الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٢٣ من سورة القمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا.
وقوله ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ) يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح بنذر الله التي أتتهم من عنده, فقالوا تكذيبا منهم لصالح رسول ربهم: أبشرا منا نتبعه نحن الجماعة الكبيرة وهو واحد؟.
هم قوم صالح كذبوا الرسل ونبيهم , أو كذبوا بالآيات التي هي النذر
أي كذبت ثمود وهم القبيلة المعروفة المشهورة في أرض الحجر، نبيهمصالحا عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنذرهم العقاب إن هم خالفوه
" كذبت ثمود بالنذر "، بالإنذار الذي جاءهم به صالح.
«كذبت ثمود بالنذر» جمع نذير بمعنى منذر، أي بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح إن لم يؤمنوا به ويتبعوه.
كذبت ثمود -وهم قوم صالح- بالآيات التي أُنذرِوا بها، فقالوا: أبشرًا منا واحدًا نتبعه نحن الجماعة الكثيرة وهو واحد؟
إنا إذا لفي بُعْدٍ عن الصواب وجنون.
ثم جاءت بعد قصة قوم هود ، قصة قوم صالح - عليهما السلام - فقال - سبحانه - : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر .
) .قصة قبيلة ثمود مع نبيهم صالح - عليه السلام - قد وردت فى سور متعددة منها سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة الشعراء ، وسورة النمل .وينتهى نسبهم إلى جدهم ثمود ، وقيل سموا بذلك لقلة ماء المكان الذى كانوا يعيشون فيه ، لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وهو مكان يقع بين الحجاز والشام ، وما زال معروفا إلى الآن .ونبيهم صالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - .وقوله : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر ) أى : كذبت قبيلة ثمود بالنذر التى جاءتهم عن طريق رسولهم صالح - عليه السلام - فالنذر بمعنى الإنذارات التى أنذرهم بها صالح - عليه السلام .
وقد تقدم تفسيره غير أنه في قصة عاد قال: ﴿ كَذَّبَتْ ﴾ ولم يقل: بالنذر، وفي قصة نوح قال: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ بالنذر ﴾ فنقول: هذا يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بقوله: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ أن عادتهم ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحاً بناء على مذهبهم وإنما صرح هاهنا لأن كل قوم يأتون بعد قوم وأتاهما رسولان فالمكذب المتأخر يكذب المرسلين جميعاً حقيقة والأولون يكذبون رسولاً واحداً حقيقة ويلزمهم تكذيب من بعده بناء على ذلك لأنهم لما كذبوا من تقدم في قوله: الله تعالى واحد، والحشر كائن، ومن أرسل بعده كذلك قوله ومذهبه لزم منه أن يكذبوه ويدل على هذا أن الله تعالى قال في قوم نوح: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فأنجيناه ﴾ وقال في عاد: ﴿ وتلكَ عَادٌ جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا ﴾ وأما قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين ﴾ فإشارة إلى أنهم كذبوا وقالوا ما يفضي إلى تكذيب جميع المرسلين، ولهذا ذكره بلفظ الجمع المعرف للاستغراق، ثم إنه تعالى قال هناك عن نوح: ﴿ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ﴾ ولم يقل: كذبوا رسلك إشارة إلى ما صدر منهم حقيقة لا أن ما ألزمهم لزمه.
إذا عرفت هذا فلما سبق قصة ثمود ذكر رسولين ورسولهم ثالثهم قال: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر ﴾ هذا كله إذا قلنا إن النذر جمع نذير بمعنى منذر، أما إذا قلنا إنها الإنذارات فنقول: قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم، وأما ثمود فأنذروا وأخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان تكذيبهم بإنذارات وآيات ظاهرة فصرح بها، وقوله: ﴿ فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا واحدا نَّتَّبِعُهُ ﴾ يؤيد الوجه الأول، لأن من يقول لا أتبع بشراً مثلي وجميع المرسلين من البشر يكون مكذباً للرسل والباء في قوله: ﴿ بالنذر ﴾ يؤيد الوجه الثاني لأنا بينا أن الله تعالى في تكذيب الرسل عدى التكذيب بغير حرف فقال: ﴿ كَذَّبُوهُ ﴾ ﴿ وَكَذَّبُواْ...
رُسُلُنَا ﴾ ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ ﴿ وكذبوني ﴾ وقال: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآياتِ رَّبُّهُمْ ﴾ ﴿ وبآياتنا ﴾ فعدى بحرف لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب والقائل هو الذي يكون كاذباً حقيقة والكلام والقول يقال فيه كاذب مجازاً وتعلق التكذيب بالقائل أظهر فيستغني عن الحرف بخلاف القول، وقد ذكرنا ذلك وبيناه بياناً شافياً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُذُرِ ﴾ وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله.
أو إنذار أتى في تعذيبهم لمن بعدهم ﴿ فِى يَوْمِ نَحْسٍ ﴾ في يوم شؤم.
وقرئ: ﴿ في يوم نحس ﴾ كقوله: ﴿ فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ [فصلت: 16] .
﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ قد استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.
أو استمر عليهم جميعاً كبيرهم وصغيرهم، حتى لم يبق منهم نسمة، وكان في أربعاء في آخر الشهر لا تدور.
ويجوز أن يريد بالمستمر: الشديد المرارة والبشاعة ﴿ تَنزِعُ الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم، وكانوا يصطفون آخذين أيديهم بأيدي بعض.
ويتدخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ يعني أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتاً وهم جثث طوال عظام، كأنهم أعجاز نخل وهي أصولهابلا فروع، منقعر: منقلع: عن مغارسه.
وقيل: شبهوا بأعجاز النخل، لأنّ الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤوس.
وذكر صفة ﴿ نَخْلٍ ﴾ على اللفظ، ولو حملها على المعنى لأنث، كما قال: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 7] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ بِالإنْذاراتِ والمَواعِظِ، أوِ الرُّسُلِ.
﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا ﴾ مِن جِنْسِنا أوْ مِن جُمْلَتِنا لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ وما بَعْدَهُ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والأوَّلُ أوْجَهُ لِلِاسْتِفْهامِ.
﴿ واحِدًا ﴾ مُنْفَرِدًا لا تَبَعَ لَهُ أوْ مِن آحادِهِمْ دُونَ أشْرافِهِمْ.
﴿ نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ جَمْعُ سَعِيرٌ كَأنَّهُ عَكَسُوا عَلَيْهِ فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى تَرْكِ اتِّباعِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: السُّعُرُ الجُنُونُ ومِنهُ ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ.
﴿ أأُلْقِيَ الذِّكْرُ ﴾ الكِتابُ أوِ الوَحْيُ.
﴿ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا ﴾ وفِينا مَن هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ.
﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ حَمَلَهُ بَطَرُهُ عَلى التَّرَفُّعِ عَلَيْنا بِادِّعائِهِ إيّاهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ أحَدِهِمْ وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أوْ جَمْعًا لَهُ وأنْ يَكُونَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذَرِ مِنهُ فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وقد ذكرناه كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ يعني: صالحاً حين أتاهم فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً يعني: خلقاً مثلنا نَتَّبِعُهُ في أمره إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يعني: إنا إذا فعلنا ذلك لَفِي خطأ وعناء.
وقال الزجاج: يعني: إنا إذا فعلنا ذلك لَفِي ضَلالٍ وجنون.
وهذا كما يقال: ناقة مسعورة إذا كان بها جنون.
ويجوز أن يكون وَسُعُرٍ جمع في معنى العذاب.
ثم قال عز وجل: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا يعني: اختص بالنبوة، والرسالة من بيننا، بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ يعني: كاذباً على الله أَشِرٌ يعني: بطرا متكبرا.
قوله عز وجل: حدّثنا سَيَعْلَمُونَ غَداً قرأ ابن عامر، وحمزة ستعلمون بالتاء على معنى المخاطبة.
يعني: أن صالحاً قال لهم ستعلمون غَداً والباقون: بالياء على معنى الخبر عنهم من الله تعالى لمحمد أنهم يعلمون غداً يعني: يوم القيامة مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ أهم، أم صالح؟
ومعناه: أنه يتبين لهم أنهم هم الكاذبون، وكان صالحاً صادقاً في مقالته.
ثم قال: إِنَّا مُرْسِلُوا يعني: نخرج لهم النَّاقَةِ وذلك حين سألوا صالحاً بأن يُخْرِجَ لَهُمْ نَاقَةً مِنَ الحجر، فدعا صالح ربه، فأوحى الله تعالى إليه أني مخرج الناقة فِتْنَةً يعني: بلية لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ يعني: انتظر هلاكهم وَاصْطَبِرْ على الإيذاء.
قوله تعالى: وَنَبِّئْهُمْ يعني: وأخبرهم أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ يوم للناقة، ويوم لأهل القرية كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ يعني: إذا كان يوم الناقة تحضر الناقة، ولا يحضرون، وإذا كان يومهم لا تحضر الناقة، وكل فريق يحضر في نوبته فَنادَوْا صاحِبَهُمْ يعني: مصدع أو قذار فَتَعاطى فَعَقَرَ يتناول الناقة بالسهم يعقرها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً يعني: صيحة جبريل- - فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قال قتادة: يعني: كرماد محترق.
وقال الزجاج: الهشيم ما يبس من الورق، وتحطم، وتكسر قرأ بعضهم: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ بنصب الظاء.
وقراءة العامة: بالكسر: فمن قرأ بالنصب فهو اسم الحظيرة، ومعناه: كهشيم المكان الذي يحضر فيه الهشيم.
ومن قرأ بالكسر: فهو صاحب الحظيرة، يعني: يجمع الحشيش في الحظيرة، لغنمه فداسته الغنم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: فَذُوقُوا: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لهم، ويحتمل أَنْ يكونَ من قول الملائكة، وَنُذُرِي: جمع المصدر، أي: وعاقبة إنذاري، ومُسْتَقِرٌّ أي: دائم استقر فيهم حَتَّى يُفْضِيَ بهم إلى عذاب الآخرة، وآلَ فِرْعَوْنَ: قومه وأتباعه.
وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يحتمل أنْ يريد آل فرعونَ، ويحتمل أن يكون قوله:
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر: ٤١]- كلاماً تامًّا-، ثم يكون قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعود على جميع من ذُكِرَ من الأمم.
وقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ خطاب لقريش على جهة التوبيخ.
وقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ أي: من العذاب فِي الزُّبُرِ أي: في كتب اللَّه المُنَزَّلَةِ قاله ابن زيد وغيره «١» .
ثم قال تعالى لنبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم: أَمْ يَقُولُونَ/ نَحْنُ: واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوَّتِنا على جهة الإعجاب سَيُهْزَمُونَ، فلا ينفع جمعُهم، وهذه عِدَةٌ من اللَّه تعالى لرسوله أَنَّ جَمْعَ قريشٍ سَيُهْزَمُ، فكان كما وعد سبحانه قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:
كنت أقول في نفسي: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟!
فَلَمَّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يثب في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» والجمهور على أَنَّ الآية نزلت بِمَكَّةَ، وقول مَنْ زعم أَنَّها نزلت يومَ بدر ضعيف، والصواب أَنَّ الوعد نُجِّزَ يوم بدر، قال أبو حيان «٣» : وَيُوَلُّونَ: الجمهور بياء الغيبة، وعن أبي عمرو بتاء الخطاب، والدُّبُرُ: هنا اسم جنس، وحسن إفرادَهُ كونُهُ فاصلةً، وقد جاء مجموعاً في آية أُخرى، وهو الأصل، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ.
وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا ﴾ \[قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"\]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿ لَفِي ضَلالٍ ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ.
وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟
" أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟!
﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿ فِتْنَةً لَهُمْ ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿ فارْتَقِبْهُمْ ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿ واصْطَبِرْ ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿ وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَنادَوْا صاحِبَهُمْ ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿ فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] .
وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ.
وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ.
وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ.
والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ ﴿ تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ ﴿ أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ "عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِعُ الناسَ ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ.
قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ : « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟
ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟
ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟
وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟
وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا ﴾ ؟
و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ ، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ ، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
<div class="verse-tafsir"
القول في موقع جملة ﴿ كذبت ثمود بالنذر ﴾ كالقول في موقع جملة ﴿ كذبت عاد ﴾ [القمر: 18].
وكذلك القول في إسناد حكم التكذيب إلى ثمود وهو اسم القبيلة معتبر فيه الغالب الكثير.
فإن صالحاً قد آمن به نفر قليل كما حكاه الله عنهم في سورة الأعراف.
وثمود: ممنوع من الصرف باعتبار العلمية والتأنيث المعنوي، أي على تأويل الاسم بالقبيلة.
والنذر: جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر، أي كذبوا بالإِنذارات التي أنذرهم الله بها على لسان رسوله.
وليس النُذر هنا بصالح لحمله على جمْع النذير بمعنى المُنذر لأن فعل التكذيب إذا تعدى إلى الشخص المنسوب إلى الكذب تعدى إلى اسمه بدون حرف قال تعالى: ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ [سبأ: 45] وقال: ﴿ لما كذبوا الرسل ﴾ [الفرقان: 37] وقال: ﴿ وإن يكذبوك ﴾ [الحج: 42]، وإذا تعدى إلى الكلام المكذّب تعدى إليه بالباء قال: ﴿ وكذبتم به ﴾ [الأنعام: 57] وقال: ﴿ وكذب به قومك ﴾ [الأنعام: 66] وقال: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا ﴾ [الأعراف: 40] وقال: ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ [آل عمران: 11].
وهذا بخلاف قوله: ﴿ كذبت ثمود المرسلين ﴾ في سورة الشعراء (141).
والمعنى: أنهم كذبوا إنذارات رسولهم، أي جحدوها ثم كذبوا رسولهم، فلذلك فُرع على جملة كذبت ثمود بالنذر } قوله: ﴿ فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه ﴾ إلى قوله: ﴿ بل هو كذاب أشر ﴾ ولو كان المراد بالنذر جمع النذير وأطلق على نذيرهم لكان وجه النظم أن تقع جملة ﴿ فقالوا أبشراً ﴾ إلى آخرها غير معطوفة بالفاء لأنها تكون حينئذٍ بياناً لجملة ﴿ كذبت ثمود بالنذر ﴾ .
والمعنى: أن صالحاً جاءهم بالإِنذارات فجحدوا بها وكانت شبهتهم في التكذيب ما أعرب عنه قولهم: ﴿ أبشراً منا واحداً نتبعه ﴾ إلى آخره، فهذا القول يقتضي كونه جواباً عن دعوة وإنذار، وإنما فُصّل تكذيب ثمود وأجمل تكذيب عاد لقصد بيان المشابهة بين تكذيبهم ثمود وتكذيب قريش إذ تشابهت أقوالهم.
والقول في انتظام جملة ﴿ فقالوا أبشراً ﴾ الخ بعد جملة ﴿ كذبت ثمود بالنذر ﴾ كالقول في جملة ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ [القمر: 9] بعد جملة ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ [القمر: 9].
وهذا قول قالوه لرسولهم لما أنذرهم بالنذر لأن قوله: ﴿ كذبت ﴾ يؤذن بمخبر إذ التكذيب يقتضي وجود مخبر.
وهو كلام شافهوا به صالحاً وهو الذي عنوه بقولهم: ﴿ أبشراً منَّا ﴾ إلخ.
وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة.
وانتصب ﴿ أبشراً ﴾ على المفعولية ل ﴿ نتبعه ﴾ على طريقة الاشتغال، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام لأن حقها التصدير واتصلت به دونَ أن تدخل على نتبع لأن محل الاستفهام الإنكاري هو كون البشر متبوعاً لا اتباعهم له ومثله ﴿ أبشر يهدوننا ﴾ [التغابن: 6] وهذا من دقائق مواقع أدوات الاستفهام كما بين في علم المعاني.
والاستفهام هنا إنكاري، أنكروا أن يرسل الله إلى الناس بَشراً مثلهم، أي لو شاء الله لأرسل ملائكة.
ووصف ﴿ بشراً ﴾ ب ﴿ واحداً ﴾ : إما بمعنى أنه منفرد في دعوته لا أتباع له ولا نصراء، أي ليس ممن يخشى، أي بعكس قول أهل مدين ﴿ ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز ﴾ [هود: 91].
وإما بمعنى أنه من جملة آحاد الناس، أي ليس من أفضلنا.
وإما بمعنى أنه منفرد في ادعاء الرسالة لا سلف له فيها كقول أبي مِحْجن الثقفي: قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً *** سَكن المدينة من مزارع فُوم يريد: لا يناظرني في ذلك أحد.
وجملة ﴿ إنا إذا لفي ضلال وسعر ﴾ تعليل لإنكار أن يتبعوا بشراً منهم تقديره: أنتّبعك وأنت بشر واحد منا.
و (إذن) حرف جواب هي رابطة الجملة بالتي قبلها.
والضلال: عدم الاهتداء إلى الطريق، أرادوا: إنا إذن مخطئون في أمرنا.
و ﴿ السُعُر ﴾ : الجُنون، يقال بضم العين وسكونها.
وفسر ابن عباس السُعُر بالعذاب على أنه جمع سَعير.
وجملة ﴿ ألقى الذكر عليه من بيننا ﴾ تعليل للاستفهام الإِنكاري.
و ﴿ ألقى ﴾ حقيقته: رُميَ من اليد إلى الأرض وهو هنا مستعار لإِنزال الذكر من السماء قال تعالى: ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ [المزمل: 5].
و (في) للظرفية المجازية، جعلوا تلبسهم بالضلال والجنون كتلبس المظروف بالظرف.
و ﴿ من بيننا ﴾ حال من ضمير ﴿ عليه ﴾ ، أي كيف يُلقى عليه الذكر دوننا، يريدون أن فيهم من هو أحق منه بأن يوحى إليه حسب مدارك عقول الجهلة الذين يقيسون الأمور بمقاييس قصور أفهامهم ويحسبون أن أسباب الأثرة في العادات هي أسبابها في الحقائق.
وحرف ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من بيننا ﴾ بمعنى الفصل كما سماه ابن مالك وإن أباه ابن هشام أي مفصولاً من بيننا كقوله تعالى: ﴿ والله يعلم المفسد من المصلح ﴾ [البقرة: 220].
و ﴿ بل هو كذاب أشر ﴾ إضراب عن ما أنكروه بقولهم: ﴿ أألقى الذكر عليه من بيننا ﴾ أي لم ينزل الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب فيما ادعاه، بَطر متكبر.
و (الأشر) بكسر الشين وتخفيف الراء: اسم فاعل أَشِر، إذا فرح وبَطَر، والمعنى: هو معجَب بنفسه مُدَّععٍ ما ليس فيه.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُها: أنَّ السُّعُرَ الجُنُونُ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّانِي: العَناءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: الِافْتِراقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: التِّيهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: أنَّهُ جَمْعُ سِعْرٍ وهو وقُودُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ عِيسى.
وَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ لِعِظَمِ ما نالَهم أنْ يَتْبَعُوا رَجُلًا واحِدًا مِنهم، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا نالَهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ: أنا في النّارِ.
الثّانِي: أنَّهم لَمّا أُوعِدُوا عَلى تَكْذِيبِهِ ومُخالَفَتِهِ بِالنّارِ رَدُّوا مِثْلَ ما قِيلَ لَهم إنّا لَوِ اتَّبَعْنا رَجُلًا مِثْلَنا واحِدًا كُنّا إذًا في النّارِ.
﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأشِرَ هو العَظِيمُ الكَذِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ البَطِرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أشَرْتُمْ بِلِبْسِ الخَزِّ لَمّا لَبِسْتُمْ ومِن قَبْلُ لا تَدْرُونَ مَن فَتَحَ القُرى الثّالِثُ: أنَّهُ المُتَعَدِّي إلى مَنزِلَةٍ لا يَسْتَحِقُّها.
﴿ إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ ﴾ أمّا الِاصْطِبارُ فَهو الِافْتِعالُ مِنَ الصَّبْرِ وأصْلُ الطّاءِ تاءٌ أُبْدِلَتْ بِطاءٍ لِيَكُونَ اللَّفْظُ أسْهَلُ مَخْرَجًا ويَعْذُبُ مَسْمَعًا.
وَرَوى أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلْنا الحِجْرَ فَغَزا رَسُولُ اللَّهِ تَبُوكَ، قالَ: (أيُّها النّاسُ لا تَسْألُوا عَنْ هَذِهِ الآياتِ [هَؤُلاءِ] قَوْمُ صالِحٍ سَألُوا نَبِيَّهم أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهم آيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهم ناقَةً فَكانَتْ تَرُدُّ مِن ذَلِكَ الفَجَّ فَتَشْرَبُ ماءَهم يَوْمَ وُرُودِها ويَحْلِبُونَ مِنها مِثْلَ الَّذِي كانُوا يَشْرَبُونَ مِنها يَوْمَ غِبِّها ويَصْدُرُونَ عَنْ ذَلِكَ»، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النّاقَةَ تَحْضُرُ الماءَ يَوْمَ وُرُودِهِمْ، وتَغِيبُ عَنْهم يَوْمَ وُرُودِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّ ثَمُودَ يَحْضُرُونَ الماءَ يَوْمَ غِبِّها فَيَشْرَبُونَ، ويَحْضُرُونَ اللَّبَنَ يَوْمَ ورْدِها فَيَحْلِبُونَ.
﴿ فَنادَوْا صاحِبَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أحْمَرُ إرَمَ وشَقِيُها، قالَهُ قَتادَةُ، وقَدْ ذَكَرَهُ زُهَيْرٌ في شِعْرِهِ فَقالَ فَتَنْتُجُ لَكم غِلْمانَ أشْأمَ كُلَّهم ∗∗∗ كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَفْطِمُ الثّانِي: أنَّهُ قَدارُ بْنُ سالِفٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، وقَدْ ذَكَرَهُ الأفْوَهُ في شِعْرِهِ أوْ بَعْدَهُ كَقِدارٍ حِينَ تابَعَهُ ∗∗∗ عَلى الغاوِيَةِ أقْوامٌ فَقَدْ بادُوا ﴿ فَتَعاطى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ بَطَشَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ تَناوَلَها وأخَذَها، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ كِلْتاهُما حَلَبَ العَصِيرَ فَعاطَنِي ∗∗∗ بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمُفَصَّلِ ﴿ فَعَقَرَ ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كَمَن لَها قِدارٌ في أصْلِ شَجَرَةٍ عَلى طَرِيقِها فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ ساقِها، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاءَةً واحِدَةً تَحَدَّرَ سُقْبُها [مِن بَطْنِها وانْطَلَقَ سُقْبُها] حَتّى أتى صَخْرَةً في رَأْسِ الجَبَلِ فَرَغا ثُمَّ لاذَ بِها، فَأتاهم صالِحٌ، فَلَمّا رَأى النّاقَةَ قَدْ عَقَرُوها بَكى ثُمَّ قالَ: انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ اللَّهِ فَأبْشِرُوا بِعَذابِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ الَّذِي عَقَرَها رَجُلٌ أحْمَرُ أزْرَقُ أشْقَرُ أكْشَفُ أقْفى.
﴿ فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: يَعْنِي العِظامَ المُحْتَرِقَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحائِطِ وتُصِيبُهُ الرِّيحُ، فَيَحْتَظِرُ مُسْتَدِيرًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الحِظارُ البالِيَةُ مِنَ الخَشَبِ إذا صارَ هَشِيمًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أثْرَتْ عُجاجَةً كَدُخانِ نارٍ ∗∗∗ تَشِبُّ بِغَرْقَدٍ بالٍ هَشِيمِ قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حَشِيشٌ قَدْ حَظَرَتْهُ الغَنَمُ فَأكَلَتْهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا الخامِسُ: أنَّ الهَشِيمَ اليابِسَ مِنَ الشَّجَرِ الَّذِي فِيهِ شَوْكٌ والمُحْتَظِرُ الَّذِي تَحْظُرُ بِهِ العَرَبُ حَوْلَ ماشِيَتِها مِنَ السِّباعِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الشّاعِرُ ؎ تَرى جِيَفَ المَطِيِّ بِجانِبَيْهِ ∗∗∗ كَأنَّ عِظامُها خَشَبَ الهَشِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا إذاً لفي ضلال وسعر ﴾ قال: شقاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إنا إذاً لفي ضلال وسعر ﴾ قال: في ضلال وعناء.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وسعر ﴾ قال: ضلال، وفي قوله: ﴿ كل شرب محتضر ﴾ قال: يحضرون الماء إذا غابت الناقة وإذا جاءت حضروا اللبن، وفي قوله: ﴿ فتعاطى ﴾ قال: تناول، وفي قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: الرجل هشم الحنتمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فتعاطى فعقر ﴾ قال: تناول أحيمر ثمود الناقة فعقرها، وفي قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كرماد محترق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتعاطى ﴾ قال: تناول.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كالعظام المحترقة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كالحشيش تأكله الغنم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: هو الحشيش قد حظرته فأكلته يابساً فذهب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: التراب الذي يسقط من الحائط.
قوله تعالى: ﴿ كذبت قوم لوط ﴾ الآيات.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ قال: لم يصدقوا بها، وفي قوله: ﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ قال: ذكر لنا أن جبريل استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطاً، وأنهم عاجلوا الباب ليدخلوا عليهم، فصعقهم بجناحه فتركهم عمياناً يترددون، وفي قوله: ﴿ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ﴾ قال: استقر بهم في نار جهنم، وفي قوله: ﴿ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴾ قال: عزيز في نقمته إذا انتقم لا يخاف أن يسبق، وفي قوله: ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: أكفاركم خير ممن قد مضى.
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ﴾ قال: عذاب في الدنيا استقر بهم في الآخرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: ليس كفاركم خيراً من قوم نوح وقوم لوط.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ قال: أكفاركم أيتها الأمة خير مما ذكر من القرون الأولى الذين أهلكتهم.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: أكفاركم خير من أولئكم الذين مضوا ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ يعني في الكتب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما جاءهم به صالح (١) ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ وقال مقاتل: يعني بالرسل (٢) ثم أنكروا أن يكونوا تبعًا لواحد منهم، وهو قوله: (١) ذكره المفسرون لبيان المعنى ولم ينسب لقائل.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَنزِعُ الناس ﴾ أي تقلعهم من مواضعهم ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ هلكوا بذلك لأنهم طوال عظام الأجساد كالنخل، وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤوس، فشبههم بأعجاز النخل لأنها دون أغصان: وقيل: كانوا حفروا حفراً يمتنعون بها من الريح.
فهلكوا فيها فشبههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.
الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.
﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.
الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.
التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله آية فانشق القمر مرتين.
وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.
وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.
وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم هذا قول أكثر الفسرين.
وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.
وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.
وأيضاً إنه جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.
وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.
هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.
وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.
ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.
واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً ﴾ والأمر عند الله معلوم.
قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.
والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.
ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.
وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.
وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.
وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.
عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.
والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.
جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.
وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.
والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.
ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.
ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.
وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.
وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.
والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.
وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.
وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.
تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.
وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.
وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.
وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.
ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم .
ثم إنه أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.
ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.
وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.
وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.
وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.
وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.
ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".
وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.
ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.
قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.
ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.
وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.
والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.
فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح لأن وجود النبي نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.
يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.
فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.
والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.
وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.
وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.
سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟
والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.
ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟
فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.
والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.
فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.
ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.
وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.
قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.
وقيل: المستمر الشديد المرارة.
﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.
وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.
قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.
قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.
الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.
الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.
والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.
وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.
وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟
أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.
والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.
ثم قال تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.
وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.
وذلك أصل مرفوض.
ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.
ثم إنه خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.
﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.
وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.
﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.
والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.
ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".
ولعل التذكير بتأويل العذاب.
والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".
وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.
والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.
وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.
وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.
وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.
وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".
والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.
﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.
وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.
ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.
ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.
ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.
ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.
فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.
فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.
قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.
ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.
عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟
فلما رأى رسول الله يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.
والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.
﴿ وأمر ﴾ من المرارة.
وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.
وقيل: من المرة الشدة.
قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.
روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في القدر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.
أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.
والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.
قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.
واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.
والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله .
وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.
ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.
وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.
قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".
وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.
ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.
ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.
قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.
وأما الرفع فيحتمل معنيين.
أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.
والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.
ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.
ثم ختم السورة بوعد المتقين.
والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.
ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".
ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".
قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.
والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.
ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ذكر أنباء الأوائل وما نزل بهم بالتكذيب، والعناد، سوء معاملتهم الرسول - صلى الله عليه سلم - وهو صلة قوله: ﴿ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ تأويل الآية يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ قيل: باردة.
وقيل: شديدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ ؛ إذ استمر بهم العذاب - كما قال الله عز وجل -: ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ .
وقيل: ﴿ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ أي: ذاهب على الصغير والكبير، فلم تُبْقِ منهم أحداً إلا أهلكته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ من الناس من قال: لما اشتدت بهم الريح، تنادوا فيما بينهم: البيوت!
فدخلوها، فدخلت الريح عليهم، فأخرجتهم من بيوتهم، وألقتهم في فنائهم؛ فذلك النزع.
ومنهم من قال: تنزع مفاصلهم فتلقيهم كأعجاز نخل منقعر؛ لأنهم كانوا أطول الخلق، فذكر أن كل رجل منهم كان طوله ستين ذراعا، والنخل لا يبلغ ذلك المقدار إلا بمعد قطع المفصال؛ فجائز التشبيه بأعجاز نخل منقعر بعد انتزاع مفاصلهم، والانقعار: هو الانقلاع.
قال أبو عوسجة: ﴿ مُّنقَعِرٍ ﴾ ، أي: منقطع ساقط.
ومنهم من قال: شبههم بأعجاز النخل؛ لعظم أعجازهم.
وقال بعضهم: شبههم بأعجاز النخل؛ لطولهم، ولكن ذلك بعد نزع مفاصلهم؛ لما ذكرنا.
وفي حرف حفصة - ا -: (تنزع [الناس] على أعقابهم).
وقوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ﴾ يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: ﴿ بِٱلنُّذُرِ ﴾ أي: بالرسل التي دعتهم إلى الإيمان بالله .
والثاني: كذبت بما وقعت به النذارة التي أخبرهم الرسل: أنها نازلة واقعة بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ﴾ ، لم يزل الأكابر من الكفرة والرؤساء منهم يلبسون على أتباعهم بهذا الحرف: ﴿ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ﴾ ، وقالوا: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ﴾ \[المؤمنون: 33\]، وقوله - -: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 34\]، ونحو ذلك، وذلك تناقض [في] القول؛ لأنهم كانوا ينهون أتباعهم عن اتباع بشر مثهلم ويدعونهم إلى ابتاع آبائهم والاقتداء بهم، وهم أيضا بشر، وليس مع آبائهم حجج وبراهين، ومع الرسل حجج وآيات، فيكون تناقضا في القول ومعارضة فاسدة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ فهو يخرج على ما ذكرنا من الوجهين، وكذا قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ، قال بعضهم: السعر: الجنون؛ أي: لو اتبعنا بشرا منا، لكنا في ضلال وجنون، وهو مأخوذ من سعر النار؛ إذا التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة؛ من النشاط.
وقيل: الضلال والسعر واحد.
ويحتمل: أي: إنا إذا لفي ضلال في الدنيا، وسعر في الآخرة، والسعر: من السعير، وهو النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ فجائز أن يكون هذا القول من أهل مكة لرسول الله كقوله - - خبرا عنهم: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ ، والذكر هو القرآن، على هذا التأويل.
وجائز أن يكون ذلك من ثمود وصالح - - والقصة قصة صالح؛ فهو الأشبه بالتأويل، ولم يزل الكفرة ينكرون تفضل الرسل - عليهم السلام - على غيرهم من البشر بالرسالة، وإنزال الذكر عليهم من بينهم، ثم يرون لأنفسهم الفضل على أولئك الرسل: إما بفضل مال، أو بفضل نسب، أو رياسة، ونفاذ قول، بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع، وما ينبغي لهم ان ينكروا تفضيل الرسل بالرسالة والنبوة بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع؛ إذ هي فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴾ عن مجاهد: أنه قرأ بفتح الشين، وقرأ العامة ﴿ أَشِرٌ ﴾ بكسر الشين.
قال أبو عوسجة: وقيل: الأَشِر، والأَشَر هو البطر - كما يقال: حذر وحَذَر - وهو المرح التكبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ ﴾ قرئ بالياء والتاء؛ فمن قرأ بالياء احتج بقوله ﴿ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ ، ولم يقل "لكم"، ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب من رسول الله للكفرة، أي: ستعلمون غدا عند نزول العذاب بكم من الكذاب أنا أو أنتم؟
وهذا وعيد منه لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ ؛ لنفتنهم بها، ونمنحهم، لم نعطهم مجانا جزافا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ ﴾ أي: فارتقبهم بما يكون منهم من التكذيب للناقة والعقر لها.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْهُمْ ﴾ هو خطاب لرسوله عليه الصلاة والسلام في حق أهل مكة، كقوله ﴿ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ .
وقوله -: ﴿ وَٱصْطَبِرْ ﴾ أي: اصطبر على أذاهم، ولا تكافئهم.
أو اصبر على تبليغ الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ وفيه من الفوائد والدلائل: أحدها: أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق؛ حتى احتاجت هي إلى الماء مثل الذي احتاج إليه سائر النوق وأهلها؛ حتى قسم الماء بينها وبين سائر النوق.
وفيه: أنه لا بأس بقسمة الشرب؛ حيث ذكر في الآية قسمة الماء، وذكر في آية أخرى: ﴿ شِرْبُ يَوْمٍ ﴾ وهو قسمة بالإيام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ أي: كل شرب بحضرة من له شرب ذلك، لا يحضره غيره.
وفيه: أن تلك الناقة وإن كانت آية ومعجزة له، فكانت تعتلف وتشرب كسائر النوق التي ليست هي بآيات.
وإن كانت تخالف سائر النوق في عظمها، وقدر علقها وشربها.
ثم جعل الماء بينها وبين أولئك القوم بالقسمة، ولم يجعل العلف بينها وبينهم بالقسمة؛ لاشتراكهم جميعا في الماء - أعني: البهائم والبشر - وحاجة كل منهم إلى الماء، فلذا جعل النبات مشتركا بينها وبين سائر البهائم؛ لأن في ذلك كثرة، فلا حاجة إلى القسمة، فأما في الماء في ذلك الموضع عزة؛ لما يسقون من الآبار؛ فلذلك جعلوا الماء بالقسمة، والله أعلم.
وفيه: أن المياه إذا ضات قسمتها بالأجواء تقسم بالأيام؛ من حيث جعل لها شرب يوم معلوم، ولهم شرب يوم معلوم.
وفيه: أن الماء وإن كان عينا فيهو كالمنفعة في جواز قسمتها بالأيام.
ثم قوله: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ جائز أن يكون الخطاب لصالح - - أمره أن ينبئ قومه: أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة.
وجائز أن يكون الخطاب به لرسول الله ، أمره أن خبر قومه: أن الماء كان قسمة بينهم وبين الناقة، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ﴾ ، أضاف العقر هاهنا إلى واحد، وفي رواية أخرى أضافه إلى الجماعة، وهو قوله: ﴿ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ ﴾ ، فيكن ظاهر هذه الآيات على التناقض؛ من حيث ذكر الفرد والجماعة.
وفيه تناقض من وجه آخر؛ فإنه ذكر في آية: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ ﴾ ، ذكر الندامة، وهي خلاف العتو.
لكنا نقول: لا تناقض، لا اختلاف عند اختلاف الأحوال و الأوقات، فقوله: ﴿ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ قبل أن ينزل بهم العذاب، وقوله: ﴿ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ ﴾ إذا نزل بهم العذاب، والتناقض في وقت واحد في حال واحد، وكذلك العقر من واحد على الحقيقة، لكن إما أضافه إلى الجماعة، لأنه عقر بمعاونتهم.
أو الواحد هو الذي طعنها، ثم اجتمعوا، فعقروا جميعا، ونحو ذلك؛ فثبت أنه لا تناقض.
وقال بعضهم: ﴿ فَتَعَاطَىٰ ﴾ تناول، ﴿ فَعَقَرَ ﴾ أي: ضرب عرقوبها؛ أي: ساقها.
وقيل: العقر: قد يكون جرحا، وقد يكون قتلا.
وقوله: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ يحتمل: أي: أرسلنا عليهم العذاب قدر صيحة واحدة، يخبر عن سرعة نزول العذاب ووقعه عليهم.
ويحتمل أن يكون أرسل عليهم الصيحة، وأهلكهم، وصاروا كما ذكر من هشيم المحتظر، وهو قوله: ﴿ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ ﴾ ، قيل: الهشيم: العظام البالية.
وقيل: كالشيء المتناثر، من الحائط، وأصل الهشيم: الانكسار، أي: صاروا كالشيء المنكسر المجتمع في موضع.
وقوله : ﴿ ٱلْمُحْتَظِرِ ﴾ بكسر الظاء ونصبه، روي النصب عن الحسن.
قال أبو عبيد: بالكسر يقرأ على تأويل الإنسان المحتظر.
وقال أبو عوسجة: الهشيم: البالي من الشجر، والمحتظر: الذي يتخذ حظيرة.
وقال القتبي: الهشيم: النبت اليابس الذي ينهشم، أي: ينكسر، والمحتظر - بكسر الظاء -: صاحب الحظيرة لغنمه، وبفتح الظاء أراد: الحيطان، وهو الحظيرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ ، أي: يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من نعم الله ، وأغفلوا عنها.
أو يسرنا القرآن لذكر ما أغفلوا من الحجج والآيات ونسوها.
أو يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من الأنباء، وما نزل بمكذبي الرسل - عليهم السلام - بالتكذيب والعناد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ قد تقدم ذكره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ، قال أهل التأويل: أليس الذي أنذروا به وجدوه حقّاً.
وقال بعضهم: أليس وجدوا ما وعد لهم رسلي حقّاً.
وقد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
كذبت ثمود بما أنذرهم به رسولهم صالح .
<div class="verse-tafsir" id="91.xVy9Q"