسُولُ الله، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله» ، لأنه كان عهد أن لا يسألوه عن شيئاً يعظمون به حرماتهم إلا قبله.

فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، ألاّ تقاتلنا، ولا نقاتلك سنتين، وندخل في حلفنا من نشاء، وتدخلوا في حلفكم من شئتم، وعلى أنكم تأتون من العام المقبل، وتقيمون ثلاثة أيام، ثم ترجعون، وعلى أن ما جاء منا إليكم لا تقبلوه، وتردوه إلينا، ومن جاء منكم إلينا فهو منا، فلا نرده إليكم، فشق ذلك الشرط على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله من لحق بنا منهم لم نقبله، ومن لحق بهم منا فهو لهم.

فقال رسول الله  : «فأمَّا مَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنَّا فَأبْعَدَهُ الله وَأَوْلَى بِمَنْ كَفر.

وَأمَّا مَنْ أرَادَ أنْ يَلْحَقَ بِنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ مَخْرِجَاً» .

فجاء أبو جندل بن سهيل يوسف في الحديد، يعني: يمشي مشي الأعرج قد أسلم، فأوثقه أبوه حين خشي أن يذهب إلى النبيّ  ، فلما وقع في ظهراني المسلمين، قال: إني مسلم.

فجاء أبوه فقال: إنما كتبنا الكتاب الساعة.

فقال عمر بن الخطاب  : يا رسول الله حق وأنت نبيه؟

قال: «بَلَى» .

قال: ونحن قوم مؤمنون؟

وهم كفار؟

قال: «بَلَى» .

قال: فلم نُعْطِي الدنية في ديننا؟

قال: «إنَّمَا كَتَبْنَا الكِتَابَ السَّاعَةَ» .

فتحول عمر إلى أبي جندل فقال: يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في الله، وإن دم الكافر لا يساوي دم كلب، وجعل عمر يقرب إليه سيفه كيما يأخذه، ويضرب به أباه.

فقال أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟

فقال عمر: نهاني رسول الله  .

فقال: ما أنت بأحق بطاعة رسول الله  مني، لا أقتل أبي، فأخذ سهيل بن عمرو غصناً من أغصان تلك الشجرة، فضرب به وجه أبي جندل، والمسلمون يبكون.

فقال النبيّ  : «خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، فَإنْ يَعْلَمِ الله مِنْ أبِي جَنْدَلٍ الصَّدْقَ يُنْجِهِ مِنْهُمّ» .

فقال رسول الله  لسهيل: «هَبْهُ لِي» فقال سهيل: لا.

فقال: مكرز بن حفص: قد أجرته.

يعني: أمنته فآمنه حتى رده إلى مكة، فأنجى الله تعالى أبا جندل من أيديهم بعد ما رجع النبيّ  إلى المدينة، فخرج إلى شط البحر، واجتمع إليه قريباً من سبعين رجلاً، كرهوا أن يقيموا مع المشركين، وعلموا أن النبي  لن يقبلهم حتى تنقضي المدة، فعمدوا إلى عير لقريش مقبلة إلى الشام، أو مدبرة فأخذوها، وجعلوا يقطعون الطريق على المشركين، فأرسل المشركون إلى النبي  يناشدونه إلا قبضهم إليه، وقالوا له: أنت في حلَ منهم.

فالتحقوا برسول الله  ، فعلم الذين كرهوا الصلح، أن الخير فيما رأى رسول الله  .

ثم أمر النبيّ  أصحابه أن ينحروا البدن، ويحلقوا الرؤوس، فلم يفعل ذلك منهم أحد.

فدخل النبيّ  على أم سلمة فقال: ألا تعجبين؟

أمرت الناس أن ينحروا البدن، ويحلقوا.

فلم يفعل أحد منهم.

فقالت أم سلمة: قم أنت يا رسول الله وانحر بدنك، واحلق رأسك، فإنهم سيقتدون بك.

فنحر رسول الله  البدن، وحلق رأسه، ففعل القوم كلهم، فحلق بعضهم، وقصر بعضهم.

فقال رسول الله  : «يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ» .

فقالوا: والمقصرين يا رسول الله؟

فقال: «يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ، والمقصرين» .

فرجع النبيّ  إلى المدينة، فنزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: السكون، والطمأنينة في البيعة، في قلوب المؤمنين.

لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يعني: تصديقاً مع تصديقهم الذي هم عليه.

ويقال: تصديقاً بما أمرهم رسول الله  في البيعة.

ويقال: يعني: إقراراً بالفرائض، مع إقرارهم بالله تعالى.

وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ قال: يعني: الرحمة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً.

قال: إن الله تعالى بعث رسوله  بشهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كما قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) [الاخلاص] فلما صدقوا بها، زادهم الصلاة.

فلما صدقوا بها زادهم الزكاة.

فلما صدقوا بها زادهم الصوم.

فلما صدقوا بها زادهم الحج.

فلما صدقوا به زادهم الجهاد.

يعني: إن في كل ذلك يزيد تصديقاً مع تصديقهم.

وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فجنود السموات الملائكة، وجنود الأرض المؤمنون من الجن والإنس وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في أمره حيث حكم بالنصر للمؤمنين يوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفَتْحِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ  ﴾ قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟!

فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ.

قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ.

قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ.

وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ.

فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ  أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.» وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.

والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ  بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: وَيَهْدِي بِكَ، ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الفَتْحِ هَذِهِ السُورَةُ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ  مُنْصَرَفُهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ عن أنَسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما تَقْتَضِي صِحَّتُهُ، وهي بِهَذا في حُكْمِ المَدَنِيِّ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، ويُشْبِهُ أنَّ مِنها بَعْضًا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وأمّا صَدْرُ السُورَةِ ومُعْظَمُها فَكَما قُلْنا، ويَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهُما في تِلْكَ السُفْرَةِ: « "لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَيْلَةَ سُورَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا وما فِيهِا"،» ذَكَرَ مَكِّيٌّ هُنا أنَّ المَعْنى: بِشَرْطِ أنْ تَبْقى الدُنْيا ولا تَفْنى، وفي هَذا نَظَرٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  خَرَجَ في تِلْكَ الوُجْهَةِ لِيَعْتَمِرَ بِمَكَّةَ، فَصَدَّهُ المُشْرِكُونَ - القِصَّةُ المَشْهُورَةُ - سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ قالَ قَوْمٌ - فِيما حَكى الزَهْراوِيُّ -: ﴿ فَتَحْنا لَكَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ أيْضًا، ونَسَبَهُ النِقاشُ إلى الكَلْبِيِّ، وأخْبَرَهُ تَعالى بِهِ عَلى مَعْنى: قَضَيْنا بِهِ، و"الفَتّاحُ": القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: المُرادُ إنّا فَتَحْنا لَكَ بِأنْ هَدَيْناكَ إلى الإسْلامِ لِيَغْفِرَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ - والصَحِيحُ الَّذِي تُعَضِّدُهُ قِصَّةُ الحُدَيْبِيَةِ -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ ﴾ إنَّما مَعْناهُ: إنَّ ما يُسِرُّ اللهُ لَكَ في تِلْكَ الخَرْجَةِ فَتْحٌ مُبِينٌ تَسْتَقْبِلُهُ، ونَزَلَتِ السُورَةُ مُؤْنِسَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم كانُوا اسْتَوْحَشُوا مَن رَدِّ قُرَيْشٍ لَهُمْ، ومِن تِلْكَ المُهادَنَةِ الَّتِي هادَنَهُمُ النَبِيُّ  ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ مُؤْنِسَةً لَهم في صَدِّهِمْ عَنِ البَيْتِ، ومُذْهِبَةٌ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ، ومِنهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ الشَهِيرُ، وما قالَهُ لِلنَّبِيِّ  ولِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ  في تِلْكَ السُفْرَةِ أنَّهُ هادَنَ عَدْوَهُ رَيْثَما يَتَقَوّى هُوَ، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ آيَةُ الماءِ في بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ وضَعَ فِيهِ سَهْمَهُ وثابَ الماءَ حَتّى كَفى الجَيْشُ، واتَّفَقَتْ بَيْعَةُ الرِضْوانِ، وهي الفَتْحُ الأعْظَمُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وبَلَغَ هَدْيُهُ مَحَلَّهُ، قالَهُ الشَعْبِيُّ، واسْتَقْبَلَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وامْتَلَأتْ أيْدِي المُؤْمِنِينَ خَيْرًا، ولَمْ يَفْتَحْها إلّا أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ، ولَمْ يُشْرِكْهم فِيها أحَدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أصْحابَ السَفِينَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ شارَكُوهم في القِسْمِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: لَمْ يُشْرِكْهم أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ، واتَّفَقَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَلْحَمَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الرُومِ وفارِسٍ ظَهَرَتْ فِيها الرُومُ، فَكانَتْ مِن جُمْلَةِ الفَتْحِ عَلى رَسُولِ اللهِ  ، وسُرَّ بِها هو والمُؤْمِنُونَ لِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ وانْخِضادِ الشَوْكَةِ العُظْمى مِنَ الكُفْرِ.

ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ  وشَرَّفَهُ بِأنْ نَبَّأهُ أنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَغْفِرَ" ﴾ هي لامُ "كَيْ"، لَكِنَّها تُخالِفُها في المَعْنى، والمُرادُ هُنا أنَّ اللهَ فَتَحَ لَكَ لِكَيْ يَجْعَلَ ذَلِكَ أمارَةً وعَلامَةً لِغُفْرانِهِ لَكَ، فَكَأنَّها لامُ صَيْرُورَةٍ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَقَدْ أُنْزَلِتْ عَلَيَّ اللَيْلَةَ سُورَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ الطَبَرِيُّ وابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ لِيَغْفِرَ لَكَ، وبَنَيا هَذِهِ الآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ  ﴾ السُورَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ سُورَةَ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ  ﴾ إنَّما نَزَلَتْ مِن آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ  ناعِيَةً لَهُ نَفْسَهُ حَسَبَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عِنْدَما سَألَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن ذَلِكَ، والآخِرُ أنَّ تَخْصِيصَ النَبِيِّ  بِالتَشْرِيفِ كانَ يَذْهَبُ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُخاطَبٌ بِهَذا الَّذِي قالَ الطَبَرِيُّ، أيْ: سَبِّحْ واسْتَغْفِرْ لِكَيْ يَغْفِرَ اللهُ لَكَ، ولا يَقْتَضِي هَذا أنَّ الغُفْرانَ قَدْ وقَعَ، وما قَدَّمْناهُ أوَّلًا يَقْتَضِي وُقُوعُ الغُفْرانِ لِلنَّبِيِّ  ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم لَهُ  حِينَ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ: أتُفْعَلُ هَذا يا رَسُولَ اللهِ وقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟

قالَ: « "أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"؟» فَهَذا نَصٌّ في أنَّ الغُفْرانَ قَدْ وقَعَ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى: مُجاهَدَتُكَ بِاللهِ تَعالى المُقْتَرِنَةِ بِالفَتْحِ هي لِيَغْفِرَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ المَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ فاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ......

الآيَةُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِالطَبَرِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ ما تَقَدَّمَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ قَبْلَ النُبُوَّةِ و"ما تَأخَّرَ" كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما المَعْنى التَشْرِيفُ بِهَذا الحُكْمِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ البَتَّةَ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي هي رَذائِلُ، [وَجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الصَغائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ بِرَذائِلَ]، واخْتَلَفُوا هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِن مُحَمَّدٍ  أو لَمْ يَقَعْ؟

وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿ ما تَقَدَّمَ ﴾ هو ذَنْبُ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، أيْ بِبَرَكَتِكَ، و"ما تَأخَّرَ" هي ذُنُوبُ أُمَّتِكَ، بِدُعائِكَ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: الإمامِيَّةُ لا تَجُوزُ الصَغائِرُ عَلى النَبِيِّ  ولا عَلى الإمامِ، والآيَةِ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَما تَقَدَّمَ" هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ بَدْرٍ: « "اللهُمَّ، إنَّ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَنْ تَعْبُدَ"،» و"ما تَأخَّرَ" هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ حُنَيْنٍ: « "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ".» هَذا كُلُّهُ مُعْتَرِضٌ.

و"إتْمامُ النِعْمَةِ عَلَيْهِ" هو إظْهارُهُ وتَغَلُّبُهُ عَلى عَدُوِّهِ والرِضْوانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ مَعْناهُ: إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَحَذَفَ الجارُّ فَتَعَدّى الفِعْلُ، وقَدْ يَتَعَدّى هَذا بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ.

