تفسير الآية ٢٦ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٢٦ من سورة القمر

سَيَعْلَمُونَ غَدًۭا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ ٢٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 47 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٦ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ ) يقول تعالى ذكره: قال الله لهم: ستعلمون غدا في القيامة من الكذّاب الأشر منكم معشر ثمود, ومن رسولنا صالح حين تردون على ربكم, وهذا التأويل تأويل من قرأه ( سَتَعْلَمُونَ ) بالتاء, وهي قراءة عامة أهل الكوفة سوى عاصم والكسائي.

أما تأويل ذلك على قراءة من قرأه بالياء, وهي قراءة عامة قراء أهل المدينة والبصرة وعاصم والكسائي, فإنه قال الله ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ ) وترك من الكلام ذكر قال الله, استغناء بدلالة الكلام عليه.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, لتقارب معنييهما, وصحتهما في الإعراب والتأويل .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سيعلمون غدا أي سيرون العذاب يوم القيامة ، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا .

وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه من قول صالح لهم على الخطاب .

الباقون بالياء ، إخبار من الله تعالى لصالح عنهم .

وقوله : غدا على التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب : إن مع اليوم غدا ; قال :للموت فيها سهام غير مخطئة من لم يكن ميتا في اليوم مات غدا[ ص: 128 ] وقال الطرماح :ألا عللاني قبل نوح النوائح وقبل اضطراب النفس بين الجوانحوقبل غد يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي ولست برائحوإنما أراد وقت الموت ولم يرد غدا بعينه .من الكذاب الأشر وقرأ أبو قلابة " الأشر " بفتح الشين وتشديد الراء جاء به على الأصل .

قال أبو حاتم : لا تكاد العرب تتكلم بالأشر والأخير إلا في ضرورة الشعر ; كقول رؤبة :بلال خير الناس وابن الأخيروإنما يقولون هو خير قومه ، وهو شر الناس ; قال الله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس وقال فسيعلمون من هو شر مكانا .

وعن أبي حيوة بفتح الشين وتخفيف الراء .

وعن مجاهد وسعيد بن جبير ضم الشين والراء والتخفيف ، قال النحاس : وهو معنى " الأشر " ومثله : رجل حذر وحذر .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( سيعلمون ) قرأ ابن عامر وحمزة : " ستعلمون " بالتاء على معنى قال صالح لهم ، وقرأ الآخرون بالياء ، يقول الله تعالى : ( سيعلمون غدا ) حين ينزل بهم العذاب .

وقال الكلبي : يعني يوم القيامة .

وذكر " الغد " للتقريب على عادة الناس ، يقولون : إن مع اليوم غدا ( من الكذاب الأشر ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سيعلمون غدا» في الآخرة «من الكذاب الأشر» وهو أو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم نبيهم صالحا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أأُنزل عليه الوحي وخُصَّ بالنبوة مِن بيننا، وهو واحد منا؟

بل هو كثير الكذب والتجبر.

سَيَرون عند نزول العذاب بهم في الدنيا ويوم القيامة مَنِ الكذاب المتجبر؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد ورد - سبحانه - عليهم ردا يحمل لهم التهديد والوعيد ، فقال - تعالى - : ( سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر ) .أى : سيعلم هؤلاء الكافرون ، فى الغد القريب يوم ينزل بهم العذاب المبين ، من هو الكذاب فى أقواله ، ومن هو المغرور المتكبر على غيره ، أصالح - عليه السلام - أم هم؟!والتعبير بالسين فى قوله ( سَيَعْلَمُونَ ) لتقريب مضمون الجملة وتأكيده .والمراد بقوله : ( غَداً ) الزمن المستقبل القريب الذى سينزل فيه العذاب عليهم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فإن قال قائل: سيعلم للاستقبال ووقت أنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كانوا قد علموا، لأن بعد الموت تتبين الأمور وقد عاينوا ما عاينوا فكيف القول فيه؟

