الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ١٤ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٤ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار.
وقوله: (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) يقول تعالى ذكره: خلق الله الإنسان وهو آدم من صلصال: وهو الطين اليابس الذي لم يطبخ، فإنه من يبسه له صلصلة إذا حرّك ونقر كالفخار، يعني أنه من يُبسه وإن لم يكن مطبوخا، كالذي قد طُبخ بالنار، فهو يصلصل كما يصلصل الفخار، والفخار: هو الذي قد طُبخ من الطين بالنار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عبيد الله بن يوسف الجبيريّ، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا مسلم، يعني الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) قال: هو من الطين الذي إذا مطرت السماء فيبست الأرض كأنه خزف رقاق.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: خلق الله آدم من طين لازب، واللازب: اللَّزِج الطيب من بعد حمأ مسنون مُنْتن.
قال: وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل فيصوّت، قال: فهو قول الله تعالى: ( كَالْفَخَّارِ) يقول : كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن سعيد وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: الصلصال: التراب المدقق.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: الصلصال: التراب المدقَّق.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) يقول : الطين اليابس.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) قال: الصلصال: طين خُلط برمل فكان كالفخار.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) والصلصال: التراب اليابس الذي يُسمع له صلصلة فهو كالفخار، كما قال الله عزّ وجلّ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، قال: من طين له صلصلة كان يابسا، ثم خلق الإنسان منه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد في قوله: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، قال: يبس آدم في الطين في الجنة، حتى صار كالصلصال، وهو الفخار، والحمأ المسنون: المنتن الريح.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) قال: من تراب يابس له صلصلة.
قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبيب، عن عكرِمة، عن ابن عباس (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) قال: ما عصر فخرج من بين الأصابع، ولو وجه موجه قول صلصال إلى أنه فعلال من قولهم صلّ اللحم: إذا أنتن وتغيرت ريحه، كما قيل من صرّ الباب صرصر، وكبكب من كب، كان وجها ومذهبا.
قوله تعالى : خلق الإنسان لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير من السماء والأرض ، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال : خلق الإنسان باتفاق من أهل التأويل يعني آدم .من صلصال كالفخار الصلصال الطين اليابس الذي [ ص: 147 ] يسمع له صلصلة ، شبهه بالفخار الذي طبخ .
وقيل : هو طين خلط برمل .
وقيل : هو الطين المنتن - من صل اللحم وأصل - إذا أنتن ، وقد مضى في ( الحجر ) .
وقال هنا : من صلصال كالفخار ، وقال هناك : من صلصال من حمإ مسنون ، وقال : إنا خلقناهم من طين لازب ، وقال : كمثل آدم خلقه من تراب وذلك متفق المعنى ، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض فعجنه فصار طينا ، ثم انتقل فصار كالحمإ المسنون ، ثم انتقل فصار صلصالا كالفخار .وخلق الجان من مارج من نار قال الحسن : الجان إبليس وهو أبو الجن .
وقيل : الجان واحد الجن ، والمارج اللهب ، عن ابن عباس ، وقال : خلق الله الجان من خالص النار .
وعنه أيضا من لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت .
وقال الليث : المارج الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد .
وعن ابن عباس أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر ، ونحوه عن مجاهد ، وكله متقارب المعنى .
وقيل : المارج كل أمر مرسل غير ممنوع ، ونحوه قول المبرد ، قال المبرد : المارج النار المرسلة التي لا تمنع .
وقال أبو عبيدة والحسن : المارج خلط النار ، وأصله من مرج إذا اضطرب واختلط ، ويروى أن الله تعالى خلق نارين فمرج إحداهما بالأخرى ، فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم فخلق منها إبليس .
قال القشيري والمارج في اللغة المرسل أو المختلط وهو فاعل بمعنى مفعول ، كقوله : ماء دافق وعيشة راضية والمعنى ذو مرج ، قال الجوهري في الصحاح : ومارج من نار : نار لا دخان لها خلق منها الجان .فبأي آلاء ربكما تكذبان قوله تعالى : رب المشرقين ورب المغربين أي هو رب المشرقين .
وفي ( الصافات ) ورب المشارق وقد مضى الكلام في ذلك هنالك .
وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم من آثار قدرته وبديع صنعته، أن { خَلَقَ } أبا الإنس وهو آدم عليه السلام { مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } أي: من طين مبلول، قد أحكم بله وأتقن، حتى جف، فصار له صلصلة وصوت يشبه صوت الفخار الذي طبخ على النار .
" خلق الإنسان من صلصال كالفخار ".
«خلق الإنسان» آدم «من صلصال» طين يابس يسمع له صلصلة، أي صوت إذا نقر «كالفخار» وهو ما طبخ من الطين.
خلق أبا الإنسان، وهو آدم من طين يابس كالفَخَّار، وخلق إبليس، وهو من الجن من لهب النار المختلط بعضه ببعض.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة خلق الإنسان ، وعن مظاهر قدرته فى هذا الكون ، فقال - تعالى - : ( خَلَقَ الإنسان .
.
.
) .الصلصال - الطين اليابس الذى تسمع له صوتا وصلصلة إذا قرع بشىء .والفخار : الخزف المجوف الذى صار كذلك بعد أن أدخل فى النار .ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين غيرها من الآيات التى تحكى أن الإنسان خلق من تراب أو من طين أو من صلصال من حمأ مسنون .لأن كل آية تتحدث عن مرحلة من مراحل خلق الإنسان ، لأن هذا التراب صار طينا ، ثم خمر هذا الطين فصار حمأ مسنونا ، أى : طينا أسود متغير الرائحة ، ثم يبس هذا الطين فصار صلصالا كالفخار .فالآيات الكريمة التى تحدثت عن خلق الإنسان لا يصادم بعضها بعضا ، وإنما يؤيد بعضها بعضا .قال بعض العلماء : وقد أثبت العلم الحديث أن جسم الإنسان يحتوى من العناصر ما تحتويه الأرض ، فهو يتكون من الكربون ، والأكسجين ، والحديد .وهذه نفسها هى العناصر المكونة للتراب ، وإن اختلفت نسبها من إنسان إلى آخر ، وفى الإنسان عن التراب ، إلا أن أصنافها واحدة .إلا أن هذا الذى اثبته العلم لا يجوز أن يؤخذ على أنه التفسير الحتمى للنص القرآنى .فقد تكون الحقيقة القرآنية تعنى هذا الذى أثبته العلم ، أو تعنى شيئا آخر سواه ، وتقصد إلى صورة أخرى من الصور الكثيرة التى يتحقق بها معنى خلق الإنسان من تراب ، أو من طين ، أو من صلصال .والذى ننبه إليه بشدة ، هو ضرورة عدم قصر النص القرآنى على كشف علمى بشرى ، قابل للخطأ والصواب ، وقابل للتعديل والتبديل ، كلما اتسعت معارف الإنسان ، وكثرت وتحسنت وسائله للمعرفة .والمعنى : خلق - سبحانه - بقدرته أباكم آدم الذى هو أصلكم ، وعنه تفرع جنسكم من طين يابس يشبه الفخار فى يبوسته وصلابته .
وفي الصلصال وجهان: أحدهما: هو بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن، ويكون الصلصال حينئذ من الصلول وثانيهما: من الصليل يقال: صل الحديد صليلاً إذا حدث منه صوت، وعلى هذا فهو الطين اليابس الذي يقع بعضه على بعض فيحدث فيما بينهما صوت، إذ هو الطين اللازب الحر الذي إذا التزق بالشيء ثم انفصل عنه دفعة سمع منه عند الانفصال صوت، فإن قيل: الإنسان إذا خلق من صلصال كيف ورد في القرآن أنه خلق من التراب وورد أنه خلق من الطين ومن حمأ ومن ماء مهين إلى غير ذلك نقول: أما قوله: ﴿ مّن تُرَابٍ ﴾ تارة، و ﴿ مّن مَّاء مَّهِينٍ ﴾ أخرى، فذلك باعتبار شخصين آدم خلق من الصلصال ومن حمأ وأولاده خلقوا من ماء مهين، ولولا خلق آدم لما خلق أولاده، ويجوز أن يقال: زيد خلق من حمأ بمعنى أن أصله الذي هو جده خلق منه، وأما قوله: ﴿ مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ ﴿ مّنْ حَمَإٍ ﴾ وغير ذلك فهو إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أولاً من التراب، ثم صار طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم لازباً، فكأنه خلق من هذا ومن ذاك، ومن ذلك، والفخار الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف مستعمل على أصل الاشتقاق، وهو مبالغة الفاخر كالعلام في العالم، وذلك أن التراب الذي من شأنه التفتت إذا صار بحيث يجعل ظرف الماء والمائعات ولا يتفتت ولا ينقع فكأنه يفخر على أفراد جنسه.
<div class="verse-tafsir"
عدّد الله عز وعلا آلاءه، فأراد أن يقدّم أوّل شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها: وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه: ليعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علماً بوحيه وكتبه وما خلق الإنسان من أجله، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدّماً عليه وسابقاً له، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟
﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب معلوم وتقدير سويّ ﴿ يجريان ﴾ في بروجهما ومنازلهما.
وفي ذلك منافع للناس عظيمة: منها علم السنين والحساب ﴿ والنجم ﴾ والنبات الذي لا ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول ﴿ والشجر ﴾ الذي له ساق.
وسجودهما: انقيادههما لله فيما خلقا له، وأنهما لا يمتنعان، تشبيهاً بالساجد من المكلفين في انقياده.
فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟
قلت: استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي، لما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له، فإن قلت: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟
قلت: بَكَّت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التمديد، ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدّمته، ثم ردّ الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف.
فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟
قلت: إنّ الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأنّ السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر وقيل: ﴿ عَلَّمَ القرءان (2) ﴾ جعله علامة وآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الإنسان آدم.
وعنه أيضاً: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن مجاهد النجم: نجوم السماء ﴿ والسمآء رَفَعَهَا ﴾ خلقها مرفوعة مسموكة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياه، ومتنزل أوامره ونواهيه، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه؛ ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه ﴿ وَوَضَعَ الميزان ﴾ وفي قراءة عبد الله ﴿ وخفض الميزان ﴾ .
وأراد به كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس، أي خلقه موضوعاً مخفوضاً على الأرض: حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ ﴾ لئلا تطغوا.
أو هي أن المفسرة.
وقرأ عبد الله ﴿ لا تطغوا ﴾ بغير أن، على إرادة القول ﴿ وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط ﴾ وقوّموا وزنكم بالعدل ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان ﴾ ولا تنقصوه: أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان.
وكرّر لفظ الميزان: تشديداً للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه.
وقرئ: ﴿ والسماء ﴾ بالرفع.
﴿ ولا تخسروا ﴾ بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها.
يقال: خسر الميزان يخسره ويخسره، وأمّا الفتح فعلى أن الأصل: ولا تخسروا في الميزان، فحذف الجار وأوصل الفعل.
﴿ وَضَعَهَا ﴾ خفضها مدحوّة على الماء ﴿ لِلأَنَامِ ﴾ للخلق، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة.
وعن الحسن: الإنس والجنّ، فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها ﴿ فاكهة ﴾ ضروب مما يتفكه به، و ﴿ الأكمام ﴾ كل ما يكم أي يغطى من ليفة وسعفة وكفّراة وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه.
وقيل الأكمام أوعية التمر- الواحد كِم بكسر الكاف و ﴿ العصف ﴾ ورق الزرع وقيل التبن ﴿ والريحان ﴾ الرزق وهو اللب: أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل، وما يتغذى به وهو الحب.
وقرئ: ﴿ والريحان ﴾ ، بالكسر.
ومعناه: والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام، والريحان الذي هو مطعم الناس.
وبالضم على، وذو الريحان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقيل: معناه وفيها الريحان الذي يشم، وفي مصاحف أهل الشأم: (والحب ذو العصف والريحان) أي: وخلق الحب والريحان، أو وأخص الحب والريحان.
ويجوز أن يراد: وذا الريحان، فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، والخطاب في ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عليهما.
وقوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان ﴾ [الرحمن: 31] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والأرْضَ وضَعَها ﴾ خَفَضَها مَدْحُوَّةً.
﴿ لِلأنامِ ﴾ لِلْخَلْقِ.
وقِيلَ: الأنامُ كُلُّ ذِي رُوحٍ.
﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ.
﴿ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ أوْعِيَةُ التَّمْرِ جَمْعُ كِمٍّ، أوْ كُلُّ ما يُكَمُّ أيْ يُغَطّى مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وكَفْرِيٍّ فَإنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ كالمَكْمُومِ كالجِذْعِ والجِمارِ والتَّمْرِ.
﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وسائِرِ ما يُتَغَذّى بِهِ، والعَصْفِ ورَقُ النَّباتِ اليابِسِ كالتِّينِ.
﴿ والرَّيْحانُ ﴾ يَعْنِي المَشْمُومَ، أوِ الرِّزْقَ مِن قَوْلِهِمْ: خَرَجْتُ أطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانَ» أيْ وخَلَقَ الحَبَّ والرَّيْحانَ أوْ وأخُصُّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وذا الرَّيْحانِ فَحَذَفَ المُضافَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «والرَّيْحانِ» بِالخَفْضِ ما عَدا ذَلِكَ بِالرَّفْعِ، وهو فَيْعَلانُ مِنَ الرُّوحِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ، وقِيلَ: «رَوْحانُ» فَقُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ الخِطّابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ: لِلْأنامِ وقَوْلُهُ: أيُّها الثَّقَلانِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ ﴾ تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمُواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وقِيلَ: الجِنْسُ وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِمّا ذُكِرَ، والصَّلْصالُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصَلَةٌ، وأصْلُهُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - تَرَدُّدُ الصَّوْتِ مِنَ الشَّيْءِ اليابِسِ ومِنهُ قِيلَ: صَلَّ المِسْمارُ، وقِيلَ: هو المُنْتِنُ مِنَ الطِّينِ مِن قَوْلِهِمْ: صَلِ اللَّحْمَ، وكَأنَّ أصْلَهُ صَلّالُ فَقُلِبَتْ إحْدى اللّامَيْنِ صادًا ويُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كالفَخّارِ ﴾ وهو الخَزَفُ أعْنِي ما أُحْرِقَ مِنَ الطِّينِ حَتّى تَحَجَّرَ وسُمِيَّ بِذَلِكَ لِصَوْتِهِ إذا نُقِرَ كَأنَّهُ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ مَن يُكْثِرُ التَّفاخُرَ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا ثُمَّ صَلْصالًا فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها وبَيْنَ ما نُطِقَ بِأحَدِ الآخَرِينَ <div class="verse-tafsir"
وهي سبعون وثمان آيات مدنية قوله تبارك وتعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قال كفار مكة: وَمَا الرحمن؟
أَنَسْجُدُ لِمَا تأمرنا؟
وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب.
فأنزل الله تعالى: الرَّحْمنُ فأخبر عن نفسه، وذكر صفة توحيده، فقال: الرَّحْمنُ يعني: الرحمن الذي أنكروه عَلَّمَ الْقُرْآنَ يعني: أنزل القرآن على محمد ليقرأ عليه جبريل- ، - ويعلمه، خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: الذي خلق آدم من أديم الأرض.
ويقال: خلق محمداً.
ويقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ أراد به جنس الإنسان.
يعني: جعله مخبراً، مميزاً، حتى يميز الإنسان من جميع الحيوان عَلَّمَهُ الْبَيانَ يعني: الكلام.
ويقال: يعني: الفصاحة.
ويقال: الفهم.
ثم قال: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ يعني: بحساب، ومنازل، ولا يتعدانها.
ويقال: بِحُسْبانٍ يعني: يدلان على عدد الشهور، والأوقات، ويعرف منها الحساب وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وَالنَّجْمُ كل نبات ينبسط على وجه الأرض ليس له ساق، مثل الكرم، والقرع، ونحو ذلك، وَالشَّجَرُ كل نبات له ساق يَسْجُدانِ يعني: ظلهما يسجدان لله تعالى في أول النهار، وآخره ويقال: يَسْجُدانِ يعني: يسبحان الله تعالى كما قال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ويقال: خلقهما على خلقه، فيها دليل لربوبيته، ويدل الخلق على سجوده.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ قال: نجوم السماء، وأشجار الأرض، يسجدان بكرة وعشياً.
ثم قال عز وجل: وَالسَّماءَ رَفَعَها يعني: من الأرض مسيرة خمسمائة عام وَوَضَعَ الْمِيزانَ يعني: أنزل الميزان للخلق، يوزن به، وإنما أنزل في زمان نوح- -، ولم يكن قبل ذلك ميزان أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ يعني: لكي لا تظلموا في الميزان.
ويقال: ووضع الميزان.
يعني: أنزل العدل في الأرض ألا تطغوا فى الميزان.
يعني: لكي لا تميلوا عن العدل وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ يعني: اعدلوا في الوزن وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يعني: لا تنقصوا حقوق الناس في الوزن.
ويقال: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ يعني: أقيموا اللسان بالقول، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يعني: لا تقولوا بغير حق.
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ يعني: بسط الأرض للخلق فِيها فاكِهَةٌ يعني: وخلق من الأرض، من ألوان الفاكهة، وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات النخيل الطويل، الموقرة بالطلع، ذات الخلق، وإنما العجائب في خلقه، وما يتولد منه لأنه يتولد من النخيل، من المنافع ما لا يحصى.
وقال القتبي: ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات الكوى قبل أن تتفتق، وغلاف كل شيء أكمه ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات الغلاف.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الرَّحْمَنِ وَفِي نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: سِوى آيَةٍ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ.
﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: وما الرَّحْمَنُ؟!
فَأنْكَرُوهُ وقالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقالَ تَعالى: "الرَّحْمَنُ" الَّذِي أنْكَرُوهُ هو الَّذِي "عَلَّمَ القُرْآنَ" .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا، وعَلَّمَ مُحَمَّدٌ أُمَّتَهَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: يَسَّرَ القُرْآنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فالمَعْنى: خَلَقَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
فَعَلى هَذا، في "البَيانِ" سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّطْقُ والتَّمْيِيزُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والرّابِعُ: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: [طُرُقُ] الهُدى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: الكِتابَةُ والخَطُّ، قالَهُ يَمانٌ.
والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
فَعَلى هَذا في "البَيانِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ.
والثّانِي: بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ.
والثّالِثُ اللُّغاتُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، عَلَّمَهُ بَيانَ ما كانَ وما يَكُونُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ أيْ: بِحِسابٍ ومَنازِلَ، لا يَعْدُوانِها؛ وقَدْ كَشَفْنا هَذا المَعْنى في [الأنْعامِ: ٩٦] .
قالَ الأخْفَشُ: أُضْمِرَ الخَبَرُ، وأظُنُّهُ- واللَّهُ أعْلَمُ- أرادَ: يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ لَيْسَ لَهُ ساقٌ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، واللُّغَوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّهُ نَجْمُ السَّماءِ، والمُرادُ بِهِ: جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَأمّا الشَّجَرُ: فَكُلُّ ما لَهُ ساقٌ.
قالَ الفَرّاءُ: سُجُودُهُما: أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذْ أشْرَقَتْ، ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها حَتّى يَنْكَسِرَ الفَيْءُ.
وقَدْ أشَرْتُ في [النَّحْلِ: ٤٩] إلى مَعْنى سُجُودِ ما لا يَعْقِلُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما ثُنِّيَ فِعْلُهُما عَلى لَفْظِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحْيا الحَيَوانُ وتَمْتَدَّ الأنْفاسُ، وأجْرى الرِّيحَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ، كَيْما يَتَرَوَّحُ [الخَلْقُ] .
ولَوْلا ذَلِكَ لَماتَتِ الخَلائِقُ كَرْبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ واللُّغَوِيُّونَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأنَّ المُعادَلَةَ: مُوازَنَةُ الأشْياءِ.
والثّانِي: أنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، لِيَتَناصَفَ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ في "أنْ" وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى اللّامِ؛ والمَعْنى: لِئَلّا تَطْغَوْا.
والثّانِي: أنَّها لِلتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ "لا" لِلنَّهْيِ؛ والمَعْنى: أيْ: لا تَطْغَوْا، أيْ لا تُجاوِزُوا العَدْلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أيْ: لا تَنْقُصُوا الوَزْنَ.
فَأمّا الأنامُ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُلُّ ذِي رُوحٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.
والثّالِثُ: الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ أيْ، ما يُتَفَكَّهُ [بِهِ] مِن ألْوانِ الثِّمارِ "والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ" والأكْمامُ: الأوْعِيَةُ والغُلُفُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَ هَذا في [حَم السَّجْدَةِ: ٤٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحَبُّ ﴾ يُرِيدُ: جَمِيعَ الحُبُوبِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والحَبَّ" بِنَصْبِ الباءِ "ذا العَصْفِ" بِالألِفِ "والرَّيْحانَ" بِنَصْبِ النُّونِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ إلّا ابْنَ أبِي سُرَيْجٍ، وخَلَفٌ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانِ" بِخَفْضِ النُّونِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ.
وَفِي "العَصْفِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هو ورَقُ الزَّرْعِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ، ثُمَّ يَصِيرُ إذا جَفَّ ويَبِسَ ودِيسَ تِبْنًا.
والثّانِي: أنَّ العَصْفَ: المَأْكُولُ مِنَ الحَبِّ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
وَفِي "الرَّيْحانِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: والسُّدِّيُّ.
قالَ الفَرّاءُ: الرَّيْحانُ في كَلامِ العَرَبِ: الرِّزْقُ، تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ لِلنَّمِرِ بْنِ تَوْلِبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ والثّانِي: أنَّهُ خُضْرَةُ الزَّرْعِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: فَعَلى هَذا، سُمِّيَ رَيْحانًا، لِاسْتِراحَةِ النَّفْسِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ رَيْحانُكم هَذا الَّذِي يُشَمُّ، رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "الرَّيْحانُ" ما أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الرَّيْحانِ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما [لَمْ] يُؤْكَلْ مِنَ الحَبِّ، والعَصْفُ: المَأْكُولُ مِنهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خاطَبَ اثْنَيْنِ، وإنَّما ذَكَرَ الإنْسانَ وحْدَهُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.
أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُخاطِبُ الواحِدَ بِفِعْلِ الِاثْنَيْنِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ ﴾ والثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ أُرِيدَ بِهِ: الإنْسانُ والجانُّ، فَجَرى الخِطابُ لَهُما مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وتَعْلِيمِ البَيانِ وخَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، خاطَبَ الجِنَّ والإنْسَ، قالَ: "فَبِأيِّ آلاء رَبّكُما تَكْذِبانِ " أيْ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، لِأنَّها كُلَّها مُنْعَمٌ بِها عَلَيْكم في دَلالَتِها إيّاكم عَلى وحْدانِيَّتِهِ وفي رِزْقِهِ إيّاكم ما بِهِ قِوامُكم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الآلاءُ: النِّعَمُ، واحِدُها: ألًا، مِثْلُ: قَفًا، وإلًا، مِثْلُ: مِعًى.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ فِيما قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وقالَ نافِعُ بْنُ أبِي نَعِيمٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وكُرَيْبٌ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عِنْدَ إبايَةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ أنْ يَكْتُبَ في الصُلْحِ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، والأوَّلُ أصَحُّ، وإنَّما نَزَلَتْ حِينَ قالَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ: ﴿ وَما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ ؟، وفي السِيرَةِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَهَرَ بِقِراءَتِها في المَسْجِدِ حَتّى قامَتْ إلَيْهِ أنْدِيَةُ قُرَيْشٍ فَضَرَبُوهُ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الرَحْمَنُ ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ ﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ ﴿ الشَمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ﴿ والسَماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ ﴾ ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ ﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ ﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الرَحْمَنُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِنَ الرَحْمَةِ، وهو اسْمٌ اخْتُصَّ اللهُ تَعالى بِالِاتِّصافِ بِهِ، وحَكى ابْنُ فَوْرِكِ عن قَوْمٍ أنَّهم يَجْعَلُونَ "الرَحْمَنُ" آيَةً تامَّةً، كَأنَّ التَقْدِيرَ: الرَحْمَنُ رَبُّنا، وقالَهُ الرُمّانِيُّ وأنَّ التَقْدِيرَ: اللهُ الرَحْمَنُ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما الآيَةُ "الرَحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ"، فَهو جُزْءُ آيَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: هو مَنَّ بِهِ، وعَلَّمَهُ الناسُ، وخَصَّ حُفّاظَهُ وفَهَمَتَهُ بِالفَضْلِ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "خَيْرُكم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ"،» ومِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أنَّ اللهَ تَعالى ذَكَرَ القُرْآنَ في كِتابِهِ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا ما فِيها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا ما مِنها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظَةِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذُكِرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا كُلُّها نَصَّتْ عَلى خُلُقِهِ، وقَدِ اقْتَرَنَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ السُورَةِ عَلى هَذا النَحْوِ.
و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُ، و"البَيانَ": النُطْقَ والفَهْمَ والإبانَةَ عن ذَلِكَ بِقَوْلٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وذَلِكَ هو الَّذِي فَضَّلَ الإنْسانَ مِن سائِرِ الحَيَوانِ، وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ والشَرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ، وقالَ قَتادَةُ: "الإنْسانَ" آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: "الإنْسانَ" مُحَمَّدٌ ، وهَذا التَخْصِيصُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ المَعْلُوماتِ داخِلَةٌ في البَيانِ الَّذِي عَلِمَهُ الإنْسانُ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: مِن ذَلِكَ البَيانُ وفِيهِ مُعْتَبَرُ كَوْنِ الشَمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبانٍ، فَحَذَفَ هَذا كُلَّهُ، ورَفَعَ "الشَمْسُ" بِالِابْتِداءِ، وهَذا ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِحُسْبانٍ" فَقالَ مَكِّيٌّ، والزَهْراوِيُّ، عن قَتادَةَ: هو مَصْدَرٌ كالحِسابِ في المَعْنى، كالغُفْرانِ والطُغْيانِ في الوَزْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ لَها في طُلُوعِها وغُرُوبِها وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حِساباتٌ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مالِكٍ، وقَتادَةَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَيْلُ والنَهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسَبُ شَيْئًا مِن مَقادِيرِ الزَمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفُلْكُ المُسْتَدِيرُ، شُبِّهَ بِحُسْبانِ الرَحى وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَدُورُ المِطْحَنَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسَدِّيُّ، وسُفْيانُ: "النَجْمُ": النَباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، وسُمِّيَ نَجْمًا لِأنَّهُ نَجَمٌ، أيْ: ظَهَرَ وطَلَعَ، وهو مُناسِبٌ لِلشَّجَرِ يُشَبَّه بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: النَجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَماءِ، والنِسْبَةُ الَّتِي لَها مِنَ السَماءِ هي الَّتِي لِلشَّجَرِ مِنَ الأرْضِ لِأنَّهُما في ظاهِرِهِما، وسُمِّيَ الشَجَرُ مِنَ اشْتِجارِ غُصُونِهِ وهو تَداخُلُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا السُجُودِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَجَرِ بِالظِلِّ واسْتِدارَتِهِ، وكَذَلِكَ في النَجْمِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا ما مَعْناهُ: أنَّ السُجُودَ في هَذا كُلِّهِ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَذَلُّلِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................
تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وقالَ تَعالى: "يَسْجُدانِ" وهُما جَمْعانِ، لِأنَّهُ راعى اللَفْظَةَ، لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلنَّوْعِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ألَمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الصَغِيرَةِ وهي "يَسْجُدانِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ وهَذِهِ كَذَلِكَ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الكَبِيرَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، والأُخْرى كَذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَخَفَضَ المِيزانَ"، ومَعْنى "وَضَعَ": أقَرَّ وأثْبَتُ، و"المِيزانَ": العَدْلُ فِيما قالَ الطَبَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأكْثَرُ الناسِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: إنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، وهو جُزْءٌ مِنَ المِيزانِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ العَدْلِ، ويَظْهَرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ العَدْلَ، وأنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المِيزانَ المَعْرُوفَ، وكُلُّ ما قِيلَ مُحْتَمَلٌ سائِغٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَطْغَوْا" نَهْيٌ عَنِ التَعَمُّدِ الَّذِي هو طُغْيانٌ بِالمِيزانِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ مِنَ التَحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنِ الناسِ، و"ألّا" هو بِتَقْدِيرِ: "لِئَلّا" أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"تَطْغَوْا" نُصِبَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً فَيَكُونُ "تَطْغَوْا" جُزِمَ بِالنَهْيِ، وفي مُصْحَفِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا تَطْغَوْا" بِغَيْرِ "أنْ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلا تُخْسِرُوا" مَن أخْسَرُ، أيْ: نَقَصَ وأفْسَدَ، وقالَ بِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "وَتُخْسِرُوا" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ السِينِ مَن خَسِرَ، ويُقالُ: خَسِرَ بِمَعْنى نَقَصَ وأفْسَدَ كَجَبَرَ وأجْبَرَ، وقَرَأ بِلالٌ أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ ابْنُ جِنِّيٍّ -: "تَخْسَرُوا" بِفَتْحِ التاءِ والسِينِ مِن خَسِرَ بِكَسْرِ السِينِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأنامِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هم بَنُو آدَمَ فَقَطْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هُمُ الثَقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والشَعْبِيُّ: هُمُ الحَيَوانُ كُلُّهُ.
و"الأكْمامِ" في النَخْلِ مَوْجُودَةٌ في المَوْضِعَيْنِ: فَجُمْلَةُ فُرُوعِ النَخْلَةِ في أكْمامٍ مِن لِيفِها، وطَلَعَ النَخْلُ في كُمٍّ مِن جِهَةٍ، وقالَ قَتادَةُ: أكْمامُ النَخِيلِ رِقابُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكِمُّ مِنَ النَباتِ كُلُّ ما التَفَّ عَلى شَيْءٍ وسَتَرَهُ، ومِنهُ كَمائِمُ الزَهْرِ، وبِهِ شُبِّهَ كُمُّ الثَوْبِ.
﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ، الحَبُّ ذُو العَصْفِ هو القَمْحُ والشَعِيرُ وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الحَبِّ الَّذِي لَهُ سُنْبُلٌ وأوراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، وهي العَصِيفَةُ إذا يَبِسَتْ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: تُسْقى مَذانِبَ قَدْ مالَتْ عَصِيفَتُها ∗∗∗ حُدُورُها مِن أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَصْفُ: التِبْنُ، وتَقُولُ العَرَبُ: خَرَجْنا نَتَعَصَّفُ، أيْ: يَسْتَعْجِلُونَ عَصِيفَةَ الزَرْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو البَرْهَسِمِ: "والحَبَّ" -بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "الأرْضَ"- "ذا العَصْفِ والرَيْحانِ"، إلّا أنَّ أبا البَرْهَسْمِ خَفَضَ النُونَ.
واخْتَلَفُوا في الرَيْحانِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: الرِزْقُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ وجَنَّتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ وقالَ الحَسَنُ: هو رَيْحانُكم هَذا، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ ما قامَ عَلى ساقٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: الرَيْحانُ هو كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِيحِ مِنَ النَباتِ، وفي هَذا النَوْعِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَمِنهُ الأزْهارُ والمَندَلُ والعَقاقِيرُ وغَيْرُ ذَلِكَ وقالَ الفَرّاءُ: العَصْفُ فِيما يُؤْكَلُ، والرَيْحانُ كُلُّ ما لا يُؤْكَلُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" وَهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كالأُولى، في الإعْرابِ حَسَنَةُ الِاتِّساقِ عَطْفًا عَلى "فاكِهَةٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "والحَبُّ" بِالرَفْعِ "ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" بِخَفْضِ "الرَيْحانِ" عَطْفًا عَلى "العَصْفِ"، كَأنَّ "الحَبَّ" هُما لَهُ عَلى أنَّ "العَصْفَ" مِنهُ الوَرَقُ وكُلُّ ما يُعْصَفُ بِاليَدِ والرِيحِ فَهو رِزْقُ البَهائِمِ، و"الرَيْحانُ" مِنهُ الحَبُّ وهو رِزْقُ الإنْسِ، والرَيْحانُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- لا يَدْخُلُ فِيهِ المَشْمُومُ بِتَكَلُّفٍ.
و"رَيْحانُ" هو مِن ذَواتِ الواوِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ رَيْحانُ اسْمًا وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فِعْلانِ، كاللِيّانِ وما جَرى مَجْراهُ أصْلُهُ رَوْحانُ، أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في "أشاوِي"، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِمّا شَذَّ في المُعْتَلِّ كَما شَذَّ كَيْنُونَةَ وبَيْنُونَةَ، فَأصْلُهُ رَيْوَحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدْغَمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "رَيْحانُ" فَخُفِّفَ، كَما قالُوا: مَيْتٌ ومَيِّتٌ وهَيْنٌ وهَيِّنٌ.
و"الآلاءُ": النِعَمُ، واحِدُها إلًى مِثْلُ مِعًى وأُلًى مِثْلُ نَقًى، حَكى هَذَيْنِ أبُو عُبَيْدَةَ، وألْيٌ مِثْلُ أمْنٍ، وإلْيٌ مِثْلُ حِصْنٍ، حَكى هَذَيْنِ الزَهْراوِيُّ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "رَبُّكُما" لِلْجِنِّ والإنْسِ، وساغَ ذَلِكَ ولَمْ يُصَرِّحْ لَها بِذِكْرٍ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنَّهُما قَدْ ذُكِرا في قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْأنامِ" عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ الثِقْلانِ، وإمّا عَلى أنَّ أمْرَهُما مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "خَلَقَ الإنْسانَ" و"خَلَقَ الجانَّ" فَساغَ تَقْدِيمُهُما في الضَمِيرِ اتِّساعًا.
وقالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هَذا مِن بابِ "ألْقِيا في جَهَنَّمَ"، "وَيا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ"، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: خُوطِبَ مَن يَعْقِلُ لِأنَّ المُخاطَبَةَ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ لِلْإنْسِ والجانِّ، ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا قَرَأها النَبِيُّ سَكَتَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "إنَّ جَوابَ الجِنِّ خَيْرٌ مِن سُكُوتِكُمْ، إنِّي لَمّا قَرَأتُها عَلى الجِنِّ قالُوا: لا نُكَذِّبُ بِآلاءِ رَبِّنا".» <div class="verse-tafsir"
الفاء للتفريع على ما تقدم من المنن المدمجة مع دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحقّية وَحي القرآن، ودلائل عظمة الله تعالى وحكمته باستفهام عن تعيين نعمة من نعم الله يتأتى لهم إنكارها، وهو تذييل لما قبله.
و (أيِّ) استفهام عن تعيين واحد من الجنس الذي تضاف إليه وهي هنا مستعملة في التقرير بذكر ضِدّ ما يقربه مثل قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1].
وقد بينته عند قوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ﴾ في سورة الأنعام (130)، أي لا يستطيع أحد منكم أن يجحد نعم الله.
والآلاء: النعم جمع: إلْي بكسر الهمزة وسكون اللام، وأَلْي بفتح الهمزة وسكون اللام وياء في آخره ويقال أَلْوُ بواو عوض الياء وهو النعمة.
وضمير المثنى في ربكما تكذبان } خطاب لفريقين من المخاطبين بالقرآن.
والوجه عندي أنه خطاب للمؤمنين والكافرين الذين ينقسم إليهما جنس الإِنسان المذكور في قوله: ﴿ خلق الإنسان ﴾ [الرحمن: 3] وهم المخاطبون بقوله: ﴿ ألا تطغوا في الميزان ﴾ [الرحمن: 8] الآية والمنقسم إليهما الأنام المتقدم ذكره، أي أن نعم الله على الناس لا يجحدها كافر بَلْهَ المؤمن، وكل فريق يتوجه إليه الاستفهام بالمعنى الذي يناسب حاله.
والمقصود الأصلي: التعريض بالمشركين وتوبيخهم على أن أشركوا في العبادة مع المنعِم غيرَ المنعِم، والشهادةُ عليهم بتوحيد المؤمنين، والتكذيب مستعمل في الجحود والإِنكار.
وقيل التثنية جرت على طريقة في الكلام العربي أن يخاطبوا الواحد بصيغة المثنى كقوله تعالى: ﴿ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ﴾ [ق: 24] ذكر ذلك الطبري والنسفي.
ويجوز أن تكون التثنية قائمة مقام تكرير اللفظ لتأكيد المعنى مثل: لَبيك وسعديك، ومعنى هذا أن الخطاب لواحد وهو الإنسان.
وقال جمهور المفسرين: هو خطاب للإنس والجن، وهذا بعيد لأن القرآن نزل لخطاب الناس ووعظهم ولم يأت لخطاب الجن، فلا يتعرض القرآن لخطابهم، وما ورد في القرآن من وقوع اهتداء نفر من الجن بالقرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن يحمل على أن الله كلّف الجن باتباع ما يتبين لهم في إدراكهم، وقد يُكلف الله أصنافاً بما هم أهل له دون غيرهم، كما كلّف أهل العلم بالنظر في العقائد وكما كلّفهم بالاجتهاد في الفروع ولم يكلف العامة بذلك، فما جاء في القرآن من ذكر الجن فهو في سياق الحكاية عن تصرفات الله فيهم وليس لتوجيه العمل بالشريعة.
وأما ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن وهم ساكتون فقال لهم " لقد قرأتُها على الجن ليلةَ الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿ فبأي ألاء ربكما تكذبان ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ".
قال الترمذي: هو حديث غريب وفي سنده زهير بن محمد وقد ضعفه البخاري وأحمد بن حنبل.
وهذا الحديث لو صح فليس تفسيراً لضمير التثنية لأن الجن سمعوا ذلك بعد نزوله فلا يقتضي أنهم المخاطبون به وإنما كانوا مقتدين بالذين خاطبهم الله، وقيل الخطاب للذكور والإِناث وهو بعيد.
والتكذيب مستعمل في معنى الجحد والإِنكار مجازاً لتشنيع هذا الجحد.
وتكذيب الآلاء كناية عن الإِشراك بالله في الإِلهية.
والمعنى: فبأي نعمة من نعم الله عليكم تنكرون أنها نعمة عليكم فأشركتم فيها غيره بَلْه إنكار جميع نعمه إذ تعبدون غيره دواماً.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ كُلُّها.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقُطْرُبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ فاتِحَةُ ثَلاثِ سُوَرٍ إذا جُمِعْنَ كُنَّ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: "الر" و "حم" و "ن" فَيَكُونُ مَجْمُوعُ هَذِهِ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلَّمَهُ النَّبِيَّ حَتّى أدّاهُ إلى جَمِيعِ النّاسِ.
الثّانِي: سَهَّلَ تَعَلُّمَهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ.
﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ النّاسِ وإنْ كانَ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ لِأنَّهُ بِالبَيانِ فَضُلَ عَلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَيانَ الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: المَنطِقُ والكَلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: الخَطُّ، وهو مَأْثُورٌ.
الخامِسُ: الهِدايَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
السّادِسُ: العَقْلُ لِأنَّ بَيانَ اللِّسانِ مُتَرْجِمٌ عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنْ يَكُونَ البَيانُ ما اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ: إبانَةِ ما في نَفْسِهِ ومَعْرِفَةِ ما بَيَّنَ لَهُ.
وَقَوْلٌ ثامِنٌ لِبَعْضِ أصْحابِ الخَواطِرِ: خَلَقَ الإنْسانَ جاهِلًا بِهِ، فَعَلَّمَهُ السَّبِيلَ إلَيْهِ.
﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِحِسابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْبانُ مَصْدَرُ الحِسابِ، وقِيلَ: جَمْعُهُ.
الثّانِي: مَعْنى الحُسْبانِ هَذِهِ آجالُها، فَإذا انْقَضى الأجَلُ كانَتِ القِيامَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِما الزَّمانُ لِامْتِيازِ النَّهارِ بِالشَّمْسِ واللَّيْلِ بِالقَمَرِ وَلَوِ اسْتَمَرَّ أحَدُهُما فَكانَ الزَّمانُ لَيْلًا كُلَّهُ أوْ نَهارًا كُلَّهُ لِما عُرِفَ قَدْرُ الزَّمانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: يَدُورانِ، وقِيلَ إنَّهُما يَدُورانِ في مِثْلِ قُطْبِ الرَّحى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: مَعْناهُ يَجْرِيانِ بِقَدَرٍ.
﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَجْمُ السَّماءِ، وهو مُوَحَّدٌ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ النَّجْمَ النَّباتُ الَّذِي قَدْ نَجُمَ في الأرْضِ وانْبَسَطَ فِيها، لَيْسَ لَهُ ساقٌ، والشَّجَرُ ما كانَ عَلى ساقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي سُجُودِهِما خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو سُجُودُ ظِلِّهِما، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: هو ما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ والقُدْرَةِ الَّتِي تُوجِبُ السُّجُودَ والخُضُوعَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَهُما دَوَرانُ الظِّلِّ مَعَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الرّابِعُ: أنَّ سُجُودَ النَّجْمِ أُفُولُهُ، وسُجُودَ الشَّجَرِ إمْكانُ الِاجْتِناءِ لِثِمارِها.
الخامِسُ: أنَّ سُجُودَهُما أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذا أشْرَقَتْ ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها إذا انْكَسَرَ الفَيْءُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ يَعْنِي عَلى الأرْضِ.
﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المِيزانُ ذُو اللِّسانِ لِيَتَناصَفَ بِهِ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّ المِيزانَ الحَكَمُ.
الثّالِثُ: قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّهُ العَدْلُ، ومِنهُ قَوْلِ حَسّانٍ ويَثْرِبُ تَعْلَمُ أنّا بِها إذا التَبَسَ الأمْرُ مِيزانُها ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ وفي المِيزانِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأقاوِيلِ: أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ وطُغْيانُهُ الجَوْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ مِيزانُ الأشْياءِ المَوْزُوناتِ وطُغْيانُهُ البَخْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يا مَعْشَرَ المَوالِي وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلَكَ النّاسُ قَبْلَكُمْ: المِكْيالُ والمِيزانُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحَكَمُ، وطُغْيانُهُ التَّحْرِيفُ.
﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، قالَ مُجاهِدٌ: القِسْطُ: العَدْلُ.
﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ أيْ لا تُنْقِصُوهُ بِالبَخْسِ قِيلَ: إنَّهُ المِقْدارُ: فالجَوْرُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ العَدْلُ، والتَّحْرِيفُ إنْ قِيلَ: الحُكْمُ.
وَفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: أنَّهُ مِيزانُ حَسَناتِكم يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ أيْ بَسَطَها ووَطَّأها لِلْأنامِ لِيَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ويَقْتاتُوا مِنها.
وَفي الأنامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَراءِ في رَسُولِ اللَّهِ مُبارَكُ الوَجْهِ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِهِ ∗∗∗ ما في الأنامِ لَهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ الثّانِي: أنَّ الأنامَ الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأنامَ جَمِيعُ الخَلْقِ مِن كُلِّ ذِي رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَنامُ، قالَ الشّاعِرُ جادَ الإلَهُ أبا الوَلِيدِ ورَهْطَهُ ∗∗∗ رَبُّ الأنامِ وخَصَّهُ بِسَلامٍ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذاتَ الأكْمامِ النَّخْلُ، وأكْمامُها لِيفُها الَّذِي في أعْناقِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ رَقَبَةُ النَّخْلِ الَّتِي تُكَمَّمُ فِيهِ طَلْعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وذاتُ أثارَةٍ أكَلْتُ عَلَيْها ∗∗∗ نَباتًا في أكْمِتَةِ قِفارُ الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّلْعُ المُكَمَّمُ الَّذِي هو كِمامُ الثَّمَرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ مَعْنى ذاتِ الأكْمامِ أيْ ذَواتِ فُضُولٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ ﴾ أمّا الحَبُّ فَهو كُلُّ حَبٍّ خَرَجَ مِن أكْمامِها كالبُرِّ والشَّعِيرِ.
وَأمّا العَصْفُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الزَّرْعُ إذا اصْفَرَّ ويَبِسَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ حَبُّ المَأْكُولِ مِنهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ وأمّا الرِّيحانُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ أيْ رِزْقَهُ، ويُقالُ سُبْحانَكَ ورَيْحانَكَ أيْ رِزْقَكَ، وقالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ ورِخْيَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ قالَهُ الضَّحّاكُ، ورُخْيَتُهُ هي لُغَةُ حِمْيَرٍ.
الثّانِي: أنَّ الرَّيْحانَ الزَّرْعُ الأخْضَرُ الَّذِي لَمْ يُسَنْبَلْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الرَّيْحانُ الَّذِي يُشَمُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ العَصْفَ الوَرَقُ الَّذِي لا يُؤْكَلُ والرَّيْحانُ هو الحَبُّ المَأْكُولُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ في الآلاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النِّعَمُ، وتَقْدِيرُهُ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ كامِلٌ يَجْمَعُ الآلاءَ الفَتى ∗∗∗ بِيَدَيْهِ سَيِّدُ السّاداتِ خَصْمٌ الثّانِي: أنَّها القُدْرَةُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ فَبِأيِّ قُدْرَةِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والكَلْبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ رَبِّكُما إشارَةٌ إلى الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وَقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: (ما لِي أراكم سُكُوتًا؟
!
الجِنُّ أحْسَنُ مِنكم رَدًّا، كُنْتُ كُلَّما قَرَأْتُ عَلَيْهِمِ الآيَةَ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبِّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ» .
وتِكْرارُها في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَقْرِيرِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها، فَقَرَّرَهم عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ مِنها، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ وهَبْتُ إلَيْكَ مالًا؟
أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ بَنَيْتُ لَكَ دارًا، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلِ بْنِ رَبِيعَةَ يَرْثِي أخاهُ كُلَيْبًا ؎ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ∗∗∗ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ <div class="verse-tafsir"
أخرج النحاس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الرحمن بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: أنزل بمكة سورة الرحمن.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت سورة الرحمن بمكة.
وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الرحمن بالمدينة.
وأخرج أحمد وابن مردويه بسند حسن عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ .
وأخرج الترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: ما لي أراكم سكوتاً لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» .
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والخطيب في تاريخه بسند صحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فسكتوا فقال: ما لي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم؟
ما أتيت على قول الله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ الا قالوا: «لا شيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عليّ: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن» .
وأخرج البيهقي عن فاطمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قارئ الحديد و ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ والرحمن يدعى في ملكوت السموات والأرض ساكن الفردوس» .
وأخرج أحمد عن ابن زيد رضي الله عنه قال: كان أول مفصل ابن مسعود الرحمن.
وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني قد قرأت المفصل في ركعة، فقال: أهذا كهذا الشعر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر سورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت وإن في ركعة، وعم والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة.
وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع ركعات، فلما أسنّ وثقل أوتر بسبع فصلى ركعتين وهو جالس فقرأ فيهما الرحمن والواقعة.
وأخرج ابن حبان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية، فجلس إليّ رهط، فقلت لرجل: اقرأ عليّ، فإذا هو يقرأ حروفاً لا أقرؤها، فقلت: من أقرأك؟
قال: اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا حتى وقفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: اختلفنا في قراءتنا فإذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تغيير ووجد في نفسه حين ذكر الاختلاف، فقال: «إنما هلك من قبلكم بالاختلاف» .
فأمر علياً فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، فإنما هلك من قبلكم بالاختلاف، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفاً لا يقرؤه صاحبه.
قوله تعالى: ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ الآيات.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ خلق الإِنسان علمه البيان ﴾ قال: آدم ﴿ علمه البيان ﴾ قال: بين له سبيل الهدى وسبيل الضلالة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ قال: نعمة الله عظيمة ﴿ خلق الإِنسان ﴾ قال: آدم ﴿ علمه البيان ﴾ قال: علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك عليه، ولله الحجة على عباده وفي قوله: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ إلى أجل بحساب.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: بحساب ومنازل يرسلان.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: عليهما حساب وأجل كأجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: يجريان بحساب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: بقدر يجريان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر ﴾ قال: يدوران في مثل قطب الرحى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي رزين والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم ما انبسط على الأرض والشجر ما كان على ساق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي رزين في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم ما ذهب فرشاً على الأرض ليس له ساق، والشجر ما كان له ساق ﴿ يسجدان ﴾ قال: ظلهما سجودهما.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ ما النجم؟
قال: ما أنجمت الأرض مما لا يقوم على ساق فإذا قام على ساق، فهي شجرة.
قال صفوان بن أسد التميمي: لقد أنجم القاع الكبير عضاته ** وتم به حيّا تميم ووائل وقال زهير بن أبي سلمى: مكلل بأصول النجم تنسجه ** ريح الجنوب كضاحي ما به حبك وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم نجم السماء، والشجر الشجرة يسجد بكرة وعشية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ووضع الميزان ﴾ قال: العدل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا تطغوا في الميزان ﴾ قال: اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك وَأَوْفِ كما تحب أن يُوفَى لك، فإن العدل يصلح الناس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يزن قد أرجح، فقال: أقم اللسان كما قال الله: ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قال: اللسان.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للناس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للخلق.
وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وضعها للأنام ﴾ قال: الأنام الخلق، وهم ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت لبيداً وهو يقول: فإن تسألينا ممن نحن فإننا ** عصافير من هذا الأنام المسخر وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وضعها للأنام ﴾ قال: كل شيء فيه روح.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: كل شيء يدب على الأرض.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للخلق الجن والإِنس.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنخل ذات الأكمام ﴾ قال: أوعية الطلع.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: ورق الحنطة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: الحب الحنطة والشعير، والعصف القشر الذي يكون على الحب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: التبن ﴿ والريحان ﴾ قال: خضرة الزرع.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: العصف ورق الزرع إذا يبس، والريحان ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: العصف الزرع أول ما يخرج بقلاً، والريحان حين يستوي على سوقه ولم يسنبل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كل ريحان في القرآن فهو الرزق.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: العصف أول ما ينبت.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ والريحان ﴾ قال: الرزق.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ والريحان ﴾ قال: الرزق والطعام.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ والريحان ﴾ قال: الرياحين التي يوجد ريحها.
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ والريحان ﴾ قال: ريحانكم هذا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ قال: بأيّ نعمة الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ يعني الجن والإِنس، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحجر (١) قال أبو إسحاق: اختلفت الألفاظ فيما بدأ منه خلق آدم فقيل في موضع: ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ ، وفي آخر ﴿ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴾ ، وفي آخر ﴿ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ، وفي آخر من صلصال، وهذه الألفاظ راجعة في المعنى إلى أصل واحد، وهو التراب الذي هو أصل الطين، أعلم الله -عز وجل- أنه خلق آدم من تراب جعل طينًا، ثم انتقل فصار كالحمأ المسنون، تم انتقل فصار صلصالًا كالفخار (٢) (٣) (٤) (١) عند تفسيره الآية (26) من سورة الحجر.
والصلصال من الطين ما لم يجعل خزفاً، سمي به لتصلصله.
والصلصال الطين اليابس الذي لم تصبه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذٍ فخار.
"اللسان" 2/ 467 (صلل).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 98.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.
(٤) انظر: "الوسيط" 4/ 22، و"فتح القدير" 5/ 133.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ الآلاء هي: النعم.
واحدها إلى على وزن مِعْي.
وقيل: ألى على وزن قضى.
وقيل: أَلَيْ على وزن أمد أو على وزن حصر، والخطاب للقلين الإنس والجن بدليل قوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان ﴾ [الرحمن: 31].
روي أن هذه الآية لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت أصحابه فقال: جواب الجن خير من سكوتكم.
إني لما قرأتها على الجن قالوا: لا نكذب بشيء من آلاء ربنا وكرر هذه الآية تأكيداً ومبالغة وقيل: إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبله فليس بتأكيد، لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرات.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ قد عرفت العرب وعلمت أن "الرحمن" على ميزان "فعلان"، ومشتق من الرحمة، لكن أحخدا من الخلائق لا يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسيمته به: رحمانا؛ لذلك خص الله نفسه بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقّاً من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: رحيما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك - علم القرآن رسولنا .
ثم يخرج ذلك على وجوه: أحدها: أنه جبريل - - حيث قال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ لكن خرجت الإضافة إلى الله ؛ لما أنه علمه بأمره.
والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه، لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ينساه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل - - لأنه هو الخالق لفعل التعليم من جبريل، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: آدم ، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الأسماء التي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ﴾ ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: خلق كل إنسان وعلمه البيان: أي: علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي؛ ليعلم أنه لم يخلق الإنسان ليتركه سدى.
ويحتمل: علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا - باللون والطعم واللذة - طعم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته؛ استدلالا بما شاهدوا.
ويحتمل: الاستدلال بالشاهد على معرفة الله ، وهو أنهم لما شاهدوا الإنسان محتاجا، عاجزا، محاطا بالحوائج والحوادث عرفوا أن له خالقا عالما قادرا أنشأه كذلك.
ويحتمل: ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول الله : أنه علمه القرآن، وعلمه البيان، [و]هو بيان القرآن؛ حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إيه، وما لهم وما عليهم.
وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي ، وهو قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، وبعضه إلى آدم - - وهو قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ ، وتفسيره ماذكرناه.
وقال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ آدم، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ بيان الدنيا والآخرة.
وجاز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان علم القرآن، وعلمه البيان أي: علم شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع، ونحو ذلك.
وقال القتبي: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الكلام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل بوجهين: أحدهما: أي: يحسب بهما عدد الأوقات والأزمنة، ويعرف بهما حساب ذلك.
والثاني: يحسب بهما حساب منازلهما التي يطلعان منها ويبغيان فيها، ومجاريهما [التي]، يجريان فيها لا يجاوزانها في شتاء ولا صيف.
وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ جميع الحساب.
وقال القتبي: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب ومنازل لا يعدوانها.
وفيه زيادة معنى: أن الله جعلهما بحيث يعرف بهما حقيقة أعين الأشياء؛ لما جعل فيهما من النور والضياء الذي بهما تتجلى للخلق الأشياء المستورة، فيقال لمنكري الرسالة وتفصيل بمعض البشر على بعض: لما شاهدتم أشياء خصت بفضل ضياء وتجلِّ لم يكن ذلك لغيرها، فلم أنكرتم فضل بعض البشر بفضل بيان وعلم رسالة؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ النجم يحتمل وجهين: أحدهما: الكواكب، فإن كان هو المراد، فكأنه يقول: يسجد له ما به زينة السماء وما به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار.
ويحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق؛ كأنه يقول: يسجد له كل ما يظهر من الأرض ويخرج، ما ارتفع وعلا، وما لم يرتفع.
ثم سجودهما يحتمل وجوها: أحدها: سجود خلقه؛ قد جعل الله في خلقه كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.
والثاني: سجود هذه الأشياء الموا،: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله : ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ .
والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
وقال بعضه الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله : ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ ؟
ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر سجود الموات وطاعتها؛ لأنها موات ليست بأهل السجود، وإنما سجودهما عن اضطرار كل مخلوق في معناه في الدلالة على السجود، وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود من هو من أهل السجود، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أراد حقيقة الرفع، أي: رفعها بغير عمد من الأسفل، ولا تعليق من الأعلى، أي: أنشأها كذلك مرفوعة، لا أ ن كانت موضوعة فرفعها وأمسكها كذلك؛ ليلعم أن قدرته خلاف قدرة الخلق وقوتهم.
والثاني: ﴿ رَفَعَهَا ﴾ أي: رفع قدرها ومنزلتها في قلوب الخلق حتى يرفعوا أيديهم وأبصارهم إليها عند الحاجة؛ لما جعل فيها لهم من الأرزاق والبركات التي تنزل من السماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل حقيقة الميزان الذي يزن الناس به الأشياء، وبه يتحقق الإبقاء الاستيفاء، امتحنهم بذلك؛ ليعرفوا بذلك قبح التقصير فيما أمروا به والمجاوزة عما نهوا عنه، وذلك يحتمل في الأحكام، والشرائع والتوحيد، وصرف الألوهية والعبادة إلى غير الذي يستحقه؛ ليعلموا التقصر في ذلك، والله أعلم.
ويحتمل المراد بالميزان: الأحكام التي وضعت بين الخلق، والشرائع التي جعلت عليهم؛ ليقوموا بوفائها وينتهوا عن التقصير فيها، والتعدي عن حدودها.
وقيل: الميزان: العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وذكر أن الموازين ثلاثة: أحدها: العقول، وهي التي يعرف بها محاسن الأشياء ومساوئها، وقبح الأشياء وحسنها.
والثاني: الميزان الذي جعل بين الخلق لإبقاء الحقوق والاستيفاء.
والثالث: الذي جعل في الآخرة؛ ليوفى به ثواب الأعمال وجزاؤها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ ﴾ أي: لا تنقصوا في الميزان.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ ﴾ أمر بإقامة الوزن والإتمام في الوزن؛ أَمْر بالإتمام، ونهي عن النقصان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهاهنا جمع بينهما صريحا؛ تأكيد لباب الوزن والميزان.
ويحتمل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.
وعن قتادة: كان ابن عباس - - يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين هلك الناس بهما قبلكم، هما: المكيال والميزان.
وقال مجاهد في قوله : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ في الميزان باللسان؛ أي: لسان الميزان.
وقيل: لابن عمر - ما -: إن أهل المدينة لا يوفون الكيل، قال: وما يمنعهم، وقد قال الله : ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ .
قال بعضهم: الأنام: هو كل ذي روح.
وقال بعضهم: الأنام: هو مع الخلق.
ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، [و] وضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ يذكرهم نعمه التي أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها زرقا لهم وقوتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ أي: ذات الغلق والأغطية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ﴾ برفع النون وكسرها؛ فمن كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب الثمار، والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق.
ومن رفعها فعلى الابتداء؛ غطفا على الحب.
واختلفوا في تفسير العصف والريحان: منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما.
وقيل: هو التبن.
وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع.
وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ الحب وما يخرج.
وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع.
وقيل: هو الذي يشتم.
وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عباس - ما -: الريحان: هو الحب.
وقال القتبي: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان الله، أي رزقه، و الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا؛ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ ﴾ .
وقيلأ: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل أنسي وجني في نفسه؛ كقوله : ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ ﴾ ٍ، ليس أن قال الفريقان جيمعا: كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها، فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أ؛سن مردودا منكم، كلما قرأت عليهم ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ قالوا: لا شيء من آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد".
ثم فيما ذكر من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ...
﴾ إلى آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته.
أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم.
وأما بيان قدرته وسلطانه: [فإنه] أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خراج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك الأولاك في البطون، والفراخ في البيض، وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر والأكمام من وراء الحجب، وأمسكها فيها في حال ضفعها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه.
وفيه إثبات البعث من وجهين: أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق.
والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما.
وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعهم، ثم بتركهم سدى لا يستأدي شكر ما أنعم عليهم.
ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم؛ لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن الله ذلك؛ فيكون فيه إثبات الرسالة.
ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء.
ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منايع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد - دليل على وحدانيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد، على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
خلق آدم من طين يابس تسمع له صلصلة، مثل الطين المطبوخ.
<div class="verse-tafsir" id="91.7pZzG"