الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٣٦ من سورة القمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 42 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٦ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي : ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه ، فما التفتوا إلى ذلك ، ولا أصغوا إليه ، بل شكوا فيه وتماروا به ،
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) يقول تعالى ذكره: ولقد أنذر لوط قومه بطشتنا التي بطشناها قبل ذلك ( فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) يقول: فكذّبوا بإنذاره ما أنذرهم من ذلك شكا منهم فيه .
وقوله ( فَتَمَارَوْا ) تفاعلوا من المرية.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) لم يصدّقوه، وقوله ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ) يقول جلّ ثناؤه: ولقد راود لوطا قومه عن ضيفه الذين نـزلوا به حين أراد الله إهلاكهم ( فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) يقول: فطمسنا على أعينهم حتى صيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شقّ, فلم يبصروا ضيفه.
والعرب تقول: قد طمست الريح الأعلام: إذا دفنتها بما تسفي عليها من التراب, كما قال كعب بن زُهَير: مِـنْ كُـلّ نَصَّاخَةِ الذّفْرَى إذَا أعْتَرَقَتْ عُرْضَتهـا طـامِسُ الأعْـلام مَجْهُولُ (1) يعني بقوله ( طامِسُ الأعْلامِ ) : مندفن الأعلام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: ------------------------ الهوامش: (1) البيت : لكعب بن زهير من لاميته المشهورة " بانت سعاد " التي مدح بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد شرحناه ثلاث مرات في ( 2 : 402 ، 5 : 123 ، 9 : 157 ) من هذه الطبعة ، فراجعه في أحد هذه المواضع ، أو فيها كلها، لزيادة الفائدة .
ولقد أنذرهم يعني لوطا خوفهم بطشتنا عقوبتنا وأخذنا إياهم بالعذاب فتماروا بالنذر أي شكوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه ، وهو تفاعل من المرية .
فكذبوه واستمروا على شركهم وقبائحهم، حتى إن الملائكة الذين جاءوه بصورة أضياف حين سمع بهم قوم لوط، جاؤوهم مسرعين، يريدون إيقاع الفاحشة فيهم، لعنهم الله وقبحهم، وراودوه عنهم، فأمر الله جبريل عليه السلام، فطمس أعينهم بجناحه، وأنذرهم نبيهم بطشة الله وعقوبته { فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ }
( ولقد أنذرهم ) لوط ( بطشتنا ) أخذنا إياهم بالعقوبة ( فتماروا بالنذر ) شكوا بالإنذار وكذبوا ولم يصدقوا .
«ولقد أنذرهم» خوفهم لوط «بطشتنا» أخذتنا إياهم بالعذاب «فتماروا» تجادلوا وكذبوا «بالنذر» بإنذاره.
ولقد خوَّف لوط قومه بأس الله وعذابه، فلم يسمعوا له، بل شكُّوا في ذلك، وكذَّبوه.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بقوم لوط إلى الدمار والهلاك فقال : ( وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بالنذر .
.
) .والبطشة : المرة من البطش ، بمعنى الأخذ بعنف وقوة ، والمراد بها هنا : الإهلاك الشديد .والتمارى : تفاعل من المراء بمعنى الجدال ، والمراد به هنا : التكذيب والاستهزاء ، ولذا عدى بالباء دون فى .أى : والله لقد أنذرهم لوط - عليه السلام - وخوفهم من عذابنا الشديد الذى لا يبقى ولا يذر ، ولكنهم كذبوه واستهزءوا به ، وبتهديده وبتخويفه إياهم .
وفيه تبرئة لوط عليه السلام وبيان أنه أتى بما عليه فإنه تعالى لما رتب التعذيب على التكذيب وكان من الرحمة أن يؤخره ويقدم عليه الإنذارات البالغة بين ذلك فقال: أهلكناهم وكان قد أنذرهم من قبل، وفي قوله: ﴿ بَطْشَتَنَا ﴾ وجهان: أحدهما: المراد البطشة التي وقعت وكان يخوفهم بها، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حاصبا ﴾ فكأنه قال: إنا أرسلنا عليهم ما سبق، ذكرها للإندار بها والتخويف وثانيهما: المراد بها ما في الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى ﴾ وذلك لأن الرسل كلهم كانوا ينذرون قومهم بعذاب الآخرة كما قال تعالى: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى ﴾ وقال: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً ﴾ إلى غير ذلك، وعلى ذلك ففيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ بَطْشَتَنَا ﴾ ولم يقل: بطشنا وذلك لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ بيان لجنس بطشه، فإذا كان جنسه شديداً فكيف الكبرى منه، وأما لوط عليه السلام فذكر لهم البطشة الكبرى لئلا يكون مقصراً في التبليغ، وقوله تعالى: ﴿ فَتَمَارَوْاْ بالنذر ﴾ يدل على أن النذر هي الإنذارات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَبَشَراً مّنَّا واحدا ﴾ نصب بفعل مضمر يفسره ﴿ نَّتَّبِعُهُ ﴾ وقرئ: ﴿ أبشر منا واحد ﴾ على الابتداء.
ونتبعه خبره، والأوّل أوجه للاستفهام.
كان يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق، وسعر: ونيران، جمع سعير، فعكسوا عليه فقالوا: إن اتبعناك كنا إذن كما تقول.
وقيل: الضلال: الخطأ والبعد عن الصواب.
والسعر: الجنون.
يقال: ناقة مسعورة.
قال: كَأَنَّ بِهَا سُعْرًا إذَا الْعِيسُ هَزَّهَا ** ذَمِيلٌ وَإِرْخَاءٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعِبُ فإن قلت: كيف أنكروا أن يتبعوا بشراً منهم واحداً؟
قلت: قالوا أبشراً: إنكاراً لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر وهم الملائكة، وقالوا: ﴿ مِّنَّا ﴾ لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى، وقالوا: ﴿ واحدا ﴾ إنكاراً لأن تتبع الأمّة رجلاً واحداً.
أو أرادوا واحداً من أفنائهم ليس بأشرفهم وأفضلهم، ويدل عليه قولهم: ﴿ أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ أي أنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوّة ﴿ أَشِرٌ ﴾ بطر متكبر، حمله بطره وشطارته وطلبه التعظم علينا على ادعاء ذلك ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً ﴾ عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة ﴿ مَّنِ الكذاب الاشر ﴾ أصالح أم من كذبه.
وقرئ: ﴿ ستعلمون ﴾ بالتاء على حكاية ما قال لهم صالح مجيباً لهم.
أو هو كلام الله تعالى على سبيل الالتفات.
وقرئ: ﴿ الأشر ﴾ بضم الشين، كقولهم حدث وحدث.
وحذر وحذر، وأخوات لها.
وقرئ: ﴿ الأشر ﴾ وهو الأبلغ في الشرارة.
والأخير والأشر: أصل قولهم: هو خير منه وشر منه، وهو أصل مرفوض، وقد حكى ابن الأنباري قول العرب: هو أخير وأشر، وما أخيره وما أشره ﴿ مُرْسِلُواْ الناقة ﴾ باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا ﴿ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ امتحاناً لهم وابتلاء ﴿ فارتقبهم ﴾ فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون ﴿ واصطبر ﴾ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري ﴿ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ مقسوم بينهم: لها شرب يوم ولهم شرب يوم.
وإنما قال: بينهم، تغليباً للعقلاء ﴿ محتضر ﴾ محضور لهم أو للناقة.
وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها ﴿ صاحبهم ﴾ قدار بن سالف أحيمر ثمود ﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له، فأحدث العقر بالناقة.
وقيل فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف ﴿ صَيْحَةً واحدة ﴾ صيحة جبريل.
والهشيم؛ الشجر اليابس المتهشم المتكسر ﴿ والمحتظر ﴾ الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم.
وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار، أي ﴿ الحظيرة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ أيْ تَرْمِيهِمْ.
﴿ إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ في سَحَرٍ وهو آخِرُ اللَّيْلِ أوْ مُسَحَّرِينَ.
﴿ نِعْمَةً مِن عِنْدِنا ﴾ إنْعامًا مِنّا وهو عِلَّةٌ لِـ نَجَّيْنا.
﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ نِعْمَتَنا بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ} لوط عليه السلام {بَطْشَتَنَا} أخذتنا بالعذاب {فَتَمَارَوْاْ بالنذر} فكذبوا بالنذر متشاكين
﴿ ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ ﴾ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ بَطْشَتَنا ﴾ أخَذْتَنا الشَّدِيدَةَ بِالعَذابِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها نَفْسُ العَذابِ ﴿ فَتَمارَوْا ﴾ فَكَذَّبُوا ﴿ بِالنُّذُرِ ﴾ مُتَشاكِّينَ، فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّكْذِيبِ ولَوْلاهُ تَعَدّى بِفي.
<div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وقد ذكرناه كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ يعني: صالحاً حين أتاهم فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً يعني: خلقاً مثلنا نَتَّبِعُهُ في أمره إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يعني: إنا إذا فعلنا ذلك لَفِي خطأ وعناء.
وقال الزجاج: يعني: إنا إذا فعلنا ذلك لَفِي ضَلالٍ وجنون.
وهذا كما يقال: ناقة مسعورة إذا كان بها جنون.
ويجوز أن يكون وَسُعُرٍ جمع في معنى العذاب.
ثم قال عز وجل: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا يعني: اختص بالنبوة، والرسالة من بيننا، بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ يعني: كاذباً على الله أَشِرٌ يعني: بطرا متكبرا.
قوله عز وجل: حدّثنا سَيَعْلَمُونَ غَداً قرأ ابن عامر، وحمزة ستعلمون بالتاء على معنى المخاطبة.
يعني: أن صالحاً قال لهم ستعلمون غَداً والباقون: بالياء على معنى الخبر عنهم من الله تعالى لمحمد أنهم يعلمون غداً يعني: يوم القيامة مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ أهم، أم صالح؟
ومعناه: أنه يتبين لهم أنهم هم الكاذبون، وكان صالحاً صادقاً في مقالته.
ثم قال: إِنَّا مُرْسِلُوا يعني: نخرج لهم النَّاقَةِ وذلك حين سألوا صالحاً بأن يُخْرِجَ لَهُمْ نَاقَةً مِنَ الحجر، فدعا صالح ربه، فأوحى الله تعالى إليه أني مخرج الناقة فِتْنَةً يعني: بلية لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ يعني: انتظر هلاكهم وَاصْطَبِرْ على الإيذاء.
قوله تعالى: وَنَبِّئْهُمْ يعني: وأخبرهم أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ يوم للناقة، ويوم لأهل القرية كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ يعني: إذا كان يوم الناقة تحضر الناقة، ولا يحضرون، وإذا كان يومهم لا تحضر الناقة، وكل فريق يحضر في نوبته فَنادَوْا صاحِبَهُمْ يعني: مصدع أو قذار فَتَعاطى فَعَقَرَ يتناول الناقة بالسهم يعقرها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً يعني: صيحة جبريل- - فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قال قتادة: يعني: كرماد محترق.
وقال الزجاج: الهشيم ما يبس من الورق، وتحطم، وتكسر قرأ بعضهم: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ بنصب الظاء.
وقراءة العامة: بالكسر: فمن قرأ بالنصب فهو اسم الحظيرة، ومعناه: كهشيم المكان الذي يحضر فيه الهشيم.
ومن قرأ بالكسر: فهو صاحب الحظيرة، يعني: يجمع الحشيش في الحظيرة، لغنمه فداسته الغنم.
<div class="verse-tafsir"
مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١» : هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح.
وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟
ويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢» :
يُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.
وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.
وقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)
أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)
وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعاً فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١» ، قال ع «٢» : فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و [قول] ثمود لصالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤» : سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.
ثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:
محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١» : كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يوماً ومن لبن الناقة يوماً محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:
هو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضاً فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢» ، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و «الهشيم» : ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣» ، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضاً من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.
وقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.
وقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤» : هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥» : هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس.
وقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ.
وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: "فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" فَكَأنَّهم كَذَّبُوا الإنْذارَ الَّذِي جاءَهم بِهِ صالِحٌ، ﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا ﴾ \[قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ والَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، المَعْنى: أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا " واحِدًا"\]، قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا: هو آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحِدٌ فَلا نَكُونُ لَهُ تَبَعًا "إنّا إذًا" إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿ لَفِي ضَلالٍ ﴾ أيْ: خَطَإٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: جُنُونٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن: تَسَعَّرَتِ النّارُ: إذا التَهَبَتْ، يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ، أيْ: كَأنَّها مَجْنُونَةٌ مِنَ النَّشاطِ.
وقالَ غَيْرُهُ: لَفي شَقاءٍ وعَناءٍ لِأجْلِ ما يَلْزَمُنا مِن طاعَتِهِ.
ثُمَّ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الوَحْيُ يَأْتِيهِ فَقالُوا: "أأُلْقِيَ الذِّكْرُ؟" أيْ: أنَزَلَ الوَحْيُ "عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا؟
" أيْ: كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ؟!
﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَرِحُ المُتَكَبِّرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: البَطِرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ "غَدًا" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا صالِحًا أنْ يُظْهِرَ لَهم ناقَةً مِن صَخْرَةٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ ﴾ أيْ: مُخْرِجُوها كَما أرادُوا ﴿ فِتْنَةً لَهُمْ ﴾ أيْ: مِحْنَةً واخْتِبارًا ﴿ فارْتَقِبْهُمْ ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما هم صانِعُونَ ﴿ واصْطَبِرْ ﴾ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى، ﴿ وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، يَوْمٌ لَها ويَوْمٌ لَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَنادَوْا صاحِبَهُمْ ﴾ واسْمُهُ قُدارُ بْنُ سالِفٍ "فَتَعاطى" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ "فَعَقَرَ" أيْ: قَتَلَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [الأعْرافِ: ٧٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّتِهِمْ في [هُودٍ: ٦١] ﴿ فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً بِالشَّجَرِ والشَّوْكِ دُونَ السِّباعِ، فَما سَقَطَ مِن ذَلِكَ وداسَتْهُ الغَنَمُ، فَهو الهَشِيمُ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الهَشِيمِ" في [الكَهْفِ: ٤٥] .
وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ وتَكْسَّرَ وتَحَطَّمَ، والمَعْنى: كانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ بَعْدَ أنْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، فَهو يُجْمَعُ لِيُوقَدَ.
وقَرَأ الحَسَنُ "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظّاءِ، وهو اسْمُ الحَظِيرَةِ، والمَعْنى: كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ مِنَ الحَطَبِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحِيطانِ.
وقالَ قَتادَةُ: كالعِظامِ النَّخِرَةِ المُحْتَرِقَةِ.
والمُرادُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ: أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا حَتّى صارُوا كالشَّيْءِ المُتَحَطِّمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ ﴾ ﴿ وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾ ﴿ فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ ﴿ نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ ﴾ هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ.
"مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ: إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ إنا أرسلنا عليهم حاصباً ﴾ [القمر: 34].
وتأكيد الكلام بلام القسم وحرف التحقيق يقصد منه تأكيد الغرض الذي سيقت القصة لأجله وهو موعظة قريش الذين أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتماروا بالنذر.
والبطشة: المرَّة من البطش، وهو الأخذ بعنف لعقاب ونحوه، وتقدم في قوله: ﴿ أم لهم أيد يبطشون بها ﴾ في آخر الأعراف (195)، وهي هنا تمثيل للإِهلاك السريع مثل قوله: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى ﴾ في سورة الدخان (16).
والتماري: تفاعل من المِراء وهو الشك.
وصيغة المفاعلة للمبالغة.
وضمن تماروا } معنى: كذبوا، فعدي بالباء، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ في سورة النجم (55).
<div class="verse-tafsir"
أحَدُها: أنَّ السُّعُرَ الجُنُونُ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّانِي: العَناءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: الِافْتِراقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: التِّيهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: أنَّهُ جَمْعُ سِعْرٍ وهو وقُودُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ عِيسى.
وَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ لِعِظَمِ ما نالَهم أنْ يَتْبَعُوا رَجُلًا واحِدًا مِنهم، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا نالَهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ: أنا في النّارِ.
الثّانِي: أنَّهم لَمّا أُوعِدُوا عَلى تَكْذِيبِهِ ومُخالَفَتِهِ بِالنّارِ رَدُّوا مِثْلَ ما قِيلَ لَهم إنّا لَوِ اتَّبَعْنا رَجُلًا مِثْلَنا واحِدًا كُنّا إذًا في النّارِ.
﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأشِرَ هو العَظِيمُ الكَذِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ البَطِرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أشَرْتُمْ بِلِبْسِ الخَزِّ لَمّا لَبِسْتُمْ ومِن قَبْلُ لا تَدْرُونَ مَن فَتَحَ القُرى الثّالِثُ: أنَّهُ المُتَعَدِّي إلى مَنزِلَةٍ لا يَسْتَحِقُّها.
﴿ إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ ﴾ أمّا الِاصْطِبارُ فَهو الِافْتِعالُ مِنَ الصَّبْرِ وأصْلُ الطّاءِ تاءٌ أُبْدِلَتْ بِطاءٍ لِيَكُونَ اللَّفْظُ أسْهَلُ مَخْرَجًا ويَعْذُبُ مَسْمَعًا.
وَرَوى أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلْنا الحِجْرَ فَغَزا رَسُولُ اللَّهِ تَبُوكَ، قالَ: (أيُّها النّاسُ لا تَسْألُوا عَنْ هَذِهِ الآياتِ [هَؤُلاءِ] قَوْمُ صالِحٍ سَألُوا نَبِيَّهم أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهم آيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهم ناقَةً فَكانَتْ تَرُدُّ مِن ذَلِكَ الفَجَّ فَتَشْرَبُ ماءَهم يَوْمَ وُرُودِها ويَحْلِبُونَ مِنها مِثْلَ الَّذِي كانُوا يَشْرَبُونَ مِنها يَوْمَ غِبِّها ويَصْدُرُونَ عَنْ ذَلِكَ»، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النّاقَةَ تَحْضُرُ الماءَ يَوْمَ وُرُودِهِمْ، وتَغِيبُ عَنْهم يَوْمَ وُرُودِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّ ثَمُودَ يَحْضُرُونَ الماءَ يَوْمَ غِبِّها فَيَشْرَبُونَ، ويَحْضُرُونَ اللَّبَنَ يَوْمَ ورْدِها فَيَحْلِبُونَ.
﴿ فَنادَوْا صاحِبَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أحْمَرُ إرَمَ وشَقِيُها، قالَهُ قَتادَةُ، وقَدْ ذَكَرَهُ زُهَيْرٌ في شِعْرِهِ فَقالَ فَتَنْتُجُ لَكم غِلْمانَ أشْأمَ كُلَّهم ∗∗∗ كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَفْطِمُ الثّانِي: أنَّهُ قَدارُ بْنُ سالِفٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، وقَدْ ذَكَرَهُ الأفْوَهُ في شِعْرِهِ أوْ بَعْدَهُ كَقِدارٍ حِينَ تابَعَهُ ∗∗∗ عَلى الغاوِيَةِ أقْوامٌ فَقَدْ بادُوا ﴿ فَتَعاطى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ بَطَشَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ تَناوَلَها وأخَذَها، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ كِلْتاهُما حَلَبَ العَصِيرَ فَعاطَنِي ∗∗∗ بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمُفَصَّلِ ﴿ فَعَقَرَ ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كَمَن لَها قِدارٌ في أصْلِ شَجَرَةٍ عَلى طَرِيقِها فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ ساقِها، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاءَةً واحِدَةً تَحَدَّرَ سُقْبُها [مِن بَطْنِها وانْطَلَقَ سُقْبُها] حَتّى أتى صَخْرَةً في رَأْسِ الجَبَلِ فَرَغا ثُمَّ لاذَ بِها، فَأتاهم صالِحٌ، فَلَمّا رَأى النّاقَةَ قَدْ عَقَرُوها بَكى ثُمَّ قالَ: انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ اللَّهِ فَأبْشِرُوا بِعَذابِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ الَّذِي عَقَرَها رَجُلٌ أحْمَرُ أزْرَقُ أشْقَرُ أكْشَفُ أقْفى.
﴿ فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: يَعْنِي العِظامَ المُحْتَرِقَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ التُّرابُ الَّذِي يَتَناثَرُ مِنَ الحائِطِ وتُصِيبُهُ الرِّيحُ، فَيَحْتَظِرُ مُسْتَدِيرًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الحِظارُ البالِيَةُ مِنَ الخَشَبِ إذا صارَ هَشِيمًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أثْرَتْ عُجاجَةً كَدُخانِ نارٍ ∗∗∗ تَشِبُّ بِغَرْقَدٍ بالٍ هَشِيمِ قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حَشِيشٌ قَدْ حَظَرَتْهُ الغَنَمُ فَأكَلَتْهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا الخامِسُ: أنَّ الهَشِيمَ اليابِسَ مِنَ الشَّجَرِ الَّذِي فِيهِ شَوْكٌ والمُحْتَظِرُ الَّذِي تَحْظُرُ بِهِ العَرَبُ حَوْلَ ماشِيَتِها مِنَ السِّباعِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الشّاعِرُ ؎ تَرى جِيَفَ المَطِيِّ بِجانِبَيْهِ ∗∗∗ كَأنَّ عِظامُها خَشَبَ الهَشِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ قال: باردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: أيام شداد.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ صرصراً ﴾ قال: شديدة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ريحاً صرصراً ﴾ قال الباردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: في يوم مشؤوم على القوم مستمر استمر عليهم شره.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: النحس البلاء والشدة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: سواء عليه أي يوم أتيته ** أساعة نحس تتقي أم بأسعد وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ﴿ في يوم نحس مستمر ﴾ قال: يوم الأربعاء.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد وقال: يوم الأربعاء ﴿ يوم نحس مستمر ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوم نحس يوم الأربعاء» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام وسئل عن يوم الأربعاء قال: يوم نحس، قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟
قال: أغرق فيه الله فرعون وقومه وأهلك عاداً وثمود» .
وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أقبلت الريح قام إليها عاد فأخذ بعضهم بأيدي بعض وغمزوا أقدامهم في الأرض وقالوا: من يزيل أقدامنا عن الأرض إن كان صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح تنزع الناس ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، فكان الرجل يغمز قدمه في الأرض فتدخل فيه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل ﴾ قال: أصول نخل ﴿ منقعر ﴾ قال: منقطع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: أعجاز سود النخل.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: وقعت رؤوسهم كأمثال الأخشبة وتقوّرت أعناقهم فشبهها بأعجاز نخل منقعر.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا ﴾ قال ابن عباس: عذابنا (١) والمعنى: أَخْذَتنا إياهم بالعذاب.
﴿ فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ﴾ قال مقاتل: شكوا في العذاب أنه غير نازل بهم (٢) (٣) وقال الفراء: كذبوا بما قال لهم (٤) (٥) (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 31، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 144.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.
(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 62، و"معالم التنزيل" 4/ 263.
(٤) انظر: "معاني القرآن" 3/ 17.
(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 434.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَاصِباً ﴾ ذكر في [العنكبوت: 40].
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ذكر أنباء الأوائل وما نزل بهم بالتكذيب، والعناد، سوء معاملتهم الرسول - صلى الله عليه سلم - وهو صلة قوله: ﴿ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ تأويل الآية يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ قيل: باردة.
وقيل: شديدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ ؛ إذ استمر بهم العذاب - كما قال الله عز وجل -: ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ .
وقيل: ﴿ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ أي: ذاهب على الصغير والكبير، فلم تُبْقِ منهم أحداً إلا أهلكته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ من الناس من قال: لما اشتدت بهم الريح، تنادوا فيما بينهم: البيوت!
فدخلوها، فدخلت الريح عليهم، فأخرجتهم من بيوتهم، وألقتهم في فنائهم؛ فذلك النزع.
ومنهم من قال: تنزع مفاصلهم فتلقيهم كأعجاز نخل منقعر؛ لأنهم كانوا أطول الخلق، فذكر أن كل رجل منهم كان طوله ستين ذراعا، والنخل لا يبلغ ذلك المقدار إلا بمعد قطع المفصال؛ فجائز التشبيه بأعجاز نخل منقعر بعد انتزاع مفاصلهم، والانقعار: هو الانقلاع.
قال أبو عوسجة: ﴿ مُّنقَعِرٍ ﴾ ، أي: منقطع ساقط.
ومنهم من قال: شبههم بأعجاز النخل؛ لعظم أعجازهم.
وقال بعضهم: شبههم بأعجاز النخل؛ لطولهم، ولكن ذلك بعد نزع مفاصلهم؛ لما ذكرنا.
وفي حرف حفصة - ا -: (تنزع [الناس] على أعقابهم).
وقوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ﴾ يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: ﴿ بِٱلنُّذُرِ ﴾ أي: بالرسل التي دعتهم إلى الإيمان بالله .
والثاني: كذبت بما وقعت به النذارة التي أخبرهم الرسل: أنها نازلة واقعة بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ﴾ ، لم يزل الأكابر من الكفرة والرؤساء منهم يلبسون على أتباعهم بهذا الحرف: ﴿ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ﴾ ، وقالوا: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ﴾ \[المؤمنون: 33\]، وقوله - -: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 34\]، ونحو ذلك، وذلك تناقض [في] القول؛ لأنهم كانوا ينهون أتباعهم عن اتباع بشر مثهلم ويدعونهم إلى ابتاع آبائهم والاقتداء بهم، وهم أيضا بشر، وليس مع آبائهم حجج وبراهين، ومع الرسل حجج وآيات، فيكون تناقضا في القول ومعارضة فاسدة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ فهو يخرج على ما ذكرنا من الوجهين، وكذا قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ، قال بعضهم: السعر: الجنون؛ أي: لو اتبعنا بشرا منا، لكنا في ضلال وجنون، وهو مأخوذ من سعر النار؛ إذا التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة؛ من النشاط.
وقيل: الضلال والسعر واحد.
ويحتمل: أي: إنا إذا لفي ضلال في الدنيا، وسعر في الآخرة، والسعر: من السعير، وهو النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ فجائز أن يكون هذا القول من أهل مكة لرسول الله كقوله - - خبرا عنهم: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ ، والذكر هو القرآن، على هذا التأويل.
وجائز أن يكون ذلك من ثمود وصالح - - والقصة قصة صالح؛ فهو الأشبه بالتأويل، ولم يزل الكفرة ينكرون تفضل الرسل - عليهم السلام - على غيرهم من البشر بالرسالة، وإنزال الذكر عليهم من بينهم، ثم يرون لأنفسهم الفضل على أولئك الرسل: إما بفضل مال، أو بفضل نسب، أو رياسة، ونفاذ قول، بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع، وما ينبغي لهم ان ينكروا تفضيل الرسل بالرسالة والنبوة بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع؛ إذ هي فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴾ عن مجاهد: أنه قرأ بفتح الشين، وقرأ العامة ﴿ أَشِرٌ ﴾ بكسر الشين.
قال أبو عوسجة: وقيل: الأَشِر، والأَشَر هو البطر - كما يقال: حذر وحَذَر - وهو المرح التكبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ ﴾ قرئ بالياء والتاء؛ فمن قرأ بالياء احتج بقوله ﴿ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ ، ولم يقل "لكم"، ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب من رسول الله للكفرة، أي: ستعلمون غدا عند نزول العذاب بكم من الكذاب أنا أو أنتم؟
وهذا وعيد منه لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ ؛ لنفتنهم بها، ونمنحهم، لم نعطهم مجانا جزافا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ ﴾ أي: فارتقبهم بما يكون منهم من التكذيب للناقة والعقر لها.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْهُمْ ﴾ هو خطاب لرسوله عليه الصلاة والسلام في حق أهل مكة، كقوله ﴿ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ .
وقوله -: ﴿ وَٱصْطَبِرْ ﴾ أي: اصطبر على أذاهم، ولا تكافئهم.
أو اصبر على تبليغ الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ وفيه من الفوائد والدلائل: أحدها: أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق؛ حتى احتاجت هي إلى الماء مثل الذي احتاج إليه سائر النوق وأهلها؛ حتى قسم الماء بينها وبين سائر النوق.
وفيه: أنه لا بأس بقسمة الشرب؛ حيث ذكر في الآية قسمة الماء، وذكر في آية أخرى: ﴿ شِرْبُ يَوْمٍ ﴾ وهو قسمة بالإيام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ أي: كل شرب بحضرة من له شرب ذلك، لا يحضره غيره.
وفيه: أن تلك الناقة وإن كانت آية ومعجزة له، فكانت تعتلف وتشرب كسائر النوق التي ليست هي بآيات.
وإن كانت تخالف سائر النوق في عظمها، وقدر علقها وشربها.
ثم جعل الماء بينها وبين أولئك القوم بالقسمة، ولم يجعل العلف بينها وبينهم بالقسمة؛ لاشتراكهم جميعا في الماء - أعني: البهائم والبشر - وحاجة كل منهم إلى الماء، فلذا جعل النبات مشتركا بينها وبين سائر البهائم؛ لأن في ذلك كثرة، فلا حاجة إلى القسمة، فأما في الماء في ذلك الموضع عزة؛ لما يسقون من الآبار؛ فلذلك جعلوا الماء بالقسمة، والله أعلم.
وفيه: أن المياه إذا ضات قسمتها بالأجواء تقسم بالأيام؛ من حيث جعل لها شرب يوم معلوم، ولهم شرب يوم معلوم.
وفيه: أن الماء وإن كان عينا فيهو كالمنفعة في جواز قسمتها بالأيام.
ثم قوله: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ جائز أن يكون الخطاب لصالح - - أمره أن ينبئ قومه: أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة.
وجائز أن يكون الخطاب به لرسول الله ، أمره أن خبر قومه: أن الماء كان قسمة بينهم وبين الناقة، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ﴾ ، أضاف العقر هاهنا إلى واحد، وفي رواية أخرى أضافه إلى الجماعة، وهو قوله: ﴿ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ ﴾ ، فيكن ظاهر هذه الآيات على التناقض؛ من حيث ذكر الفرد والجماعة.
وفيه تناقض من وجه آخر؛ فإنه ذكر في آية: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ ﴾ ، ذكر الندامة، وهي خلاف العتو.
لكنا نقول: لا تناقض، لا اختلاف عند اختلاف الأحوال و الأوقات، فقوله: ﴿ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ قبل أن ينزل بهم العذاب، وقوله: ﴿ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ ﴾ إذا نزل بهم العذاب، والتناقض في وقت واحد في حال واحد، وكذلك العقر من واحد على الحقيقة، لكن إما أضافه إلى الجماعة، لأنه عقر بمعاونتهم.
أو الواحد هو الذي طعنها، ثم اجتمعوا، فعقروا جميعا، ونحو ذلك؛ فثبت أنه لا تناقض.
وقال بعضهم: ﴿ فَتَعَاطَىٰ ﴾ تناول، ﴿ فَعَقَرَ ﴾ أي: ضرب عرقوبها؛ أي: ساقها.
وقيل: العقر: قد يكون جرحا، وقد يكون قتلا.
وقوله: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ يحتمل: أي: أرسلنا عليهم العذاب قدر صيحة واحدة، يخبر عن سرعة نزول العذاب ووقعه عليهم.
ويحتمل أن يكون أرسل عليهم الصيحة، وأهلكهم، وصاروا كما ذكر من هشيم المحتظر، وهو قوله: ﴿ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ ﴾ ، قيل: الهشيم: العظام البالية.
وقيل: كالشيء المتناثر، من الحائط، وأصل الهشيم: الانكسار، أي: صاروا كالشيء المنكسر المجتمع في موضع.
وقوله : ﴿ ٱلْمُحْتَظِرِ ﴾ بكسر الظاء ونصبه، روي النصب عن الحسن.
قال أبو عبيد: بالكسر يقرأ على تأويل الإنسان المحتظر.
وقال أبو عوسجة: الهشيم: البالي من الشجر، والمحتظر: الذي يتخذ حظيرة.
وقال القتبي: الهشيم: النبت اليابس الذي ينهشم، أي: ينكسر، والمحتظر - بكسر الظاء -: صاحب الحظيرة لغنمه، وبفتح الظاء أراد: الحيطان، وهو الحظيرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ ، أي: يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من نعم الله ، وأغفلوا عنها.
أو يسرنا القرآن لذكر ما أغفلوا من الحجج والآيات ونسوها.
أو يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من الأنباء، وما نزل بمكذبي الرسل - عليهم السلام - بالتكذيب والعناد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ قد تقدم ذكره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ، قال أهل التأويل: أليس الذي أنذروا به وجدوه حقّاً.
وقال بعضهم: أليس وجدوا ما وعد لهم رسلي حقّاً.
وقد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
ولقد خوّفهم لوط عذابنا فتجادلوا بإنذاره، وكذبوه.
<div class="verse-tafsir" id="91.aal5B"