و"النَصْرُ العَزِيزُ" هو الَّذِي مَعَهُ غَلَبَةُ العَدُوِّ والظُهُورِ عَلَيْهِ، والنَصْرُ غَيْرُ العَزِيزِ هو الَّذِي مُضَمِّنُهُ الحِمايَةُ ودَفْعُ العَدُوِّ فَقَطْ.

و"إنْزالُ السِكِّينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ" - وهي فِعْلِيَّةٌ مِنَ السُكُونِ - هو تَسْكِينُها لِتِلْكَ الهُدْنَةِ مَعَ قُرَيْشٍ حَتّى اطْمَأنَّتْ، وعَلِمُوا أنَّ وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ  حَقٌّ، فازْدادُوا بِذَلِكَ إيمانًا إلى إيمانِهِمُ الأوَّلِ وكَثُرَ تَصْدِيقُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنُوا بِالتَوْحِيدِ زادَهُمُ العِباداتُ شَيْئًا شَيْئًا، فَكانُوا يَزِيدُونَ إيمانًا حَتّى قالَ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ  ﴾ فَمَنَحَهم أكْمَلَ إيمانَ أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما السَكِينَةَ بِالرَحْمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ إشارَةٌ إلى تَسْكِينِ النُفُوسِ أيْضًا، وأنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَتى شاءَ وعَلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، مِمّا لا يُدَبِّرُهُ البَشَرُ، ومِن جُنْدِهِ: السَكِينَةُ الَّتِي أنْزَلَها في قُلُوبِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ  فَثَبَّتَ بَصائِرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ ﴾ أيْ: ويَكُونُ: فَهي دالَّةٌ عَلى الوُجُودِ بِهَذِهِ الصِفَةِ لا مُعَيَّنَةً وقْتًا ماضِيًا، و"العِلْمُ" و"الإحْكامُ" صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ عِزَّةَ النَصْرِ لِمَن أرادَ المَوْصُوفُ بِهِما نَصْرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الحديث عن جنود الله في معرض ذكر نصر الله يقتضي لا محالة فريقاً مهزوماً بتلك الجنود وهم العدو، فإذا كان النصر الذي قدره الله معلولاً بما بشر به المؤمنين فلا جرم اقتضى أنه مَعلول بما يسوء العدوّ وحزبه، فذكر الله من عِلة ذلك النصر أنّه يعذّب بسببه المنافقين حزبَ العدو، والمشركين صميم العدوّ، فكان قوله: ﴿ ويعذب المنافقين ﴾ معطوفاً على ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ﴾ [الفتح: 5].

والمراد: تعذيب خاص زائد على تعذيبهم الذي استحقوه بسبب الكفر والنفاق وقد أومأ إلى ذلك قوله بعده ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ .

والابتداء بذكر المنافقين في التعذيب قبل المشركين لتنبيه المسلمين بأن كفر المنافقين خفيّ فربما غفل المسلمون عن هذا الفريق أو نسوه.

كان المنافقون لم يخرج منهم أحد إلى فتح مكة ولا إلى عمرة القضية لأنهم لا يحبون أن يراهم المشركون متلبسين بأعمال المسلمين مظاهرين لهم ولأنهم كانوا يحسبون أن المشركين يدافعون المسلمين عن مكة وأنه يكون النصر للمشركين.

والتعذيب: إيصال العذاب إليهم وذلك صادق بعذاب الدنيا بالسيف كما قال تعالى: ﴿ يعذبْهم الله بأيديكم ﴾ [التوبة: 14] وقال: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ﴾ [التوبة: 73]، وبالوَجل، وحذَر الافتضاح، وبالكمد من رؤية المؤمنين منصورين سالمين قال تعالى: ﴿ قل موتوا بغيظكم ﴾ [آل عمران: 119] وقال: ﴿ إن تصبك حسنة تسوءهم ﴾ [التوبة: 50] وصادق بعذاب الآخرة وهو ما خص بالذكر في آخر الآية بقوله: ﴿ وأعد لهم جهنم ﴾ .

وعطف ﴿ المنافقات ﴾ نظير عطف ﴿ المؤمنات ﴾ [الفتح: 5] المتقدم لأن نساء المنافقين يشاركنهم في أسرارهم ويحضون ما يبيتونه من الكيد ويهيئون لهم إيواء المشركين إذا زاروهم.

وقوله: ﴿ الظانين ﴾ صفة للمذكورين من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات فإن حق الصفة الواردة بعد متعدد أن تعود إلى جميعه ما لم يكن مانع لفظي أو معنوي.

والسَّوء بفتح السين في قوله: ﴿ ظن السوء ﴾ في قراءة جميع العشرة، وأما في قولهم ﴿ عليْهم دائرة السوء ﴾ فهو في قراءة الجمهور بالفتح أيضاً.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحده بضمّ السّين.

والمفتوح والمضموم مترادفان في أصل اللغة ومعناهما المكروه ضد السرور، فهما لغتان مثل: الكَره والكُره، الضَّعف والضُعف، والضَّر والضُّر، والبَأس والبُؤس.

هذا عن الكسائي وتبعه الزمخشري وبينه الجوهري بأن المفتوح مصدر والمضموم اسم مصدر، إلا أن الاستعمال غلب المفتوح في أن يقع وصفاً لمذموم مضافاً إليه موصوفه كما وقع في هذه الآية وفي قوله: ﴿ ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السَّوء ﴾ في سورة براءة (98)، وغلب المضموم في معنى الشيء الذي هو بذاته شرّ.

فإضافة الظن إلى السوء من إضافة الموصوف إلى الصفة.

والمراد: ظنهم بالله أنهم لم يَعد الرسول بالفتح ولا أمره بالخروج إلى العمرة ولا يقدر للرسول النصر لقلة أتباعه وعِزة أعدائه، فهذا ظن سوء بالرسول، وهذا المناسب لقراءته بالفتح.

وأمَّا دائرة السَّوء } في قراءة الجمهور فهي الدائرة التي تسُوء أولئك الظانين بقرينة قوله: ﴿ عليهم ﴾ ، ولا التفات إلى كونها محمودة عند المؤمنين إذ ليس المقام لبيان ذلك والإضافة مثل إضافة ﴿ ظن السوء ﴾ ، وأما في قراءة ابن كثير وأبي عمرو فإضافة ﴿ دائرة ﴾ المضموم من إضافة الأسماء، أي الدائرة المختصة بالسوء والملازمة له لا من إضافة الموصوف.

وليس في قراءتهما خصوصية زائدة على قراءة الجمهور ولكنها جمعت بين الاستعمالين ففتح السوء الأول متعيّن وضم الثاني جائز وليس براجح والاختلاف اختلاف في الرواية.

وجملة ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ دعاء أو وعيد، ولذلك جاءت بالاسمية لصلوحيتها لذلك بخلاف جملة ﴿ وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم ﴾ فإنها إخبار عما جنوه من سوء فعلهم فالتعبير بالماضي منه أظهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الفَتْحِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنّا أعْلَمْناكَ عِلْمًا مُبِينًا فِيما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ وأمَرْناكَ بِهِ مِنَ الدِّينِ.

وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ العِلْمِ بِالفَتْحِ كَقَوْلِهِ ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ  ﴾ أيْ عِلْمُ الغَيْبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَكَقَوْلِهِ ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ  ﴾ أيْ إنْ أرَدْتُمُ العِلْمَ فَقَدْ جاءَكُمُ العِلْمُ.

الثّانِي: إنّا قَضَيْنا لَكَ قَضاءً بَيِّنًا فِيما فَتَحْناهُ عَلَيْكَ مِنَ البِلادِ.

وَفي المُرادِ بِهَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، وعَدَهُ اللَّهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ انْكِفائِهِ مِنها.

الثّانِي: هو ما كانَ مِن أمْرِهِ بِالحُدَيْبِيَةِ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا  ﴾ في وقْتِ الحُدَيْبِيَةِ أصابَ فِيها ما لَمْ يُصِبْ في غَيْرِها.

بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ تَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أرادَهُ بِالفَتْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ جابِرٌ: ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: أنْتُمْ تَعُدُّونَ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَحْرُهُ وحَلْقُهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهَ بِالنَّحْرِ.

والحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، وفِيها تَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وقَدْ غارَتْ فَجاشَتْ بِالرِّواءِ.

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ اسْتِكْمالًا لِنِعَمِهِ عِنْدَكَ.

الثّانِي: يُصَبِّرُكَ عَلى أذى قَوْمِكَ.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ الفَتْحِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ الفَتْحِ.

الثّانِي: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.

الثّالِثُ: ما وقَعَ وما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ الوَعْدِ بِأنَّهُ مَغْفُورٌ إذا كانَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَها.

﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ.

الثّانِي: بِخُضُوعِ مَنِ اسْتَكْبَرَ.

وَطاعَةِ مَن تَجَبَّرَ.

﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الأسْرُ والغَنِيمَةُ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الظَّفَرُ والإسْلامُ وفَتْحُ مَكَّةَ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ما حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ قالَ أهْلُ مَكَّةَ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَدْخُلُ في دِينِكَ وأنْتَ لا تَدْرِي ما يُفْعَلُ بِكَ ولا بِمَنِ اتَّبَعَكَ فَهَلّا أخْبَرَكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ كَما أخْبَرَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ؟

فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ  وعَلى أصْحابِهِ حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ - رَأْسُ المُنافِقِينَ - لِلْأنْصارِ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ في دِينِ رَجُلٍ لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِمَنِ اتَّبَعَهُ؟

هَذا واللَّهِ الضَّلالُ المُبِينُ.

فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَسْألُ رَبَّكَ يُخْبِرُكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ؟

فَقالَ: إنَّ لَهُ أجَلًا فَأبْشِرا بِما يَقِرُّ اللَّهُ بِهِ أعْيُنُكُما.

إلى أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيُ وهو في دارِ أبِي الدَّحْداحِ عَلى طَعامٍ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَخَرَجَ وقَرَأها عَلى أصْحابِهِ، قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَنِيئًا مَرِيئًا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ قال: السكينة هي الرحمة في قوله: ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ قال: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها، زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام ديناً ﴾ [ المائدة: 3] قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ قال: تصديقاً مع تصديقهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أي: من أهل المدينة والمشركين والمشركات من أهل مكة (١) (٢) قوله: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ هو أنهم ظنوا أن محمداً لا ينصر، هذا قول أكثر المفسرين (٣) (٤) ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ  ﴾ .

وقال أبو إسحاق: زعم الخليل وسيبويه أن معنى (السوء) هاهنا: الفساد، فالمعنى: الظانين باللهِ ظن الفساد، وهو ما ظنوا أن الرسول ومن معه لا يرجعون (٥) ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ﴾ الآية [آية: 12].

قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ قال ابن عباس: عليهم يدور العذاب (٦) وقال أبو إسحاق: أي: الفساد والهلاك يقع بهم (٧) وقال أبو علي: عليهم دائرة السوء، أي: الذي أرادوه بالمسلمين وتمنوه لهم يقع بهم لا بالمسلمين (٨) ﴿ دَائِرَةُ السَّوْءِ  ﴾ فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو ﴿ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ بضم السين، وكذلك في سورة الفتح [آية: 6] وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ السَّوْءِ ﴾ : بفتح السين فيهما ولم يختلف في غيرهما، انظر: "الحجة" 4/ 206.]] براءة [آية: 98].

قال مقاتل: فلما نزلت هذه الآية، قال عبد الله بن أُبي والمنافقون: يزعم محمد أن الله ينصره على عدوه هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فإن أهل فارس والروم وهم أكثر عدداً وأشد بأساً، ولن يظهر محمد عليهم (٩) (١) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 299، ومقاشل في "تفسيره" 4/ 69، وأبو الليث في "تفسيره" 3/ 253، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 136.

(٢) انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 136.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 73، "تفسير البغوي" 7/ 299، "زاد المسير" 7/ 426، "تفسير الوسيط" 4/ 136.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 69.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 20.

(٦) ورد هذا المعنى من غير نسبة عند الطبري في "تفسيره" 13/ 73، الثعلبي 10/ 134 ب، البغوي 7/ 299، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 136.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 21.

(٨) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 6/ 201.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 69.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الظآنين بالله ظَنَّ السوء ﴾ معناه أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين وقالوا: لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

وقيل: معناه أنهم لا يعرفون الله بصفاته، فذلك هو ظن السوء به، والأول أظهر بدليل ما بعده ﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ﴾ يحتمل أن يكون خبراً أو دعاء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويعذب المنافقين والمنافقات، ويعذب المشركين بالله والمشركات، الظانين بالله أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، فعادت دائرة العذاب عليهم، وغضب الله عليهم بسبب كفرهم وظنهم السيئ، وطردهم من رحمته، وأعدّ لهم في الآخرة جهنم يدخلونها خالدين فيها أبدًا، وساءت جهنمُ مصيرًا يرجعون إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.mPYno"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله