الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٧ من سورة الفتح
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء - أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين - : ( ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما ) .
وقوله ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول جلّ ثناؤه: ولله جنود السماوات والأرض أنصارا على أعدائه, إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم, وسارعوا إلى ذلك بالطاعة منهم له ( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) يقول تعالى ذكره: ولم يزل الله ذا عزّة, لا يغلبه غالب, ولا يمتنع عليه مما أراده به ممتنع, لعظم سلطانه وقدرته, حكيم في تدبيره خلقه.
ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما دليل على كفرهم لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج عن الإيمان تقدم في غير موضع جميعه ، والحمد لله .
وقيل : لما جرى صلح الحديبية قال ابن أبي : أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدو ، فأين فارس والروم فبين الله - عز وجل - أن جنود السماوات والأرض أكثر من فارس والروم .
وقيل : يدخل فيه جميع المخلوقات .
وقال ابن عباس : ولله جنود السماوات الملائكة .
وجنود الأرض المؤمنون .
وأعاد لأن الذي سبق عقيب ذكر المشركين من قريش ، وهذا عقيب ذكر المنافقين وسائر المشركين .
والمراد في الموضعين التخويف والتهديد .
فلو أراد إهلاك المنافقين والمشركين لم يعجزه ذلك ، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى .
كرر الإخبار بأن له ملك السماوات والأرض وما فيهما من الجنود، ليعلم العباد أنه تعالى هو المعز المذل، وأنه سينصر جنوده المنسوبة إليه، كما قال تعالى: { وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا } أي: قويا غالبا، قاهرا لكل شيء، ومع عزته وقوته فهو حكيم في خلقه وتدبيره، يجري على ما تقتضيه حكمته وإتقانه.
" ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزاً حكيماً "
«ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا» في ملكه «حكيما» في صنعه، أي لم يزل متصفا بذلك.
ولله سبحانه وتعالى جنود السموات والأرض يؤيد بهم عباده المؤمنين.
وكان الله عزيزًا على خلقه، حكيمًا في تدبير أمورهم.
ثم أكد - سبحانه - ملكيته لكل شئ فقال : ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ) ، أى : ولله - تعالى - وحده جنود السماوات والأرض ، وكان - سبحانه - وما زال غالبا على كل شئ ، حكيما فى كل أوامره ونواهيه .
وفى كل تصرفاته وأفعاله .ولما كان المقصود من ذكر الجنود هنا : تهديد المنافقين والمشركين ، وأنهم فى قبضته - تعالى - ، ناسب أن تذيل الآية هنا بقوله : ( وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ) لأن العزة تقتضى الغلبة للغير .ولما كان المقصود من ذكر الجنود فى الآية الرابعة ، بيان أن المدبر لهذا الكون هو الله - تعالى - ناسب أن تذيل الآية هناك بقوله - سبحانه - : ( وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) .
واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في الذكر في كثير من المواضع لأمور أحدها: أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر وكان يخالط المنافق لظنه بإيمانه، وهو كان يفشي أسراره، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك والمنافق على صورة الشيطان فإنه لا يأتي الإنسان على أني عدوك، وإنما يأتيه على أني صديقك، والمجاهر على خلاف الشيطان من وجه، ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق وقول: ﴿ الظانين بالله ظَنَّ السوء ﴾ هذا الظن يحتمل وجوهاً أحدها: هو الظن الذي ذكره الله في هذه السورة بقوله: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول ﴾ ثانيها: ظن المشركين بالله في الإشراك كما قال تعالى: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ ﴾ إلى أن قال: ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ أَمْ لِلْإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ فَلِلَّهِ ٱلْءَاخِرَةُ وَٱلْأُولَىٰ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلْأُنثَىٰ وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ﴾ ثالثها: ظنهم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال: ﴿ ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ والأول أصح أو نقول المراد جميع ظنونهم حتى يدخل فيه ظنهم الذي ظنوا أن الله لا يحيي الموتى، وأن العالم خلقه باطل، كما قال تعالى: ﴿ ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ ويؤيد هذا الوجه الألف واللام الذي في السوء وسنذكره في قوله: ﴿ ظَنَّ السوء ﴾ وفيه وجوه: أحدها: ما اختاره المحققون من الأدباء، وهو أن السوء صار عبارة عن الفساد، والصدق عبارة عن الصلاح يقال مررت برجل سوء أي فاسد، وسئلت عن رجل صدق أي صالح، فإذا كان مجموع قولنا رجل سوء يؤدي معنى قولنا فاسد، فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد، وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج واختاره الزمخشري، وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد، يقال ساء مزاجه، وساء خلقه، وساء ظنه، كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء، بل كان ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال الله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر ﴾ وقال: ﴿ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ هذا ما يظهر لي من تحقيق كلامهم.
ثم قال تعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ أي دائرة الفساد وحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ زيادة في الإفادة لأن من كان به بلاء فقد يكون مبتلى به على وجه الامتحان فيكون مصاباً لكي يصير مثاباً، وقد يكون مصاباً على وجه التعذيب فقوله: ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ إشارة إلى أن الذي حاق بهم على وجه التعذيب وقوله: ﴿ وَلَعَنَهُمُ ﴾ زيادة إفادة لأن المغضوب عليه قد يكون بحيث يقنع الغاضب بالعتب والشتم أو الضرب، ولا يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب عليه من جنابه وطرده من بابه، وقد يكون بحيث يفضي إلى الطرد والإبعاد، فقال: ﴿ وَلَعَنَهُمُ ﴾ لكون الغضب شديداً، ثم لما بيّن حالهم في الدنيا بيّن مآلهم في العقبى قال: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ وقوله: ﴿ سَاءتْ ﴾ إشارة لمكان التأنيث في جهنم يقال هذه الدار نعم المكان، وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض ﴾ قد تقدم تفسيره، وبقي فيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في الإعادة؟
نقول لله جنود الرحمة وجنود العذاب أو جنود الله إنزالهم قد يكون للرحمة، وقد يكون للعذاب فذكرهم أولى لبيان الرحمة بالمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً ﴾ وثانياً لبيان إنزال العذاب على الكافرين.
المسألة الثانية: قال هناك ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ وهنا ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ لأن قوله: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض ﴾ قد بينا أن المقصود من ذكرهم الإشارة إلى شدة العذاب فذكر العزة كما قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام ﴾ وقال تعالى: ﴿ فأخذناهم أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ وقال تعالى: ﴿ العزيز الجبار ﴾ .
المسألة الثالثة: ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة، وذكرهم هاهنا بعد ذكر تعذيب الكفار وإعداد جنهم، نقول فيه ترتيب حسن لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين الجنة ثم يلبسهم خلع الكرامة بقوله: ﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم ﴾ كما بينا ثم تكون لهم القربى والزلفى بقوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً ﴾ وبعد حصول القرب والعندية لا تبقى واسطة الجنود فالجنود في الرحمة أولاً ينزلون ويقربون آخراً وأما في الكافر فيغضب عليه أولاً فيبعد ويطرد إلى البلاد النائية عن ناحية الرحمة وهي جهنم ويسلط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله كما قال تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ ﴾ ولذلك ذكر جنود الرحمة أولاً والقربة بقوله عند الله آخراً، وقال هاهنا ﴿ غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمُ ﴾ وهو الإبعاد أولاً وجنود السموات والأرض آخراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ السكينة ﴾ السكون كالبهيتة للبهتان، أي: أنزل الله في قلوبهم السكون، والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقيناً إلى يقينهم، وأنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد عليه السلام من الشرائع ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا ﴾ بالشرائع مقروناً إلى إيمانهم وهو التوحيد.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن أوّل ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد، فازدادوا إيماناً إلى إيمانهم.
أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله عزّ وجل ولرسوله، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيماناً إلى إيمانهم.
وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا فيزداد إيمانهم ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض ﴾ يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكّن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيستحقوا الثواب، فيثيبهم ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه.
وقع السوء: عبارة عن رداءة الشيء وفساده؛ والصدق عن جودته وصلاحه، فقيل في المرضى الصالح من الأفعال: فعل صدق، وفي المسخوط الفاسد منها: فعل سوء.
ومعنى ﴿ ظَنَّ السوء ﴾ ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم- والسوء: الهلاك والدمار.
وقرئ: ﴿ دائرة السوء ﴾ بالفتح، أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، فهي عندهم دائر سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق.
فإن قلت: هل من فرق بين السُّوء والسَّوء؟
قلت: هما كالكُره والكَره والضُّعْف والضَّعْف، من ساء، إلا أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء.
وأما السُّوء بالضم فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير.
يقال: أراد به السوء وأراد به الخير؛ ولذلك أضيف الظن إلى المفتوح لكونه مذموماً؛ وكانت الدائرة محمودة فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا وأما دائرة السوء بالضم، فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة، فصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله عزّ وعلا: ﴿ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ﴾ [الأحزاب: 17] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ عِلَّةٌ بِما بَعْدَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِن مَعْنى التَّدْبِيرِ، أيْ دَبَّرَ ما دَبَّرَ مِن تَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ لِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِيهِ ويَشْكُرُوها فَيُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ ويُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ لِما غاظَهم مِن ذَلِكَ، أوْ فَتَحْنا أوْ أنْزَلَ أوْ جَمِيعُ ما ذَكَرَ أوْ لِيَزْدادُوا، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ.
﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ يُغَطِّيَها ولا يُظْهِرَها.
﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ أيِ الإدْخالُ والتَّكْفِيرُ.
﴿ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما يُطْلَبُ مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وعِنْدَ حالٍ مِنَ الفَوْزِ.
﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ عَطْفٌ عَلى «يُدْخِلَ» إلّا إذا جَعَلْتَهُ بَدَلًا فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى المُبْدَلِ مِنهُ.
﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ ظَنَّ الأمْرِ السُّوءِ وهو أنْ لا يَنْصُرَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ دائِرَةُ ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ لا يَتَخَطّاهُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دائِرَةُ السُّوءِ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ، غَيْرَ أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ والمَضْمُومُ جَرى مَجْرى الشَّرِّ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ ﴿ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ ﴾ عَطْفٌ لِما اسْتَحَقُّوهُ في الآخِرَةِ عَلى ما اسْتَوْجَبُوهُ في الدُّنْيا، والواوُ في الأخِيرَيْنِ والمَوْضِعُ مَوْضِعُ الفاءِ إذِ اللَّعْنُ سَبَبٌ لِلْإعْدادِ، والغَضَبُ سَبَبٌ لَهُ لِاسْتِقْلالِ الكُلِّ في الوَعِيدِ بِلا اعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ.
﴿ وَساءَتْ مَصِيرًا ﴾ جَهَنَّمُ.
﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ <div class="verse-tafsir"
{وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض} فيدفع كيد من عادى نبيه عليه السلام والمؤمنين بما شاء منها {وَكَانَ الله عَزِيزاً} غالباً فلا يرد بأسه {حَكِيماً} فيما دبر
﴿ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذُكِرَ سابِقًا عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُدَبِّرُ لِأمْرِ المَخْلُوقاتِ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ وهاهُنا أُرِيدَ بِهِ التَّهْدِيدُ بِأنَّهم في قَبْضَةِ قُدْرَةِ المُنْتَقِمِ ولِذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ فَلا تَكْرارَ كَما قالَ الشِّهابُ، وقِيلَ: إنَّ الجُنُودَ جُنُودُ رَحْمَةٍ وجُنُودُ عَذابٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِزَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: المصدقين والمصدقات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني: من تحت غرفها، وأشجارها خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين مقيمين، لا يموتون، ولا يخرجون منها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني: يمحو، ويتجاوز عن سيئاتهم.
يعني: عن ذنوبهم وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً في الآخرة.
أي: نجاة وافرة من العذاب.
ثم قال: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ يعني: ولكن يعذب المنافقين، والمنافقات، من أهل المدينة وَالْمُشْرِكِينَ من أهل مكة وَالْمُشْرِكاتِ الذين أقاموا على عبادة الأصنام.
قوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ وظنهم ترك التصديق بالله تعالى ورسوله، مخافة ألا ينصر محمد كما قال تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ [الفتح: 12] .
ثم قال: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ يعني: عاقبة العذاب والهزيمة وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ في الدنيا وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ في الآخرة وَساءَتْ مَصِيراً يعني: بئس المصير الذي صاروا إليه.
قوله تعالى: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً بالنقمة لمن مات على كفره، ونفاقه.
حَكِيماً في أمره، وقضائه، حكم بالنصرة للنبي .
ثم قال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً يعني: بعثناك شاهداً بالبلاغ إلى أمتك وَمُبَشِّراً لمن أجابك بالجنة وَنَذِيراً يعني: مخوفاً للكفار بالنار لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: لتصدقوا بالله فيما يأمركم، وتصدقوا برسوله محمد وَتُعَزِّرُوهُ يعني: لكي تعينوه، وتنصروه على عدوه بالسيف، وَتُوَقِّرُوهُ أي: تعظموا النبي وَتُسَبِّحُوهُ يعني: تصلوا لله تبارك وتعالى بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: غدوة وعشياً.
فكأنه قال: لتؤمنوا بالله وتسبحوه، وتؤمنوا برسوله، وتعزروه، وتوقروه.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لِيُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ويعزّروه ويوقّروه ويسبّحوه كلها بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: دَائِرَةُ السوء بضم السين.
وقرأ الباقون: بالنصب، كقولك رجل سوء، وعمل سوء، وقد روي عمر عن ابن كثير، وأبي عمرو: بالنصب أيضا.
<div class="verse-tafsir"
سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب «١» ، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ «٢» ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها صلّى الله عليه وسلّم هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
ت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.
قال أبو حيان «٣» : لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:
هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.
وفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» : الحديبية «٤» ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.
﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.
﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ : هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ.
.
.
﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ.
والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا.
والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ.
والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ.
وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ.
واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ.
وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.
والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ.
وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ.
والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ.
والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن نَكَثَ ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿ وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الجَنَّةُ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ مَعْناهُ: فازْدادُوا وتَلَقَّوْا ذَلِكَ، فَتَمَكَّنَ - بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ بِتَكَسُّبِهِمُ القَبُولَ لِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، ويُرْوى في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ تَكَلَّمَ فِيها أهْلُ الكِتابِ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ مَن لا يَدْرِي ما يَفْعَلُ بِهِ وبِالناسِ مَعَهُ، فَبَيَّنَ اللهُ في هَذِهِ السُورَةِ ما يَفْعَلُ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ ، فَلَمّا سَمِعَها المُؤْمِنُونَ قالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا، هَذا لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَما لَنا؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَساءَتْ مَصِيرًا ﴾ »، فَعَرَّفَهُ اللهُ تَعالى ما يَفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وذَكَرَ النِقاشُ «أنَّ رَجُلًا مِن عَكٍّ قالَ: هَذِهِ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَما لَنا؟
فَقالَ النَبِيُّ : "هِيَ لِي ولِأُمَّتِي كَهاتَيْنِ"، وجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فِيهِ تَرْتِيبُ الجُمَلِ في السَرْدِ لا تَرْتِيبَ وُقُوعِ مَعانِيها؛ لِأنَّ تَكْفِيرَ السَيِّئاتِ قَبْلَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَسُولُ ﴾ الآيَةُ، فَكَأنَّهم ظَنُّوا بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ في جِهَةِ الرَسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: ظَنُّوا بِاللهِ تَعالى ظَنَّ سُوءٍ، إذْ هم يَعْتَقِدُونَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، فَهي ظُنُونُ سُوءٍ مِن حَيْثُ هي كاذِبَةٌ مُؤَدِّيَةٌ إلى عَذابِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ ﴾ كَأنَّهُ يُقَوِّي التَأْوِيلَ الآخَرَ، أيْ: أصابَهم ما أرادُوهُ بِكم.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ" كالأوَّلِ، ورَجَّحَها الفَرّاءُ وقالَ: قُلَّ ما تَضُمُّ العَرَبُ السِينَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما مُتَقارِبانِ، والفَتْحُ أشَدُّ مُطابَقَةً في اللَفْظِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "ظَنَّ السَوْءِ" بِفَتْحِ السِينِ، و"عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ" بِضَمِّ السِينِ، وهو اسْمٌ، أيْ: دائِرَةُ السَوْءِ الَّذِي أرادُوهُ بِكم في ظَنِّهِمُ السُوءَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ السِينِ في المَوْضِعَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي عَمْرِو ومُجاهِدٍ، وسَمّى تَعالى المُصِيبَةَ الَّتِي دَعا بِها عَلَيْهِمْ دائِرَةً مِن حَيْثُ يُقالُ في الزَمانِ: إنَّهُ يَسْتَدِيرُ، ألا تَرى أنَّ السُنَّةَ والشَهْرَ كَأنَّها مُسْتَدِيراتٌ، تَذْهَبُ عَلى تَرْتِيبٍ وتَجِيءُ مِن حَيْثُ هي تَقْدِيراتٌ لِلْحَرَكَةِ العُظْمى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ"،» فَيُقالُ الأقْدارُ والحَوادِثُ الَّتِي هي في طَيِّ الزَمانِ: دائِرَةٌ، لِأنَّها تَدُورُ بِدَوَرانِ الزَمانِ، كَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ أمْرًا كَذا يَكُونُ في يَوْمِ كَذا مِن سَنَةِ كَذا، فَمِن حَيْثُ يَدُورُ ذَلِكَ اليَوْمُ حَتّى يَبْرُزَ إلى الوُجُودِ تَدُورُ هي أيْضًا فِيهِ، وَمِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ودائِراتُ الدَهْرِ قَدْ تَدُورا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ويَعْلَمُ أنَّ النائِباتِ تَدُورُ وهَذا كَثِيرٌ، ويَحْسُنُ أنْ تُسَمّى المُصِيبَةُ دائِرَةً مِن حَيْثُ كَمالُها أنْ تُحِيطَ بِصاحِبِها كَما يُحِيطُ شَكْلُ الدائِرَةِ عَلى السَواءِ مِنَ النُقْطَةِ، وقَدْ أشارَ النَقّاشُ إلى هَذا المَعْنى.
و"غَضِبَ اللهُ تَعالى" مَتى قَصَدَ بِهِ الإرادَةَ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، ومَتى قَصَدَ بِهِ ما يَظْهَرُ مِنَ الأفْعالِ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِ فَهي صِفَةُ فِعْلٍ.
و"لَعَنَهُمْ": أبْعَدَهُمْ، وقالَ تَعالى في هَذِهِ: ﴿ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ فَذَكَرَ صِفَةَ العِزَّةِ مِن حَيْثُ تَقَدَّمَ الِانْتِقامُ مِنَ الكَفّارِ، وفي الَّتِي قَبْلَ قَرْنٍ بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ مِن حَيْثُ وعَدَهُ بِمُغَيَّباتٍ، وقَرَنَ بِاللَفْظَتَيْنِ ذِكْرَ جُنُودِ اللهِ تَعالى الَّتِي مِنها السِكِّينَةُ ومِنها نِقْمَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، فَلِكُلِّ لَفْظٍ وجْهٌ مِنَ المَعْنى، وقالَ ابْنُ المُبارَكِ في كِتابِ النَقّاشِ: جُنُودُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعْضٌ مِن كُلٍّ.
<div class="verse-tafsir"
هذا نظير ما تَقدم آنفاً إلا أن هذا أوثر بصفة عزيز دون عليم لأن المقصود من ذكر الجنود هنا الإنذار والوعيد بهزائم تحل بالمنافقين والمشركين فكما ذكر ﴿ ولله جنود السماوات والأرض ﴾ فيما تقدم للإشارة إلى أنّ نصر النبي صلى الله عليه وسلم يكون بجنود المؤمنين وغيرهما ذكر ما هنا للوعيد بالهزيمة فمناسبة صفة عزيز، أي لا يغلبه غالب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أمْرِ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّها الثِّقَةُ بِوَعْدِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: أنَّها الرَّحْمَةُ لِعِبادِ اللَّهِ.
﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَزْدادُوا عَمَلًا مَعَ تَصْدِيقِهِمْ.
الثّانِي: لِيَزْدادُوا صَبْرًا مَعَ اجْتِهادِهِمْ.
الثّالِثُ: لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالنَّصْرِ مَعَ إيمانِهِمْ بِالجَزاءِ.
﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ تَرْغِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ في خَيْرِ الدُّنْيا وثَوابِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: مَعْناهُ: ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ إشْعارًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ لَهم في جِهادِهِمْ أعْوانًا عَلى طاعَةِ رَبِّهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو ظَنُّهم أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا.
الثّانِي: هو ظَنُّهم أنَّهُ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا.
الثّالِثُ: هو ظَنُّهم أنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ كَرَسُولِهِ.
الرّابِعُ: أنْ سَيَنْصُرَهم عَلى رَسُولِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ظَنَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ في رَسُولِ اللَّهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوْ يَنْهَزِمُ ولا يَعُودُ إلى المَدِينَةِ سالِمًا، فَعادَ ظافِرًا.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلَيْهِمْ يَدُورُ سُوءُ اعْتِقادِهِمْ.
الثّانِي: عَلَيْهِمْ يَدُورُ جَزاءُ ما اعْتَقَدُوهُ في نَبِيِّهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ مرجعه من الحديبية فقال: «لقد أنزلت عليَّ آية هي أحب إلي مما على الأرض» ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا؟
فنزلت عليه ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ حتى بلغ ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما رجعنا من الحديبية وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد خالطوا الحزن والكآبة حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت عليَّ ضحى آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً ثلاثاً» قلنا: ما هي يا رسول الله؟
فقرأ ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ الآيتين قلنا: هنيئاً لك يا رسول الله فما لنا؟
فقرأ ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات ﴾ الآية فلما أتينا خيبر فأبصروا خميس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني جيشه أدبروا هاربين إلى الحصن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ الآية قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئاً لك ما أعطاك ربك، هذا لك فما لنا؟
فأنزل الله: ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات ﴾ إلى آخر الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ ﴾ يعني: الملائكة (والأرض) يعني: المؤمنون وهم أكثر من أهل فارس والروم، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ في ملكه ﴿ حَكِيمًا ﴾ في أمره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الظآنين بالله ظَنَّ السوء ﴾ معناه أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين وقالوا: لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.
وقيل: معناه أنهم لا يعرفون الله بصفاته، فذلك هو ظن السوء به، والأول أظهر بدليل ما بعده ﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ﴾ يحتمل أن يكون خبراً أو دعاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.
﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.
الباقون: ساكنة الطاء.
الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.
التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.
والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.
عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .
والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي فجاء بالماء حتى عمهم.
وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.
وقال الشعبي: أصاب النبي في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.
وذلك أن رسول الله بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.
واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.
فلما رأى أصحاب النبي فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟
فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.
والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.
فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب "بسم الله الرحمن الرحيم".
قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".
ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله ".
قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.
فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.
فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.
وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.
وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.
وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.
قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.
وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.
سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟
الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.
ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.
قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.
وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول عرف أنه حبيب الله المغفور له.
أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.
ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.
وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.
وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.
وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.
والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.
وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.
والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.
وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.
وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.
ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.
ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.
وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.
وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.
وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.
ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.
وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.
ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.
قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ ونحو ذلك.
والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.
مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.
نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.
وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.
ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.
وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.
قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.
وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.
وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.
و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.
﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.
وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.
وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.
ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.
وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم ﴾ قال القفال: هو من قوله : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.
وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.
وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله يحفظهم على بيعتهم.
ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.
والنكث والنقض أخوان.
وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.
قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.
ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.
وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.
والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.
فلما رجع رسول الله اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.
وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.
والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.
وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.
وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.
وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.
وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.
قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله كسهم من حضر.
وكان انصراف النبي في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.
وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.
وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.
وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.
وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.
ثم إن الله أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.
وقيل: هم هوازن وغطفان.
وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله في تبوك.
والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.
هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.
وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.
وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.
ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.
وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.
والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.
وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.
وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.
قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟
فأنزل الله ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.
وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.
نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.
وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.
والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.
فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.
وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.
ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.
والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .
وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.
وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.
وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.
وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.
وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.
قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.
عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.
أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.
قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.
ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.
وجوز الجر بإضمار "رب".
ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.
والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.
عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.
وقيل: هو التنعيم.
وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.
وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.
وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.
وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.
فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.
فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.
فأنزلت الآية.
وسمي خالد يومئذ سيف الله.
وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.
ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".
ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.
و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.
وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.
وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.
وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.
والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.
وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.
وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.
وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.
والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.
وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد ، اختارها الله للمؤمنين.
ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.
﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.
وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.
وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.
وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.
ثم قص رؤيا نبيه بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي أن نأتي البيت فنطوف به؟
فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟
فقالوا: لا.
قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.
ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.
وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .
والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.
وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.
والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.
والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.
والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.
الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.
ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.
ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.
وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.
وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.
ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.
وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.
ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.
وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.
وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.
والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة وإن كان التقبيل على اليد.
ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.
والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.
وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.
وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.
ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.
وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.
كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.
والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.
﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.
ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.
﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.
والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.
ووجه التشبيه أن النبي خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.
وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد وأصحابه كفار مكة والعجم.
وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.
وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.
وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.
وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال بعضهم: هو فتح مكة.
وقال بعضهم: هو صلح الحديبية الذي بين رسول الله وبين أهل مكة حين صدوهم عن دخولهم مكة، وحالوا بينه وبين زيارة البيت، وكان له فيها - أعني: في قصة الحديبية - أمران وآيتان ظاهرتان عظيمتان: أحدهما: أنه أصابه ومن معه من أصحابه عطش، فأتى بإناء ماء، فنبع من ذلك الإناء من الماء مقدار ما شرب منه زهاء ألف وخمسمائة، حتى رووا جميعاً؛ فذلك آية عظيمة حسّية على رسالته.
والثاني: أخبر بغلبة الروم فارس، وذلك علم غيب، وكان كما ذكر وأخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك بالله .
وقصة الحديبية: روي عن رجل يقال له: مجمع بن حارثة قال: "شهدت الحديبية مع رسول الله فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟
قال: أوحي إلى رسول الله قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله واقفاً عند كراح الغميم - اسم موضع - فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال: قال رجل من أصحاب رسول الله: أو فتح هو يا رسول الله؟
قال: إي والذي نفسي بيده إنه بفتح قال: ثم قسمت الحديبية على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة" .
وفي بعض الأخبار: "أنه الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين، ولم نر قتالا، ولو نرى لقاتلنا، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله إلى عمر - - فأقرأها إياه، فقال: يا رسول الله، فتح هو؟
قال: نعم" وعن عامر "أن النبي كان بالحديبية، فأنزل الله - -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ فقال رجل: إنه فتح هو؟
قال: نعم" وعن جابر أنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.
وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود - - أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ بالحديبية.
وعن ابن عباس - - أنه قال: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم، ودخل في الإسلام في السنتين أكثر مما كان دخل قبيل ذلك، فلما رجع رسول الله إلى المدينة من الحديبية...
وفي الحديث طول تركنا ذكره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: إنا قضينا ذلك قضاء بيناً بالحجج والبراهين على رسالتك ونبوتك؛ ليعلم أنك محق على ما تدعي، صادق في قولك؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك، وعظم أمرك بالرسالة والنبوة؛ أي: أعطاك ذلك وأكرمك به؛ ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
والثاني: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ ما لم يطمع أحد من الخلائق أنه يفتح عليك أمثال ذلك الفتح ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ .
والثالث: إنا فتحنا لك جميع أبواب الحكمة والعلوم وجميع أبواب الخيرات والحسنات ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك من أبواب الحكمة والخيرات.
يخرج على هذه الوجوه الثلاثة، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل : ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى ذنبه؛ أخبر أنه غفر له.
ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه؟
وأيش كانت زلته؟
لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه الكفر، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء - عليهم السلام - ليس نظير ذنبنا؛ إذ ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا، لكنهم نهوا عن ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ أي: يغفر ذنبه ابتداء غفران؛ أي: عصمة عن ذلك، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.
والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته؛ أي: ليغفر لك الله ذنوب أمتك، وهو ما يشفع لأمته، فيغفر له؛ أي: لشفاعته، وهو كما روى في الخبر: "يغفر للمؤذن مدّ صوته" أي: يجعل له الشفاعة، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ أي: يغفر لأمته بشفاعته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا من الرسالة والنبوة، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا والآخرة، والشفاعة له في الآخرة، أو إظهار دينه على الأديان كلها، وإياس أولئك الكفرة عن عوده إلى دينهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...
﴾ الآية [المائدة: 3]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ ، يحتمل: أي: ينصرك نصراً عزيزاً بالغلبة عليهم، والقهر، والظفر، لا صلحاً، ولا موادعة، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: نصراً عزيزاً لا يستذل ولا يسترذل، وظاهر الآية ليس على ذلك؛ لأنه قال على إثره: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سبباً للمغفرة؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا، لا ما ذكره [أهل التأويل] إلا أن يقال: إن النبي كان يسأل منه الفتح لما أقدم على أسباب الفتح، وهو القتال مع الكفرة، ونحو ذلك، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة، إلا أن الله أضاف الفتح إلى نفسه، والقتال منهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن الله جعل رسوله بحيث لا يخط بيده خطّاً، ولا يكتب كتاباً، ولا يفهم كتابه، وهو ما وصفه الله - جل وعلا - بقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ لدفع ارتياب المبطلين فيه على ما ذكر، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه، وأحوج - أيضاً - جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمن كتابه المنزل عليه، وجعله رسولا إليهم؛ فيكون كأنه قال: إنا فتحنا لك النبوة، والحكمة، وأنواع العلوم، والخيرات، والحسنات؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ﴾ ؛ أي: إنما فتح لك ما ذكر ليغفر لك ويتم نعمته عليك من النبوة، والحكمة، وإظهار دينه على الأديان كلها، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، أعطاه ما ذكرنا، وذلك كله النصر العزيز، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ﴾ أي: من ذنب أمتك وما تأخر من ذنبهم؛ على ما قال بعض أهل التأويل، ويتم نعمته عليهم من أنواع الخيرات، والأمن لهم، والإياس لأولئك الكفرة عنهم، ويهديهم صراطاً مستقيماً، وينصرهم نصراً عزيزاً، أي: فتحنا لك ما ذكر؛ ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة لهم، وإتمام النعمة والهداية لهم: الصراط المستقيم، والنصر لهم: النصر العزيز، أي: نصراً يعزون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ومن الناس من يقول: إن الله - جل وعلا - امتحن رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الابتداء بالخوف حين قال: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ ، وجد النبي لذلك وجداً شديداً، ونزل بعده ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ...
﴾ إلى آخره، قال رسول الله عند ذلك: "نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض" ، ثم قرأها النبي ، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله، قد بين لك ماذا يفعل بك، ولم يبين ماذا يفعل بنا؛ فنزل قوله - -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ...
﴾ الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: السكينة: هي كهيئة الريح لها جناحان، ولها رأس كرأس الهرّ؛ لكن هذا ليس بشيء، فإنه - عز وجل - قال: ﴿ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بحقيقة الدين، وهو تفسير العلم، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ومنزله ومنشئه هو الله - - وهم يقولون: إن خالقه هو المستدل؛ فيكون حجة عليهم.
قال بعض المعتزلة: إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز، ليس على التحقيق، كما يقال: فلان أنزل فلاناً في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه حقيقة إنزاله إياه في المنزل، لكن أضيف إليه ذلك؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ذلك؛ وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك؛ ليكون ما ذكر على ما أخبر أنه فتح؛ ليغفر له ما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: ليزدادوا إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة.
والثاني: ليزدادوا إيماناً بمحمد وبكتابه مع إيمانهم بسائر الرسل والكتب التي كانوا آمنوا بها وصدقوها، وهذا في أهل الكتاب خاصة.
والثالث: ليزدادوا إيماناً في حادث الوقت مع إيمانهم فيما مضى من الأوقات، فإذا وصل هذا بالأول فيكون بحكم الزيادة، وإن شئت جعلته بحكم الابتداء؛ إذ للإيمان حق التجدد والحدوث في كل وقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فإن كان نزوله على إثر قول ذلك المنافق على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ حيث قال لأصحابه: يزعم محمد أن الله قد غفر له، وأن له على عدوه ظفراً، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فأين أهل فارس والروم؟!
هم أكثر عدداً، فعند ذلك نزل: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فمعناه: أي: لله تدبير جنود السماوات والأرض، ينصر من يشاء على من يشاء، ويجعل الأمر لمن يشاء على ما يشاء، ليس لهم التدبير وإنفاذ الأمر على من شاءوا، ولكن ذلك إلى الله - - وهو كقوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ أي: لله تدبير مكرهم، لا ينفذ مكرهم إلا بالله - - فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي: عن علم بما يكون منهم من إيثارهم عداوة الله على ولايته، واختيار الخلاف له - أنشأهم لا عن جهل، ليعلم أنه لم ينشئهم ولم يأمرهم بما أمرهم وامتحنهم بما امتحن؛ لحاجة نفسه، أو لمنافع ترجع إليه، ولكن لحاجة أولئك ولمنافعهم؛ ولذلك قال: ﴿ حَكِيماً ﴾ ؛ لأن الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فإذا كان إنشاؤه إياهم وما أمرهم به، ونهاهم عنه، لا لحاجة له في نفسه ولا منفعة، ولكن لحاجتهم ومنفعتهم - كان حكيماً في إنشائه إياهم على علم منه بما يكون منهم من إيثار العداوة له على ولايته، واختيار الخلاف له والمعصية، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...
﴾ الآية.
كأن هذا صلة قوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ ، ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ...
﴾ الآية، أنزل السكينة في قلوبهم؛ أي: أنزل ما تسكن به قلوبهم؛ ليزدادوا إيماناً، وأنزل السكينة - أيضاً - ليدخلهم فيما ذكر، كما ذكر في رسول الله : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ فتح له ليغفر له، فعلى ذلك أنزل السكينة في قلوبهم؛ ليزداد لهم الإيمان، وليدخلهم الجنات التي وصف، ثم أخبر أن ذلك لهم عند الله فوز عظيم لا هلاك بعده، ولا تبعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ﴾ ذكر للمنافقين والمشركين من العذاب مقابل ما ذكر للمؤمنين من إنزال السكينة عليهم، وإدخالهم الجنة، حرم هؤلاء السكينة التي ذكر أن قلوب المؤمنين بها تسكن؛ لما علم أنهم يختارون عداوته، ويؤثرون عداوة أوليائه على ولايتهم، وعلم من المؤمنين أنهم يؤثرون ولايته على عداوته، وولاية أوليائه على عداوتهم فأنزل السكينة في قلوبهم ولم ينزل على أولئك هذا؛ ليعلم أن من بلغ في الإيمان الحدّ الذي ذكر إنما بلغ ذلك بالله - - وبفضله، وبرحمته، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ المنافقون الذين ذكرهم في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ ظنوا أن رسول الله لا يرجع إلى أهله، وكذلك المؤمنون لا يرجعون إلى أهليهم أبداً، ثم أخبر أن ذلك الظن منهم ظن السوء، فيحتمل ما ذكر - هاهنا - ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ هذا ما ذكرنا، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ : هم المشركون.
ثم إن كانوا من المنافقين فيكون ظنهم بالله ظن السوء: ألا يرجع هو وأصحابه إلى أهليهم أبداً وإن كانوا من مكذبي الرسول فيكون ظنهم بالله ظن السوء ألا يكرم محمداً بالرسالة؛ ولا يعظمه بالنبوة، لا يختاره ولا يؤثره، على غيره من الناس الذين يختارونهم؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ فيكون ظنهم بالله ظن السوء على هذا: ألا يكرم الله - - محمداً ولا يختاره لرسالته ونبوته، والله أعلم.
وإن كان ذلك من مكذبي البعث ومنكريه، فيكون ظنهم بالله ظن السوء هو ألا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت.
ثم أخبر أن عليهم دائرة السوء الذي ظنوا ألا يرجع إلى رسول الله فصار عليهم ما ظنوا برسول الله حيث تفرقوا من أوطانهم، وهتك أستارهم، ونحو ذلك.
وإن كانوا من مكذبي الرسول أنه لا يرسله، فظنهم كان ما ظنوا؛ لأنه بعث هو رسولا ولم يبعث من اختاروا هم.
وإن كانوا منكري البعث فعليهم كان عذاب اليوم، وفيه هلاكهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ أخبر - عز وجل - أنهم استوجبوا غضب الله ولعنه بالذي كان منهم من سوء ظنهم بالله ورسوله، وأعد لهم جهنم بذلك، وساءت مصيراً لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ذكر على إثر ما ذكر ﴿ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ؛ ليعلم أن عزه ليس بما ذكر من الجنود الذين له في السماوات والأرض، ولكنه عزيز بذاته، له العز الذاتي الأزلي، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولله جنود السماوات والأرض يؤيد بها من يشاء من عباده، وكان الله عزيزًا لا يغالبه أحد، حكيمًا في خلقه وتقديره وتدبيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.e87pz"