نقول: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون هذا القول مفروض الوقوع في وقت قولهم: بل هو كذاب أشر، فكأنه تعالى قال يوم قالوا: بل هو كذاب أشر سيعلمون غداً وثانيهما: أن هذا التهديد بالتعذيب لا بحصول العلم بالعذاب الأليم وهو عذاب جهنم لا عذاب القبر فهم سيعذبون يوم القيامة وهو مستقبل وقوله تعالى: ﴿ غَداً ﴾ لقرب الزمان في الإمكان والأذهان ثم إن قلنا: إن ذلك للتهديد بالتعذيب لا للتكذيب فلا حاجة إلى تفسيره بل يكون ذلك إعادة لقولهم من غير قصد إلى معناه، وإن قلنا: هو للرد والوعد ببيان انكشاف الأمر فقوله تعالى: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً ﴾ معناه سيعلمون غداً أنهم الكاذبون الذين كذبوا لا لحاجة وضرورة، بل بطروا وأشروا لما استغنوا، وقوله تعالى: ﴿ غَداً ﴾ يحتمل أن يكون المراد يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المراد يوم العذاب وهذا على الوجه الأول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَنُذُرِ ﴾ وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله.

أو إنذار أتى في تعذيبهم لمن بعدهم ﴿ فِى يَوْمِ نَحْسٍ ﴾ في يوم شؤم.

وقرئ: ﴿ في يوم نحس ﴾ كقوله: ﴿ فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ [فصلت: 16] .

﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ قد استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

أو استمر عليهم جميعاً كبيرهم وصغيرهم، حتى لم يبق منهم نسمة، وكان في أربعاء في آخر الشهر لا تدور.

ويجوز أن يريد بالمستمر: الشديد المرارة والبشاعة ﴿ تَنزِعُ الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم، وكانوا يصطفون آخذين أيديهم بأيدي بعض.

ويتدخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ يعني أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتاً وهم جثث طوال عظام، كأنهم أعجاز نخل وهي أصولهابلا فروع، منقعر: منقلع: عن مغارسه.

وقيل: شبهوا بأعجاز النخل، لأنّ الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤوس.

وذكر صفة ﴿ نَخْلٍ ﴾ على اللفظ، ولو حملها على المعنى لأنث، كما قال: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 7] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ بِالإنْذاراتِ والمَواعِظِ، أوِ الرُّسُلِ.

﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا ﴾ مِن جِنْسِنا أوْ مِن جُمْلَتِنا لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ وما بَعْدَهُ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والأوَّلُ أوْجَهُ لِلِاسْتِفْهامِ.

﴿ واحِدًا ﴾ مُنْفَرِدًا لا تَبَعَ لَهُ أوْ مِن آحادِهِمْ دُونَ أشْرافِهِمْ.

﴿ نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ جَمْعُ سَعِيرٌ كَأنَّهُ عَكَسُوا عَلَيْهِ فَرَتَّبُوا عَلى اتِّباعِهِمْ إيّاهُ ما رَتَّبَهُ عَلى تَرْكِ اتِّباعِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: السُّعُرُ الجُنُونُ ومِنهُ ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ.

﴿ أأُلْقِيَ الذِّكْرُ ﴾ الكِتابُ أوِ الوَحْيُ.

﴿ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا ﴾ وفِينا مَن هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ.

﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ حَمَلَهُ بَطَرُهُ عَلى التَّرَفُّعِ عَلَيْنا بِادِّعائِهِ إيّاهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سَيَعْلَمُونَ غَداً} عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة {مَّنِ الكذاب الأشر} أصالح أم من كذبه ستعلمون شامى حمزة على حكاية ما قال لهم صالح مجيباً لهم ام هو كلام الله على سبيل الالتفات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وعْدًا لَهُ ووَعِيدًا لِقَوْمِهِ، والسِّينُ لِتَقْرِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِهِ، والمُرادُ بِالغَدِ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِمْ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ فَهو لِمُطْلَقِ الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وعُبِّرَ بِهِ لِتَقْرِيبِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: ألا عَلِّلانِي قَبْلَ نَوْحِ النَّوائِحِ وقَبْلَ اضْطِرابِ النَّفْسِ بَيْنَ الجَوانِحِ وقَبْلَ غَدٍ يا لَهَفَ نَفْسِي عَلى غَدِ ∗∗∗ إذا راحَ أصْحابِي ولَسْتُ بِرائِحِ أيْ ( سَيَعْلَمُونَ ) البَتَّةَ عَنْ قَرِيبٍ ﴿ مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ الَّذِي حَمَلَهُ أشَرُهُ وبَطَرُهُ عَلى ما حَمَلَهُ أصالِحٌ أمْ مَن كَذَّبَهُ، والمُرادُ سَيَعْلَمُونَ أنَّهم هُمُ الكَذّابُونَ الأشِرُونَ لَكِنْ أوْرَدَ ذَلِكَ مَوْرِدَ الإبْهامِ إيماءً إلى أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خالِيَيْنِ لِتَعْلَمَن ∗∗∗ أيِّي وأيُّكَ فارِسُ الأحْزابِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ - سَتَعْلَمُونَ - بِتاءِ الخِطابِ عَلى حِكايَةِ ما قالَ لَهم صالِحٌ مُجِيبًا لَهم، وفي الكَشّافِ أوْ هو كَلامٌ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: أيْ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْمِ ثَمُودَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ إمّا في خِطابِهِ تَعالى لِرَسُولِنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو نَظِيرُ ما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ شُعَيْبٍ ﴿ فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ  ﴾ بَعْدَ ما اسْتُؤْصِلُوا هَلاكًا وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِهَذا الوَعِيدِ وكَأنَّهم حُضُورٌ في المَجْلِسِ حَوَّلَ إلَيْهِمُ الوَجْهَ لِيَنْعى عَلَيْهِمْ جِناياتِهِمْ.

وإمّا في خِطابِهِ عَزَّ وجَلَّ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُنَزَّلُ حِكايَةَ ذَلِكَ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى الِالتِفاتِ.

وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا إشْكالَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ ولَفْظُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى الأوَّلِ أدَلُّ وهو أبْلَغُ انْتَهى، ومَنِ التَفَتَ إلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ في الِالتِفاتِ لا أظُنُّهُ تَسْكُنُ نَفْسُهُ بِما ذَكَرَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ مُجاهِدٌ فِيما ذَكَرَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ وأبُو قَيْسٍ الأوِدِيُّ «الأُشُرُ» بِثَلاثِ ضَمّاتٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ.

ويُقالُ: أشِرٌ وأُشُرٌ كَحَذِرٍ وحُذُرٍ فَضَمَّةُ الشِّينِ لُغَةٌ وضَمُّ الهَمْزَةِ تَبَعٌ لَها.

وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ ضَمَّ الشِّينِ دُونَ الهَمْزَةِ فَهو كَنَدُسٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «الأشَرُّ» أفْعَلُ تَفْضِيلٍ أيِ الأبْلَغُ في الشَّرارَةِ وكَذا قَرَأ قَتادَةُ وأبُو قِلابَةَ أيْضًا وهو قَلِيلٌ الِاسْتِعْمالِ وإنْ كانَ عَلى الأصْلِ كالأخِيرِ في قَوْلِ رُؤْبَةَ: بِلالٌ خَيْرُ النّاسِ وابْنُ الأخْيَرِ وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَكادُ العَرَبُ تَتَكَلَّمُ - بِالأخْيَرِ - والأشَرِّ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وأنْشَدَ البَيْتَ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: لا يُقالُ ( الأشَرُّ )إلّا في لُغَةٍ رَدِيئَةٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً أي: سفينة نوح أبقيناها عبرة للخلق.

وقال بعضهم: يعني: تلك السفينة بعينها كانت باقية على الجبل إلى قريب من خروج النبيّ  .

وقال بعضهم: يعني: جنس السفينة صارت عبرة، لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة، فاتخذت الناس السفن بعد ذلك في البحر، فلذلك كانت آية للناس.

ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: هل من معتبر يعتبر بما صنع الله تعالى بقوم نوح، فيترك المعصية.

ويقال: فهل من مذكر يتعظ بأنه حق، ويؤمن به.

وقال أهل اللغة: أصل مدكر، مفتعل من الذكر، مذتكر، فأدغمت الذال في التاء، ثم قلبت دالاً مشددة.

ثم قال: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: كيف رأيت عذابي، وإنذاري لمن أنذرهم الرُّسلُ، فلم يؤمنوا، والنذر بمعنى الإنذار.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ يعني: هوّنا القرآن لِلذِّكْرِ يعني: للحفظ.

ويقال: هونا قراءاته.

وروى الحسن عن النبيّ  أنه قال: «لَوْلا قَوْلُ الله تَعَالَى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ما طاقت الألسن أن تتكلّم بِهِ» ويقال: هوناه لكي يذكروا به ثم قال: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: متعظ، يتعظ بما هون من قراءة القرآن.

وروى الأسود عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: قرأت على النبيّ  فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ بالدال، فقال النبيّ  : «فَهَلْ مِنْ مُذَّكِر» يعني: بالذال.

قوله تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ يعني: كذبوا رسولهم هود فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يعني: أليس وجوده حقاً، ونذر جمع نذير قال القتبي: النذر جمع النذير، والنذير بمعنى الإنذار، مثل التنكير بمعنى الإنكار.

يعني: كيف كان عذابي، وإنكاري.

ثم بيّن عذابه فقال عز وجل: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعني: سلطنا عليهم ريحاً باردة فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يعني: شديدة استمرت عليهم، لا تفتر عنهم سبع ليال، وثمانية أيام، حسوماً دائمة تَنْزِعُ النَّاسَ يعني: تنزع أرواحهم من أجسادهم، وهذا قول مقاتل.

ويقال: فِي يَوْمِ نَحْسٍ يعني: يوم مشؤوم عليهم: مُسْتَمِرٍّ يعني: استمر عليهم بالنحوسة.

وقال القتبي: الصرصر ريح شديدة ذات صوت تنزع الناس.

يعني: تقلعهم من مواضعهم.

كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ يعني: صرعهم، فكبهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض، فشبههم لطولهم بالنخيل الساقطة.

وقال مقاتل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً.

وقال في رواية الكلبي: كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعا، فاستهزءوا حين ذكر لهم الريح، فخرجوا إلى الفضاء، فضربوا بأرجلهم، وغيبوها في الأرض إلى قريب من ركبهم، فقالوا: قل للريح حتى ترفعنا، فجاءت الريح فدخلت تحت الأرض، وجعلت ترفع كل اثنين، وتضرب أحدهما على الآخر بعد ما ترفعهما في الهواء، ثم تلقيه في الأرض، والباقون ينظرون إليهم حتى رفعتهم كلهم، ثم رمت بالرمل والتراب عليهم، وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا وكذا يوما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١» : هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح.

وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟

ويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢» :

يُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.

وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.

ت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.

وقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.

تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)

أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)

فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)

نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)

وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعاً فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١» ، قال ع «٢» : فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و [قول] ثمود لصالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤» : سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.

ثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.

ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:

محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١» : كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يوماً ومن لبن الناقة يوماً محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:

هو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضاً فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢» ، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و «الهشيم» : ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣» ، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضاً من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.

وقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.

وقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤» : هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥» : هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس.

وقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿ وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ.

فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ.

ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ.

وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.

﴿ فالتَقى الماءُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهُ ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ.

أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ.

وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ.

والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.

وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.

والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟

"فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي" ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ.

وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ.

والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.

﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ.

مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ.

ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ  ﴾ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ ﴿ تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ ﴿ أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ "عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.

و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِعُ الناسَ ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ.

قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟

ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟

ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ  عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.

و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟

وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟

وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.

وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا ﴾ ؟

و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي  ﴾ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا  ﴾ ، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.

ثُمَّ قالُوا: ﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ ، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مقول قول محذوف دل عليه السياق تقديره: قلنا لنذيرهم الذي دل عليه قوله: ﴿ كذبت ثمود بالنذر ﴾ [القمر: 23] فإن النذر تقتضي نذيراً بها وهو المناسب لقوله بعده ﴿ فارتقبهم واصطبر ﴾ [القمر: 27] وذلك مبني على أن قوله آنفاً: ﴿ فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه ﴾ [القمر: 25] كلام أجابوا به نِذارة صالح إيّاهم المقدرة من قوله تعالى: ﴿ كذبت ثمود بالنذر ﴾ [القمر: 23]، وبذلك انتظم الكلام أتم انتظام.

وقرأ الجمهور ﴿ سيعلمون ﴾ بياء الغيبة.

وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿ ستعلمون ﴾ بتاء الخطاب وهي تحتمل أن يكون هذا حكاية كلام من الله لصالح على تقدير: قلنا له: قل لهم، ففيه حذف قول.

ويحتمل أن يكون خطاباً من الله لهم بتقدير: قلنا لهم ستعلمون.

ويحتمل أن يكون خطاباً للمشركين على جعل الجملة معترضة.

والمراد من قوله: ﴿ غداً ﴾ الزمن المستقبل القريب كقولهم في المثل: إن مع اليوم غداً، أي إن مع الزمن الحاضر زمناً مستقبلاً.

يقال في تسلية النفس من ظلم ظالم ونحوه، وقال الطِرِمَّاح: وقبْلَ غدٍ يَا ويحَ قلبيَ من غد *** إذا راح أصحابي ولستُ برائح يريد يوم موته.

والمراد به في الآية يوم نزول عذابهم المستقرب.

وتبيينه في قوله: ﴿ إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ﴾ [القمر: 27] الخ، أي حين يرون المعجزة وتلوح لهم بوارق العذاب يعلمون أنهم الكذّابون الأشرون لا صالح.

وعلى الوجه الثاني في ضمير ﴿ سيعلمون ﴾ يكون الغد مراداً به: يوم انتصار المسلمين في بدر ويوم فتح مكة، أي سيعلمون من الكذاب المماثل للكذاب في قصة ثمود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بارِدَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

الثّانِي: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: الَّتِي يُسْمَعُ لِهُبُوبِها كالصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ بازٍ يُصَرْصِرُ فَوْقَ المَرْقَبِ العالِي ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَوْمُ عَذابٍ وهَلاكٍ.

الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ يَوْمَ الأرْبَعاءِ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ كانَ يَوْمًا بارِدًا، قالَ الشَّنْفَرى ولَيْلَةِ نَحْسٍ يَصْطَلِي القَوْسَ رَبُّها ∗∗∗ وأقْطَعُهُ اللّاتِي بِها يَنْبُلُ يَعْنِي أنَّهُ لِشِدَّةِ بَرْدِها يَصْطَلِي بِقَوْسِهِ وسِهامِهِ الَّتِي يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ.

وَفِي ﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: الذّاهِبُ.

الثّانِي: الدّائِمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ قال: باردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: أيام شداد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ صرصراً ﴾ قال: شديدة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ريحاً صرصراً ﴾ قال الباردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: في يوم مشؤوم على القوم مستمر استمر عليهم شره.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: النحس البلاء والشدة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: سواء عليه أي يوم أتيته ** أساعة نحس تتقي أم بأسعد وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ﴿ في يوم نحس مستمر ﴾ قال: يوم الأربعاء.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد وقال: يوم الأربعاء ﴿ يوم نحس مستمر ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوم نحس يوم الأربعاء» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام وسئل عن يوم الأربعاء قال: يوم نحس، قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟

قال: أغرق فيه الله فرعون وقومه وأهلك عاداً وثمود» .

وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» .

وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أقبلت الريح قام إليها عاد فأخذ بعضهم بأيدي بعض وغمزوا أقدامهم في الأرض وقالوا: من يزيل أقدامنا عن الأرض إن كان صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح تنزع الناس ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، فكان الرجل يغمز قدمه في الأرض فتدخل فيه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل ﴾ قال: أصول نخل ﴿ منقعر ﴾ قال: منقطع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: أعجاز سود النخل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: وقعت رؤوسهم كأمثال الأخشبة وتقوّرت أعناقهم فشبهها بأعجاز نخل منقعر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا ﴾ يعني عند نزول العذاب، وهو تهديد لهم وإنما قال (غدًا) (١) ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ  ﴾ ، واسم الغد يقع على ما بعد يومك الذي أنت فيه قرب أو بعد، ولكن العادة جرت إطلاقه على القريب، وغد من الأسماء الناقصة كاليد والفم، وأصله غدو، وربما يستعمل على الأصل، قال الشاعر: وما النَّاسُ إلا كالدَّيار وأهلِها ...

بها يوْمَ حَلُّوها وَغَدْوًا بَلاقِعُ (٢) ويقال في المثل إن مع اليوم أخاه غدوا (٣) ومعنى (غدًا) هاهنا يجوز أن يكون اليوم الذي نزل بهم العذاب، هددوا بذلك اليوم.

هذا معنى قول مقاتل (٤) (٥) وقرئ (ستعلمون) بالتاء (٦) (١) ) (غداً) ساقطة من (ك).

(٢) البيت للبيد، كما في "ديوانه" ص 169، و"الكتاب مع شرح شواهده" للأعلم 2/ 8، و"شرح المفصل" 6/ 4، "أمالي ابن الشجري" 2/ 35، و"المصنف" 1/ 64.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 17، "اللسان" 2/ 962 (غدا).

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب، انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 26 أ.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 38، و"جامع البيان" 27/ 59، و"معالم التنزيل" 4/ 262.

(٦) قرأ ابن عامر، وحمزة: (ستعلمون) بالتاء، وقرأ الباقون ﴿ سَيَعْلَمُونَ ﴾ بالياء.

انظر: "الحجة" 6/ 243، و"حجة القراءات" ص 689، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ أنكروا أن يخصه الله بالنبوة دونهم، وذلك جهل منهم، فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴿ أَشِرٌ ﴾ بطر متكبر.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: كذبت قبل قومك قوم نوح نوحا -  - وآذوه، فصبر على التكذيب وأنواع الأذى، ولم يدع عليهم بالهلاك ما لم يرد الإذن بالدعاء عليهم بالهلاك من الله -  - فاصبر أنت على تكذيب القوم وأنواع الأذى، وهو كقوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

فإن قيل: ما الحكمة في تكرار هذه الأنباء في القرآن، ولم يكرر ما فيه من الأحكام؟

قيل: إن هذه الأنباء والقصص إنما جاءت لمحاجة أهل مكة وأمثالهم من الكفرة في إثبات الرسالة والتوحيد والبعث؛ إذ هم المنكرون لهذه الأشياء، وهم كانوا أهل عناد ومكابرة، وفيهم - أيضاً - مسترشدون، ومن حق المحاجة مع [من] ذكرنا وأمثالهم أن تعاد الحجة مرة بعد مرة؛ لعلهم يقبلونها في وقت، وتنجع في قلوبهم في وقت، وإن لم تنجع في وقت، ومن حق الموعظة للمسترشدين - أيضاً - أن تكرر ليتعظوا؛ إذ يختلف ذلك باختلاف الأحوال، وقد ذكرنا فوائد تكرارها واقتصار الأحكام فيما تقدم، والله أعلم.

فإن قيل: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - قد دعا على قومه بالهلاك.

قيل: إنما دعا على قومه ب الهلاك بعدما أيس من إيمانهم؛ حيث قيل: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، أما رسول الله  لم يؤيسه عن إيمان قومه جملة؛ إنما يؤيسه عن بعض بطريق التعيين، وهم قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، لا عن الكف؛ فلذلك لم يؤذن بالدعاء عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يحتمل: كذبوه فيما ادعى لنفسه الرسالة.

أو كذبوه فيما دعاهم إليه بالتوحيد وتوجيه الشكر إلى الواحد القهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ ﴾ ، أي: قالوا لأتباعهم: إنه مجنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱزْدُجِرَ ﴾ ، أي: نوح -  - حيث قالوا لقومهم: لا تتبعوه، وزجروهم عنه بقولهم: إنه مجنون؛ فهذا منهم زجر لأتباعهم عن اتباعه؛ فصار لذلك نوح -  - مزدجر عن القوم، وصار القوم مزدجرين عنه.

وقال بعضهم: زجروا نوحا -  - أي: منعوه عن إظهار ما أتاهم من الآيات على رسالته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ﴾ ، أي: مغلوب بالسفه والمكابرة وأنواع الأذى؛ إذ لا يحتمل أن يكون مغلوبا بالحجج، فانتصر لعبدك عليم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ يحتمل قوله -  - ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: من فوق؛ لأن ما كان من فوقك فهو سماء؛ فيحتمل أن يكون ذلك من البحر بفوق الذي ذكر أنه بين السماء والأرض.

﴿ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ، أي: أنبعنا الماء من الأرض؛ كأنه قال: أنزلنا الماء من فوق، وأبنعنا من أسفل.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ هو حقيقة فتح السماء وإنزال الماء منها، والله -  - قادر أن يرسل الماء مما يشاء، وكيف [شاء]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ قيل: منصب.

وقال أبو عبيد: ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ ، أي: كثير سريع الانصباب؛ يقال: همر الرجل: إذا أكثر في الكلام، فأسرع.

وقال أبو عوسجة: انهمرت السماء وهمرت، اي: أمطرت؛ فأكثرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ يذكر أن الماءين جميعاً: ما أرسل من الفوق، وما أخرج من التحت - على تقدير وتدبير، لا جزافا، وهو كقوله -  -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ  ﴾ أي: على تقدير وتدبير من الله  جئت، لا على غير تقديم منه.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (فالتقى الماءان على أمر قد قدر).

وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي: قد قدر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا.

وقال بعضهم: ﴿ قَدْ قُدِرَ ﴾ أ ي: استوى الماء نصفه من عيون الأرض، ونصفه من السماء، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ ، وذكر في حرف حفصة -  ا - (وحملنا وذريته على ذات ألواح ودسر)، ذكر - هاهنا - ذات ألواح، وذكر في آية أخرى السفينة بقوله -  -: ﴿ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ  ﴾ ، ونحوه؛ فيكون ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ تفسير السفينة، ولو لم يفهم من ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ السفينة؛ إذ ذات الألواح قد ترجع إلى الأشجار وغيرها، لكن كان تفسير السفينة بما ذكرنا، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ وَدُسُرٍ ﴾ : قال أهل التأويل: الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة.

وقيل: الدسر: أضلاع السفينة.

وقيل: صدرها.

وقال الحسن: هي السفينة؛ لأنها تدسر الماء بجؤجئها.

قال أبو معاذ: واحد الدسر: دسار، وجمع الجؤجؤ: الجآجئ، وهي الصدور.

ثم في قوله: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ ﴾ ، وتسميته هذه المصنوعة: سفينة - دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله -  - لأنهم هم الذين ركبوا السفينة، ثم أخبر أنه هو الذي حملهم، وكذا الخُشُب المجتمعة لا تسمى: سفينة، إنما سميت بهذا الاسم الخاص بعد الإيجاد والصنعة الموجودة من العباد؛ دل أن الله في فعل العباد صنعا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بتقديرنا وبحفظنا.

وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ أي: حمل نوحاً -  - وأتباعه في السفينة ونجاهم من الغرق جاء ما كفروا به قومه؛ كذا قال عامة أهل التأويل: إنه أخبر لنوح -  - حين كفر به قومه فلم يؤمن به قومه.

وقال مجاهد: جزاء لمن كان كفر بالله -  - أي: الغرق جزاؤه؛ لما كفروا بالله  .

وقال أبو معاذ: وقرئ: (جزاء لمن كان كَفر) بنصب الكاف، وتأويل هذه القراءة: أي: إهلاك من أهلك من قومه؛ جزاء لما كفروا بالله -  - أو بنوح -  -.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تركنا سفينة نوح -  - بعينها مدة طويلة حتى صارت آية لأواخرهم ولمن بعدهم؛ وبه يقول قتادة؛ قال: أبقى الله -  - سفينة نحو -  - بينة للمسافرين من أرض الجزيرة حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رماداً.

والثاني: تركنا آية آثار تلك السفينة وأبناءها آية لمن بعدهم؛ لأن أنباءها قد بقيت في المتأخرين حتى عرفوا أن من نجا لم نجا؟

ومن هلك لم هلك؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ عن الأسود قال: قلت لعبد الله بن مسعود -  - ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ أو (مُذَّكر)؟

فقال: أقرأني رسول الله  مدكر بالدال.

قال أبو عبيد: وأصله في العربية: "مدتكر"، فإنه من باب الافتعال على وزن مفتعل، فثَقُل لاجتماع التاء والدال، فأدغم الحرف الأول - وهو الدال - في التاء؛ فانقلب دالا، وهو كقوله: "ادخر"، أصله: "اتدخر"، من "الدخر" لما قلنا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّدَّكِرٍ ﴾ أي: هل [من] متذكر متعظ، يتعظ بما نزل بأولئك فينزجر عن مثل صنيعهم.

[و] قال قتادة: فهل من طالب خير؛ فيعان عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب مصدقاً حقّاً، وأريد بقوله: ﴿ وَنُذُرِ ﴾ أي: رسلي.

والثاني: أليس وجدوا عذابي شديداً ونذري ما وقعت به النذارة، وهو العذاب الذي أنذروا به، والنذر على هذا التأويل المنذر به؛ كقوله -  -: ﴿ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً  ﴾ أي: موعودا، ولا وعده لا يكون مفعولا، إذ هو صفة أزلية".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ هذا يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: للحفظ، أي: صيرنا، بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه.

والثاني: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: لذكر ما نسوا من نعم الله -  - عليهم، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر.

والثالث: جائز أن يكون لرسول الله  خاصة؛ أي: يسرناه عليه حتى حفظه كله على ظهر قلب؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، أمنه عن أن ينساه، ومنَّ عليه بالتيسير.

وقوله: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ فعلى التأويل الأول - والله أعلم -: أنه وإن يسرنا القرآن للحفظ، ولكن لم ينزل للحفظ، ولكن إما أنزل ليذكر ما فيه، وللإتعاظ به؛ أي: فهل من متعظ به.

وعلى التأويل الآخر: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ خرج مخرج الأمر؛ أي: اذكروا واتعظوا بما فيه من الأنباء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سيعلمون يوم القيامة من الكذاب المتجبر أصالح أم هم؟

<div class="verse-tafsir" id="91.Q4ME2"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله