الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٢٢ من سورة القمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 48 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٢ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس كما قال "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" وقال تعالى "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا".
قال مجاهد "ولقد يسرنا القرآن للذكر" يعني هونا قراءته وقال السدي يسرنا تلاوته على الألسن وقال الضحاك عن ابن عباس لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل قلت ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة وقوله "فهل من مدكر" أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟
وقال محمد بن كعب القرظي فهل من منزجر عن المعاصي؟
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا الحسن بن رافع حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن مطر هو الوراق في قوله تعالى "فهل من مدكر" هل من طالب علم فيعان عليه وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق ورواه ابن جرير وروى عن قتادة مثله.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) يقول تعالى ذكره: ولقد سهلنا القرآن وهوّناه لمن أراد التذكر به والاتعاظ ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) يقول: فهل من متعظ ومنـزجر بآياته.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِأي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه ; فهل من طالب لحفظه فيعان عليه ؟
ويجوز أن يكون المعنى : ولقد هيأناه للذكر مأخوذ من يسر ناقته للسفر : إذا رحلها ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه ; قال : وقمت إليه باللجام ميسرا هنالك يجزيني الذي كنت أصنع وقال سعيد بن جبير : ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن ; وقال غيره : ولم يكن هذا لبني إسرائيل , ولم يكونوا يقرءون التوراة إلا نظرا , غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم , ومن أجل ذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت ; على ما تقدم بيانه في سورة " التوبة " فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكروا ما فيه ; أي يفتعلوا الذكر , والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب .فيهم .فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍقارئ يقرؤه .وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب : فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه , وكرر في هذه السورة للتنبيه والإفهام .وقيل : إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين , وما عاملتهم به الأمم , وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين ; فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو ادكر , وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله : " فهل من مدكر " لأن " هل " كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم ; فاللام من " هل " للاستعراض والهاء للاستخراج .
{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } كرر تعالى ذلك رحمة بعباده وعناية بهم، حيث دعاهم إلى ما يصلح دنياهم وأخراهم.
" ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر "
«ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر».
ولقد سَهَّلنا لفظ القرآن للتلاوة والحفظ، ومعانيه للفهم وللتدبر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر، فهل من متعظ به؟
وفي هذا حثٌّ على الاستكثار من تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه.
ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء الطغاة ، بمثل ما ختم به قصة قوم نوح ، من تذكير للناس بما أصاب هؤلاء الظالمين من عذاب أليم ومن دعوتهم إلى الاعتبار بقصص القرآن ، وزواجره ووعده ووعيده .
.
.
فقال - تعالى - : ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ )
وتفسيره قد تقدم والتكرير للتقرير، وفي قوله: ﴿ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴾ لطيفة ما ذكرناها، وهي تثبت بسؤال وجواب لو قال القائل: أكثر المفسرين على أن النذر في هذا الموضع جمع نذير الذي هو مصدر معناه إنذار، فما الحكمة في توحيد العذاب حيث لم يقل: فكيف كان أنواع عذابي ووبال إنذاري؟
نقول: فيه إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب، وذلك لأن الإنذار إشفاق ورحمة، فقال: الإنذارات التي هي نعم ورحمة تواترت، فلما لم تنفع وقع العذاب دفعة واحدة، فكانت النعم كثيرة، والنقمة واحدة وسنبين هذا زيادة بيان حين نفسر قوله تعالى: ﴿ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ حيث جمع الآلاء وكثر ذكرها وكررها ثلاثين مرة، ثم بين الله تعالى حال قوم آخرين.
فقال: <div class="verse-tafsir"
﴿ قَبْلَهُمْ ﴾ قبل أهل مكة ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يعني نوحاً.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُواْ ﴾ بعد قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ﴾ ؟
قلت: معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا أي: كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب.
أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوّة رأساً، كذبوا نوحًا؛ لأنه من جملة الرسل ﴿ مَّجْنُونٍ ﴾ هو مجنون ﴿ وازدجر ﴾ وانتهروه بالشتم والضرب والوعيد بالرجم في قولهم ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين ﴾ [الشعراء: 116] وقيل: هو من جملة قيلهم، أي: قالوا هو مجنون، وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه وطارت بقلبه.
قرئ: (إني) بمعنى: فدعا بأني مغلوب، وإني: على إرادة القول، فدعا فقال: إني مغلوب غلبني قومي، فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وإنما دعا بذلك بعد ما طم عليه الأمروبلغ السيل الزُّبا، فقد روى: أنّ الواحد من أمّته كان يلقاه فيخنقه حتى يخرّ مغشياً عليه.
فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وقرئ: ﴿ ففتحنا ﴾ مخففاً ومشدّداً، وكذلك وفجرنا ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ منصبّ في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً ﴿ وَفَجَّرْنَا الارض عُيُوناً ﴾ وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض ونظيره في النظم ﴿ واشتعل الرأس شَيْباً ﴾ [مريم: 4] .
﴿ فَالْتَقَى الماء ﴾ يعني مياه السماء والأرض.
وقرئ: ﴿ الماآن ﴾ ، أي: النوعان من الماء السماوي والأرضي.
ونحوه قولك: عندي تمران، تريد: ضربان من التمر: برني ومعقلي.
قال: لَنَا إبْلاَنِ فِيهِمَا مَا علمْتُمُ وقرأ الحسن ﴿ الماوان ﴾ ، بقلب الهمزة واواً، كقولهم: علباوان ﴿ على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ على حال قدرها الله كيف شاء.
وقيل: على حال جاءت مقدّرة مستوية: وهي أن قدر ما أنزل من السماء كقدر ما أخرج من الأرض سواء بسواء.
وقيل: على أمر قد قدر في اللوح أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان ﴿ على ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ ﴾ أراد السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتودي مؤداها.
بحيث لا يفصل بينها وبينها.
ونحوه: .........
وَلَكِنْ ** قمِيصِي مَسْرُودَةٌ مِنْ حَدِيدِ أراد: ولكن قميصي درع، وكذلك: وَلَوْ فِي عُيُونِ النَّازِيَاتِ بِأَكْرُعِ أراد: ولو في عيون الجراد.
ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة، أو بين الدرع والجراد وهاتين الصفتين: لم يصح، وهذا من فصيح الكلام وبديعه.
والدسر: جمع دسار: وهو المسمار، فعال من دسره إذا دفعه؛ لأنه يدسر به منفذه ﴿ جَزآءً ﴾ مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده، أي فعلنا ذلك جزاء، ﴿ لّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفوراً لأنّ النبي نعمة من الله ورحمة.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] فكان نوح عليه السلام نعمة مكفورة، ومن هذا المعنى ما يحكى أنّ رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك، فقال: ما معنى هذا الكلام؟
قال: أنت نعمة حمدت الله عليها.
ويجوز أن يكون على تقدير حذف الجار وإيصال الفعل.
وقرأ قتادة ﴿ كفر ﴾ أي جزاء للكافرين.
وقرأ الحسن ﴿ جزاء ﴾ ، بالكسر: أي مجازاة.
الضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة.
أو للفعلة، أي: جعلناها آية يعتبر بها.
وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة.
وقيل: على الجودى دهراً طويلاً، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة.
والمدّكر: المعتبر.
وقرئ: ﴿ مذتكر ﴾ على الأصل.
ومذكر، بقلب التاء ذالاً وإدغام الذال فيها.
وهذا نحو: مذجر.
والنذر: جمع نذير وهو الإنذار ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ ﴾ أي سهلناه للادكار والاتعاظ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد ﴿ فَهَلْ مِن ﴾ متعظ.
وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه.
ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر، من يسر ناقته للسفر: إذا رحلها، ويسر فرسه للغزو، إذا أسرجه فألجمه.
قال: وَقمت إِلَيْهِ بِاللِّجَامِ مُيَسِّراً ** هُنَالِكَ يَجْزِيني الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ ويروى: أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظراً ولا يحفظونها ظاهراً كما القرآن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ وإنْذارِي أتى لَهم بِالعَذابِ قَبْلَ نُزُولِهِ، أوْ لِمَن بَعْدَهم في تَعْذِيبِهِمْ.
﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ بارِدًا أوْ شَدِيدَ الصَّوْتِ.
﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ ﴾ شُؤْمٍ.
﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ أيِ اسْتَمَرَّ شُؤْمُهُ، أوِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ حَتّى أهْلَكَهُمْ، أوْ عَلى جَمِيعِهِمْ كَبِيرِهِمْ وصَغِيرِهِمْ فَلَمْ يُبْقِ مِنهم أحَدًا، أوِ اشْتَدَّ مَرارَتُهُ وكانَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ تَقْلَعُهُمْ، رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا في الشِّعابِ والحُفَرِ وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَنَزَعَتْهُمُ الرِّيحُ مِنها وصَرَعَتْهم مَوْتى.
﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ عَنْ مَغارِسِهِ ساقِطٍ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: شُبِّهُوا بِالأعْجازِ لِأنَّ الرِّيحَ طَيَّرَتْ رُؤُوسَهم وطَرَحَتْ أجْسادَهُمْ، وتَذْكِيرُ مُنْقَعِرٍ لِلْحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، والتَّأْنِيثُ في قَوْلِهِ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ لِلْمَعْنى.
﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّهْوِيلِ.
وقِيلَ: الأوَّلُ لِما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا، والثّانِي لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ كَما قالَ أيْضًا في قِصَّتِهِمْ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الرِّيحِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنها لِأنَّها وُصِفَتْ فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وجِيءَ - بِالنّاسِ - دُونَ ضَمِيرِ عادٍ قِيلَ: لِيَشْمَلَ ذُكُورَهم وإناثَهم - والنَّزْعُ - القَلْعُ، رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا الشِّعابَ والحُفَرَ وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَقَلَعَتْهُمُ الرِّيحُ وصَرَعَتْهم مَوْتى.
﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ أيْ مُنْقَلَعٍ عَنْ مَغارِسِهِ ساقِطٍ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: شُبِّهُوا بِأعْجازِ النَّخْلِ وهي أُصُولُها بِلا فُرُوعٍ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَقْلَعُ رُؤُوسَهم فَتَبْقى أجْسادًا وجُثَثًا بِلا رُؤُوسٍ، ويَزِيدُ هَذا التَّشْبِيهُ حُسْنًا أنَّهم كانُوا ذَوِي جُثَثٍ عِظامٍ طِوالٍ، والنَّخْلُ اسْمُ جِنْسٍ يُذَكَّرُ نَظَرًا لِلَّفْظِ كَما هُنا ويُؤَنَّثُ نَظَرًا لِلْمَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ﴾ واعْتِبارُ كُلٍّ في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ لِلْفاصِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِنَ النّاسِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ فَتَرَكَتْهم كَأنَّهم إلَخْ، فالكافُعَلى ما في البَحْرِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَحْذُوفِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ أعْجُزُعَلى وزْنِ أفْعَلَ نَحْوَ ضَبْعٍ وأضْبُعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ تَهْوِيلٌ لَهُما وتَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِما بَعْدَ بَيانِهِما فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ تَكْرارٍ مَعَ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ لِما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا والثّانِي لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ( وكانَ ) لِلْمُشاكَلَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ في إخْبارِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الثّانِي عَلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً أي: سفينة نوح أبقيناها عبرة للخلق.
وقال بعضهم: يعني: تلك السفينة بعينها كانت باقية على الجبل إلى قريب من خروج النبيّ .
وقال بعضهم: يعني: جنس السفينة صارت عبرة، لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة، فاتخذت الناس السفن بعد ذلك في البحر، فلذلك كانت آية للناس.
ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: هل من معتبر يعتبر بما صنع الله تعالى بقوم نوح، فيترك المعصية.
ويقال: فهل من مذكر يتعظ بأنه حق، ويؤمن به.
وقال أهل اللغة: أصل مدكر، مفتعل من الذكر، مذتكر، فأدغمت الذال في التاء، ثم قلبت دالاً مشددة.
ثم قال: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: كيف رأيت عذابي، وإنذاري لمن أنذرهم الرُّسلُ، فلم يؤمنوا، والنذر بمعنى الإنذار.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ يعني: هوّنا القرآن لِلذِّكْرِ يعني: للحفظ.
ويقال: هونا قراءاته.
وروى الحسن عن النبيّ أنه قال: «لَوْلا قَوْلُ الله تَعَالَى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ما طاقت الألسن أن تتكلّم بِهِ» ويقال: هوناه لكي يذكروا به ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: متعظ، يتعظ بما هون من قراءة القرآن.
وروى الأسود عن عبد الله بن مسعود- - أنه قال: قرأت على النبيّ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ بالدال، فقال النبيّ : «فَهَلْ مِنْ مُذَّكِر» يعني: بالذال.
قوله تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ يعني: كذبوا رسولهم هود فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: أليس وجوده حقاً، ونذر جمع نذير قال القتبي: النذر جمع النذير، والنذير بمعنى الإنذار، مثل التنكير بمعنى الإنكار.
يعني: كيف كان عذابي، وإنكاري.
ثم بيّن عذابه فقال عز وجل: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعني: سلطنا عليهم ريحاً باردة فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يعني: شديدة استمرت عليهم، لا تفتر عنهم سبع ليال، وثمانية أيام، حسوماً دائمة تَنْزِعُ النَّاسَ يعني: تنزع أرواحهم من أجسادهم، وهذا قول مقاتل.
ويقال: فِي يَوْمِ نَحْسٍ يعني: يوم مشؤوم عليهم: مُسْتَمِرٍّ يعني: استمر عليهم بالنحوسة.
وقال القتبي: الصرصر ريح شديدة ذات صوت تنزع الناس.
يعني: تقلعهم من مواضعهم.
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ يعني: صرعهم، فكبهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض، فشبههم لطولهم بالنخيل الساقطة.
وقال مقاتل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً.
وقال في رواية الكلبي: كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعا، فاستهزءوا حين ذكر لهم الريح، فخرجوا إلى الفضاء، فضربوا بأرجلهم، وغيبوها في الأرض إلى قريب من ركبهم، فقالوا: قل للريح حتى ترفعنا، فجاءت الريح فدخلت تحت الأرض، وجعلت ترفع كل اثنين، وتضرب أحدهما على الآخر بعد ما ترفعهما في الهواء، ثم تلقيه في الأرض، والباقون ينظرون إليهم حتى رفعتهم كلهم، ثم رمت بالرمل والتراب عليهم، وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا وكذا يوما.
<div class="verse-tafsir"
مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١» : هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح.
وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟
ويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢» :
يُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.
وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.
وقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)
أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)
وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعاً فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١» ، قال ع «٢» : فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و [قول] ثمود لصالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤» : سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.
ثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:
محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١» : كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يوماً ومن لبن الناقة يوماً محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:
هو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضاً فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢» ، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و «الهشيم» : ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣» ، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضاً من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.
وقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.
وقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤» : هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥» : هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس.
وقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿ وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ.
فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ.
ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ.
وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.
﴿ فالتَقى الماءُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهُ ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ.
أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ.
وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ.
والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.
وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟
"فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي" ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ.
وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ.
والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.
﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ.
مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ.
ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ﴾ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ ﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ ﴿ وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ ﴿ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ ، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ .
قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ.
و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا.
وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ.
وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
<div class="verse-tafsir"
تكرير لنظيره السابق في خبر قوم نوح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بارِدَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
الثّانِي: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: الَّتِي يُسْمَعُ لِهُبُوبِها كالصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ بازٍ يُصَرْصِرُ فَوْقَ المَرْقَبِ العالِي ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَوْمُ عَذابٍ وهَلاكٍ.
الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ يَوْمَ الأرْبَعاءِ.
الثّالِثُ: لِأنَّهُ كانَ يَوْمًا بارِدًا، قالَ الشَّنْفَرى ولَيْلَةِ نَحْسٍ يَصْطَلِي القَوْسَ رَبُّها ∗∗∗ وأقْطَعُهُ اللّاتِي بِها يَنْبُلُ يَعْنِي أنَّهُ لِشِدَّةِ بَرْدِها يَصْطَلِي بِقَوْسِهِ وسِهامِهِ الَّتِي يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ.
وَفِي ﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: الذّاهِبُ.
الثّانِي: الدّائِمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ قال: باردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: أيام شداد.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ صرصراً ﴾ قال: شديدة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ريحاً صرصراً ﴾ قال الباردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: في يوم مشؤوم على القوم مستمر استمر عليهم شره.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: النحس البلاء والشدة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: سواء عليه أي يوم أتيته ** أساعة نحس تتقي أم بأسعد وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ﴿ في يوم نحس مستمر ﴾ قال: يوم الأربعاء.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد وقال: يوم الأربعاء ﴿ يوم نحس مستمر ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوم نحس يوم الأربعاء» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام وسئل عن يوم الأربعاء قال: يوم نحس، قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟
قال: أغرق فيه الله فرعون وقومه وأهلك عاداً وثمود» .
وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أقبلت الريح قام إليها عاد فأخذ بعضهم بأيدي بعض وغمزوا أقدامهم في الأرض وقالوا: من يزيل أقدامنا عن الأرض إن كان صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح تنزع الناس ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، فكان الرجل يغمز قدمه في الأرض فتدخل فيه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل ﴾ قال: أصول نخل ﴿ منقعر ﴾ قال: منقطع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: أعجاز سود النخل.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: وقعت رؤوسهم كأمثال الأخشبة وتقوّرت أعناقهم فشبهها بأعجاز نخل منقعر.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَنزِعُ الناس ﴾ أي تقلعهم من مواضعهم ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ هلكوا بذلك لأنهم طوال عظام الأجساد كالنخل، وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤوس، فشبههم بأعجاز النخل لأنها دون أغصان: وقيل: كانوا حفروا حفراً يمتنعون بها من الريح.
فهلكوا فيها فشبههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: كذبت قبل قومك قوم نوح نوحا - - وآذوه، فصبر على التكذيب وأنواع الأذى، ولم يدع عليهم بالهلاك ما لم يرد الإذن بالدعاء عليهم بالهلاك من الله - - فاصبر أنت على تكذيب القوم وأنواع الأذى، وهو كقوله : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
فإن قيل: ما الحكمة في تكرار هذه الأنباء في القرآن، ولم يكرر ما فيه من الأحكام؟
قيل: إن هذه الأنباء والقصص إنما جاءت لمحاجة أهل مكة وأمثالهم من الكفرة في إثبات الرسالة والتوحيد والبعث؛ إذ هم المنكرون لهذه الأشياء، وهم كانوا أهل عناد ومكابرة، وفيهم - أيضاً - مسترشدون، ومن حق المحاجة مع [من] ذكرنا وأمثالهم أن تعاد الحجة مرة بعد مرة؛ لعلهم يقبلونها في وقت، وتنجع في قلوبهم في وقت، وإن لم تنجع في وقت، ومن حق الموعظة للمسترشدين - أيضاً - أن تكرر ليتعظوا؛ إذ يختلف ذلك باختلاف الأحوال، وقد ذكرنا فوائد تكرارها واقتصار الأحكام فيما تقدم، والله أعلم.
فإن قيل: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - قد دعا على قومه بالهلاك.
قيل: إنما دعا على قومه ب الهلاك بعدما أيس من إيمانهم؛ حيث قيل: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ ، أما رسول الله لم يؤيسه عن إيمان قومه جملة؛ إنما يؤيسه عن بعض بطريق التعيين، وهم قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، لا عن الكف؛ فلذلك لم يؤذن بالدعاء عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يحتمل: كذبوه فيما ادعى لنفسه الرسالة.
أو كذبوه فيما دعاهم إليه بالتوحيد وتوجيه الشكر إلى الواحد القهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ ﴾ ، أي: قالوا لأتباعهم: إنه مجنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱزْدُجِرَ ﴾ ، أي: نوح - - حيث قالوا لقومهم: لا تتبعوه، وزجروهم عنه بقولهم: إنه مجنون؛ فهذا منهم زجر لأتباعهم عن اتباعه؛ فصار لذلك نوح - - مزدجر عن القوم، وصار القوم مزدجرين عنه.
وقال بعضهم: زجروا نوحا - - أي: منعوه عن إظهار ما أتاهم من الآيات على رسالته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ﴾ ، أي: مغلوب بالسفه والمكابرة وأنواع الأذى؛ إذ لا يحتمل أن يكون مغلوبا بالحجج، فانتصر لعبدك عليم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ يحتمل قوله - - ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: من فوق؛ لأن ما كان من فوقك فهو سماء؛ فيحتمل أن يكون ذلك من البحر بفوق الذي ذكر أنه بين السماء والأرض.
﴿ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ، أي: أنبعنا الماء من الأرض؛ كأنه قال: أنزلنا الماء من فوق، وأبنعنا من أسفل.
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ هو حقيقة فتح السماء وإنزال الماء منها، والله - - قادر أن يرسل الماء مما يشاء، وكيف [شاء]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ قيل: منصب.
وقال أبو عبيد: ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ ، أي: كثير سريع الانصباب؛ يقال: همر الرجل: إذا أكثر في الكلام، فأسرع.
وقال أبو عوسجة: انهمرت السماء وهمرت، اي: أمطرت؛ فأكثرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ يذكر أن الماءين جميعاً: ما أرسل من الفوق، وما أخرج من التحت - على تقدير وتدبير، لا جزافا، وهو كقوله - -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ أي: على تقدير وتدبير من الله جئت، لا على غير تقديم منه.
وفي حرف ابن مسعود - -: (فالتقى الماءان على أمر قد قدر).
وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي: قد قدر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا.
وقال بعضهم: ﴿ قَدْ قُدِرَ ﴾ أ ي: استوى الماء نصفه من عيون الأرض، ونصفه من السماء، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ ، وذكر في حرف حفصة - ا - (وحملنا وذريته على ذات ألواح ودسر)، ذكر - هاهنا - ذات ألواح، وذكر في آية أخرى السفينة بقوله - -: ﴿ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴾ ، ونحوه؛ فيكون ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ تفسير السفينة، ولو لم يفهم من ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ السفينة؛ إذ ذات الألواح قد ترجع إلى الأشجار وغيرها، لكن كان تفسير السفينة بما ذكرنا، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله - -: ﴿ وَدُسُرٍ ﴾ : قال أهل التأويل: الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة.
وقيل: الدسر: أضلاع السفينة.
وقيل: صدرها.
وقال الحسن: هي السفينة؛ لأنها تدسر الماء بجؤجئها.
قال أبو معاذ: واحد الدسر: دسار، وجمع الجؤجؤ: الجآجئ، وهي الصدور.
ثم في قوله: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ ﴾ ، وتسميته هذه المصنوعة: سفينة - دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله - - لأنهم هم الذين ركبوا السفينة، ثم أخبر أنه هو الذي حملهم، وكذا الخُشُب المجتمعة لا تسمى: سفينة، إنما سميت بهذا الاسم الخاص بعد الإيجاد والصنعة الموجودة من العباد؛ دل أن الله في فعل العباد صنعا، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بتقديرنا وبحفظنا.
وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ أي: حمل نوحاً - - وأتباعه في السفينة ونجاهم من الغرق جاء ما كفروا به قومه؛ كذا قال عامة أهل التأويل: إنه أخبر لنوح - - حين كفر به قومه فلم يؤمن به قومه.
وقال مجاهد: جزاء لمن كان كفر بالله - - أي: الغرق جزاؤه؛ لما كفروا بالله .
وقال أبو معاذ: وقرئ: (جزاء لمن كان كَفر) بنصب الكاف، وتأويل هذه القراءة: أي: إهلاك من أهلك من قومه؛ جزاء لما كفروا بالله - - أو بنوح - -.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تركنا سفينة نوح - - بعينها مدة طويلة حتى صارت آية لأواخرهم ولمن بعدهم؛ وبه يقول قتادة؛ قال: أبقى الله - - سفينة نحو - - بينة للمسافرين من أرض الجزيرة حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رماداً.
والثاني: تركنا آية آثار تلك السفينة وأبناءها آية لمن بعدهم؛ لأن أنباءها قد بقيت في المتأخرين حتى عرفوا أن من نجا لم نجا؟
ومن هلك لم هلك؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ عن الأسود قال: قلت لعبد الله بن مسعود - - ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ أو (مُذَّكر)؟
فقال: أقرأني رسول الله مدكر بالدال.
قال أبو عبيد: وأصله في العربية: "مدتكر"، فإنه من باب الافتعال على وزن مفتعل، فثَقُل لاجتماع التاء والدال، فأدغم الحرف الأول - وهو الدال - في التاء؛ فانقلب دالا، وهو كقوله: "ادخر"، أصله: "اتدخر"، من "الدخر" لما قلنا، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّدَّكِرٍ ﴾ أي: هل [من] متذكر متعظ، يتعظ بما نزل بأولئك فينزجر عن مثل صنيعهم.
[و] قال قتادة: فهل من طالب خير؛ فيعان عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب مصدقاً حقّاً، وأريد بقوله: ﴿ وَنُذُرِ ﴾ أي: رسلي.
والثاني: أليس وجدوا عذابي شديداً ونذري ما وقعت به النذارة، وهو العذاب الذي أنذروا به، والنذر على هذا التأويل المنذر به؛ كقوله - -: ﴿ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ﴾ أي: موعودا، ولا وعده لا يكون مفعولا، إذ هو صفة أزلية".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ هذا يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: للحفظ، أي: صيرنا، بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه.
والثاني: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: لذكر ما نسوا من نعم الله - - عليهم، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر.
والثالث: جائز أن يكون لرسول الله خاصة؛ أي: يسرناه عليه حتى حفظه كله على ظهر قلب؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد؛ كقوله - -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ وقوله - -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، أمنه عن أن ينساه، ومنَّ عليه بالتيسير.
وقوله: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ فعلى التأويل الأول - والله أعلم -: أنه وإن يسرنا القرآن للحفظ، ولكن لم ينزل للحفظ، ولكن إما أنزل ليذكر ما فيه، وللإتعاظ به؛ أي: فهل من متعظ به.
وعلى التأويل الآخر: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ خرج مخرج الأمر؛ أي: اذكروا واتعظوا بما فيه من الأنباء، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولقد سهّلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، فهل من معتبر بما فيه من العبر والعظات؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.G7EZM"