تفسير الآية ٩ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٩ من سورة الفتح

لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا ٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ) ، قال ابن عباس وغير واحد : يعظموه ، ( وتوقروه ) من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام ، ( وتسبحوه ) أي : يسبحون الله ، ( بكرة وأصيلا ) أي : أول النهار وآخره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ثم اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ) فقرأ جميع ذلك عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء بالتاء ( لِتُؤْمِنُوا - وَتُعَزِّرُوهُ - وَتُوَقِّرُوهُ - وَتُسَبِّحُوهُ ) بمعنى: لتؤمنوا بالله ورسوله أنتم أيها الناس وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو كله بالياء ( لِيُؤْمِنُوا - وَيُعَزِّرُوهُ - وَيُوَقِّرُوهُ - وَيُسَبِّحُوهُ ) بمعنى: إنا أرسلناك شاهدا إلى الخلق ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزّروه.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) يقول: شاهدا على أمته على أنه قد بلغهم ومبشرا بالجنة لمن أطاع الله, ونذيرا من النار.

وقوله ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) اختلف أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: تجلوه, وتعظموه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( وَتُعَزِّرُوهُ ) يعني: الإجلال ( وَتُوَقِّرُوهُ ) يعني: التعظيم.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) كل هذا تعظيم وإجلال.

وقال آخرون: معنى قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ ) : وينصروه, ومعنى ( وَتُوَقِّرُوهُ ) ويفخموه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَتُعَزِّرُوهُ ) : ينصروه ( وَتُوَقِّرُوهُ ) أمر الله بتسويده وتفخيمه.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ ) قال: ينصروه, ويوقروه: أي ليعظموه.

حدثني أبو هريرة الضُّبَعيّ, قال: ثنا حرميّ, عن شعبة, عن أبي بشر, جعفر بن أبي وحشية, عن عكرِمة ( وَتُعَزِّرُوهُ ) قال: يقاتلون معه بالسيف.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثني هشيم, عن أبي بشر, عن عكرِمة, مثله.

حدثني أحمد بن الوليد, قال: ثنا عثمان بن عمر, عن سعيد, عن أبي بشر, عن عكرمة, بنحوه.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى ومحمد بن جعفر, قالا ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن عكرِمة, مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ويعظموه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) قال: الطاعة لله.

وهذه الأقوال متقاربات المعنى, وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها.

ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنُّصرة والمعونة, ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال.

وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

فأما التوقير: فهو التعظيم والإجلال والتفخيم.

وقوله ( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) يقول: وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات.

والهاء في قوله ( وَتُسَبِّحُوهُ ) من ذكر الله وحده دون الرسول.

وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات: ( وَيُسَبِحُوا الله بُكْرَةً وَأَصِيلا ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) في بعض القراءة ( ويسبحوا الله بكرة وأصيلا ).

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة في بعض الحروف ( وَيُسَبِحُوا الله بُكْرَةً وَأَصِيلا ).

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) يقول: يسبحون الله رجع إلى نفسه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لتؤمنوا بالله ورسوله قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ( ليؤمنوا ) بالياء ، وكذلك ( يعزروه ويوقروه ويسبحوه ) كله بالياء على الخبر .

واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده ، فأما قبله فقوله : " ليدخل " وأما بعده فقوله : إن الذين يبايعونك الباقون بالتاء على الخطاب ، واختاره أبو حاتم .

وتعزروه أي تعظموه وتفخموه ، قاله الحسن والكلبي ، والتعزيز : التعظيم والتوقير .

وقال قتادة : تنصروه وتمنعوا منه .

ومنه التعزير في الحد لأنه مانع .

قال القطامي :[ ص: 244 ]ألا بكرت مي بغير سفاهة تعاتب والمودود ينفعه العزروقال ابن عباس وعكرمة : تقاتلون معه بالسيف .

وقال بعض أهل اللغة : تطيعوه .وتوقروه أي تسودوه ، قاله السدي .

وقيل : تعظموه .

والتوقير : التعظيم والترزين أيضا .

والهاء فيهما للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وهنا وقف تام ، ثم تبتدئ وتسبحوه أي تسبحوا الله بكرة وأصيلا أي عشيا .

وقيل : الضمائر كلها لله تعالى ، فعلى هذا يكون تأويل تعزروه وتوقروه أي : تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك .

واختار هذا القول القشيري .

والأول قول الضحاك ، وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو وتسبحوه من غير خلاف .

وبعضه راجعا إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو وتعزروه وتوقروه أي : تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية .

وفي ( تسبحوه ) وجهان : تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح .

والثاني : هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح .

( بكرة وأصيلا ) أي : غدوة وعشيا .

وقد مضى القول فيه .

وقال الشاعر [ أبو ذؤيب ] :لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأجلس في أفيائه بالأصائل

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: بسبب دعوة الرسول لكم، وتعليمه لكم ما ينفعكم، أرسلناه لتقوموا بالإيمان بالله ورسوله، المستلزم ذلك لطاعتهما في جميع الأمور.{ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } أي: تعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، { وَتُسَبِّحُوهُ } أي: تسبحوا لله { بُكْرَةً وَأَصِيلًا } أول النهار وآخره، فذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، والمختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، والمختص بالله، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ) أي تعينوه وتنصروه ) وتوقروه ) تعظموه وتفخموه ، هذه الكنايات راجعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهاهنا وقف ) وتسبحوه ) أي تسبحوا الله يريد تصلوا له ) بكرة وأصيلا ) بالغداة والعشي ، قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : " ليؤمنوا ، ويعزروه ، ويوقروه ، ويسبحوه " بالياء فيهن لقوله : في " قلوب المؤمنين " ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليؤمنوا بالله ورسوله» بالياء والتاء فيه وفي الثلاثة بعده «ويعزروه» ينصروه وقرئ بزايين مع الفوقانية «ويوقروه» يعظموه وضميرها لله أو لرسوله «ويسبحوه» أي الله «بكرة وأصيلا» بالغداة والعشيّ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا أرسلناك -أيها الرسول- شاهدًا على أمتك بالبلاغ، مبينًا لهم ما أرسلناك به إليهم، ومبشرًا لمن أطاعك بالجنة، ونذيرًا لمن عصاك بالعقاب العاجل والآجل؛ لتؤمنوا بالله ورسوله، وتنصروا الله بنصر دينه، وتعظموه، وتسبحوه أول النهار وآخره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) .وقوله : ( وَتُعَزِّرُوهُ ) من التعزيز بمعنى النصرة مع التعظيم والتفخيم .وقوله : ( وَتُوَقِّرُوهُ ) أى : تعظموه وتقدروه .وقوله : ( وَتُسَبِّحُوهُ ) من التسبيح بمعنى التنزيه .

تقول : سبحت الله - تعالى - أى : نزهته عما لا يليق به ، و ( بُكْرَةً ) أول النهار ، و ( أَصِيلاً ) آخره ، المراد ظاهرهما ، أو جميع أوقات النهار ، كما يقال : شرقا وغربا لجميع الجهات .والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأمته ، كقوله - تعالى - : ( ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء .

.

.

) والقراءة بتاء الخطاب ، هى قراءة الجمهور من القراء .قال الآلوسى : وهو من باب التغليب ، غلب فيه المخاطب على الغائب فيفيد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مخاطب بالإِيمان برسالته كأمته .

.أى : أرسلناك - أيها الرسول الكريم - شاهدا ومبشرا ونذيرا ، لتكون على رأس المؤمنين بما أرسلناك به ، وليتبعك فى ذلك اصحابك ومن سيأتى بعدهم ، بأن يؤمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا ، ولينصروك ويعظموك ، وليسبحوا الله - تعالى - فى الصباح والمساء .

وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) يعود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله ( وَتُسَبِّحُوهُ ) يعود إلى الله - تعالى - .قال القرطبى ما ملخصه : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ليؤمنوا ) وكذلك ( يعزروه ويوقروه ويسبحوه ) كله بالياء على الخبر .

.وقرأ الباقون بالتاء فى الخطاب .

.

والهاء فى قوله : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) للنبى - صلى الله عليه وسلم - وهنا وقف تام .

ثم تبتدئ بقوله : ( وَتُسَبِّحُوهُ ) أى : تسبحوا الله بكرة وأصيلا .وقيل : الضمائر كلها لله - تعالى - فعلى هذا يكون تأويل : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) أى : تثبتوا له صحة الربوبية ، وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المفسرون: ﴿ شاهدا ﴾ على أمتك بما يفعلون كما قال تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ والأولى أن يقال إن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّا أرسلناك شَاهِداً ﴾ وعليه يشهد أنه لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم  ﴾ وهم الأنبياء عليهم السلام، الذين آتاهم الله علماً من عنده وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، ولذلك قال تعالى: ﴿ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله  ﴾ أي فاشهد وقوله: ﴿ وَمُبَشِّراً ﴾ لمن قبل شهادته وعمل بها ويوافقه فيها ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لمن رد شهادته ويخالفه فيها ثم بيّن فائدة الإرسال على الوجه الذي ذكره فقال: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الأمور الأربعة المذكورة مرتبة على الأمور المذكورة من قبل فقوله: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ مرتب على قوله: ﴿ إِنَّا أرسلناك ﴾ لأن كونه مرسلاً من الله يقتضي أن يؤمن المكلف بالله والمرسل وبالمرسل وقوله: ﴿ شاهدا ﴾ يقتضي أن يعزر الله ويقوي دينه لأن قوله: ﴿ شاهدا ﴾ على ما بينا معناه أنه يشهد أنه لا إله إلا هو فدينه هو الحق وأحق أن يتبع وقوله: ﴿ مُبَشِّرًا ﴾ يقتضي أن يوقر الله لأن تعظيم الله عنده على شبه تعظيم الله إياه.

وقوله: ﴿ نَذِيراً ﴾ يقتضي أن ينزه عن السوء والفحشاء مخافة عذابه الأليم وعقابه الشديد، وأصل الإرسال مرتب على أصل الإيمان ووصف الرسول يترتب عليه وصف المؤمن وثانيهما: أن يكون كل واحد مقتضياً للأمور الأربعة فكونه مرسلاً يقتضي أن يؤمن المكلف بالله ورسوله ويعزره ويوقره ويسبحه، وكذلك كونه ﴿ شاهدا ﴾ بالوحدانية يقتضي الأمور المذكورة، وكذلك كونه ﴿ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ لا يقال إن اقتران اللام بالفعل يستدعي فعلاً مقدماً يتعلق به ولا يتعلق بالوصف وقوله: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ ﴾ يستدعي فعلاً وهو قوله: ﴿ إِنَّا أرسلناك ﴾ فكيف تترتب الأمور على كونه ﴿ شَاهِداً وَمُبَشِّراً ﴾ لأنا نقول يجوز الترتيب عليه معنى لا لفظاً، كما أن القائل إذا قال بعثت إليك عالماً لتكرمه فاللفظ ينبئ عن كون البعث سبب الإكرام، وفي المعنى كونه عالماً هو السبب للإكرام، ولهذا لو قال بعثت إليك جاهلاً لتكرمه كان حسناً، وإذا أردنا الجمع بين اللفظ والمعنى نقول: الإرسال الذي هو إرسال حال كونه شاهداً كما تقول بعث العالم سبب جعله سبباً لا مجرد البعث، ولا مجرد العالم، في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في الأحزاب ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا  ﴾ وهاهنا اقتصر على الثلاثة من الخمسة فما الحكمة فيه؟

نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن ذلك المقام كان مقام ذكره لأن أكثر السورة في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد والدخول ففصل هنالك، ولم يفصل هاهنا ثانيهما: أن نقول الكلام مذكور هاهنا لأن قوله: ﴿ شاهدا ﴾ لما لم يقتض أن يكون داعياً لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إله إلا الله، ولا يدعو الناس قال هناك وداعياً لذلك، وهاهنا لما لم يكن كونه ﴿ شاهدا ﴾ منبئاً عن كونه داعياً قال: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ دليل على كونه سراجاً لأنه أتى بما يجب من التعظيم والاجتناب عما يحرم من السوء والفحشاء بالتنزيه وهو التسبيح.

المسألة الثانية: قد ذكرنا مراراً أن اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة، ويحتمل أن يكون أمراً بخلاف ما كان المشركون يعملونه فإنهم كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرةً وعشية فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر.

المسألة الثالثة: الكنايات المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبّحُوهُ ﴾ راجعة إلى الله تعالى أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؟

والأصح هو الأول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ شاهدا ﴾ تشهد على أمّتك، كقوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143] .

﴿ لّتُؤْمِنُواْ ﴾ الضمير للناس ﴿ وَتُعَزّرُوهُ ﴾ ويقووه بالنصرة ﴿ وَتُوَقّرُوهُ ﴾ ويعظموه ﴿ وَتُسَبّحُوهُ ﴾ من التسبيح.

أو من السبحة، والضمائر لله عز وجلّ والمراد بتعزيز الله: تعزيز دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن فرق الضمائر فقد أبعد.

وقرئ: ﴿ لتؤمنوا ﴾ ﴿ وتعزروه ﴾ ﴿ وتوقروه ﴾ ﴿ وتسبحوه ﴾ بالتاء.

والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمّته.

وقرئ: ﴿ وتعزروه ﴾ بضم الزاي وكسرها.

وتعزروه بضم التاء والتخفيف، وتعززوه بالزايين.

وتوقروه من أوقره بمعنى وقره.

وتسبحوا الله ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما: صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ عَلى أُمَّتِكَ.

﴿ وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والأُمَّةِ، أوْ لَهم عَلى أنَّ خِطابَهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ خِطابِهِمْ.

﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ وتُقَوُّوهُ بِتَقْوِيَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ وتُعَظِّمُوهُ.

﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ وتُنَزِّهُوهُ أوْ تُصَلُّوا لَهُ.

﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا أوْ دائِمًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الأرْبَعَةَ بِالياءِ، وقُرِئَ «تُعْزُرُوهُ» بِسُكُونِ العَيْنِ و «تَعْزُرُوهُ» بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الزّايِ وكَسْرِها و «تُعَزِّزُوهُ» بِالزّاءَيْنِ «وَتُوقِرُوهُ» مِن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لتؤمنوا بالله ورسوله} والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته {وَتُعَزِّرُوهُ} وتقووه بالنصر {وَتُوَقِّرُوهُ} وتعظموه {وَتُسَبِّحُوهُ} من التسبيح أو من السبحة والضمائر لله عز وجل والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله ومن فرق الضمائر فجعل الاولين للنبى صلى الله عليه وسلم فقد أبعد لِيُؤْمِنُواْ مكي وأبو عمرو والضمير للناس وكذا الثلاثة الأخيرة بالياء عندهما {بُكْرَةً} صلاة الفجر {وَأَصِيلاً} الصلوات الأربع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  وأُمَّتِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ وهو مِن بابِ التَّغْلِيبِ غُلِّبَ فِيهِ المُخاطَبُ عَلى الغَيْبِ فَيُفِيدُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِرِسالَتِهِ كالأُمَّةِ وهو كَذَلِكَ، وقالَ الواحِدِيُّ: الخِطابُ في ( أرْسَلْناكَ ) لِلنَّبِيِّ  وفي ( لِتُؤْمِنُوا ) لِأُمَّتِهِ فَعَلى هَذا إنْ كانَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ يَكُونُ المُعَلَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وكَيْتَ وكَيْتَ فَعَلَ ذَلِكَ الإرْسالُ أوْ لِلْأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) عَلى قِراءَةِ التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ فَقِيلَ هو عَلى مَعْنى قُلْ لَهُمْ: لِتُؤْمِنُوا إلَخْ، وقِيلَ: هو لِلْأُمَّةِ عَلى أنَّ خِطابَهُ  مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ خِطابِهِمْ فَهو عَيْنُهُ ادِّعاءٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا، ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِما قَرَّرَهُ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يُخاطَبَ في كَلامٍ واحِدٍ اثْنانِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ أوْ تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّنْزِيلِ لا تَعَدُّدَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ غَيْرُ مُخاطَبِينَ في الحَقِيقَةِ فَخِطابُهم في حُكْمِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: الِامْتِناعُ المَذْكُورُ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُخاطَبِينَ مُسْتَقِلًّا، أمّا إذا كانَ أحَدُهُما داخِلًا في خِطابِ الآخَرِ بِرِسالَتِهِ فَلا امْتِناعَ كَما يُعْلَمُ مِن تَتَبُّعِ كَلامِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ خِطابُ الأُمَّةِ أيْضًا مِن غَيْرِ تَغْلِيبٍ، والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ وما ذُكِرَ سابِقًا سالِمٌ عَنِ القالِ والقِيلِ.

﴿ وتُعَزِّرُوهُ ﴾ أيْ تَنْصُرُوهُ كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ونُصْرَتُهُ سُبْحانَهُ بِنُصْرَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ  ﴿ وتُوَقِّرُوهُ ﴾ أيْ تُعَظِّمُوهُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، والضَّمِيرُ لَهُ تَعالى أيْضًا، وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ  ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ في ( تُعَزِّرُوهُ ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّعْزِيرَ لا يَكُونُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يَتَعَيَّنُ عِنْدَ الكُلِّ كَوْنُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُسَبِّحُوهُ ﴾ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا لِئَلّا يَلْزَمَ فَكُّ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ أيْ وتُنَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى أوْ تُصَلُّوا لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ السُّبْحَةِ ﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا، والمُرادُ ظاهِرُهُما أوْ جَمِيعُ النَّهارِ ويُكَنّى عَنْ جَمِيعِ الشَّيْءِ بِطَرَفَيْهِ كَما يُقالُ شَرْقًا وغَرْبًا لِجَمِيعِ الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ الظُّهْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الأرْبَعَةَ.

أعْنِي لِتُؤْمِنُوا وما بَعْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما قَرَءا (ويُسَبِّحُوا اللَّهَ) بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مَكانَ الضَّمِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تَعْزُرُوهُ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وضَمِّ الزّايِ مُخَفَّفًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ فَتْحُ التّاءِ وكَسْرُ الزّايِ مُخَفَّفًا ورُوِيَ هَذا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُخَفَّفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ اليَمانِيِّ ( تُعَزِّزُوهُ) بِزاءَيْنِ مِنَ العِزَّةِ أيْ تَجْعَلُوهُ عَزِيزًا وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ دِينِهِ ورَسُولِهِ  كَذَلِكَ.

وقُرِئَ (وتُوَقِّرُوهُ) مِن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: المصدقين والمصدقات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني: من تحت غرفها، وأشجارها خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين مقيمين، لا يموتون، ولا يخرجون منها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني: يمحو، ويتجاوز عن سيئاتهم.

يعني: عن ذنوبهم وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً في الآخرة.

أي: نجاة وافرة من العذاب.

ثم قال: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ يعني: ولكن يعذب المنافقين، والمنافقات، من أهل المدينة وَالْمُشْرِكِينَ من أهل مكة وَالْمُشْرِكاتِ الذين أقاموا على عبادة الأصنام.

قوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ وظنهم ترك التصديق بالله تعالى ورسوله، مخافة ألا ينصر محمد  كما قال تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ [الفتح: 12] .

ثم قال: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ يعني: عاقبة العذاب والهزيمة وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ في الدنيا وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ في الآخرة وَساءَتْ مَصِيراً يعني: بئس المصير الذي صاروا إليه.

قوله تعالى: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً بالنقمة لمن مات على كفره، ونفاقه.

حَكِيماً في أمره، وقضائه، حكم بالنصرة للنبي  .

ثم قال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً يعني: بعثناك شاهداً بالبلاغ إلى أمتك وَمُبَشِّراً لمن أجابك بالجنة وَنَذِيراً يعني: مخوفاً للكفار بالنار لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: لتصدقوا بالله فيما يأمركم، وتصدقوا برسوله محمد  وَتُعَزِّرُوهُ يعني: لكي تعينوه، وتنصروه على عدوه بالسيف، وَتُوَقِّرُوهُ أي: تعظموا النبي  وَتُسَبِّحُوهُ يعني: تصلوا لله تبارك وتعالى بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: غدوة وعشياً.

فكأنه قال: لتؤمنوا بالله وتسبحوه، وتؤمنوا برسوله، وتعزروه، وتوقروه.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لِيُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ويعزّروه ويوقّروه ويسبّحوه كلها بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: دَائِرَةُ السوء بضم السين.

وقرأ الباقون: بالنصب، كقولك رجل سوء، وعمل سوء، وقد روي عمر عن ابن كثير، وأبي عمرو: بالنصب أيضا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...

الآية، رُوِيَ في معنى هذه الآية أَنَّه لَمَّا نزلت: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩] تَكَلَّمَ فيها أهل الكفر، وقالوا: كيف نَتَّبِعُ مَنْ لا يعرف ما يفعل به وبالناس؟!

فَبَيَّنَ اللَّه في هذه السورة ما يفعل به بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فَلَمَّا سمعها المؤمنون قالوا: هنيئاً لك يا رسول اللَّه، لقد بَيَّنَ اللَّه لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟

فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ إلى قوله: مَصِيراً فعرَّفه اللَّه ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين، وذكر النقاش أَنَّ رجلاً من «عَكَّ» قال: هذا الذي لرسول الله، فما لنا؟

فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هِيَ لِي وَلامَّتِي كَهَاتَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ» .

وقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ هو من ترتيب الجمل في السرد، لا ترتيب وقوع معانيها لأَنَّ تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.

وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قيل: معناه: من قولهم: لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ ...

[الفتح: ١٢] الآية، وقيل: هو كونهم يعتقدون اللَّه بغير صفاته العلى.

وقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [أي: دائرة السوء] «١» الذي أرادوه بكم في ظَنِّهم السوءَ، ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طَيِّ الزمان: دائرة، / لأنّها تدور بدوران الزمان.

وقوله سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ...

الآية، مَنْ جعل الشاهِدَ مُحَصِّلَ الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: شاهِداً حال واقعة، ومَنْ جعل الشاهد مُؤَدِّي الشهادةَ فهي حال مستقبلة، وهي التي يسميها النحاة المُقَدَّرَةَ، والمعنى: شاهداً على الناس بأعمالهم، وأقوالهم حين بَلَّغْتَ، وَمُبَشِّراً: أهلَ الطاعة برحمة اللَّه، وَنَذِيراً: من عذاب اللَّه أهلَ المعصية، ومعنى تُعَزِّرُوهُ تعظموه وتكبروه قاله ابن عباس «٢» ، وقرأ ابن عبّاس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفَتْحِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ  ﴾ قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟!

فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ.

قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ.

قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ.

وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ.

فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ  أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.» وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.

والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ  بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: وَيَهْدِي بِكَ، ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ  ﴾ مَعْناهُ: فازْدادُوا وتَلَقَّوْا ذَلِكَ، فَتَمَكَّنَ - بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ بِتَكَسُّبِهِمُ القَبُولَ لِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، ويُرْوى في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ  ﴾ تَكَلَّمَ فِيها أهْلُ الكِتابِ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ مَن لا يَدْرِي ما يَفْعَلُ بِهِ وبِالناسِ مَعَهُ، فَبَيَّنَ اللهُ في هَذِهِ السُورَةِ ما يَفْعَلُ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ  ﴾ ، فَلَمّا سَمِعَها المُؤْمِنُونَ قالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا، هَذا لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَما لَنا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَساءَتْ مَصِيرًا ﴾ »، فَعَرَّفَهُ اللهُ تَعالى ما يَفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وذَكَرَ النِقاشُ «أنَّ رَجُلًا مِن عَكٍّ قالَ: هَذِهِ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَما لَنا؟

فَقالَ النَبِيُّ  : "هِيَ لِي ولِأُمَّتِي كَهاتَيْنِ"، وجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فِيهِ تَرْتِيبُ الجُمَلِ في السَرْدِ لا تَرْتِيبَ وُقُوعِ مَعانِيها؛ لِأنَّ تَكْفِيرَ السَيِّئاتِ قَبْلَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَسُولُ  ﴾ الآيَةُ، فَكَأنَّهم ظَنُّوا بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ في جِهَةِ الرَسُولِ  والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: ظَنُّوا بِاللهِ تَعالى ظَنَّ سُوءٍ، إذْ هم يَعْتَقِدُونَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، فَهي ظُنُونُ سُوءٍ مِن حَيْثُ هي كاذِبَةٌ مُؤَدِّيَةٌ إلى عَذابِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ ﴾ كَأنَّهُ يُقَوِّي التَأْوِيلَ الآخَرَ، أيْ: أصابَهم ما أرادُوهُ بِكم.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ" كالأوَّلِ، ورَجَّحَها الفَرّاءُ وقالَ: قُلَّ ما تَضُمُّ العَرَبُ السِينَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما مُتَقارِبانِ، والفَتْحُ أشَدُّ مُطابَقَةً في اللَفْظِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "ظَنَّ السَوْءِ" بِفَتْحِ السِينِ، و"عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ" بِضَمِّ السِينِ، وهو اسْمٌ، أيْ: دائِرَةُ السَوْءِ الَّذِي أرادُوهُ بِكم في ظَنِّهِمُ السُوءَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ السِينِ في المَوْضِعَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي عَمْرِو ومُجاهِدٍ، وسَمّى تَعالى المُصِيبَةَ الَّتِي دَعا بِها عَلَيْهِمْ دائِرَةً مِن حَيْثُ يُقالُ في الزَمانِ: إنَّهُ يَسْتَدِيرُ، ألا تَرى أنَّ السُنَّةَ والشَهْرَ كَأنَّها مُسْتَدِيراتٌ، تَذْهَبُ عَلى تَرْتِيبٍ وتَجِيءُ مِن حَيْثُ هي تَقْدِيراتٌ لِلْحَرَكَةِ العُظْمى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ"،» فَيُقالُ الأقْدارُ والحَوادِثُ الَّتِي هي في طَيِّ الزَمانِ: دائِرَةٌ، لِأنَّها تَدُورُ بِدَوَرانِ الزَمانِ، كَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ أمْرًا كَذا يَكُونُ في يَوْمِ كَذا مِن سَنَةِ كَذا، فَمِن حَيْثُ يَدُورُ ذَلِكَ اليَوْمُ حَتّى يَبْرُزَ إلى الوُجُودِ تَدُورُ هي أيْضًا فِيهِ، وَمِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ودائِراتُ الدَهْرِ قَدْ تَدُورا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ويَعْلَمُ أنَّ النائِباتِ تَدُورُ وهَذا كَثِيرٌ، ويَحْسُنُ أنْ تُسَمّى المُصِيبَةُ دائِرَةً مِن حَيْثُ كَمالُها أنْ تُحِيطَ بِصاحِبِها كَما يُحِيطُ شَكْلُ الدائِرَةِ عَلى السَواءِ مِنَ النُقْطَةِ، وقَدْ أشارَ النَقّاشُ إلى هَذا المَعْنى.

و"غَضِبَ اللهُ تَعالى" مَتى قَصَدَ بِهِ الإرادَةَ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، ومَتى قَصَدَ بِهِ ما يَظْهَرُ مِنَ الأفْعالِ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِ فَهي صِفَةُ فِعْلٍ.

و"لَعَنَهُمْ": أبْعَدَهُمْ، وقالَ تَعالى في هَذِهِ: ﴿ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ فَذَكَرَ صِفَةَ العِزَّةِ مِن حَيْثُ تَقَدَّمَ الِانْتِقامُ مِنَ الكَفّارِ، وفي الَّتِي قَبْلَ قَرْنٍ بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ مِن حَيْثُ وعَدَهُ بِمُغَيَّباتٍ، وقَرَنَ بِاللَفْظَتَيْنِ ذِكْرَ جُنُودِ اللهِ تَعالى الَّتِي مِنها السِكِّينَةُ ومِنها نِقْمَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، فَلِكُلِّ لَفْظٍ وجْهٌ مِنَ المَعْنى، وقالَ ابْنُ المُبارَكِ في كِتابِ النَقّاشِ: جُنُودُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعْضٌ مِن كُلٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أريد الانتقال من الوعد بالفتح والنصر وما اقتضاه ذلك مما اتصل به ذِكره إلى تبيين ما جرى في حادثة الحديبية وإبلاغ كل ذي حظ من تلك القضية نصيبهُ المستحق ثناء أو غيره صدر ذلك بذكر مراد الله من إرسال رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك كالمقدمة للقصة وذكرت حكمة الله تعالى في إرساله ما له مزيد اختصاص بالواقعة المتحدث عنها، فذكرت أوصاف ثلاثة هي: شاهد، ومبشر، ونذير.

وقدم منها وصف الشاهد لأنه يتفرع عنه الوصفان بعده.

فالشاهد: المخبر بتصديق أحدٍ أو تكذيبه فيما ادعاه أو ادُعي به عليه وتقدم في قوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ في سورة النساء (41) وقوله: ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾ في سورة البقرة (143).

فالمعنى: أرسلناك في حال أنك تشهد على الأمة بالتبليغ بحيث لا يعذر المخالفون عن شريعتك فيما خالفوا فيه، وتشهد على الأمم وهذه الشهادة حاصلة في الدنيا وفي يوم القيامة، فانتصب شاهداً} على أنه حال، وهو حال مقارنة ويترتّب على التبليغ الذي سيشهد به أنه مبشر للمطيعين ونذير للعَاصين على مراتب العصيان.

والكلام استئناف ابتدائي وتأكيده بحرف التأكيد للاهتمام.

وقوله: ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ﴾ .

قرأ الجمهور الأفعال الأربعة ﴿ لتؤمنوا وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ﴾ بالمثناة الفوقية في الأفعال الأربعة فيجوز أن تكون اللام في ﴿ لتؤمنوا ﴾ لام كي مفيدة للتعليل ومتعلقة بفعل ﴿ أرسلناك ﴾ .

والخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم مع أمة الدعوة، أي لتؤمن أنت والذين أرسلت إليهم شاهداً ومبشراً ونذيراً، والمقصود الإيمان بالله.

وأقحم ﴿ ورسوله ﴾ لأن الخطاب شامل للأمّة وهم مأمورون بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يؤمن بأنه رسول الله ولذلك كان يقول في تشهده: «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» وقال يوم حنين: «أشهدُ أني عبد الله ورسوله» وصحّ أنه كان يتابع قول المؤذن «أشهد أن محمداً رسول الله» ويجوز أن يكون الخطاب للناس خاصة ولا إشكال في عطف ﴿ ورسوله ﴾ .

ويجوز أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله ﴿ ونذيرا ﴾ وتكون جملة ﴿ لتؤمنوا بالله ﴾ الخ جملة معترضة، ويكون اللام في قوله ﴿ لتؤمنوا ﴾ لام الأمر وتكون الجملة استئنافاً للأمر كما في قوله تعالى: ﴿ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ في سورة الحديد (7).

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة فيها، والضمائر عائدة إلى معلوم من السياق لأن الشهادة والتبشير والنذارة متعينة للتعلق بمقدّر، أي شاهداً على الناس ومبشراً ونذيراً لهم ليُؤمنوا بالله الخ.

والتعزيز: النصر والتأييد، وتعزيزهم الله كقوله: ﴿ إن تنصروا الله ﴾ [محمد: 7].

والتوقير: التعظيم.

والتسبيح: الكلام الذي يدل على تنزيه الله تعالى عن كل النقائص.

وضمائر الغيبة المنصوبة الثلاثة عائدة إلى اسم الجلالة لأن إفراد الضمائر مع كون المذكور قبلها اسمين دليل على أن المراد أحدهما.

والقرينة على تعيين المراد ذكر ﴿ وتسبحوه ﴾ ، ولأن عطف ﴿ ورسوله ﴾ على لفظ الجلالة اعتداد بأن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إيمان بالله فالمقصود هو الإيمان بالله.

ومن أجل ذلك قال ابن عباس في بعض الروايات عنه: إن ضمير ﴿ تعزروه وتوقروه ﴾ عائد إلى ﴿ رسوله ﴾ .

والبُكرة: أول النهار.

والأصيل: آخره، وهما كناية عن استيعاب الأوقات بالتسبيح والإكثار منه، كما يقال: شرقاً وغرباً لاستيعاب الجهات.

وقيل التسبيح هنا: كناية عن الصلوات الواجبة والقول في ﴿ بكرة وأصيلا ﴾ هو هو.

وقد وقع في سورة الأحزاب نظير هذه الآية وهو قوله: ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ [الأحزاب: 45، 46]، فزيد في صفات النبي صلى الله عليه وسلم هنالك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ ولم يذكر مثله في الآية هذه التي في سورة الفتح.

ووجه ذلك أن هذه الآية التي في سورة الفتح وردت في سياق إبطال شك الذين شكوا في أمر الصلح والذين كذبوا بوعد الفتح والنصر، والثناءِ على الذين اطمأنوا لذلك فاقتصر من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم على الوصف الأصلي وهو أنه شاهد على الفريقين وكونه مبشراً لأحد الفريقين ونذيراً للآخر، بخلاف آية الأحزاب فإنها وردت في سياق تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن مطاعن المنافقين والكافرين في تزوجه زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة بزعمهم أنها زوجة ابنه، فناسب أن يزاد في صفاته ما فيه إشارة إلى التمحيص بين ما هو من صفات الكمال وما هو من الأوهام الناشئة عن مزاعم كاذبة مثل التبنِّي، فزيد كونه ﴿ داعياً إلى الله بإذنه ﴾ ، أي لا يتبع مزاعم الناس ورغباتهم وأنه سراج منير يهتدي به من همتُّه في الاهتداء دون التقعير.

وقد تقدم في تفسير سورة الأحزاب حديث عبد الله بن عَمرو بن العاصي في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في «التوراة» فارجع إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أمْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّها الثِّقَةُ بِوَعْدِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّها الرَّحْمَةُ لِعِبادِ اللَّهِ.

﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَزْدادُوا عَمَلًا مَعَ تَصْدِيقِهِمْ.

الثّانِي: لِيَزْدادُوا صَبْرًا مَعَ اجْتِهادِهِمْ.

الثّالِثُ: لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالنَّصْرِ مَعَ إيمانِهِمْ بِالجَزاءِ.

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ تَرْغِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ في خَيْرِ الدُّنْيا وثَوابِ الآخِرَةِ.

الثّانِي: مَعْناهُ: ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ إشْعارًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ لَهم في جِهادِهِمْ أعْوانًا عَلى طاعَةِ رَبِّهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو ظَنُّهم أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا.

الثّانِي: هو ظَنُّهم أنَّهُ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا.

الثّالِثُ: هو ظَنُّهم أنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ كَرَسُولِهِ.

الرّابِعُ: أنْ سَيَنْصُرَهم عَلى رَسُولِهِ.

قالَ الضَّحّاكُ: ظَنَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ في رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوْ يَنْهَزِمُ ولا يَعُودُ إلى المَدِينَةِ سالِمًا، فَعادَ ظافِرًا.

﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلَيْهِمْ يَدُورُ سُوءُ اعْتِقادِهِمْ.

الثّانِي: عَلَيْهِمْ يَدُورُ جَزاءُ ما اعْتَقَدُوهُ في نَبِيِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ قال: شاهداً على أمته وشاهداً على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم قد بلّغوا ﴿ ومبشراً ﴾ يبشر بالجنة من أطاع الله ﴿ ونذيراً ﴾ ينذر الناس من عصاه ﴿ ليؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قال: بوعده وبالحساب وبالبعث بعد الموت ﴿ وتعزروه ﴾ قال: تنصروه ﴿ وتوقروه ﴾ قال: أمر الله بتسويده وتفخيمه وتشريفه وتعظيمه، قال: وكان في بعض القراءة ﴿ ويسبحوا الله بكرة وأصيلا ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: ﴿ ويعزروه ﴾ قال: لينصروه ﴿ ويوقروه ﴾ أي ليعظموه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتعزروه ﴾ يعني الإِجلال ﴿ وتوقروه ﴾ يعني التعظيم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتعزروه ﴾ قال: تضربوا بين يديه بالسيف.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتعزروه ﴾ قال: تقاتلوا معه بالسيف.

وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وتعزروه ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه «ما ذاك؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال:لتنصروه» .

وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان ابن عباس يقرأ هذه الآية ﴿ تؤمنون بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾ قال: فكان يقول: إذا أشكل ياء أو تاء فاجعلوها على ياء فإن القرآن كله على ياء.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسبحوه ﴾ قال: يسبحوا الله، رجع إلى نفسه.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ ويسبحوا الله بكرة وأصيلاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ ويسبحوا الله بكرة وأصيلاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قرئ: بالتاء والياء، وكذلك ما بعده من الأفعال، فمن قرأ بالتاء فعلى معنى: قل لهم: إنا أرسلناك لتؤمنوا، ومن قرأ بالياء: وهو اختيار أبي عبيد، قال ذكر المؤمنين قبله وهو قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ولقوله بعده: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ ﴾ ولأنه لا يقال للنبي -  -: لتؤمنوا بالله ورسوله وهو الرسول، وهذا معنى قول أبي إسحاق في وجه هذه القراءة، لأن النبي -  - قد آمن بالله وبأنبيائه وكتبه (١) وقوله: ﴿ وتعزروه ﴾ ذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ  ﴾ ، قال مقاتل: تعينوه وتنصروه على أمره (٢) وقال قتادة: تنصروه وتعزروه بالسيف واللسان (٣) وقال ابن حيان: تنصروا النبي -  - بالسيف (٤) وقال عكرمة: تقاتلوا معه بالسيف (٥) وروى الحجاج بن أرطأة عنه قال: قلت لابن عباس: ما قوله: (وتعزروه)؟

قال: الضرب بين يدي النبي -  - بالسيف (٦) قوله: ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ قال قتادة: تكرموه وتعظموه وتسودوه (٧) وقال ابن حيان: تشرفوه وتبجلوه وتجلوه (٨) قوله: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ هذه الكناية راجعة إلى اسم الله (٩) ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ وكثير من القراء اختاروا الوقف على قوله: وتوقروه (١٠) (١١) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 21، "التذكرة في القراءات" 2/ 687، "الحجة" لأبي علي 6/ 200، وأشار القرطبي 16/ 266 إلى اختيار أبي عبيد.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 70.

(٣) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 74 عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، وذكره في "الوسيط" 4/ 136 من غير نسبه.

(٤) لم أقف على هذا القول.

(٥) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" عن عكرمة 13/ 75، ونسبه النحاس في "معاني القرآن" لعكرمة 6/ 499، ونسبه القرطبي 16/ 266 لابن عباس وعكرمة.

(٦) أخرج الطبري 13/ 75 عن عكرمة قال: يقاتلون معه بالسيف، ونسبه القرطبي في "الجامع" 16/ 267 لابن عباس وعكرمة.

(٧) أخرج الطبري 13/ 74 عن قتادة في ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ أمر الله بتسويده وتفخيمه.

(٨) لم أقف على هذا القول.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 75، "الماوردي" 5/ 313، "البغوي" 7/ 299.

(١٠) انظر: "المكتفى" للداني ص 528، "تفسير البغوي" 7/ 299، القرطبي 16/ 267، ونقل النحاس عن أبي حاتم وأحمد بن موسى أن التمام عند قوله: ويوقروه.

لأنهما قالا المعنى: ويوقروا النبي -  - ويسبحوا الله بكرة وأصيلًا.

وخولفا في هذا لأن (ويسبحوه) معطوف على ما قبله قد حذفت منه النون للنصب فكيف يتم الكلام على ما قبله.

انظر: "القطع والائتاف" لأبي جعفر النحاس ص670.

(١١) "تفسير مقاتل" 4/ 70.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ﴾ أي تشهد على أمتك ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ أي تعظموه وقيل: تنصرونه، وقرئ تعززوه بزايين منقوطتين، والضمير في ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم وفي تسبحوه لله تعالى، وقيل: الثلاثة لله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال بعضهم: هو فتح مكة.

وقال بعضهم: هو صلح الحديبية الذي بين رسول الله  وبين أهل مكة حين صدوهم عن دخولهم مكة، وحالوا بينه وبين زيارة البيت، وكان له فيها - أعني: في قصة الحديبية - أمران وآيتان ظاهرتان عظيمتان: أحدهما: أنه أصابه ومن معه من أصحابه عطش، فأتى بإناء ماء، فنبع من ذلك الإناء من الماء مقدار ما شرب منه زهاء ألف وخمسمائة، حتى رووا جميعاً؛ فذلك آية عظيمة حسّية على رسالته.

والثاني: أخبر بغلبة الروم فارس، وذلك علم غيب، وكان كما ذكر وأخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك بالله  .

وقصة الحديبية: روي عن رجل يقال له: مجمع بن حارثة قال: "شهدت الحديبية مع رسول الله  فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟

قال: أوحي إلى رسول الله  قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله  واقفاً عند كراح الغميم - اسم موضع - فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال: قال رجل من أصحاب رسول الله: أو فتح هو يا رسول الله؟

قال: إي والذي نفسي بيده إنه بفتح قال: ثم قسمت الحديبية على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة" .

وفي بعض الأخبار: "أنه الصلح الذي كان بين رسول الله  وبين المشركين، ولم نر قتالا، ولو نرى لقاتلنا، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله  إلى عمر -  - فأقرأها إياه، فقال: يا رسول الله، فتح هو؟

قال: نعم" وعن عامر "أن النبي  كان بالحديبية، فأنزل الله -  -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ فقال رجل: إنه فتح هو؟

قال: نعم" وعن جابر أنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.

وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود -  - أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ بالحديبية.

وعن ابن عباس -  - أنه قال: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم، ودخل في الإسلام في السنتين أكثر مما كان دخل قبيل ذلك، فلما رجع رسول الله  إلى المدينة من الحديبية...

وفي الحديث طول تركنا ذكره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: إنا قضينا ذلك قضاء بيناً بالحجج والبراهين على رسالتك ونبوتك؛ ليعلم أنك محق على ما تدعي، صادق في قولك؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك، وعظم أمرك بالرسالة والنبوة؛ أي: أعطاك ذلك وأكرمك به؛ ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.

والثاني: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ ما لم يطمع أحد من الخلائق أنه يفتح عليك أمثال ذلك الفتح ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ .

والثالث: إنا فتحنا لك جميع أبواب الحكمة والعلوم وجميع أبواب الخيرات والحسنات ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك من أبواب الحكمة والخيرات.

يخرج على هذه الوجوه الثلاثة، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل : ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى ذنبه؛ أخبر أنه غفر له.

ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه؟

وأيش كانت زلته؟

لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه الكفر، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء - عليهم السلام - ليس نظير ذنبنا؛ إذ ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا، لكنهم نهوا عن ذلك، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ أي: يغفر ذنبه ابتداء غفران؛ أي: عصمة عن ذلك، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.

والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته؛ أي: ليغفر لك الله ذنوب أمتك، وهو ما يشفع لأمته، فيغفر له؛ أي: لشفاعته، وهو كما روى في الخبر: "يغفر للمؤذن مدّ صوته" أي: يجعل له الشفاعة، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ أي: يغفر لأمته بشفاعته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا من الرسالة والنبوة، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا والآخرة، والشفاعة له في الآخرة، أو إظهار دينه على الأديان كلها، وإياس أولئك الكفرة عن عوده إلى دينهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...

﴾ الآية [المائدة: 3]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ ، يحتمل: أي: ينصرك نصراً عزيزاً بالغلبة عليهم، والقهر، والظفر، لا صلحاً، ولا موادعة، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: نصراً عزيزاً لا يستذل ولا يسترذل، وظاهر الآية ليس على ذلك؛ لأنه قال على إثره: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سبباً للمغفرة؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا، لا ما ذكره [أهل التأويل] إلا أن يقال: إن النبي  كان يسأل منه الفتح لما أقدم على أسباب الفتح، وهو القتال مع الكفرة، ونحو ذلك، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة، إلا أن الله أضاف الفتح إلى نفسه، والقتال منهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن الله جعل رسوله بحيث لا يخط بيده خطّاً، ولا يكتب كتاباً، ولا يفهم كتابه، وهو ما وصفه الله - جل وعلا - بقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ لدفع ارتياب المبطلين فيه على ما ذكر، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه، وأحوج - أيضاً - جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمن كتابه المنزل عليه، وجعله رسولا إليهم؛ فيكون كأنه قال: إنا فتحنا لك النبوة، والحكمة، وأنواع العلوم، والخيرات، والحسنات؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ﴾ ؛ أي: إنما فتح لك ما ذكر ليغفر لك ويتم نعمته عليك من النبوة، والحكمة، وإظهار دينه على الأديان كلها، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، أعطاه ما ذكرنا، وذلك كله النصر العزيز، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ﴾ أي: من ذنب أمتك وما تأخر من ذنبهم؛ على ما قال بعض أهل التأويل، ويتم نعمته عليهم من أنواع الخيرات، والأمن لهم، والإياس لأولئك الكفرة عنهم، ويهديهم صراطاً مستقيماً، وينصرهم نصراً عزيزاً، أي: فتحنا لك ما ذكر؛ ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة لهم، وإتمام النعمة والهداية لهم: الصراط المستقيم، والنصر لهم: النصر العزيز، أي: نصراً يعزون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

ومن الناس من يقول: إن الله - جل وعلا - امتحن رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الابتداء بالخوف حين قال: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ  ﴾ ، وجد النبي  لذلك وجداً شديداً، ونزل بعده ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ...

﴾ إلى آخره، قال رسول الله  عند ذلك: "نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض" ، ثم قرأها النبي  ، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله، قد بين لك ماذا يفعل بك، ولم يبين ماذا يفعل بنا؛ فنزل قوله -  -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ...

﴾ الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: السكينة: هي كهيئة الريح لها جناحان، ولها رأس كرأس الهرّ؛ لكن هذا ليس بشيء، فإنه - عز وجل - قال: ﴿ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بحقيقة الدين، وهو تفسير العلم، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ومنزله ومنشئه هو الله -  - وهم يقولون: إن خالقه هو المستدل؛ فيكون حجة عليهم.

قال بعض المعتزلة: إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز، ليس على التحقيق، كما يقال: فلان أنزل فلاناً في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه حقيقة إنزاله إياه في المنزل، لكن أضيف إليه ذلك؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ذلك؛ وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً  لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ  ﴾ وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك؛ ليكون ما ذكر على ما أخبر أنه فتح؛ ليغفر له ما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: ليزدادوا إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة.

والثاني: ليزدادوا إيماناً بمحمد  وبكتابه مع إيمانهم بسائر الرسل والكتب التي كانوا آمنوا بها وصدقوها، وهذا في أهل الكتاب خاصة.

والثالث: ليزدادوا إيماناً في حادث الوقت مع إيمانهم فيما مضى من الأوقات، فإذا وصل هذا بالأول فيكون بحكم الزيادة، وإن شئت جعلته بحكم الابتداء؛ إذ للإيمان حق التجدد والحدوث في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فإن كان نزوله على إثر قول ذلك المنافق على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ حيث قال لأصحابه: يزعم محمد أن الله قد غفر له، وأن له على عدوه ظفراً، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فأين أهل فارس والروم؟!

هم أكثر عدداً، فعند ذلك نزل: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فمعناه: أي: لله تدبير جنود السماوات والأرض، ينصر من يشاء على من يشاء، ويجعل الأمر لمن يشاء على ما يشاء، ليس لهم التدبير وإنفاذ الأمر على من شاءوا، ولكن ذلك إلى الله -  - وهو كقوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً  ﴾ أي: لله تدبير مكرهم، لا ينفذ مكرهم إلا بالله -  - فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي: عن علم بما يكون منهم من إيثارهم عداوة الله على ولايته، واختيار الخلاف له - أنشأهم لا عن جهل، ليعلم أنه لم ينشئهم ولم يأمرهم بما أمرهم وامتحنهم بما امتحن؛ لحاجة نفسه، أو لمنافع ترجع إليه، ولكن لحاجة أولئك ولمنافعهم؛ ولذلك قال: ﴿ حَكِيماً ﴾ ؛ لأن الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فإذا كان إنشاؤه إياهم وما أمرهم به، ونهاهم عنه، لا لحاجة له في نفسه ولا منفعة، ولكن لحاجتهم ومنفعتهم - كان حكيماً في إنشائه إياهم على علم منه بما يكون منهم من إيثار العداوة له على ولايته، واختيار الخلاف له والمعصية، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...

﴾ الآية.

كأن هذا صلة قوله -  -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ ، ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ...

﴾ الآية، أنزل السكينة في قلوبهم؛ أي: أنزل ما تسكن به قلوبهم؛ ليزدادوا إيماناً، وأنزل السكينة - أيضاً - ليدخلهم فيما ذكر، كما ذكر في رسول الله  : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ فتح له ليغفر له، فعلى ذلك أنزل السكينة في قلوبهم؛ ليزداد لهم الإيمان، وليدخلهم الجنات التي وصف، ثم أخبر أن ذلك لهم عند الله فوز عظيم لا هلاك بعده، ولا تبعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ﴾ ذكر للمنافقين والمشركين من العذاب مقابل ما ذكر للمؤمنين من إنزال السكينة عليهم، وإدخالهم الجنة، حرم هؤلاء السكينة التي ذكر أن قلوب المؤمنين بها تسكن؛ لما علم أنهم يختارون عداوته، ويؤثرون عداوة أوليائه على ولايتهم، وعلم من المؤمنين أنهم يؤثرون ولايته على عداوته، وولاية أوليائه على عداوتهم فأنزل السكينة في قلوبهم ولم ينزل على أولئك هذا؛ ليعلم أن من بلغ في الإيمان الحدّ الذي ذكر إنما بلغ ذلك بالله -  - وبفضله، وبرحمته، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ المنافقون الذين ذكرهم في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ  ﴾ ظنوا أن رسول الله  لا يرجع إلى أهله، وكذلك المؤمنون لا يرجعون إلى أهليهم أبداً، ثم أخبر أن ذلك الظن منهم ظن السوء، فيحتمل ما ذكر - هاهنا - ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ هذا ما ذكرنا، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ : هم المشركون.

ثم إن كانوا من المنافقين فيكون ظنهم بالله ظن السوء: ألا يرجع هو وأصحابه إلى أهليهم أبداً وإن كانوا من مكذبي الرسول  فيكون ظنهم بالله ظن السوء ألا يكرم محمداً  بالرسالة؛ ولا يعظمه بالنبوة، لا يختاره ولا يؤثره، على غيره من الناس الذين يختارونهم؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ فيكون ظنهم بالله ظن السوء على هذا: ألا يكرم الله -  - محمداً  ولا يختاره لرسالته ونبوته، والله أعلم.

وإن كان ذلك من مكذبي البعث ومنكريه، فيكون ظنهم بالله ظن السوء هو ألا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت.

ثم أخبر أن عليهم دائرة السوء الذي ظنوا ألا يرجع إلى رسول الله  فصار عليهم ما ظنوا برسول الله  حيث تفرقوا من أوطانهم، وهتك أستارهم، ونحو ذلك.

وإن كانوا من مكذبي الرسول  أنه لا يرسله، فظنهم كان ما ظنوا؛ لأنه بعث هو رسولا ولم يبعث من اختاروا هم.

وإن كانوا منكري البعث فعليهم كان عذاب اليوم، وفيه هلاكهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ أخبر - عز وجل - أنهم استوجبوا غضب الله ولعنه بالذي كان منهم من سوء ظنهم بالله ورسوله، وأعد لهم جهنم بذلك، وساءت مصيراً لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ذكر على إثر ما ذكر ﴿ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ؛ ليعلم أن عزه ليس بما ذكر من الجنود الذين له في السماوات والأرض، ولكنه عزيز بذاته، له العز الذاتي الأزلي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

رجاء أن تؤمنوا بالله، وتؤمنوا برسوله، وتعظِّموا رسوله وتُجِلّوه، وتسبِّحوا الله أول النهار وآخره.

من فوائد الآيات صلح الحديبية بداية فتح عظيم على الإسلام والمسلمين.

السكينة أثر من آثار الإيمان تبعث على الطمأنينة والثبات.

خطر ظن السوء بالله، فإن الله يعامل الناس حسب ظنهم به سبحانه.

وجوب تعظيم وتوقير رسول الله  .

<div class="verse-tafsir" id="91.KWKq1"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل