الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ١٣ من سورة الرحمن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أي : فبأي الآلاء - يا معشر الثقلين ، من الإنس والجن - تكذبان ؟
قاله مجاهد ، وغير واحد .
ويدل عليه السياق بعده ، أي : النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها ، لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها ، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون : " اللهم ، ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ، فلك الحمد " .
وكان ابن عباس يقول : " لا بأيها يا رب " .
أي : لا نكذب بشيء منها .
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر ، والمشركون يستمعون ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) .
القول في تأويل قوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) يعني تعالى ذكره بقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): فبأيّ نِعَم ربكما معشر الجنّ والإنس من هذه النعم تكذّبان.
كما حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سهل السراج، عن الحسن (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): فبأيّ نعمة ربكما تكذّبان.
قال عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قال: لا بأيتها يا ربّ.
حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك النضري، قالا ثنا يحيى بن سليمان الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قرأ سورة الرحمن، أو قُرئت عنده، فقال " ما لِيَ أسْمَعُ الجنّ أحْسَنَ جَوَابا لِرَبِّها مِنْكُمْ ؟
" قالوا: ماذا يا رسول الله ؟
قال: " ما أتَيْتُ على قَوْلِ اللهِ: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ؟
إلا قالت الجنّ: لا بِشَيْءٍ مِنْ نِعْمَةِ رَبِّنا نُكَذّبُ ." حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) يقول: فبأيّ نعمة الله تكذّبان.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) يقول للجنّ والإنس: بأيّ نِعم الله تكذّبان.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش وغيره، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قال: لا بأيتها ربنا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قال: الآلاء: القدرة، فبأيّ آلائه تكذّب خلقكم كذا وكذا، فبأيّ قُدرة الله تكذّبان أيها الثَّقَلان، الجنّ والإنس.
فإن قال: لنا قائل: وكيف قيل: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) فخاطب اثنين، وإنما ذكر في أول الكلام واحد، وهو الإنسان؟
قيل: عاد بالخطاب في قوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) إلى الإنسان والجانّ، ويدلّ على أن ذلك كذلك ما بعد هذا من الكلام، وهو قوله: ( خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ).
وقد قيل: إنما جعل الكلام خطابا لاثنين، وقد ابتدئ الخبر عن واحد، لما قد جرى من فعل العرب تفعل ذلك، وهو أن يخاطبوا الواحد بفعل الاثنين، فيقولون: خلياها يا غلام، وما أشبه ذلك، مما قد بيَّناه من كتابنا هذا في غير موضع.
فبأي آلاء ربكما تكذبان خطاب للإنس والجن ، لأن الأنام واقع عليهما .
وهذا قول الجمهور ، يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة ، وخرجه الترمذي [ ص: 145 ] وفيه : للجن أحسن منكم ردا .
وقيل : لما قال : خلق الإنسان وخلق الجان دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .
وأيضا قال : سنفرغ لكم أيها الثقلان وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : يا معشر الجن والإنس .
وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر ، كقوله تعالى : حتى توارت بالحجاب .
وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن ، والقرآن كالسورة الواحدة ، فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .
وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية ، حسب ما تقدم من القول في ألقيا في جهنم .
وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] :قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ]خليلي مرا بي على [ أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد خلق الإنسان وخلق الجان فإنه خطاب للإنس والجن ، والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : والأرض وضعها للأنام والآلاء : النعم ، وهو قول جميع المفسرين ، واحدها إلى وألى مثل معى وعصا ، وإلي وألي ؛ أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد آناء الليل ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام ، وقد مضى في ( الأعراف ) و ( النجم ) .
وقال ابن زيد : إنها القدرة ، وتقدير الكلام : فبأي قدرة ربكما تكذبان ، وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي ، وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن ، والعلم إمام الجند والجند تتبعه ، وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة ، فقال : الرحمن علم القرآن فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : الرحمن علم القرآن ثم ذكر الإنسان فقال : خلق الإنسان ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به ، ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر ، وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل ، ووضع الأرض للأنام ، فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك ، فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه ، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم ، فقال سائلا لهم : فبأي آلاء ربكما تكذبان أي بأي قدرة ربكما تكذبان ، [ ص: 146 ] فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه ، فذلك تكذيبهم .
ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال ، وذكر خلق الجان من مارج من نار ، ثم سألهم فقال :فبأي آلاء ربكما تكذبان أي بأي قدرة ربكما تكذبان ، فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة ، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير ، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .
وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه ، وذكر خلقه آلاءه ، ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها ، كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ؛ أفتنكر هذا ؟
!
ألم تكن خاملا فعززتك ؛ أفتنكر هذا ؟
!
ألم تكن صرورة فحججت بك ؛ أفتنكر هذا !
؟
ألم تكن راجلا فحملتك ؛ أفتنكر هذا ؟
!
والتكرير حسن في مثل هذا .
قال :كم نعمة كانت لكم كم كم وكموقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة ، وتأكيدا للحجة .
ولما ذكر جملة كثيرة من نعمه التي تشاهد بالأبصار والبصائر، وكان الخطاب للثقلين، الإنس والجن، قررهم تعالى بنعمه، فقال: { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟وما أحسن جواب الجن حين تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة، فما مر بقوله: { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } إلا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد، فهذا الذي ينبغي للعبد إذا تليت عليه نعم الله وآلاؤه، أن يقر بها ويشكر، ويحمد الله عليها.
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أيها الثقلان ، يريد من هذه الأشياء المذكورة .
وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع ، يعدد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها ، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟
ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا ؟
ألم تك خاملا ؟
فعززتك أفتنكر هذا ؟
ومثل هذا التكرار شائع في كلام العرب حسن تقريرا .
وقيل : خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب تخاطب الواحد بلفظ التثنية كقوله تعالى : " ألقيا في جهنم " ( ق - 24 ) .
وروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله : قرأ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة الرحمن حتى ختمها ، ثم قال : " ما لي أراكم سكوتا ، للجن [ كانوا ] أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة " فبأي آلاء ربكما تكذبان " إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد " .
(فبأي آلاء) نعم (ربكما) أيها الإنس والجن (تكذبان) ذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير لما روي الحاكم عن جابر قال: "" قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: مالي أراكم سكوتا، لَلْجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد "".
فبأي نِعَم ربكما الدينية والدنيوية- يا معشر الجن والإنس- تكذِّبان؟
وما أحسن جواب الجن حين تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة، فكلما مر بهذه الآية، قالوا: "ولا بشيء من آلائك ربَّنا نكذب، فلك الحمد"، وهكذا ينبغي للعبد إذا تليت عليه نعم الله وآلاؤه، أن يُقرَّ بها، ويشكر الله ويحمده عليها.
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله : ( فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .والفاء للتفريع على النعم المتعددة التى سبق ذكرها ، والاستفهام للتعجيب ممن يكذب بهذه النعم ، والآلاء : جمع إِلْى - بكسر الهمزة وفتحها وسكون اللام - وهى النعمة ، والخطاب للمكلفين من الجن والإنس ، وقيل لأفراد الإنس مؤمنهم وكافرهم ، أى : فبأى واحدة من هذه النعم تكذبان ربكما ، أى : تجحدان فضله ومننه - يا معشر الجن والإنس - مع أن كل نعمة من هذه النعم تستحق منكم الطاعة لى ، والخضوع لعزتى والإخلاص فى عبادتى .قال الجمل ما ملخصه : كررت هذه الآية هنا إحدى وثلاثين مرة تقريرا للنعمة ، وتأكيدا للتذكير بها ، وذلك كقول الرجل لمن أحسن إليه ، وهو ينكر هذا الإحسان : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ، أفتنكر هذا؟
ألم تكن عريانا فكسوتك ، أفتنكر هذا .
.
.
؟ومثل هذا الكلام شائع فى كلام العرب ، وذلك أن الله - تعالى - عدد على عباده نعمه ، ثم خاطبهم بقوله : ( فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .وقد كرر - سبحانه - هذه الآية ثمانى مرات ، عقب آيات فيها تعداد عجائب خلقه ، ومبدأ هذا الخلق ونهايته ، ثم كررها سبع مرات عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم .
.
.
ثم كررها - أيضا - ثمانى مرات فى وصف الجنتين وأهلهما ، بعدد أبواب الجنة ، وكررها كذلك ثمانى مرات فى الجنتين التين هما دون الجنتين السابقتين ، فمن اعتقد الثمانية الأولى ، وعمل بموجبها ، استحق هاتين الثمانيتين من الله - تعالى - ، ووقاه السبعة السابقة بفضله وكرمه .
.
.
وفيه مباحث: الأول: الخطاب مع من؟
نقول: فيه وجوه: الأول: الإنس والجن وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقال: الأنام اسم للجن والإنس وقد سبق ذكره، فعاد الضمير إلى ما في الأنام من الجنس ثانيها: الأنام اسم الإنسان والجان لما كان منوياً وظهر من بعد بقوله: ﴿ وَخَلَقَ الجان ﴾ جاز عود الضمير إليه، وكيف لا وقد جاز عود الضمير إلى المنوي، وإن لم يذكر منه شيء، تقول: لا أدري أيهما خير من زيد وعمرو ثالثها: أن يكون المخاطب في النية لا في اللفظ كأنه قال فبأي آلاء ربكما تكذبان أيها الثقلان الثاني: الذكر والأنثى.
فعاد الضمير إليهما والخطاب معهما الثالث: فبأي آلاء ربك تكذب، فبأي آلاء ربك تكذب، بلفظ واحد والمراد التكرار للتأكيد الرابع: المراد العموم، لكن العام يدخل فيه قسمان بهما ينحصر الكل ولا يبقى شيء من العام خارجاً عنه فإنك إذا قلت: إنه تعالى خلق من يعقل ومن لا يعقل، أو قلت: الله يعلم ما ظهر وما لم يظهر إلى غير ذلك من التقاسيم الحاصرة يلزم التعميم، فكأنه قال: يا أيها القسمان: ﴿ فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ واعلم أن التقسيم الحاصر لا يخرج عن أمرين أصلاً ولا يحصل الحصر إلا بهما، فإن زاد فهناك قسمان قد طوى أحدهما في الآخر، مثاله إذا قلت: اللون إما سواد وإما بياض، وإما حمرة وإما صفرة وإما غيرها فكأنك قلت: اللون إما أسود وإما ليس بسواد أو إما بياض وإما ليس ببياض، ثم الذي ليس ببياض إما حمرة وإما ليس بحمرة وكذلك إلى جملة التقسيمات، فأشار إلى القسمين الحاصرين على أن ليس لأحد ولا لشيء أن ينكر نعم الله الخامس: التكذيب قد يكون بالقلب دون اللسان، كما في المنافقين، وقد يكون باللسان دون القلب كما في المعاندين وقد يكون بهما جميعاً، فالكذب لا يخرج عن أن يكون باللسان أو بالقلب فكأنه تعالى قال: يا أيها القلب واللسان فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن النعم بلغت حداً لا يمكن المعاند أن يستمر على تكذيبها.
السادس: المكذب مكذب بالرسول والدلائل السمعية التي بالقرآن ومكذب بالعقل والبراهين والتي في الآفاق والأنفس فكأنه تعالى قال: يا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان، وقد ظهرت آيات الرسالة فإن الرحمن علم القرآن، وآيات الوحدانية فإنه تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان، ورفع السماء ووضع الأرض السابع: المكذب قد يكون مكذباً بالفعل وقد يكون التكذيب منه غير واقع بعد لكنه متوقع فالله تعالى قال: يا أيها المكذب تكذب وتتلبس بالكذب، ويختلج في صدرك أنك تكذب، ﴿ فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ ، وهذه الوجوه قريبة بعضها من بعض والظاهر منها الثقلان، لذكرهما في الآيات من هذه السورة بقوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان ﴾ ، وبقوله: ﴿ يامعشر الجن والإنس ﴾ وبقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ إلى غير ذلك، (والزوجان) لوروده في القرآن كثير والتعميم بإرادة نوعين حاصرين للجميع، ويمكن أن يقال: التعميم أولى لأن المراد لو كان الإنس والجن اللذان خاطبهما بقوله: ﴿ فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ ما كان يقول بعد خلق الإنسان، بل كان يخاطب ويقول: خلقناك يا أيها الإنسان من صلصال وخلقناك يا أيها الجان أو يقول: خلقك يا أيها الإنسان لأن الكلام صار خطاباً معهما، ولما قال الإنسان، دل على أن المخاطب غيره وهو العموم فيصير كأنه قال: يا أيها الخلق والسامعون إنا خلقنا الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقنا الجان من مارج من نار.
وسيأتي باقي البيان في مواضع من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى الثاني: ما الحكمة في الخطاب ولم يسبق ذكر مخاطب، نقول: هو من باب الالتفات إذ مبنى افتتاح السورة على الخطاب مع كل من يسمع، فكأنه لما قال: ﴿ ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ﴾ قال: اسمعوا أيها السامعون، والخطاب للتقريع والزجر كأنه تعالى نبه الغافل المكذب على أنه يفرض نفسه كالواقف بين يدي ربه يقول له ربه: أنعمت عليك بكذا وكذا، ثم يقول: فبأي آلائي تكذب ولا شك أنه عند هذا يستحي استحياء لا يكون عنده فرض الغيبة الثالث: ما الفائدة في اختيار لفظة الرب وإذا خاطب أراد خطاب الواحد فلم قال: ﴿ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ وهو الحاضر المتكلم فكيف يجعل التكذيب المسند إلى المخاطب وارداً على الغائب ولو قال: بأي آلائي تكذبان كان أليق في الخطاب؟
نقول: في السورة المتقدمة قال: ﴿ وكَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنذر ﴾ وقال: ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ وقال: ﴿ فأخذناهم ﴾ وقال: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ كلها بالاستناد إلى ضمير المتكلم حيث كان ذلك للتخويف فالله تعالى أعظم من أن يخشى فلو قال: أخذهم القادر أو المهلك لما كان في التعظيم مثل قوله: ﴿ فأخذناهم ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ وهذا كما أن المشهور بالقوة يقول أنا الذي تعرفني فيكون في إثبات الوعيد فوق قوله أنا المعذب فلما كان الإسناد إلى النفس مستعملاً في تلك السورة عند الإهلاك والتعذيب ذكر في هذه السورة عند بيان الرحمة لفظ يزيل الهيبة وهو لفظ الرب فكأنه تعالى قال فبأي آلاء ربكما تكذبان وهو رباكما الرابع: ما الحكمة في تكرير هذه الآية وكونه إحدى وثلاثين مرة؟
نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: إن فائدة التكرير التقرير وأما هذا العدد الخاص فالأعداد توقيفية لا تطلع على تقدير المقدرات أذهان الناس والأولى أن لا يبالغ الإنسان في استخراج الأمور البعيدة في كلام الله تعالى تمسكاً بقول عمر رضي الله تعالى عنه حيث قال مع نفسه عند قراءته سورة عبس: كل هذا قد عرفناه فما الأب ثم رفع عصا كانت بيده وقال هذا لعمر الله التكليف وما عليك يا عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه وسيأتي فائدة كلامه تعالى في تفسير السورة إن شاء الله تعالى الجواب الثاني: ما قلناه: إنه تعالى ذكر في السورة المتقدمة: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ أربع مرات لبيان ما في ذلك من المعنى وثلاث مرات للتقرير والتكرير وللثلاث والسبع من بين الأعداد فوائد ذكرناها في قوله تعالى: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ فلما ذكرنا العذاب ثلاث مرات ذكر الآلاء إحدى وثلاثين مرة لبيان ما فيه من المعنى وثلاثين مرة للتقرير الآلاء مذكورة عشر مرات أضعاف مرات ذكر العذاب إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ .
الثالث: إن الثلاثين مرة تكرير بعد البيان في المرة الأولى لأن الخطاب مع الجن والإنس، والنعم منحصرة في دفع المكروه وتحصيل المقصود، لكن أعظم المكروهات عذاب جهنم ولها سبعة أبواب وأتم المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب فإغلاق الأبواب السبعة وفتح الأبواب الثمانية جميعه نعمة وإكرام، فإذا اعتبرت تلك النعم بالنسبة إلى جنسي الجن والإنس تبلغ ثلاثين مرة وهي مرات التكرير للتقرير، والمرة الأولى لبيان فائدة الكلام، وهذا منقول وهو ضعيف، لأن الله تعالى ذكر نعم الدنيا والآخرة، وما ذكره اقتصار على بيان نعم الآخرة الرابع: هو أن أبواب النار سبعة والله تعالى ذكر سبع آيات تتعلق بالتخويف من النار، من قوله تعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان ﴾ ، إلى قوله تعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ﴾ ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك جنتين حيث قال: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ولكل جنة ثمانية أبواب تفتح كلها للمتقين، وذكر من أول السورة إلى ما ذكرنا من آيات التخويف ثماني مرات: ﴿ فَبِأَيِّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ سبع مرات للتقرير بالتكرير استيفاء للعدد الكثير الذي هو سبعة، وقد بينا سبب اختصاصه في قوله تعالى: ﴿ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ وسنعيد منه طرفاً إن شاء الله تعالى، فصار المجموع ثلاثين مرة المرة الواحدة التي هي عقيب النعم الكثيرة لبيان المعنى وهو الأصل والتكثير تكرار فصار إحدى وثلاثين مرة.
<div class="verse-tafsir"
عدّد الله عز وعلا آلاءه، فأراد أن يقدّم أوّل شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها: وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه: ليعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علماً بوحيه وكتبه وما خلق الإنسان من أجله، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدّماً عليه وسابقاً له، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟
﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب معلوم وتقدير سويّ ﴿ يجريان ﴾ في بروجهما ومنازلهما.
وفي ذلك منافع للناس عظيمة: منها علم السنين والحساب ﴿ والنجم ﴾ والنبات الذي لا ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول ﴿ والشجر ﴾ الذي له ساق.
وسجودهما: انقيادههما لله فيما خلقا له، وأنهما لا يمتنعان، تشبيهاً بالساجد من المكلفين في انقياده.
فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟
قلت: استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي، لما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له، فإن قلت: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟
قلت: بَكَّت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التمديد، ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدّمته، ثم ردّ الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف.
فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟
قلت: إنّ الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأنّ السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر وقيل: ﴿ عَلَّمَ القرءان (2) ﴾ جعله علامة وآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الإنسان آدم.
وعنه أيضاً: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن مجاهد النجم: نجوم السماء ﴿ والسمآء رَفَعَهَا ﴾ خلقها مرفوعة مسموكة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياه، ومتنزل أوامره ونواهيه، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه؛ ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه ﴿ وَوَضَعَ الميزان ﴾ وفي قراءة عبد الله ﴿ وخفض الميزان ﴾ .
وأراد به كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس، أي خلقه موضوعاً مخفوضاً على الأرض: حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ ﴾ لئلا تطغوا.
أو هي أن المفسرة.
وقرأ عبد الله ﴿ لا تطغوا ﴾ بغير أن، على إرادة القول ﴿ وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط ﴾ وقوّموا وزنكم بالعدل ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان ﴾ ولا تنقصوه: أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان.
وكرّر لفظ الميزان: تشديداً للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه.
وقرئ: ﴿ والسماء ﴾ بالرفع.
﴿ ولا تخسروا ﴾ بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها.
يقال: خسر الميزان يخسره ويخسره، وأمّا الفتح فعلى أن الأصل: ولا تخسروا في الميزان، فحذف الجار وأوصل الفعل.
﴿ وَضَعَهَا ﴾ خفضها مدحوّة على الماء ﴿ لِلأَنَامِ ﴾ للخلق، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة.
وعن الحسن: الإنس والجنّ، فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها ﴿ فاكهة ﴾ ضروب مما يتفكه به، و ﴿ الأكمام ﴾ كل ما يكم أي يغطى من ليفة وسعفة وكفّراة وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه.
وقيل الأكمام أوعية التمر- الواحد كِم بكسر الكاف و ﴿ العصف ﴾ ورق الزرع وقيل التبن ﴿ والريحان ﴾ الرزق وهو اللب: أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل، وما يتغذى به وهو الحب.
وقرئ: ﴿ والريحان ﴾ ، بالكسر.
ومعناه: والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام، والريحان الذي هو مطعم الناس.
وبالضم على، وذو الريحان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقيل: معناه وفيها الريحان الذي يشم، وفي مصاحف أهل الشأم: (والحب ذو العصف والريحان) أي: وخلق الحب والريحان، أو وأخص الحب والريحان.
ويجوز أن يراد: وذا الريحان، فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، والخطاب في ﴿ رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عليهما.
وقوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان ﴾ [الرحمن: 31] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والأرْضَ وضَعَها ﴾ خَفَضَها مَدْحُوَّةً.
﴿ لِلأنامِ ﴾ لِلْخَلْقِ.
وقِيلَ: الأنامُ كُلُّ ذِي رُوحٍ.
﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ.
﴿ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ أوْعِيَةُ التَّمْرِ جَمْعُ كِمٍّ، أوْ كُلُّ ما يُكَمُّ أيْ يُغَطّى مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وكَفْرِيٍّ فَإنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ كالمَكْمُومِ كالجِذْعِ والجِمارِ والتَّمْرِ.
﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وسائِرِ ما يُتَغَذّى بِهِ، والعَصْفِ ورَقُ النَّباتِ اليابِسِ كالتِّينِ.
﴿ والرَّيْحانُ ﴾ يَعْنِي المَشْمُومَ، أوِ الرِّزْقَ مِن قَوْلِهِمْ: خَرَجْتُ أطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانَ» أيْ وخَلَقَ الحَبَّ والرَّيْحانَ أوْ وأخُصُّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وذا الرَّيْحانِ فَحَذَفَ المُضافَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «والرَّيْحانِ» بِالخَفْضِ ما عَدا ذَلِكَ بِالرَّفْعِ، وهو فَيْعَلانُ مِنَ الرُّوحِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ، وقِيلَ: «رَوْحانُ» فَقُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ الخِطّابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ: لِلْأنامِ وقَوْلُهُ: أيُّها الثَّقَلانِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَوْضُوعَةً لِنَفْعِ الأنامِ، وقِيلَ: حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الأرْضِ، أوْ مِن ضَمِيرِها، فالأحْسَنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الحالُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، ( وفاكِهَةٌ ) رُفِعَ عَلى الفاعِلِيَّةِ والتَّنْوِينِ بِمَعُونَةِ المَقامِ لِلتَّكْثِيرِ أيْ فِيها ضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يَتَفَكَّهُ بِهِ ﴿ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ هي أوْعِيَةُ التَّمْرِ أعْنِي الطَّلْعَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَمْعُ - كِمُّ - بِكَسْرِ الكافِ وقَدْ تُضَمُّ، وهَذا في - كُمِّ - الثَّمَرِ، وأمّا - كُمُّ - القَمِيصِ فَهو بِالضَّمِّ لا غَيْرَ، أوْ كُلُّ ما يُكَمُّ ويُغَطّى مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وطَلَعٍ فَإنَّهُ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ كالمَكْمُومِ مِنَ الثَّمَرِ والجِمارِ مَثَلًا، واخْتارَهُ مَنِ اخْتارَهُ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ فائِدَةُ التَّوْصِيفِ ﴿ والحَبُّ ﴾ هو ما يُتَغَذّى بِهِ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ ﴿ ذُو العَصْفِ ﴾ قِيلَ: هو ورَقُ الزَّرْعِ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِاليابِسِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ التِّبْنُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ القِشْرُالَّذِي يَكُونُ عَلى الحَبِّ وعَنِ السُّدِّيِّ والفَرّاءِ أنَّهُ بَقْلُ الزَّرْعِ وهو أوَّلُ ما يَنْبُتُ، وأخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا، واخْتارَ جَمْعٌ ما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا، وفي تَوْصِيفِ الحَبِّ بِما ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما يُقَوَّتْهم مِنَ الحُبِّ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِما يُقَوَّتْ بَهائِمَهم مِنَ العَصْفِ ﴿ والرَّيْحانُ ﴾ هو كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنٍ زَيْدٍ، وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هو رَيْحانُكم هَذا أيِ الرَّيْحانُ المَعْرُوفُ: وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الرِّزْقُ بَلْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَما أخْرَجَ هو أيْضًا عَنْهُ كُلُّ رَيْحانٍ في القُرْآنِ فَهو رِزْقٌ، وزَعْمَ الطَّبَرِسِيُّ أنَّهُ قَوْلُ الأكْثَرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الأعْرابِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: إلى أيْنَ أطْلُبُ مِن رَيْحانِ اللَّهِ فَإنَّهُ أرادَ مِن رِزْقِهِ عَزَّ وجَلَّ، ووَجْهُ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ يَرْتاحُ لَهُ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّهُ أُطْلِقَ وأُرِيدَ مِنهُ اللُّبُّ لِيُطابِقَ العَصْفَ ويُوافِقَ المُرادَ مِنهُ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والأصْمَعِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و «والرَّيْحانُ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ العَصْفِ ﴾ إذْ يَبْعُدُ عَلَيْها حَمْلُهُ عَلى المَشْمُومِ والقَرِيبِ حَمْلُهُ عَلى اللُّبِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: والحُبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو رِزْقُ دَوابِّكم، وذُو اللُّبِّ الَّذِي هو رِزْقٌ لَكم، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ الرَّيْحانُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفًا عَلى فاكِهَةٍ كَما في قِراءَةِ الرَّفْعِ، والجَرُّ لِلْمُجاوِرَةِ وهو كَما تَرى، والزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ ﴿ الأكْمامِ ﴾ بِما ذَكَّرْناهُ ثانِيًا فِيها ﴿ والرَّيْحانُ ﴾ بِاللُّبِّ قالَ: أرادَ سُبْحانَهُ فِيها ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ الفَواكِهِ، والجامِعُ بَيْنَ التَّغَذِّي والتَّلَذُّذِ - وهو ثَمَرُ النَّخْلِ - وما يَتَغَذّى بِهِ - وهو الحُبُّ - وهو عَلى ما في الكَشْفِ بَيانٌ لِإظْهارِ وجْهِ الِامْتِنانِ وأنَّهُ مُسْتَوْعِبٌ لِأقْسامِ ما يُتَناوَلُ في حالِ الرَّفاهِيَةِ لِأنَّهُ إمّا لِلتَّلَذُّذِ الخالِصِ وهو الفاكِهَةُ، أوْ لَهُ ولِلتَّغَذِّي أيْضًا وهُوَ ثَمَرُ النَّخْلِ، أوْ لِلتَّغَذِّي وحْدَهُ وهو الحَبُّ، ولَمّا كانَ الأخِيرانِ أدْخَلَ في الِامْتِنانِ شَفَعَ كُلًّا بِعِلاوَةٍ فِيها مِنَّةٌ أيْضًا، وأنْ تَعْلَمَ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ مِنَ النَّخْلِ ثَمَرَهُ المَعْرُوفَ فالعَطْفُ عَلى أُسْلُوبِ مَلائِكَتِهِ وجِبْرِيلَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ وإذا كانَ ما يَعُمُّهُ وسائِرُ ما يُنْتَفَعْ بِهِ مِنهُ كالجُمّارِ والكُفُرّى، فالعَطْفُ لَيْسَ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلَ صاحِبُ الكَشْفِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ بَعْدَ ﴿ الأكْمامِ ﴾ بِالمَعْنى الأعَمِّ وكُلُّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ كالمَكْمُومِ إشارَةً إلى هَذا، ثُمَّ قالَ: ولا يُنافِي جَعْلُهُ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ إلَخْ نَظَرًا إلى أنَّ الجَنَّةَ دارُ تُخَلُّصٍ لِلتَّلَذُّذِ فالنَّظَرُ هُنالِكَ إلى المَقْصُودِ وهو الثَّمَرُ فَقَطْ فَتَأمَّلَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ - والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانِ - بِنَصْبِ الجَمِيعِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ بِتَقْدِيرِ وخَلْقِ الحَبِّ إلَخْ، وقِيلَ: يَجُوزُ تَقْدِيرُ أخَصُّ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الرَّيْحانُ بِمَعْنى اللُّبِّ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والأصْلُ وذُو أوْ وذا الرَّيْحانِ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿ والرَّيْحانُ ﴾ فَيْعَلانُ مِنَ الرَّوْحِ.
فَأصْلُهُ رَيُوحانِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِاجْتِماعِها مَعَ ياءٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيَّحانُ بِالتَّشْدِيدِ ثُمَّ حُذِفَتِالياءُ الثّانِيَةُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَقِيلَ: رَيْحانٌ كَما قِيلَ: مَيِّتٌ وهَيِّنٌ بِسُكُونِ الياءِ.
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ فِعْلانِ وأصْلُهُ رَوْحانِ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الواوِ قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ ولِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّوحانِ بِمَعْنى ما لَهُ رُوحُ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى ما اخْتَرْناهُ، أوْ لِأنَّ الأنامَ عِبارَةٌ عَنْهُما عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وسَيُنْطَقُ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ ﴾ وفي الأخْبارِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يُؤَيِّدْهُ، وقَدْ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ خِطابٌ لِلذِّكْرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ، وأبْعَدَ أكْثَرَ مِنهُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ ﴾ ويا شُرْطِيُّ اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ عَلى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ حَتْمًا، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنَبِّئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِشَيْءٍ مِن آلائِهِ تَعالى كُفْرِهِمْ بِهِ إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ عَدَمِ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ وما يُسْتَنَدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنهُ تَعالى مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا، أوْ دَلالَةً فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها، والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ وشَهادَةِ مِنها بِذَلِكَ فَكُفْرُهم بِها تَكْذِيبٌ لا مَحالَةَ أيْ فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ ﴿ فَبِأيِّ ﴾ فَرْدٍ مِن أفْرادِ نِعَمِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ النِّعَمِ ﴿ تُكَذِّبانِ ﴾ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنها ناطِقٌ بِالحَقِّ شاهِدٌ بِالصِّدْقِ ويَنْدُبُ أنْ يَقُولَ سامِعُ هَذِهِ الآيَةَ: لا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والدّارَقُطْنِيُّ في الإفْرادِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ سُورَةُ «الرَّحْمَنِ» عَلى أصْحابِهِ فَسَكَتُوا فَقالَ: ما لِي أسْمَعُ الجِنَّ أحْسَنَ جَوابًا لِرَبِّها مِنكم ما أتَيْتُ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ( فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) إلّا قالُوا: لا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبُّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ»».
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ، وقُرِئَ «فَبِأيِّ» بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ السُّورَةِ كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ ( آلاءِ رَبِّكُما ) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ يعني: ذو الورق وَالرَّيْحانُ يعني: ثمره.
وقال مجاهد: الْعَصْفِ يعني: ورق الحنطة وَالرَّيْحانُ الرزق.
وقال الضحاك: الحب، الحنطة، والشعير، الْعَصْفِ: التبن وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الْعَصْفِ الزرع وَالرَّيْحانُ الورق بلسان حمير.
ويقال: الْعَصْفِ السنبل وَالرَّيْحانُ ثمرته، وما ينتفع به.
ويقال: الرَّيْحانُ يعني: الرياحين، جمع الريحان وهو نبت لا ساق له.
قرأ ابن عامر: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ بنصب الباء، وإنما نصبه لأنه عطف على قوله: الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وَالْحَبُّ يعني: وخلق الحب ذا العصف وَالرَّيْحانُ.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ بضم النون والباء، لأنه عطف على قوله: فِيها فاكِهَةٌ وقرأ حمزة، والكسائي، هكذا إلا أنَّهما كسرا النون في قوله: وَالرَّيْحانُ عطفاً على الْعَصْفِ على وجه المجاورة.
وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه، ثم خاطب الإنس والجن فقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وإن لم يسبق ذكرهما، لأن في الكلام دليلاً، وقد ذكرهما من بعده، وهو قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تُكَذِّبانِ يعني: تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى.
قال بعضهم: آلاء الله ونعماء الله واحد.
إلا أن الآلاء أعم، والنعماء أخص.
ويقال: الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد، والنعماء: النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب، كقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20] وقال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا.
مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء.
وكذلك لسان الأخرس، ورجل مقعد، فله الآلاء، وليست له النعماء.
وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية، وإيصال النعمة.
فكل ذلك سماه الآلاء.
وروى محمد بن المنذر، عن جابر، بن عبد الله، أن النبي قرأ على أصحابه سورة الرحمن، فسكت القوم، فقال النبيّ : «الجنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدّاً مِنْكُمْ، مَا قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلاَّ قَالُوا: ولا بواحدة منها فلك الحَمْدُ» .
وفي رواية أُخرى: أنه قال: «مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ إلاَّ قَالُوا وَلا بواحدة منها فلك الحمد» .
ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: آدم مِنْ صَلْصالٍ يعني: الطين اليابس الذي يتصلصل أي: يصوت، كما يصوت الفخار.
ويقال: الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء، وتشقق.
كَالْفَخَّارِ يعني: الطين الذي يصنع به الفخار.
وقال في موضع آخر: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وقال في موضع آخر: مِنْ طِينٍ [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: مِنْ صَلْصالٍ فهذا كله قد كان حالاً بعد حال.
وَخَلَقَ الْجَانَّ يعني: أبا الجن.
ثم قال هو إبليس: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ يعني: من لهب من نار، وليس لها دخان.
وقال بعضهم: خلق من نار جهنم.
وقال بعضهم: من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء، ومنها يكون البرق، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة أنتم.
يعني: خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة.
فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى؟.
ثم قال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: هو رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشمس، ومشرق القمر.
وقيل: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: مغرب الشتاء، والصيف.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟
ومعناه: أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى، وتأكلون رزقه، وهو عالم حيث ما كنتم، وهو حافظكم، وناصركم، فكيف تنكرون هذه النعم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الرَّحْمَنِ وَفِي نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: سِوى آيَةٍ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ.
﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: وما الرَّحْمَنُ؟!
فَأنْكَرُوهُ وقالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقالَ تَعالى: "الرَّحْمَنُ" الَّذِي أنْكَرُوهُ هو الَّذِي "عَلَّمَ القُرْآنَ" .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا، وعَلَّمَ مُحَمَّدٌ أُمَّتَهَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: يَسَّرَ القُرْآنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فالمَعْنى: خَلَقَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
فَعَلى هَذا، في "البَيانِ" سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّطْقُ والتَّمْيِيزُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والرّابِعُ: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: [طُرُقُ] الهُدى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: الكِتابَةُ والخَطُّ، قالَهُ يَمانٌ.
والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
فَعَلى هَذا في "البَيانِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ.
والثّانِي: بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ.
والثّالِثُ اللُّغاتُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، عَلَّمَهُ بَيانَ ما كانَ وما يَكُونُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ أيْ: بِحِسابٍ ومَنازِلَ، لا يَعْدُوانِها؛ وقَدْ كَشَفْنا هَذا المَعْنى في [الأنْعامِ: ٩٦] .
قالَ الأخْفَشُ: أُضْمِرَ الخَبَرُ، وأظُنُّهُ- واللَّهُ أعْلَمُ- أرادَ: يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ لَيْسَ لَهُ ساقٌ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، واللُّغَوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّهُ نَجْمُ السَّماءِ، والمُرادُ بِهِ: جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَأمّا الشَّجَرُ: فَكُلُّ ما لَهُ ساقٌ.
قالَ الفَرّاءُ: سُجُودُهُما: أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذْ أشْرَقَتْ، ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها حَتّى يَنْكَسِرَ الفَيْءُ.
وقَدْ أشَرْتُ في [النَّحْلِ: ٤٩] إلى مَعْنى سُجُودِ ما لا يَعْقِلُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما ثُنِّيَ فِعْلُهُما عَلى لَفْظِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحْيا الحَيَوانُ وتَمْتَدَّ الأنْفاسُ، وأجْرى الرِّيحَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ، كَيْما يَتَرَوَّحُ [الخَلْقُ] .
ولَوْلا ذَلِكَ لَماتَتِ الخَلائِقُ كَرْبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ واللُّغَوِيُّونَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأنَّ المُعادَلَةَ: مُوازَنَةُ الأشْياءِ.
والثّانِي: أنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، لِيَتَناصَفَ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ في "أنْ" وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى اللّامِ؛ والمَعْنى: لِئَلّا تَطْغَوْا.
والثّانِي: أنَّها لِلتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ "لا" لِلنَّهْيِ؛ والمَعْنى: أيْ: لا تَطْغَوْا، أيْ لا تُجاوِزُوا العَدْلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أيْ: لا تَنْقُصُوا الوَزْنَ.
فَأمّا الأنامُ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُلُّ ذِي رُوحٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.
والثّالِثُ: الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ أيْ، ما يُتَفَكَّهُ [بِهِ] مِن ألْوانِ الثِّمارِ "والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ" والأكْمامُ: الأوْعِيَةُ والغُلُفُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَ هَذا في [حَم السَّجْدَةِ: ٤٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحَبُّ ﴾ يُرِيدُ: جَمِيعَ الحُبُوبِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والحَبَّ" بِنَصْبِ الباءِ "ذا العَصْفِ" بِالألِفِ "والرَّيْحانَ" بِنَصْبِ النُّونِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ إلّا ابْنَ أبِي سُرَيْجٍ، وخَلَفٌ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانِ" بِخَفْضِ النُّونِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ.
وَفِي "العَصْفِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هو ورَقُ الزَّرْعِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ، ثُمَّ يَصِيرُ إذا جَفَّ ويَبِسَ ودِيسَ تِبْنًا.
والثّانِي: أنَّ العَصْفَ: المَأْكُولُ مِنَ الحَبِّ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
وَفِي "الرَّيْحانِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: والسُّدِّيُّ.
قالَ الفَرّاءُ: الرَّيْحانُ في كَلامِ العَرَبِ: الرِّزْقُ، تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ لِلنَّمِرِ بْنِ تَوْلِبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ والثّانِي: أنَّهُ خُضْرَةُ الزَّرْعِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: فَعَلى هَذا، سُمِّيَ رَيْحانًا، لِاسْتِراحَةِ النَّفْسِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ رَيْحانُكم هَذا الَّذِي يُشَمُّ، رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "الرَّيْحانُ" ما أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الرَّيْحانِ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما [لَمْ] يُؤْكَلْ مِنَ الحَبِّ، والعَصْفُ: المَأْكُولُ مِنهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خاطَبَ اثْنَيْنِ، وإنَّما ذَكَرَ الإنْسانَ وحْدَهُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.
أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُخاطِبُ الواحِدَ بِفِعْلِ الِاثْنَيْنِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ ﴾ والثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ أُرِيدَ بِهِ: الإنْسانُ والجانُّ، فَجَرى الخِطابُ لَهُما مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وتَعْلِيمِ البَيانِ وخَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، خاطَبَ الجِنَّ والإنْسَ، قالَ: "فَبِأيِّ آلاء رَبّكُما تَكْذِبانِ " أيْ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، لِأنَّها كُلَّها مُنْعَمٌ بِها عَلَيْكم في دَلالَتِها إيّاكم عَلى وحْدانِيَّتِهِ وفي رِزْقِهِ إيّاكم ما بِهِ قِوامُكم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الآلاءُ: النِّعَمُ، واحِدُها: ألًا، مِثْلُ: قَفًا، وإلًا، مِثْلُ: مِعًى.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ فِيما قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وقالَ نافِعُ بْنُ أبِي نَعِيمٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وكُرَيْبٌ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عِنْدَ إبايَةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ أنْ يَكْتُبَ في الصُلْحِ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، والأوَّلُ أصَحُّ، وإنَّما نَزَلَتْ حِينَ قالَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ: ﴿ وَما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ ؟، وفي السِيرَةِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَهَرَ بِقِراءَتِها في المَسْجِدِ حَتّى قامَتْ إلَيْهِ أنْدِيَةُ قُرَيْشٍ فَضَرَبُوهُ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الرَحْمَنُ ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ ﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ ﴿ الشَمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ﴿ والسَماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ ﴾ ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ ﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ ﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الرَحْمَنُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِنَ الرَحْمَةِ، وهو اسْمٌ اخْتُصَّ اللهُ تَعالى بِالِاتِّصافِ بِهِ، وحَكى ابْنُ فَوْرِكِ عن قَوْمٍ أنَّهم يَجْعَلُونَ "الرَحْمَنُ" آيَةً تامَّةً، كَأنَّ التَقْدِيرَ: الرَحْمَنُ رَبُّنا، وقالَهُ الرُمّانِيُّ وأنَّ التَقْدِيرَ: اللهُ الرَحْمَنُ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما الآيَةُ "الرَحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ"، فَهو جُزْءُ آيَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: هو مَنَّ بِهِ، وعَلَّمَهُ الناسُ، وخَصَّ حُفّاظَهُ وفَهَمَتَهُ بِالفَضْلِ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "خَيْرُكم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ"،» ومِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أنَّ اللهَ تَعالى ذَكَرَ القُرْآنَ في كِتابِهِ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا ما فِيها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا ما مِنها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظَةِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذُكِرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا كُلُّها نَصَّتْ عَلى خُلُقِهِ، وقَدِ اقْتَرَنَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ السُورَةِ عَلى هَذا النَحْوِ.
و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُ، و"البَيانَ": النُطْقَ والفَهْمَ والإبانَةَ عن ذَلِكَ بِقَوْلٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وذَلِكَ هو الَّذِي فَضَّلَ الإنْسانَ مِن سائِرِ الحَيَوانِ، وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ والشَرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ، وقالَ قَتادَةُ: "الإنْسانَ" آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: "الإنْسانَ" مُحَمَّدٌ ، وهَذا التَخْصِيصُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ المَعْلُوماتِ داخِلَةٌ في البَيانِ الَّذِي عَلِمَهُ الإنْسانُ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: مِن ذَلِكَ البَيانُ وفِيهِ مُعْتَبَرُ كَوْنِ الشَمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبانٍ، فَحَذَفَ هَذا كُلَّهُ، ورَفَعَ "الشَمْسُ" بِالِابْتِداءِ، وهَذا ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِحُسْبانٍ" فَقالَ مَكِّيٌّ، والزَهْراوِيُّ، عن قَتادَةَ: هو مَصْدَرٌ كالحِسابِ في المَعْنى، كالغُفْرانِ والطُغْيانِ في الوَزْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ لَها في طُلُوعِها وغُرُوبِها وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حِساباتٌ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مالِكٍ، وقَتادَةَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَيْلُ والنَهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسَبُ شَيْئًا مِن مَقادِيرِ الزَمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفُلْكُ المُسْتَدِيرُ، شُبِّهَ بِحُسْبانِ الرَحى وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَدُورُ المِطْحَنَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسَدِّيُّ، وسُفْيانُ: "النَجْمُ": النَباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، وسُمِّيَ نَجْمًا لِأنَّهُ نَجَمٌ، أيْ: ظَهَرَ وطَلَعَ، وهو مُناسِبٌ لِلشَّجَرِ يُشَبَّه بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: النَجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَماءِ، والنِسْبَةُ الَّتِي لَها مِنَ السَماءِ هي الَّتِي لِلشَّجَرِ مِنَ الأرْضِ لِأنَّهُما في ظاهِرِهِما، وسُمِّيَ الشَجَرُ مِنَ اشْتِجارِ غُصُونِهِ وهو تَداخُلُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا السُجُودِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَجَرِ بِالظِلِّ واسْتِدارَتِهِ، وكَذَلِكَ في النَجْمِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا ما مَعْناهُ: أنَّ السُجُودَ في هَذا كُلِّهِ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَذَلُّلِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................
تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وقالَ تَعالى: "يَسْجُدانِ" وهُما جَمْعانِ، لِأنَّهُ راعى اللَفْظَةَ، لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلنَّوْعِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ألَمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الصَغِيرَةِ وهي "يَسْجُدانِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ وهَذِهِ كَذَلِكَ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الكَبِيرَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، والأُخْرى كَذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَخَفَضَ المِيزانَ"، ومَعْنى "وَضَعَ": أقَرَّ وأثْبَتُ، و"المِيزانَ": العَدْلُ فِيما قالَ الطَبَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأكْثَرُ الناسِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: إنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، وهو جُزْءٌ مِنَ المِيزانِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ العَدْلِ، ويَظْهَرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ العَدْلَ، وأنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المِيزانَ المَعْرُوفَ، وكُلُّ ما قِيلَ مُحْتَمَلٌ سائِغٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَطْغَوْا" نَهْيٌ عَنِ التَعَمُّدِ الَّذِي هو طُغْيانٌ بِالمِيزانِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ مِنَ التَحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنِ الناسِ، و"ألّا" هو بِتَقْدِيرِ: "لِئَلّا" أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"تَطْغَوْا" نُصِبَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً فَيَكُونُ "تَطْغَوْا" جُزِمَ بِالنَهْيِ، وفي مُصْحَفِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا تَطْغَوْا" بِغَيْرِ "أنْ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلا تُخْسِرُوا" مَن أخْسَرُ، أيْ: نَقَصَ وأفْسَدَ، وقالَ بِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "وَتُخْسِرُوا" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ السِينِ مَن خَسِرَ، ويُقالُ: خَسِرَ بِمَعْنى نَقَصَ وأفْسَدَ كَجَبَرَ وأجْبَرَ، وقَرَأ بِلالٌ أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ ابْنُ جِنِّيٍّ -: "تَخْسَرُوا" بِفَتْحِ التاءِ والسِينِ مِن خَسِرَ بِكَسْرِ السِينِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأنامِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هم بَنُو آدَمَ فَقَطْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هُمُ الثَقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والشَعْبِيُّ: هُمُ الحَيَوانُ كُلُّهُ.
و"الأكْمامِ" في النَخْلِ مَوْجُودَةٌ في المَوْضِعَيْنِ: فَجُمْلَةُ فُرُوعِ النَخْلَةِ في أكْمامٍ مِن لِيفِها، وطَلَعَ النَخْلُ في كُمٍّ مِن جِهَةٍ، وقالَ قَتادَةُ: أكْمامُ النَخِيلِ رِقابُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكِمُّ مِنَ النَباتِ كُلُّ ما التَفَّ عَلى شَيْءٍ وسَتَرَهُ، ومِنهُ كَمائِمُ الزَهْرِ، وبِهِ شُبِّهَ كُمُّ الثَوْبِ.
﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ، الحَبُّ ذُو العَصْفِ هو القَمْحُ والشَعِيرُ وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الحَبِّ الَّذِي لَهُ سُنْبُلٌ وأوراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، وهي العَصِيفَةُ إذا يَبِسَتْ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: تُسْقى مَذانِبَ قَدْ مالَتْ عَصِيفَتُها ∗∗∗ حُدُورُها مِن أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَصْفُ: التِبْنُ، وتَقُولُ العَرَبُ: خَرَجْنا نَتَعَصَّفُ، أيْ: يَسْتَعْجِلُونَ عَصِيفَةَ الزَرْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو البَرْهَسِمِ: "والحَبَّ" -بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "الأرْضَ"- "ذا العَصْفِ والرَيْحانِ"، إلّا أنَّ أبا البَرْهَسْمِ خَفَضَ النُونَ.
واخْتَلَفُوا في الرَيْحانِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: الرِزْقُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ وجَنَّتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ وقالَ الحَسَنُ: هو رَيْحانُكم هَذا، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ ما قامَ عَلى ساقٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: الرَيْحانُ هو كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِيحِ مِنَ النَباتِ، وفي هَذا النَوْعِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَمِنهُ الأزْهارُ والمَندَلُ والعَقاقِيرُ وغَيْرُ ذَلِكَ وقالَ الفَرّاءُ: العَصْفُ فِيما يُؤْكَلُ، والرَيْحانُ كُلُّ ما لا يُؤْكَلُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" وَهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كالأُولى، في الإعْرابِ حَسَنَةُ الِاتِّساقِ عَطْفًا عَلى "فاكِهَةٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "والحَبُّ" بِالرَفْعِ "ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" بِخَفْضِ "الرَيْحانِ" عَطْفًا عَلى "العَصْفِ"، كَأنَّ "الحَبَّ" هُما لَهُ عَلى أنَّ "العَصْفَ" مِنهُ الوَرَقُ وكُلُّ ما يُعْصَفُ بِاليَدِ والرِيحِ فَهو رِزْقُ البَهائِمِ، و"الرَيْحانُ" مِنهُ الحَبُّ وهو رِزْقُ الإنْسِ، والرَيْحانُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- لا يَدْخُلُ فِيهِ المَشْمُومُ بِتَكَلُّفٍ.
و"رَيْحانُ" هو مِن ذَواتِ الواوِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ رَيْحانُ اسْمًا وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فِعْلانِ، كاللِيّانِ وما جَرى مَجْراهُ أصْلُهُ رَوْحانُ، أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في "أشاوِي"، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِمّا شَذَّ في المُعْتَلِّ كَما شَذَّ كَيْنُونَةَ وبَيْنُونَةَ، فَأصْلُهُ رَيْوَحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدْغَمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "رَيْحانُ" فَخُفِّفَ، كَما قالُوا: مَيْتٌ ومَيِّتٌ وهَيْنٌ وهَيِّنٌ.
و"الآلاءُ": النِعَمُ، واحِدُها إلًى مِثْلُ مِعًى وأُلًى مِثْلُ نَقًى، حَكى هَذَيْنِ أبُو عُبَيْدَةَ، وألْيٌ مِثْلُ أمْنٍ، وإلْيٌ مِثْلُ حِصْنٍ، حَكى هَذَيْنِ الزَهْراوِيُّ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "رَبُّكُما" لِلْجِنِّ والإنْسِ، وساغَ ذَلِكَ ولَمْ يُصَرِّحْ لَها بِذِكْرٍ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنَّهُما قَدْ ذُكِرا في قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْأنامِ" عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ الثِقْلانِ، وإمّا عَلى أنَّ أمْرَهُما مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "خَلَقَ الإنْسانَ" و"خَلَقَ الجانَّ" فَساغَ تَقْدِيمُهُما في الضَمِيرِ اتِّساعًا.
وقالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هَذا مِن بابِ "ألْقِيا في جَهَنَّمَ"، "وَيا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ"، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: خُوطِبَ مَن يَعْقِلُ لِأنَّ المُخاطَبَةَ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ لِلْإنْسِ والجانِّ، ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا قَرَأها النَبِيُّ سَكَتَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "إنَّ جَوابَ الجِنِّ خَيْرٌ مِن سُكُوتِكُمْ، إنِّي لَمّا قَرَأتُها عَلى الجِنِّ قالُوا: لا نُكَذِّبُ بِآلاءِ رَبِّنا".» <div class="verse-tafsir"
الفاء للتفريع على ما تقدم من المنن المدمجة مع دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحقّية وَحي القرآن، ودلائل عظمة الله تعالى وحكمته باستفهام عن تعيين نعمة من نعم الله يتأتى لهم إنكارها، وهو تذييل لما قبله.
و (أيِّ) استفهام عن تعيين واحد من الجنس الذي تضاف إليه وهي هنا مستعملة في التقرير بذكر ضِدّ ما يقربه مثل قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1].
وقد بينته عند قوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ﴾ في سورة الأنعام (130)، أي لا يستطيع أحد منكم أن يجحد نعم الله.
والآلاء: النعم جمع: إلْي بكسر الهمزة وسكون اللام، وأَلْي بفتح الهمزة وسكون اللام وياء في آخره ويقال أَلْوُ بواو عوض الياء وهو النعمة.
وضمير المثنى في ربكما تكذبان } خطاب لفريقين من المخاطبين بالقرآن.
والوجه عندي أنه خطاب للمؤمنين والكافرين الذين ينقسم إليهما جنس الإِنسان المذكور في قوله: ﴿ خلق الإنسان ﴾ [الرحمن: 3] وهم المخاطبون بقوله: ﴿ ألا تطغوا في الميزان ﴾ [الرحمن: 8] الآية والمنقسم إليهما الأنام المتقدم ذكره، أي أن نعم الله على الناس لا يجحدها كافر بَلْهَ المؤمن، وكل فريق يتوجه إليه الاستفهام بالمعنى الذي يناسب حاله.
والمقصود الأصلي: التعريض بالمشركين وتوبيخهم على أن أشركوا في العبادة مع المنعِم غيرَ المنعِم، والشهادةُ عليهم بتوحيد المؤمنين، والتكذيب مستعمل في الجحود والإِنكار.
وقيل التثنية جرت على طريقة في الكلام العربي أن يخاطبوا الواحد بصيغة المثنى كقوله تعالى: ﴿ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ﴾ [ق: 24] ذكر ذلك الطبري والنسفي.
ويجوز أن تكون التثنية قائمة مقام تكرير اللفظ لتأكيد المعنى مثل: لَبيك وسعديك، ومعنى هذا أن الخطاب لواحد وهو الإنسان.
وقال جمهور المفسرين: هو خطاب للإنس والجن، وهذا بعيد لأن القرآن نزل لخطاب الناس ووعظهم ولم يأت لخطاب الجن، فلا يتعرض القرآن لخطابهم، وما ورد في القرآن من وقوع اهتداء نفر من الجن بالقرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن يحمل على أن الله كلّف الجن باتباع ما يتبين لهم في إدراكهم، وقد يُكلف الله أصنافاً بما هم أهل له دون غيرهم، كما كلّف أهل العلم بالنظر في العقائد وكما كلّفهم بالاجتهاد في الفروع ولم يكلف العامة بذلك، فما جاء في القرآن من ذكر الجن فهو في سياق الحكاية عن تصرفات الله فيهم وليس لتوجيه العمل بالشريعة.
وأما ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن وهم ساكتون فقال لهم " لقد قرأتُها على الجن ليلةَ الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿ فبأي ألاء ربكما تكذبان ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ".
قال الترمذي: هو حديث غريب وفي سنده زهير بن محمد وقد ضعفه البخاري وأحمد بن حنبل.
وهذا الحديث لو صح فليس تفسيراً لضمير التثنية لأن الجن سمعوا ذلك بعد نزوله فلا يقتضي أنهم المخاطبون به وإنما كانوا مقتدين بالذين خاطبهم الله، وقيل الخطاب للذكور والإِناث وهو بعيد.
والتكذيب مستعمل في معنى الجحد والإِنكار مجازاً لتشنيع هذا الجحد.
وتكذيب الآلاء كناية عن الإِشراك بالله في الإِلهية.
والمعنى: فبأي نعمة من نعم الله عليكم تنكرون أنها نعمة عليكم فأشركتم فيها غيره بَلْه إنكار جميع نعمه إذ تعبدون غيره دواماً.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ كُلُّها.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقُطْرُبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ فاتِحَةُ ثَلاثِ سُوَرٍ إذا جُمِعْنَ كُنَّ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: "الر" و "حم" و "ن" فَيَكُونُ مَجْمُوعُ هَذِهِ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلَّمَهُ النَّبِيَّ حَتّى أدّاهُ إلى جَمِيعِ النّاسِ.
الثّانِي: سَهَّلَ تَعَلُّمَهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ.
﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ النّاسِ وإنْ كانَ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ لِأنَّهُ بِالبَيانِ فَضُلَ عَلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَيانَ الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: المَنطِقُ والكَلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: الخَطُّ، وهو مَأْثُورٌ.
الخامِسُ: الهِدايَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
السّادِسُ: العَقْلُ لِأنَّ بَيانَ اللِّسانِ مُتَرْجِمٌ عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنْ يَكُونَ البَيانُ ما اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ: إبانَةِ ما في نَفْسِهِ ومَعْرِفَةِ ما بَيَّنَ لَهُ.
وَقَوْلٌ ثامِنٌ لِبَعْضِ أصْحابِ الخَواطِرِ: خَلَقَ الإنْسانَ جاهِلًا بِهِ، فَعَلَّمَهُ السَّبِيلَ إلَيْهِ.
﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِحِسابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْبانُ مَصْدَرُ الحِسابِ، وقِيلَ: جَمْعُهُ.
الثّانِي: مَعْنى الحُسْبانِ هَذِهِ آجالُها، فَإذا انْقَضى الأجَلُ كانَتِ القِيامَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِما الزَّمانُ لِامْتِيازِ النَّهارِ بِالشَّمْسِ واللَّيْلِ بِالقَمَرِ وَلَوِ اسْتَمَرَّ أحَدُهُما فَكانَ الزَّمانُ لَيْلًا كُلَّهُ أوْ نَهارًا كُلَّهُ لِما عُرِفَ قَدْرُ الزَّمانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: يَدُورانِ، وقِيلَ إنَّهُما يَدُورانِ في مِثْلِ قُطْبِ الرَّحى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: مَعْناهُ يَجْرِيانِ بِقَدَرٍ.
﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَجْمُ السَّماءِ، وهو مُوَحَّدٌ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ النَّجْمَ النَّباتُ الَّذِي قَدْ نَجُمَ في الأرْضِ وانْبَسَطَ فِيها، لَيْسَ لَهُ ساقٌ، والشَّجَرُ ما كانَ عَلى ساقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي سُجُودِهِما خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو سُجُودُ ظِلِّهِما، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: هو ما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ والقُدْرَةِ الَّتِي تُوجِبُ السُّجُودَ والخُضُوعَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَهُما دَوَرانُ الظِّلِّ مَعَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الرّابِعُ: أنَّ سُجُودَ النَّجْمِ أُفُولُهُ، وسُجُودَ الشَّجَرِ إمْكانُ الِاجْتِناءِ لِثِمارِها.
الخامِسُ: أنَّ سُجُودَهُما أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذا أشْرَقَتْ ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها إذا انْكَسَرَ الفَيْءُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ يَعْنِي عَلى الأرْضِ.
﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المِيزانُ ذُو اللِّسانِ لِيَتَناصَفَ بِهِ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّ المِيزانَ الحَكَمُ.
الثّالِثُ: قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّهُ العَدْلُ، ومِنهُ قَوْلِ حَسّانٍ ويَثْرِبُ تَعْلَمُ أنّا بِها إذا التَبَسَ الأمْرُ مِيزانُها ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ وفي المِيزانِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأقاوِيلِ: أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ وطُغْيانُهُ الجَوْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ مِيزانُ الأشْياءِ المَوْزُوناتِ وطُغْيانُهُ البَخْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يا مَعْشَرَ المَوالِي وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلَكَ النّاسُ قَبْلَكُمْ: المِكْيالُ والمِيزانُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الحَكَمُ، وطُغْيانُهُ التَّحْرِيفُ.
﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، قالَ مُجاهِدٌ: القِسْطُ: العَدْلُ.
﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ أيْ لا تُنْقِصُوهُ بِالبَخْسِ قِيلَ: إنَّهُ المِقْدارُ: فالجَوْرُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ العَدْلُ، والتَّحْرِيفُ إنْ قِيلَ: الحُكْمُ.
وَفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: أنَّهُ مِيزانُ حَسَناتِكم يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ أيْ بَسَطَها ووَطَّأها لِلْأنامِ لِيَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ويَقْتاتُوا مِنها.
وَفي الأنامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَراءِ في رَسُولِ اللَّهِ مُبارَكُ الوَجْهِ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِهِ ∗∗∗ ما في الأنامِ لَهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ الثّانِي: أنَّ الأنامَ الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأنامَ جَمِيعُ الخَلْقِ مِن كُلِّ ذِي رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَنامُ، قالَ الشّاعِرُ جادَ الإلَهُ أبا الوَلِيدِ ورَهْطَهُ ∗∗∗ رَبُّ الأنامِ وخَصَّهُ بِسَلامٍ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذاتَ الأكْمامِ النَّخْلُ، وأكْمامُها لِيفُها الَّذِي في أعْناقِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ رَقَبَةُ النَّخْلِ الَّتِي تُكَمَّمُ فِيهِ طَلْعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وذاتُ أثارَةٍ أكَلْتُ عَلَيْها ∗∗∗ نَباتًا في أكْمِتَةِ قِفارُ الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّلْعُ المُكَمَّمُ الَّذِي هو كِمامُ الثَّمَرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ مَعْنى ذاتِ الأكْمامِ أيْ ذَواتِ فُضُولٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ ﴾ أمّا الحَبُّ فَهو كُلُّ حَبٍّ خَرَجَ مِن أكْمامِها كالبُرِّ والشَّعِيرِ.
وَأمّا العَصْفُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الزَّرْعُ إذا اصْفَرَّ ويَبِسَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ حَبُّ المَأْكُولِ مِنهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ وأمّا الرِّيحانُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ أيْ رِزْقَهُ، ويُقالُ سُبْحانَكَ ورَيْحانَكَ أيْ رِزْقَكَ، وقالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ ورِخْيَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ قالَهُ الضَّحّاكُ، ورُخْيَتُهُ هي لُغَةُ حِمْيَرٍ.
الثّانِي: أنَّ الرَّيْحانَ الزَّرْعُ الأخْضَرُ الَّذِي لَمْ يُسَنْبَلْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الرَّيْحانُ الَّذِي يُشَمُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّ العَصْفَ الوَرَقُ الَّذِي لا يُؤْكَلُ والرَّيْحانُ هو الحَبُّ المَأْكُولُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ في الآلاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النِّعَمُ، وتَقْدِيرُهُ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ كامِلٌ يَجْمَعُ الآلاءَ الفَتى ∗∗∗ بِيَدَيْهِ سَيِّدُ السّاداتِ خَصْمٌ الثّانِي: أنَّها القُدْرَةُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ فَبِأيِّ قُدْرَةِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والكَلْبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ رَبِّكُما إشارَةٌ إلى الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وَقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: (ما لِي أراكم سُكُوتًا؟
!
الجِنُّ أحْسَنُ مِنكم رَدًّا، كُنْتُ كُلَّما قَرَأْتُ عَلَيْهِمِ الآيَةَ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبِّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ» .
وتِكْرارُها في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَقْرِيرِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها، فَقَرَّرَهم عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ مِنها، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ وهَبْتُ إلَيْكَ مالًا؟
أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ بَنَيْتُ لَكَ دارًا، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلِ بْنِ رَبِيعَةَ يَرْثِي أخاهُ كُلَيْبًا ؎ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ∗∗∗ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ <div class="verse-tafsir"
أخرج النحاس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الرحمن بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: أنزل بمكة سورة الرحمن.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت سورة الرحمن بمكة.
وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الرحمن بالمدينة.
وأخرج أحمد وابن مردويه بسند حسن عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ .
وأخرج الترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: ما لي أراكم سكوتاً لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» .
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والخطيب في تاريخه بسند صحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فسكتوا فقال: ما لي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم؟
ما أتيت على قول الله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ الا قالوا: «لا شيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عليّ: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن» .
وأخرج البيهقي عن فاطمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قارئ الحديد و ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ والرحمن يدعى في ملكوت السموات والأرض ساكن الفردوس» .
وأخرج أحمد عن ابن زيد رضي الله عنه قال: كان أول مفصل ابن مسعود الرحمن.
وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني قد قرأت المفصل في ركعة، فقال: أهذا كهذا الشعر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر سورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت وإن في ركعة، وعم والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة.
وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع ركعات، فلما أسنّ وثقل أوتر بسبع فصلى ركعتين وهو جالس فقرأ فيهما الرحمن والواقعة.
وأخرج ابن حبان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية، فجلس إليّ رهط، فقلت لرجل: اقرأ عليّ، فإذا هو يقرأ حروفاً لا أقرؤها، فقلت: من أقرأك؟
قال: اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا حتى وقفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: اختلفنا في قراءتنا فإذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تغيير ووجد في نفسه حين ذكر الاختلاف، فقال: «إنما هلك من قبلكم بالاختلاف» .
فأمر علياً فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، فإنما هلك من قبلكم بالاختلاف، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفاً لا يقرؤه صاحبه.
قوله تعالى: ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ الآيات.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ خلق الإِنسان علمه البيان ﴾ قال: آدم ﴿ علمه البيان ﴾ قال: بين له سبيل الهدى وسبيل الضلالة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ قال: نعمة الله عظيمة ﴿ خلق الإِنسان ﴾ قال: آدم ﴿ علمه البيان ﴾ قال: علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك عليه، ولله الحجة على عباده وفي قوله: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ إلى أجل بحساب.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: بحساب ومنازل يرسلان.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: عليهما حساب وأجل كأجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: يجريان بحساب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: بقدر يجريان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر ﴾ قال: يدوران في مثل قطب الرحى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي رزين والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم ما انبسط على الأرض والشجر ما كان على ساق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي رزين في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم ما ذهب فرشاً على الأرض ليس له ساق، والشجر ما كان له ساق ﴿ يسجدان ﴾ قال: ظلهما سجودهما.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ ما النجم؟
قال: ما أنجمت الأرض مما لا يقوم على ساق فإذا قام على ساق، فهي شجرة.
قال صفوان بن أسد التميمي: لقد أنجم القاع الكبير عضاته ** وتم به حيّا تميم ووائل وقال زهير بن أبي سلمى: مكلل بأصول النجم تنسجه ** ريح الجنوب كضاحي ما به حبك وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم نجم السماء، والشجر الشجرة يسجد بكرة وعشية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ووضع الميزان ﴾ قال: العدل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا تطغوا في الميزان ﴾ قال: اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك وَأَوْفِ كما تحب أن يُوفَى لك، فإن العدل يصلح الناس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يزن قد أرجح، فقال: أقم اللسان كما قال الله: ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قال: اللسان.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للناس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للخلق.
وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وضعها للأنام ﴾ قال: الأنام الخلق، وهم ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت لبيداً وهو يقول: فإن تسألينا ممن نحن فإننا ** عصافير من هذا الأنام المسخر وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وضعها للأنام ﴾ قال: كل شيء فيه روح.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: كل شيء يدب على الأرض.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للخلق الجن والإِنس.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنخل ذات الأكمام ﴾ قال: أوعية الطلع.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: ورق الحنطة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: الحب الحنطة والشعير، والعصف القشر الذي يكون على الحب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: التبن ﴿ والريحان ﴾ قال: خضرة الزرع.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: العصف ورق الزرع إذا يبس، والريحان ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: العصف الزرع أول ما يخرج بقلاً، والريحان حين يستوي على سوقه ولم يسنبل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كل ريحان في القرآن فهو الرزق.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: العصف أول ما ينبت.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ والريحان ﴾ قال: الرزق.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ والريحان ﴾ قال: الرزق والطعام.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ والريحان ﴾ قال: الرياحين التي يوجد ريحها.
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ والريحان ﴾ قال: ريحانكم هذا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ قال: بأيّ نعمة الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ يعني الجن والإِنس، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها مُنعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم والوصلة إلى حياتكم (١) (٢) (٣) فإن قيل: على هذا إنما تقدم ذكر الإنس في قوله ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾ ولم يجر للجن ذكر حتى يدخل في الخطاب، والجواب عن هذا ما ذكره الفراء قال: العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين فيقال: ارجلاها وازجراها (٤) ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ﴾ وهذا الوجه اختيار ابن الأنباري.
وقال صاحب النظم: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يجر لهم ذكر كما أن يكنى عن الشيء، وإن لم يجر له ذكر كقوله تعالى ﴿ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴾ (٥) وذكر الأزهري قولين آخرين: أحدهما: أنه قد جرى ذكر الأنام وهحناه الجن والإنس، والثاني: أن الله تعالى خاطبهما قبل ذكرهما ثم ذكرهما معا بعقب الخطاب، وهو قوله: ﴿ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴾ كما قال المثقب العبدي (٦) وما أدري إذا يممت أرضا ...
أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ...
أم الشر الذي هو يبتغيني فقال أيهما، ولم يجر للشر ذكر إلا بعد تمام البيت الثاني (٧) وهذا الوجه معنى قول أبي عبيدة والكسائي (٨) وأما معنى تكرير هذه الآية في هذه السورة فقال أصحاب المعاني: معنى التكرير التقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة، كأنه قيل: بأي هذه الآلاء تكذبان، ثم ذكرت آلاء أخر، واقتضت من التقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحدة في نفسها وفيما تقتضيه صفتها وحقيقتها التي تنفصل بها من غيرها.
وشرح ابن قتيبة هذه الجملة شرحًا شافيًا فقال: إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه وذكّر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، وهذا كقولك لرجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه الأيادي وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلًا وأنت طريد أتنكر هذا؟
ألم أحجج بك وأنت صرورة؟
ألم أحملك وأنت راجل؟
أفتنكر هذا (٩) وقال صاحب النظم: إن من عادة العرب الإيجاز والاختصار في بعض الأماكن والإشباع والتوكيد في بعض، والتكرير والإعادة إذا أرادوا الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عباد (١٠) قربا مربط النعامة مني ...
لقحت حرب وائل من حيال وكرر ذكر قول (قربا مربط النعامة) في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة للإبلاغ في التثنية والتحذير وكذلك الجعفي (١١) وكتيبة لبستها بكتيبة حتى ...
تقول نساؤهم هذا فتى فكرر هذه الكلمة في رؤوس أبيات منها، لأنه ذهب مذهب الحارث ابن عباد في العناية والتأكيد، وقال غيرهما: كم نعمة كانت لكم ...
كم كم وكم (١٢) فكرر كم في بيت واحد أربع مرات تأكيدًا لفرط العناية بهذه الكلمة، فكذلك قوله -عز وجل- ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴾، وقوله في ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [[[القمر: 17، 22، 32، 40، 51].]]، وقوله ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ [[[المرسلات: 15، 19، 24، 28، 34، 37، 40، 45، 47، 49].]] جاء هذا كله في التكرير والإعادة في الإبلاغ والتوكيد؛ لأنها كلها تحرير وتذكير وتنبيه (١٣) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 98.
(٢) عند تفسيره الآية (69) من سورة الأعراف وآلاء: النعم، واحدها أَلىّ بالفتح، وإليٌّ، وإلى.
"اللسان" (ألا).
(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314 (٤) انظر: "معاني القرآن" 3/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16.
(٥) من آية (32) من سورة ص، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 158.
(٦) هو عائذ بن محصن بن ثعلبة، أبو عَدِيّ الملقب المثقَّب.
من بني نُكْرَة.
تقدمت ترجمته.
والأبيات وردت في "مغني اللبيب" وشرح شواهده للسيوطي / 69، و"شرح المفصل" 9/ 138، و"المفضليات" ص 292، و"شرح شواهد الشافعية" ص 188.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 58 (نأم).
(٨) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.
(٩) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 35 ب، 34 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16، و"فتح القدير" 5/ 133، والصرورة الذي لم يحج.
(١٠) الحارث بن عباد البكري، كان من حكام ربيعة وفرسانها المعدودين، ولد له عقب.
توفي سنة 55 م.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 262، و"الكامل" 2/ 231، و"الأغاني" 5/ 4، و"الخزانة" 1/ 225، و"الأعلام" 2/ 156، والبيت ورد في "الحيوان" 1/ 22، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 27، و"المنصف" 3/ 59.
(١١) مرثد بن أبي حمران الجعفي، ولكنى أبا حمران.
شاعر جاهلي.
انظر: "الاشتقاق" ص 243، و"المؤتلف" ص 47، البيت ورد في "الأصمعيات" ص 142، ولفظه: وكتيبة وجهتها لكتبه حتى نقول سرائهم هذا الفتى.
(١٢) ورد البيت في "تأويل مشكل القرآن" ص 236، و"أمالي المرتضى" 1/ 84، و"الصباحي" ص 177، ولم ينسب لقائل.
(١٣) قلت: كلام الجرجاني هذا توضيح وبيان لما قاله أهل المعاني، وشرحه ابن قتيبة.
وانظر: "روح المعاني" 27/ 97.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ الآلاء هي: النعم.
واحدها إلى على وزن مِعْي.
وقيل: ألى على وزن قضى.
وقيل: أَلَيْ على وزن أمد أو على وزن حصر، والخطاب للقلين الإنس والجن بدليل قوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان ﴾ [الرحمن: 31].
روي أن هذه الآية لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت أصحابه فقال: جواب الجن خير من سكوتكم.
إني لما قرأتها على الجن قالوا: لا نكذب بشيء من آلاء ربنا وكرر هذه الآية تأكيداً ومبالغة وقيل: إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبله فليس بتأكيد، لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرات.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.
﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.
حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ ﴿ يا أيها الساحر ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.
بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.
وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.
﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.
التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.
وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.
وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.
قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.
قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.
وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.
ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟
قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.
وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.
وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.
وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد .
والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.
قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.
وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.
قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.
نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم عسق ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.
ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.
وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.
وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.
وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.
قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.
وقيل: للإنسان.
وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.
وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.
والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.
ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.
وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.
ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.
وقال الحسن وابن زيد.
على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.
ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟
للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.
وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.
وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.
قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.
وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.
والجان أبو الجن.
وقيل: هو إبليس.
والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.
وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.
ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.
هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.
قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.
وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.
وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.
قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.
قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.
وعن مقاتل: بالضد.
ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.
يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.
ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.
والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.
والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.
والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.
وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.
والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.
وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .
قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.
وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.
فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.
وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.
وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".
والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.
والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.
ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.
نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.
وأقطار السموات والأرض نواحيهما.
واحدها قطر.
وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.
والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.
قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.
ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.
جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.
وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.
وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.
والنحاس والدخان.
ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.
ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.
ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.
وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.
وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.
وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل ﴾ وهو دردي الزيت.
وقيل: الدهان الأديم الأحمر.
عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.
وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.
وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.
والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟
ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.
﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.
والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.
والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.
وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.
ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.
روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.
ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.
والآني الذي بلغ منتهى حره.
قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.
والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.
ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.
أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.
وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا ﴾ وهو ضعيف.
والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.
وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.
وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.
قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟
ويجوز أن يكون ظائرها السندس.
والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.
قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.
وقيل: في الفرش أي عليها.
وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.
قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.
قال مقاتل: هن من حور الجنة.
وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.
قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.
قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.
ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.
وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.
وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.
روى أبو موسى عن النبي : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.
قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.
وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.
والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.
واعلم أنه قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.
وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.
والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.
امرأة مقصورة أي مخدرة.
روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
وعن النبي " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟
والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.
قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.
قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.
قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.
وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.
ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.
وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.
وقيل: الوسائد.
قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.
وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.
ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.
قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.
فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.
ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.
والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ قد عرفت العرب وعلمت أن "الرحمن" على ميزان "فعلان"، ومشتق من الرحمة، لكن أحخدا من الخلائق لا يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسيمته به: رحمانا؛ لذلك خص الله نفسه بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقّاً من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: رحيما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك - علم القرآن رسولنا .
ثم يخرج ذلك على وجوه: أحدها: أنه جبريل - - حيث قال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ لكن خرجت الإضافة إلى الله ؛ لما أنه علمه بأمره.
والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه، لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ينساه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل - - لأنه هو الخالق لفعل التعليم من جبريل، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: آدم ، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الأسماء التي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ﴾ ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: خلق كل إنسان وعلمه البيان: أي: علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي؛ ليعلم أنه لم يخلق الإنسان ليتركه سدى.
ويحتمل: علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا - باللون والطعم واللذة - طعم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته؛ استدلالا بما شاهدوا.
ويحتمل: الاستدلال بالشاهد على معرفة الله ، وهو أنهم لما شاهدوا الإنسان محتاجا، عاجزا، محاطا بالحوائج والحوادث عرفوا أن له خالقا عالما قادرا أنشأه كذلك.
ويحتمل: ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول الله : أنه علمه القرآن، وعلمه البيان، [و]هو بيان القرآن؛ حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إيه، وما لهم وما عليهم.
وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي ، وهو قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، وبعضه إلى آدم - - وهو قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ ، وتفسيره ماذكرناه.
وقال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ آدم، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ بيان الدنيا والآخرة.
وجاز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان علم القرآن، وعلمه البيان أي: علم شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع، ونحو ذلك.
وقال القتبي: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الكلام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل بوجهين: أحدهما: أي: يحسب بهما عدد الأوقات والأزمنة، ويعرف بهما حساب ذلك.
والثاني: يحسب بهما حساب منازلهما التي يطلعان منها ويبغيان فيها، ومجاريهما [التي]، يجريان فيها لا يجاوزانها في شتاء ولا صيف.
وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ جميع الحساب.
وقال القتبي: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب ومنازل لا يعدوانها.
وفيه زيادة معنى: أن الله جعلهما بحيث يعرف بهما حقيقة أعين الأشياء؛ لما جعل فيهما من النور والضياء الذي بهما تتجلى للخلق الأشياء المستورة، فيقال لمنكري الرسالة وتفصيل بمعض البشر على بعض: لما شاهدتم أشياء خصت بفضل ضياء وتجلِّ لم يكن ذلك لغيرها، فلم أنكرتم فضل بعض البشر بفضل بيان وعلم رسالة؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ النجم يحتمل وجهين: أحدهما: الكواكب، فإن كان هو المراد، فكأنه يقول: يسجد له ما به زينة السماء وما به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار.
ويحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق؛ كأنه يقول: يسجد له كل ما يظهر من الأرض ويخرج، ما ارتفع وعلا، وما لم يرتفع.
ثم سجودهما يحتمل وجوها: أحدها: سجود خلقه؛ قد جعل الله في خلقه كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.
والثاني: سجود هذه الأشياء الموا،: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله : ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ .
والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
وقال بعضه الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله : ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ ؟
ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر سجود الموات وطاعتها؛ لأنها موات ليست بأهل السجود، وإنما سجودهما عن اضطرار كل مخلوق في معناه في الدلالة على السجود، وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود من هو من أهل السجود، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أراد حقيقة الرفع، أي: رفعها بغير عمد من الأسفل، ولا تعليق من الأعلى، أي: أنشأها كذلك مرفوعة، لا أ ن كانت موضوعة فرفعها وأمسكها كذلك؛ ليلعم أن قدرته خلاف قدرة الخلق وقوتهم.
والثاني: ﴿ رَفَعَهَا ﴾ أي: رفع قدرها ومنزلتها في قلوب الخلق حتى يرفعوا أيديهم وأبصارهم إليها عند الحاجة؛ لما جعل فيها لهم من الأرزاق والبركات التي تنزل من السماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل حقيقة الميزان الذي يزن الناس به الأشياء، وبه يتحقق الإبقاء الاستيفاء، امتحنهم بذلك؛ ليعرفوا بذلك قبح التقصير فيما أمروا به والمجاوزة عما نهوا عنه، وذلك يحتمل في الأحكام، والشرائع والتوحيد، وصرف الألوهية والعبادة إلى غير الذي يستحقه؛ ليعلموا التقصر في ذلك، والله أعلم.
ويحتمل المراد بالميزان: الأحكام التي وضعت بين الخلق، والشرائع التي جعلت عليهم؛ ليقوموا بوفائها وينتهوا عن التقصير فيها، والتعدي عن حدودها.
وقيل: الميزان: العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وذكر أن الموازين ثلاثة: أحدها: العقول، وهي التي يعرف بها محاسن الأشياء ومساوئها، وقبح الأشياء وحسنها.
والثاني: الميزان الذي جعل بين الخلق لإبقاء الحقوق والاستيفاء.
والثالث: الذي جعل في الآخرة؛ ليوفى به ثواب الأعمال وجزاؤها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ ﴾ أي: لا تنقصوا في الميزان.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ ﴾ أمر بإقامة الوزن والإتمام في الوزن؛ أَمْر بالإتمام، ونهي عن النقصان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهاهنا جمع بينهما صريحا؛ تأكيد لباب الوزن والميزان.
ويحتمل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.
وعن قتادة: كان ابن عباس - - يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين هلك الناس بهما قبلكم، هما: المكيال والميزان.
وقال مجاهد في قوله : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ في الميزان باللسان؛ أي: لسان الميزان.
وقيل: لابن عمر - ما -: إن أهل المدينة لا يوفون الكيل، قال: وما يمنعهم، وقد قال الله : ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ .
قال بعضهم: الأنام: هو كل ذي روح.
وقال بعضهم: الأنام: هو مع الخلق.
ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، [و] وضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ يذكرهم نعمه التي أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها زرقا لهم وقوتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ أي: ذات الغلق والأغطية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ﴾ برفع النون وكسرها؛ فمن كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب الثمار، والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق.
ومن رفعها فعلى الابتداء؛ غطفا على الحب.
واختلفوا في تفسير العصف والريحان: منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما.
وقيل: هو التبن.
وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع.
وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ الحب وما يخرج.
وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع.
وقيل: هو الذي يشتم.
وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عباس - ما -: الريحان: هو الحب.
وقال القتبي: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان الله، أي رزقه، و الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا؛ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ ﴾ .
وقيلأ: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل أنسي وجني في نفسه؛ كقوله : ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ ﴾ ٍ، ليس أن قال الفريقان جيمعا: كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها، فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أ؛سن مردودا منكم، كلما قرأت عليهم ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ قالوا: لا شيء من آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد".
ثم فيما ذكر من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ...
﴾ إلى آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته.
أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم.
وأما بيان قدرته وسلطانه: [فإنه] أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خراج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك الأولاك في البطون، والفراخ في البيض، وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر والأكمام من وراء الحجب، وأمسكها فيها في حال ضفعها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه.
وفيه إثبات البعث من وجهين: أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق.
والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما.
وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعهم، ثم بتركهم سدى لا يستأدي شكر ما أنعم عليهم.
ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم؛ لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن الله ذلك؛ فيكون فيه إثبات الرسالة.
ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء.
ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منايع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد - دليل على وحدانيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد، على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.x6KEd"