تفسير الآية ١٦ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ١٦ من سورة الرحمن

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٦ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟

قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعمة ربكما معشر الثقلين من هذه النعم تكذّبان ؟

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !

؟

ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟

!

والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما بين خلق الثقلين ومادة ذلك وكان ذلك منة منه [تعالى] على عباده قال: { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" فبأي آلاء ربكما تكذبان "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبأي آلاء ربكما تكذبان».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبأي نِعَم ربكما- يا معشر الإنس والجن- تكذِّبان؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الجان وجهان: أحدهما: هو أبو الجن كما أن الإنسان المذكور هنا هو أبو الإنس وهو آدم ثانيهما: هو الجن بنفسه فالجان والجن وصفان من باب واحد، كما يقال: ملح ومالح، أو نقول الجن اسم الجنس كالملح والجان مثل الصفة كالمالح.

وفيه بحث: وهو أن العرب تقول: جن الرجل ولا يعلم له فاعل يبني الفعل معه على المذكور، وأصل ذلك جنه الجان فهو مجنون، فلا يذكر الفاعل لعدم العلم به، ويقتصر على قولهم: جن فهو مجنون، وينبغي أن يعلم أن القائل الأول لا يقول: الجان اسم علم لأن الجان للجن كآدم لنا، وإنما يقول بأن المراد من الجان أبوهم، كما أن المراد من الإنسان أبونا آدم، فالأول منا خلق من صلصال، ومن بعده خلق من صلبه، كذلك الجن الأول خلق من نار، ومن بعده من ذريته خلق من مارج، والمارج المختلط ثم فيه وجهان: أحدهما: أن المارج هو النار المشوبة بدخان والثاني: النار الصافية والثاني أصح من حيث اللفظ والمعنى أما اللفظ: فلأنه تعالى قال: ﴿ مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ ﴾ أي نار مارجة، وهذا كقول القائل: هو مصوغ من ذهب فإن قوله من ذهب فيه بيان تناسب الأخلاط فيكون المعنى الكل من ذهب غير أنه يكون أنواعاً مختلفة مختلطة بخلاف ما إذا قلت: هذا قمح مختلط فلك أن تقول: مختلط بماذا فيقول: من كذا وكذا فلو اقتصر على قوله: من قمح وكان منه ومن وغيره أيضاً لكان اقتصاره عليه مختلط بما طلب من البيان وأما المعنى: فلأنه تعالى كما قال: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن صلصال  ﴾ أي من طين حر كذلك بين أن خلق الجان من نار خالصة فإن قيل: فكيف يصح قوله: ﴿ مَّارِجٍ ﴾ بمعنى مختلط مع أنه خالص؟

نقول: النار إذا قويت التهبت، ودخل بعضها في بعض كالشيء الممتزج امتزاجاً جيداً لا تميز فيه بين الأجزاء المختلطة وكأنه من حقيقة واحدة كما في الطين المختمر، وذلك يظهر في التنور المسجور، إن قرب منه الحطب تحرقه فكذلك مارج بعضها ببعض لا يعقل بين أجزائها دخان وأجزاء أرضية، وسنبين هذا في قوله تعالى: ﴿ مَرَجَ البحرين  ﴾ فإن قيل: المقصود تعديد النعم على الإنسان، فما وجه بيان خلق الجان؟

نقول: الجواب عندي من وجوه: أحدها: ما بينا أن قوله: ﴿ رَبّكُمَا ﴾ خطاب مع الإنس والجن يعدد عليهما النعم بل على الإنسان وحده ثانيها: أنه بيان فضل الله تعالى على الإنسان، حيث بين أنه خلق من أصل كثيف كدر، وخلق الجان من أصل لطيف، وجعل الإنسان أفضل من الجان فإنه إذا نظر إلى أصله، علم أنه ما نال الشرف إلا بفضل الله تعالى فكيف يكذب بآلاء الله ثالثها: أن الآية مذكورة لبيان القدرة لا لبيان النعمة، وكأنه تعالى لما بين النعم الثمانية التي ذكرها في أول السورة، فكأنه ذكر الثمانية لبيان خروجها عن العدد الكثير الذي هو سبعة ودخولها في الزيادة التي يدل عليها الثمانية كما بينا وقلنا إن العرب عند الثامن تذكر الواو إشارة إلى أن الثامن من جنس آخر، فبعد تمام السبعة الأول شرع في بيان قدرته الكاملة، وقال: هو الذي خلق الإنسان من تراب والجان من نار: (فبأي آلاء) الكثيرة المذكورة التي سبقت من السبعة، والتي دلت عليها الثامنة: (تكذبان) وإذا نظرت إلى ما دلت عليه الثمانية وإلى قوله: ﴿ يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ  فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ ، يظهر لك صحة ما ذكر أنه بين قدرته وعظمته ثم يقول: فبأي تلك الآلاء التي عددتها أولاً تكذبان، وسنذكر تمامه عند تلك الآيات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الصلصال: الطين اليابس له صلصلة.

والفخار: الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف.

فإن قلت: قد اختلف التنزيل في هذا، وذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿ مّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ ﴾ [الحجر: 26- 28- 33]، ﴿ مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ [الصافات: 11] ﴿ مّن تُرَابٍ ﴾ [آل عمران: 59] .

قلت: هو متفق في المعنى، ومفيد أنه خلقه من تراب: جعله طيناً، ثم حمأ مسنون، ثم صلصالا.

و ﴿ الجآن ﴾ أبو الجن.

وقيل: هو إبليس.

والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه.

وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ مِّن نَّارٍ ﴾ ؟

قلت: هو بيان لمارج، كأنه قيل: من صاف من نار.

أو مختلط من نار أو أراد من نار مخصوصة، كقوله تعالى: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى ﴾ [الليل: 14] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ ﴾ الصَّلْصالُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصَلَةٌ، والفَخّارُ الخَزَفُ وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا فَلا يُخالِفُ ذَلِكَ قَوْلُهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ونَحْوَهُ.

﴿ وَخَلَقَ الجانَّ ﴾ الجِنَّ أوْ أبا الجِنِّ.

﴿ مِن مارِجٍ ﴾ مِن صافٍ مِنَ الدُّخانِ.

﴿ مِن نارٍ ﴾ بَيانٌ لِ مارِجٍ فَإنَّهُ في الأصْلِ لِلْمُضْطَرِبِ مِن مَرَجَ إذا اضْطَرَبَ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في أطْوارِ خِلْقَتِكُما حَتّى صَيَّرَكُما أفْضَلَ المَرْكَباتِ وخُلاصَةَ الكائِناتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وخَلَقَ الجانَّ ﴾ هو أبُو الجِنِّ وهو إبْلِيسٌ قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ ولَيْسَ بِإبْلِيسٍ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ شامِلٍ لِلْجِنِّ كُلِّهِمْ ﴿ مِن مارِجٍ ﴾ مِن لَهَبٍ خالِصٍ لا دُخّانَ فِيهِ - كَما هو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - وقِيلَ: هو اللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِسَوادِ النّارِ، أوْ بِخُضْرَةٍ وصُفْرَةٍ وحُمْرَةٍ - كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ - مِن مَرَجِ الشَّيْءِ إذا اضْطَرَبَ واخْتَلَطَ، و( مِن )لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نارٍ ﴾ بَيانٌ لِمارِجٍ والتَّنْكِيرُ لِلْمُطابَقَةِ ولِأنَّ التَّعْرِيفَ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: خُلِقَ مِن نارٍ خالِصَةٍ، أوْ مُخْتَلَطَةٍ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، وجُوِّزَ جَعْلُ ( مِن ) فِيهِ ابْتِدائِيَّةٌ فالتَّنْكِيرُ لِأنَّهُ أُرِيدَ نارٌ مَخْصُوصَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ مِن بَيْنِ النِّيرانِ لا هَذِهِ المَعْرُوفَةُ، وأيًّا ما كانَ فالمارِجُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجانِّ كالتُّرابِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ، وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّ الجِنَّ نُفُوسٌ مُجَرَّدَةٌ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفَ خَلْقِكُما مِن سَوابِغَ النِّعَمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي سبعون وثمان آيات مدنية قوله تبارك وتعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قال كفار مكة: وَمَا الرحمن؟

أَنَسْجُدُ لِمَا تأمرنا؟

وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب.

فأنزل الله تعالى: الرَّحْمنُ فأخبر عن نفسه، وذكر صفة توحيده، فقال: الرَّحْمنُ يعني: الرحمن الذي أنكروه عَلَّمَ الْقُرْآنَ يعني: أنزل القرآن على محمد  ليقرأ عليه جبريل-  ، - ويعلمه، خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: الذي خلق آدم من أديم الأرض.

ويقال: خلق محمداً.

ويقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ أراد به جنس الإنسان.

يعني: جعله مخبراً، مميزاً، حتى يميز الإنسان من جميع الحيوان عَلَّمَهُ الْبَيانَ يعني: الكلام.

ويقال: يعني: الفصاحة.

ويقال: الفهم.

ثم قال: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ يعني: بحساب، ومنازل، ولا يتعدانها.

ويقال: بِحُسْبانٍ يعني: يدلان على عدد الشهور، والأوقات، ويعرف منها الحساب وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وَالنَّجْمُ كل نبات ينبسط على وجه الأرض ليس له ساق، مثل الكرم، والقرع، ونحو ذلك، وَالشَّجَرُ كل نبات له ساق يَسْجُدانِ يعني: ظلهما يسجدان لله تعالى في أول النهار، وآخره ويقال: يَسْجُدانِ يعني: يسبحان الله تعالى كما قال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ويقال: خلقهما على خلقه، فيها دليل لربوبيته، ويدل الخلق على سجوده.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ قال: نجوم السماء، وأشجار الأرض، يسجدان بكرة وعشياً.

ثم قال عز وجل: وَالسَّماءَ رَفَعَها يعني: من الأرض مسيرة خمسمائة عام وَوَضَعَ الْمِيزانَ يعني: أنزل الميزان للخلق، يوزن به، وإنما أنزل في زمان نوح-  -، ولم يكن قبل ذلك ميزان أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ يعني: لكي لا تظلموا في الميزان.

ويقال: ووضع الميزان.

يعني: أنزل العدل في الأرض ألا تطغوا فى الميزان.

يعني: لكي لا تميلوا عن العدل وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ يعني: اعدلوا في الوزن وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يعني: لا تنقصوا حقوق الناس في الوزن.

ويقال: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ يعني: أقيموا اللسان بالقول، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يعني: لا تقولوا بغير حق.

وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ يعني: بسط الأرض للخلق فِيها فاكِهَةٌ يعني: وخلق من الأرض، من ألوان الفاكهة، وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات النخيل الطويل، الموقرة بالطلع، ذات الخلق، وإنما العجائب في خلقه، وما يتولد منه لأنه يتولد من النخيل، من المنافع ما لا يحصى.

وقال القتبي: ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات الكوى قبل أن تتفتق، وغلاف كل شيء أكمه ذاتُ الْأَكْمامِ يعني: ذات الغلاف.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الرَّحْمَنِ وَفِي نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: سِوى آيَةٍ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ.

﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ  ﴾ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: وما الرَّحْمَنُ؟!

فَأنْكَرُوهُ وقالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقالَ تَعالى: "الرَّحْمَنُ" الَّذِي أنْكَرُوهُ هو الَّذِي "عَلَّمَ القُرْآنَ" .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا، وعَلَّمَ مُحَمَّدٌ أُمَّتَهَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: يَسَّرَ القُرْآنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فالمَعْنى: خَلَقَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

فَعَلى هَذا، في "البَيانِ" سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: النُّطْقُ والتَّمْيِيزُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: [طُرُقُ] الهُدى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والسّادِسُ: الكِتابَةُ والخَطُّ، قالَهُ يَمانٌ.

والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

فَعَلى هَذا في "البَيانِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ.

والثّانِي: بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ.

والثّالِثُ اللُّغاتُ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، عَلَّمَهُ بَيانَ ما كانَ وما يَكُونُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ أيْ: بِحِسابٍ ومَنازِلَ، لا يَعْدُوانِها؛ وقَدْ كَشَفْنا هَذا المَعْنى في [الأنْعامِ: ٩٦] .

قالَ الأخْفَشُ: أُضْمِرَ الخَبَرُ، وأظُنُّهُ- واللَّهُ أعْلَمُ- أرادَ: يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ لَيْسَ لَهُ ساقٌ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، واللُّغَوِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَجْمُ السَّماءِ، والمُرادُ بِهِ: جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَأمّا الشَّجَرُ: فَكُلُّ ما لَهُ ساقٌ.

قالَ الفَرّاءُ: سُجُودُهُما: أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذْ أشْرَقَتْ، ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها حَتّى يَنْكَسِرَ الفَيْءُ.

وقَدْ أشَرْتُ في [النَّحْلِ: ٤٩] إلى مَعْنى سُجُودِ ما لا يَعْقِلُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما ثُنِّيَ فِعْلُهُما عَلى لَفْظِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحْيا الحَيَوانُ وتَمْتَدَّ الأنْفاسُ، وأجْرى الرِّيحَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ، كَيْما يَتَرَوَّحُ [الخَلْقُ] .

ولَوْلا ذَلِكَ لَماتَتِ الخَلائِقُ كَرْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ واللُّغَوِيُّونَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأنَّ المُعادَلَةَ: مُوازَنَةُ الأشْياءِ.

والثّانِي: أنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، لِيَتَناصَفَ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ في "أنْ" وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى اللّامِ؛ والمَعْنى: لِئَلّا تَطْغَوْا.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ "لا" لِلنَّهْيِ؛ والمَعْنى: أيْ: لا تَطْغَوْا، أيْ لا تُجاوِزُوا العَدْلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أيْ: لا تَنْقُصُوا الوَزْنَ.

فَأمّا الأنامُ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كُلُّ ذِي رُوحٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ أيْ، ما يُتَفَكَّهُ [بِهِ] مِن ألْوانِ الثِّمارِ "والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ" والأكْمامُ: الأوْعِيَةُ والغُلُفُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَ هَذا في [حَم السَّجْدَةِ: ٤٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحَبُّ ﴾ يُرِيدُ: جَمِيعَ الحُبُوبِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والحَبَّ" بِنَصْبِ الباءِ "ذا العَصْفِ" بِالألِفِ "والرَّيْحانَ" بِنَصْبِ النُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ إلّا ابْنَ أبِي سُرَيْجٍ، وخَلَفٌ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانِ" بِخَفْضِ النُّونِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ.

وَفِي "العَصْفِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هو ورَقُ الزَّرْعِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ، ثُمَّ يَصِيرُ إذا جَفَّ ويَبِسَ ودِيسَ تِبْنًا.

والثّانِي: أنَّ العَصْفَ: المَأْكُولُ مِنَ الحَبِّ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

وَفِي "الرَّيْحانِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: والسُّدِّيُّ.

قالَ الفَرّاءُ: الرَّيْحانُ في كَلامِ العَرَبِ: الرِّزْقُ، تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ لِلنَّمِرِ بْنِ تَوْلِبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ والثّانِي: أنَّهُ خُضْرَةُ الزَّرْعِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: فَعَلى هَذا، سُمِّيَ رَيْحانًا، لِاسْتِراحَةِ النَّفْسِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَيْحانُكم هَذا الَّذِي يُشَمُّ، رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "الرَّيْحانُ" ما أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الرَّيْحانِ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما [لَمْ] يُؤْكَلْ مِنَ الحَبِّ، والعَصْفُ: المَأْكُولُ مِنهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خاطَبَ اثْنَيْنِ، وإنَّما ذَكَرَ الإنْسانَ وحْدَهُ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُخاطِبُ الواحِدَ بِفِعْلِ الِاثْنَيْنِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ  ﴾ والثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ أُرِيدَ بِهِ: الإنْسانُ والجانُّ، فَجَرى الخِطابُ لَهُما مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وتَعْلِيمِ البَيانِ وخَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، خاطَبَ الجِنَّ والإنْسَ، قالَ: "فَبِأيِّ آلاء رَبّكُما تَكْذِبانِ " أيْ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، لِأنَّها كُلَّها مُنْعَمٌ بِها عَلَيْكم في دَلالَتِها إيّاكم عَلى وحْدانِيَّتِهِ وفي رِزْقِهِ إيّاكم ما بِهِ قِوامُكم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الآلاءُ: النِّعَمُ، واحِدُها: ألًا، مِثْلُ: قَفًا، وإلًا، مِثْلُ: مِعًى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ فِيما قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وقالَ نافِعُ بْنُ أبِي نَعِيمٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وكُرَيْبٌ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عِنْدَ إبايَةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ أنْ يَكْتُبَ في الصُلْحِ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، والأوَّلُ أصَحُّ، وإنَّما نَزَلَتْ حِينَ قالَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ: ﴿ وَما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا  ﴾ ؟، وفي السِيرَةِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَهَرَ بِقِراءَتِها في المَسْجِدِ حَتّى قامَتْ إلَيْهِ أنْدِيَةُ قُرَيْشٍ فَضَرَبُوهُ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الرَحْمَنُ ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ ﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ ﴿ الشَمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ﴿ والسَماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ ﴾ ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ ﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ ﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الرَحْمَنُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِنَ الرَحْمَةِ، وهو اسْمٌ اخْتُصَّ اللهُ تَعالى بِالِاتِّصافِ بِهِ، وحَكى ابْنُ فَوْرِكِ عن قَوْمٍ أنَّهم يَجْعَلُونَ "الرَحْمَنُ" آيَةً تامَّةً، كَأنَّ التَقْدِيرَ: الرَحْمَنُ رَبُّنا، وقالَهُ الرُمّانِيُّ وأنَّ التَقْدِيرَ: اللهُ الرَحْمَنُ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما الآيَةُ "الرَحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ"، فَهو جُزْءُ آيَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: هو مَنَّ بِهِ، وعَلَّمَهُ الناسُ، وخَصَّ حُفّاظَهُ وفَهَمَتَهُ بِالفَضْلِ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "خَيْرُكم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ"،» ومِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أنَّ اللهَ تَعالى ذَكَرَ القُرْآنَ في كِتابِهِ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا ما فِيها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا ما مِنها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظَةِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذُكِرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا كُلُّها نَصَّتْ عَلى خُلُقِهِ، وقَدِ اقْتَرَنَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ السُورَةِ عَلى هَذا النَحْوِ.

و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُ، و"البَيانَ": النُطْقَ والفَهْمَ والإبانَةَ عن ذَلِكَ بِقَوْلٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وذَلِكَ هو الَّذِي فَضَّلَ الإنْسانَ مِن سائِرِ الحَيَوانِ، وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ والشَرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ، وقالَ قَتادَةُ: "الإنْسانَ" آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: "الإنْسانَ" مُحَمَّدٌ  ، وهَذا التَخْصِيصُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ المَعْلُوماتِ داخِلَةٌ في البَيانِ الَّذِي عَلِمَهُ الإنْسانُ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: مِن ذَلِكَ البَيانُ وفِيهِ مُعْتَبَرُ كَوْنِ الشَمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبانٍ، فَحَذَفَ هَذا كُلَّهُ، ورَفَعَ "الشَمْسُ" بِالِابْتِداءِ، وهَذا ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِحُسْبانٍ" فَقالَ مَكِّيٌّ، والزَهْراوِيُّ، عن قَتادَةَ: هو مَصْدَرٌ كالحِسابِ في المَعْنى، كالغُفْرانِ والطُغْيانِ في الوَزْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ لَها في طُلُوعِها وغُرُوبِها وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حِساباتٌ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مالِكٍ، وقَتادَةَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَيْلُ والنَهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسَبُ شَيْئًا مِن مَقادِيرِ الزَمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفُلْكُ المُسْتَدِيرُ، شُبِّهَ بِحُسْبانِ الرَحى وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَدُورُ المِطْحَنَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسَدِّيُّ، وسُفْيانُ: "النَجْمُ": النَباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، وسُمِّيَ نَجْمًا لِأنَّهُ نَجَمٌ، أيْ: ظَهَرَ وطَلَعَ، وهو مُناسِبٌ لِلشَّجَرِ يُشَبَّه بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: النَجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَماءِ، والنِسْبَةُ الَّتِي لَها مِنَ السَماءِ هي الَّتِي لِلشَّجَرِ مِنَ الأرْضِ لِأنَّهُما في ظاهِرِهِما، وسُمِّيَ الشَجَرُ مِنَ اشْتِجارِ غُصُونِهِ وهو تَداخُلُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا السُجُودِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَجَرِ بِالظِلِّ واسْتِدارَتِهِ، وكَذَلِكَ في النَجْمِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا ما مَعْناهُ: أنَّ السُجُودَ في هَذا كُلِّهِ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَذَلُّلِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................

تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وقالَ تَعالى: "يَسْجُدانِ" وهُما جَمْعانِ، لِأنَّهُ راعى اللَفْظَةَ، لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلنَّوْعِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ألَمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الصَغِيرَةِ وهي "يَسْجُدانِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ وهَذِهِ كَذَلِكَ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الكَبِيرَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، والأُخْرى كَذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَخَفَضَ المِيزانَ"، ومَعْنى "وَضَعَ": أقَرَّ وأثْبَتُ، و"المِيزانَ": العَدْلُ فِيما قالَ الطَبَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأكْثَرُ الناسِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: إنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، وهو جُزْءٌ مِنَ المِيزانِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ العَدْلِ، ويَظْهَرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ العَدْلَ، وأنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المِيزانَ المَعْرُوفَ، وكُلُّ ما قِيلَ مُحْتَمَلٌ سائِغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَطْغَوْا" نَهْيٌ عَنِ التَعَمُّدِ الَّذِي هو طُغْيانٌ بِالمِيزانِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ مِنَ التَحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنِ الناسِ، و"ألّا" هو بِتَقْدِيرِ: "لِئَلّا" أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"تَطْغَوْا" نُصِبَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً فَيَكُونُ "تَطْغَوْا" جُزِمَ بِالنَهْيِ، وفي مُصْحَفِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا تَطْغَوْا" بِغَيْرِ "أنْ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلا تُخْسِرُوا" مَن أخْسَرُ، أيْ: نَقَصَ وأفْسَدَ، وقالَ بِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "وَتُخْسِرُوا" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ السِينِ مَن خَسِرَ، ويُقالُ: خَسِرَ بِمَعْنى نَقَصَ وأفْسَدَ كَجَبَرَ وأجْبَرَ، وقَرَأ بِلالٌ أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ ابْنُ جِنِّيٍّ -: "تَخْسَرُوا" بِفَتْحِ التاءِ والسِينِ مِن خَسِرَ بِكَسْرِ السِينِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الأنامِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هم بَنُو آدَمَ فَقَطْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هُمُ الثَقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والشَعْبِيُّ: هُمُ الحَيَوانُ كُلُّهُ.

و"الأكْمامِ" في النَخْلِ مَوْجُودَةٌ في المَوْضِعَيْنِ: فَجُمْلَةُ فُرُوعِ النَخْلَةِ في أكْمامٍ مِن لِيفِها، وطَلَعَ النَخْلُ في كُمٍّ مِن جِهَةٍ، وقالَ قَتادَةُ: أكْمامُ النَخِيلِ رِقابُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكِمُّ مِنَ النَباتِ كُلُّ ما التَفَّ عَلى شَيْءٍ وسَتَرَهُ، ومِنهُ كَمائِمُ الزَهْرِ، وبِهِ شُبِّهَ كُمُّ الثَوْبِ.

﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ، الحَبُّ ذُو العَصْفِ هو القَمْحُ والشَعِيرُ وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الحَبِّ الَّذِي لَهُ سُنْبُلٌ وأوراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، وهي العَصِيفَةُ إذا يَبِسَتْ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: تُسْقى مَذانِبَ قَدْ مالَتْ عَصِيفَتُها ∗∗∗ حُدُورُها مِن أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَصْفُ: التِبْنُ، وتَقُولُ العَرَبُ: خَرَجْنا نَتَعَصَّفُ، أيْ: يَسْتَعْجِلُونَ عَصِيفَةَ الزَرْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو البَرْهَسِمِ: "والحَبَّ" -بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "الأرْضَ"- "ذا العَصْفِ والرَيْحانِ"، إلّا أنَّ أبا البَرْهَسْمِ خَفَضَ النُونَ.

واخْتَلَفُوا في الرَيْحانِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: الرِزْقُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ وجَنَّتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ وقالَ الحَسَنُ: هو رَيْحانُكم هَذا، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ ما قامَ عَلى ساقٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: الرَيْحانُ هو كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِيحِ مِنَ النَباتِ، وفي هَذا النَوْعِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَمِنهُ الأزْهارُ والمَندَلُ والعَقاقِيرُ وغَيْرُ ذَلِكَ وقالَ الفَرّاءُ: العَصْفُ فِيما يُؤْكَلُ، والرَيْحانُ كُلُّ ما لا يُؤْكَلُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" وَهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كالأُولى، في الإعْرابِ حَسَنَةُ الِاتِّساقِ عَطْفًا عَلى "فاكِهَةٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "والحَبُّ" بِالرَفْعِ "ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" بِخَفْضِ "الرَيْحانِ" عَطْفًا عَلى "العَصْفِ"، كَأنَّ "الحَبَّ" هُما لَهُ عَلى أنَّ "العَصْفَ" مِنهُ الوَرَقُ وكُلُّ ما يُعْصَفُ بِاليَدِ والرِيحِ فَهو رِزْقُ البَهائِمِ، و"الرَيْحانُ" مِنهُ الحَبُّ وهو رِزْقُ الإنْسِ، والرَيْحانُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- لا يَدْخُلُ فِيهِ المَشْمُومُ بِتَكَلُّفٍ.

و"رَيْحانُ" هو مِن ذَواتِ الواوِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ رَيْحانُ اسْمًا وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فِعْلانِ، كاللِيّانِ وما جَرى مَجْراهُ أصْلُهُ رَوْحانُ، أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في "أشاوِي"، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِمّا شَذَّ في المُعْتَلِّ كَما شَذَّ كَيْنُونَةَ وبَيْنُونَةَ، فَأصْلُهُ رَيْوَحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدْغَمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "رَيْحانُ" فَخُفِّفَ، كَما قالُوا: مَيْتٌ ومَيِّتٌ وهَيْنٌ وهَيِّنٌ.

و"الآلاءُ": النِعَمُ، واحِدُها إلًى مِثْلُ مِعًى وأُلًى مِثْلُ نَقًى، حَكى هَذَيْنِ أبُو عُبَيْدَةَ، وألْيٌ مِثْلُ أمْنٍ، وإلْيٌ مِثْلُ حِصْنٍ، حَكى هَذَيْنِ الزَهْراوِيُّ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "رَبُّكُما" لِلْجِنِّ والإنْسِ، وساغَ ذَلِكَ ولَمْ يُصَرِّحْ لَها بِذِكْرٍ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنَّهُما قَدْ ذُكِرا في قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْأنامِ" عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ الثِقْلانِ، وإمّا عَلى أنَّ أمْرَهُما مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "خَلَقَ الإنْسانَ" و"خَلَقَ الجانَّ" فَساغَ تَقْدِيمُهُما في الضَمِيرِ اتِّساعًا.

وقالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هَذا مِن بابِ "ألْقِيا في جَهَنَّمَ"، "وَيا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ"، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: خُوطِبَ مَن يَعْقِلُ لِأنَّ المُخاطَبَةَ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ لِلْإنْسِ والجانِّ، ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا قَرَأها النَبِيُّ  سَكَتَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "إنَّ جَوابَ الجِنِّ خَيْرٌ مِن سُكُوتِكُمْ، إنِّي لَمّا قَرَأتُها عَلى الجِنِّ قالُوا: لا نُكَذِّبُ بِآلاءِ رَبِّنا".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا توبيخ على عدم الاعتراف بنعم الله تعالى، جيء فيه بمثل ما جيء به في نظيره الذي سبقه ليكون التوبيخ بكلام مثللِ سابقه، وذلك تكريرٌ من أسلوب التوبيخ ونحوه أن يكون بمثل الكلام السابق، فحق هذا أن يسمى بالتعداد لا بالتكرار، لأنه ليس تكريراً لمجرد التأكيد، فالفاء من قوله: ﴿ فبأي ألاء ربكما ﴾ هنا تفريع على قوله: ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾ [الرحمن: 17] لأن ربوبيته تقتضي الاعتراف له بنعمة الإِيجاد والإِمداد وتحصل من تماثل الجمل المكررة فائدة التأكيد والتقرير أيضاً فيكون للتكرير غرضان كما قدمناه في الكلام على أول السورة.

وفائدة التكرير توكيد التقرير بما لله تعالى من نعم على المخاطبين وتعريض بتوبيخهم على إشراكهم بالله أصناماً لا نعمة لها على أحد، وكلها دلائل على تفرد الإِلهية.

وعن ابن قتيبة «أن الله عدّد في هذه السورة نعماء، وذكر خلقه آلاءه ثم أتبع كل خلة وَصَفها، ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها» اه.

وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة.

وقال الشريف المرتضى في مجالسه وأماله المسمّى «الدرر والغرر»: وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم، قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً: على أن ليس عدلاً من كليب *** إذا طرد اليتيم عن الجزور وذكر المصراع الأول ثماني مرات في أوائل أبيات متتابعة.

وقال الحارث بن عياد: قَرِّبَا مربط النعامة مني *** لقحت حرب وائل عن حبال ثم كرر قوله: قرِّبا مربط النعامة مني، في أبيات كثيرة من القصيد.

وهكذا القول في نظائر قوله: ﴿ فبأي ألاء ربكما تكذبان ﴾ المذكور هنا إلى ما في آخر السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.

وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ كُلُّها.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقُطْرُبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ فاتِحَةُ ثَلاثِ سُوَرٍ إذا جُمِعْنَ كُنَّ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: "الر" و "حم" و "ن" فَيَكُونُ مَجْمُوعُ هَذِهِ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلَّمَهُ النَّبِيَّ  حَتّى أدّاهُ إلى جَمِيعِ النّاسِ.

الثّانِي: سَهَّلَ تَعَلُّمَهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ.

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ النّاسِ وإنْ كانَ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ لِأنَّهُ بِالبَيانِ فَضُلَ عَلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَيانَ الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: المَنطِقُ والكَلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: الخَطُّ، وهو مَأْثُورٌ.

الخامِسُ: الهِدايَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

السّادِسُ: العَقْلُ لِأنَّ بَيانَ اللِّسانِ مُتَرْجِمٌ عَنْهُ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنْ يَكُونَ البَيانُ ما اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ: إبانَةِ ما في نَفْسِهِ ومَعْرِفَةِ ما بَيَّنَ لَهُ.

وَقَوْلٌ ثامِنٌ لِبَعْضِ أصْحابِ الخَواطِرِ: خَلَقَ الإنْسانَ جاهِلًا بِهِ، فَعَلَّمَهُ السَّبِيلَ إلَيْهِ.

﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِحِسابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْبانُ مَصْدَرُ الحِسابِ، وقِيلَ: جَمْعُهُ.

الثّانِي: مَعْنى الحُسْبانِ هَذِهِ آجالُها، فَإذا انْقَضى الأجَلُ كانَتِ القِيامَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِما الزَّمانُ لِامْتِيازِ النَّهارِ بِالشَّمْسِ واللَّيْلِ بِالقَمَرِ وَلَوِ اسْتَمَرَّ أحَدُهُما فَكانَ الزَّمانُ لَيْلًا كُلَّهُ أوْ نَهارًا كُلَّهُ لِما عُرِفَ قَدْرُ الزَّمانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: يَدُورانِ، وقِيلَ إنَّهُما يَدُورانِ في مِثْلِ قُطْبِ الرَّحى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: مَعْناهُ يَجْرِيانِ بِقَدَرٍ.

﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَجْمُ السَّماءِ، وهو مُوَحَّدٌ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ النَّجْمَ النَّباتُ الَّذِي قَدْ نَجُمَ في الأرْضِ وانْبَسَطَ فِيها، لَيْسَ لَهُ ساقٌ، والشَّجَرُ ما كانَ عَلى ساقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي سُجُودِهِما خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو سُجُودُ ظِلِّهِما، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: هو ما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ والقُدْرَةِ الَّتِي تُوجِبُ السُّجُودَ والخُضُوعَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَهُما دَوَرانُ الظِّلِّ مَعَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الرّابِعُ: أنَّ سُجُودَ النَّجْمِ أُفُولُهُ، وسُجُودَ الشَّجَرِ إمْكانُ الِاجْتِناءِ لِثِمارِها.

الخامِسُ: أنَّ سُجُودَهُما أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذا أشْرَقَتْ ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها إذا انْكَسَرَ الفَيْءُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ يَعْنِي عَلى الأرْضِ.

﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المِيزانُ ذُو اللِّسانِ لِيَتَناصَفَ بِهِ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّ المِيزانَ الحَكَمُ.

الثّالِثُ: قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّهُ العَدْلُ، ومِنهُ قَوْلِ حَسّانٍ ويَثْرِبُ تَعْلَمُ أنّا بِها إذا التَبَسَ الأمْرُ مِيزانُها ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ وفي المِيزانِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأقاوِيلِ: أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ وطُغْيانُهُ الجَوْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مِيزانُ الأشْياءِ المَوْزُوناتِ وطُغْيانُهُ البَخْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يا مَعْشَرَ المَوالِي وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلَكَ النّاسُ قَبْلَكُمْ: المِكْيالُ والمِيزانُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الحَكَمُ، وطُغْيانُهُ التَّحْرِيفُ.

﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، قالَ مُجاهِدٌ: القِسْطُ: العَدْلُ.

﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ أيْ لا تُنْقِصُوهُ بِالبَخْسِ قِيلَ: إنَّهُ المِقْدارُ: فالجَوْرُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ العَدْلُ، والتَّحْرِيفُ إنْ قِيلَ: الحُكْمُ.

وَفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: أنَّهُ مِيزانُ حَسَناتِكم يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ أيْ بَسَطَها ووَطَّأها لِلْأنامِ لِيَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ويَقْتاتُوا مِنها.

وَفي الأنامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَراءِ في رَسُولِ اللَّهِ  مُبارَكُ الوَجْهِ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِهِ ∗∗∗ ما في الأنامِ لَهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ الثّانِي: أنَّ الأنامَ الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّ الأنامَ جَمِيعُ الخَلْقِ مِن كُلِّ ذِي رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَنامُ، قالَ الشّاعِرُ جادَ الإلَهُ أبا الوَلِيدِ ورَهْطَهُ ∗∗∗ رَبُّ الأنامِ وخَصَّهُ بِسَلامٍ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذاتَ الأكْمامِ النَّخْلُ، وأكْمامُها لِيفُها الَّذِي في أعْناقِها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ رَقَبَةُ النَّخْلِ الَّتِي تُكَمَّمُ فِيهِ طَلْعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وذاتُ أثارَةٍ أكَلْتُ عَلَيْها ∗∗∗ نَباتًا في أكْمِتَةِ قِفارُ الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّلْعُ المُكَمَّمُ الَّذِي هو كِمامُ الثَّمَرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّ مَعْنى ذاتِ الأكْمامِ أيْ ذَواتِ فُضُولٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ ﴾ أمّا الحَبُّ فَهو كُلُّ حَبٍّ خَرَجَ مِن أكْمامِها كالبُرِّ والشَّعِيرِ.

وَأمّا العَصْفُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الزَّرْعُ إذا اصْفَرَّ ويَبِسَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ حَبُّ المَأْكُولِ مِنهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ وأمّا الرِّيحانُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ أيْ رِزْقَهُ، ويُقالُ سُبْحانَكَ ورَيْحانَكَ أيْ رِزْقَكَ، وقالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ ورِخْيَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ قالَهُ الضَّحّاكُ، ورُخْيَتُهُ هي لُغَةُ حِمْيَرٍ.

الثّانِي: أنَّ الرَّيْحانَ الزَّرْعُ الأخْضَرُ الَّذِي لَمْ يُسَنْبَلْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الرَّيْحانُ الَّذِي يُشَمُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّ العَصْفَ الوَرَقُ الَّذِي لا يُؤْكَلُ والرَّيْحانُ هو الحَبُّ المَأْكُولُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ في الآلاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النِّعَمُ، وتَقْدِيرُهُ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ كامِلٌ يَجْمَعُ الآلاءَ الفَتى ∗∗∗ بِيَدَيْهِ سَيِّدُ السّاداتِ خَصْمٌ الثّانِي: أنَّها القُدْرَةُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ فَبِأيِّ قُدْرَةِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والكَلْبِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ رَبِّكُما إشارَةٌ إلى الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ في قَوْلِ الجَمِيعِ.

وَقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: (ما لِي أراكم سُكُوتًا؟

!

الجِنُّ أحْسَنُ مِنكم رَدًّا، كُنْتُ كُلَّما قَرَأْتُ عَلَيْهِمِ الآيَةَ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبِّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ» .

وتِكْرارُها في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَقْرِيرِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها، فَقَرَّرَهم عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ مِنها، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ وهَبْتُ إلَيْكَ مالًا؟

أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ بَنَيْتُ لَكَ دارًا، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلِ بْنِ رَبِيعَةَ يَرْثِي أخاهُ كُلَيْبًا ؎ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ∗∗∗ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج النحاس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الرحمن بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: أنزل بمكة سورة الرحمن.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت سورة الرحمن بمكة.

وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الرحمن بالمدينة.

وأخرج أحمد وابن مردويه بسند حسن عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ .

وأخرج الترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: ما لي أراكم سكوتاً لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» .

وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والخطيب في تاريخه بسند صحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فسكتوا فقال: ما لي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم؟

ما أتيت على قول الله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ الا قالوا: «لا شيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عليّ: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن» .

وأخرج البيهقي عن فاطمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قارئ الحديد و ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ والرحمن يدعى في ملكوت السموات والأرض ساكن الفردوس» .

وأخرج أحمد عن ابن زيد رضي الله عنه قال: كان أول مفصل ابن مسعود الرحمن.

وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني قد قرأت المفصل في ركعة، فقال: أهذا كهذا الشعر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر سورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت وإن في ركعة، وعم والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة.

وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع ركعات، فلما أسنّ وثقل أوتر بسبع فصلى ركعتين وهو جالس فقرأ فيهما الرحمن والواقعة.

وأخرج ابن حبان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية، فجلس إليّ رهط، فقلت لرجل: اقرأ عليّ، فإذا هو يقرأ حروفاً لا أقرؤها، فقلت: من أقرأك؟

قال: اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا حتى وقفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: اختلفنا في قراءتنا فإذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تغيير ووجد في نفسه حين ذكر الاختلاف، فقال: «إنما هلك من قبلكم بالاختلاف» .

فأمر علياً فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، فإنما هلك من قبلكم بالاختلاف، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفاً لا يقرؤه صاحبه.

قوله تعالى: ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ الآيات.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ خلق الإِنسان علمه البيان ﴾ قال: آدم ﴿ علمه البيان ﴾ قال: بين له سبيل الهدى وسبيل الضلالة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ قال: نعمة الله عظيمة ﴿ خلق الإِنسان ﴾ قال: آدم ﴿ علمه البيان ﴾ قال: علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك عليه، ولله الحجة على عباده وفي قوله: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ إلى أجل بحساب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: بحساب ومنازل يرسلان.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: عليهما حساب وأجل كأجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: يجريان بحساب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ قال: بقدر يجريان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الشمس والقمر ﴾ قال: يدوران في مثل قطب الرحى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي رزين والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم ما انبسط على الأرض والشجر ما كان على ساق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي رزين في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم ما ذهب فرشاً على الأرض ليس له ساق، والشجر ما كان له ساق ﴿ يسجدان ﴾ قال: ظلهما سجودهما.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ ما النجم؟

قال: ما أنجمت الأرض مما لا يقوم على ساق فإذا قام على ساق، فهي شجرة.

قال صفوان بن أسد التميمي: لقد أنجم القاع الكبير عضاته ** وتم به حيّا تميم ووائل وقال زهير بن أبي سلمى: مكلل بأصول النجم تنسجه ** ريح الجنوب كضاحي ما به حبك وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ قال: النجم نجم السماء، والشجر الشجرة يسجد بكرة وعشية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ووضع الميزان ﴾ قال: العدل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا تطغوا في الميزان ﴾ قال: اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك وَأَوْفِ كما تحب أن يُوفَى لك، فإن العدل يصلح الناس.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يزن قد أرجح، فقال: أقم اللسان كما قال الله: ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قال: اللسان.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للخلق.

وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وضعها للأنام ﴾ قال: الأنام الخلق، وهم ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت لبيداً وهو يقول: فإن تسألينا ممن نحن فإننا ** عصافير من هذا الأنام المسخر وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وضعها للأنام ﴾ قال: كل شيء فيه روح.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: كل شيء يدب على الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ والأرض وضعها للأنام ﴾ قال: للخلق الجن والإِنس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنخل ذات الأكمام ﴾ قال: أوعية الطلع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: ورق الحنطة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: الحب الحنطة والشعير، والعصف القشر الذي يكون على الحب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: التبن ﴿ والريحان ﴾ قال: خضرة الزرع.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: العصف ورق الزرع إذا يبس، والريحان ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: العصف الزرع أول ما يخرج بقلاً، والريحان حين يستوي على سوقه ولم يسنبل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كل ريحان في القرآن فهو الرزق.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح في قوله: ﴿ والحب ذو العصف ﴾ قال: العصف أول ما ينبت.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ والريحان ﴾ قال: الرزق.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ والريحان ﴾ قال: الرزق والطعام.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ والريحان ﴾ قال: الرياحين التي يوجد ريحها.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ والريحان ﴾ قال: ريحانكم هذا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ قال: بأيّ نعمة الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فبأيّ آلاء ربكما تكذبان ﴾ يعني الجن والإِنس، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار ﴾ الإنسان هو آدم، والصلصال الطين اليابس، فإذا طبخ فهو فخار ﴿ وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ الجان الجن يعني إبليس والد الجن، والمارج اللهيب المضطرب من النار.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ قد عرفت العرب وعلمت أن "الرحمن" على ميزان "فعلان"، ومشتق من الرحمة، لكن أحخدا من الخلائق لا يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسيمته به: رحمانا؛ لذلك خص الله  نفسه بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقّاً من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: رحيما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك  - علم القرآن رسولنا  .

ثم يخرج ذلك على وجوه: أحدها: أنه جبريل -  - حيث قال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ  ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ  ﴾ لكن خرجت الإضافة إلى الله  ؛ لما أنه علمه بأمره.

والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه، لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ينساه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ .

والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل -  - لأنه هو الخالق لفعل التعليم من جبريل،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: آدم  ، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الأسماء التي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا  ﴾ ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله  : ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: خلق كل إنسان وعلمه البيان: أي: علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي؛ ليعلم أنه لم يخلق الإنسان ليتركه سدى.

ويحتمل: علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا - باللون والطعم واللذة - طعم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته؛ استدلالا بما شاهدوا.

ويحتمل: الاستدلال بالشاهد على معرفة الله  ، وهو أنهم لما شاهدوا الإنسان محتاجا، عاجزا، محاطا بالحوائج والحوادث عرفوا أن له خالقا عالما قادرا أنشأه كذلك.

ويحتمل: ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول الله  : أنه علمه القرآن، وعلمه البيان، [و]هو بيان القرآن؛ حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إيه، وما لهم وما عليهم.

وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي  ، وهو قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، وبعضه إلى آدم -  - وهو قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ ، وتفسيره ماذكرناه.

وقال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ آدم، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ بيان الدنيا والآخرة.

وجاز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان علم القرآن، وعلمه البيان أي: علم شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع، ونحو ذلك.

وقال القتبي: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الكلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل بوجهين: أحدهما: أي: يحسب بهما عدد الأوقات والأزمنة، ويعرف بهما حساب ذلك.

والثاني: يحسب بهما حساب منازلهما التي يطلعان منها ويبغيان فيها، ومجاريهما [التي]، يجريان فيها لا يجاوزانها في شتاء ولا صيف.

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ جميع الحساب.

وقال القتبي: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب ومنازل لا يعدوانها.

وفيه زيادة معنى: أن الله  جعلهما بحيث يعرف بهما حقيقة أعين الأشياء؛ لما جعل فيهما من النور والضياء الذي بهما تتجلى للخلق الأشياء المستورة، فيقال لمنكري الرسالة وتفصيل بمعض البشر على بعض: لما شاهدتم أشياء خصت بفضل ضياء وتجلِّ لم يكن ذلك لغيرها، فلم أنكرتم فضل بعض البشر بفضل بيان وعلم رسالة؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ النجم يحتمل وجهين: أحدهما: الكواكب، فإن كان هو المراد، فكأنه يقول: يسجد له ما به زينة السماء وما به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار.

ويحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق؛ كأنه يقول: يسجد له كل ما يظهر من الأرض ويخرج، ما ارتفع وعلا، وما لم يرتفع.

ثم سجودهما يحتمل وجوها: أحدها: سجود خلقه؛ قد جعل الله  في خلقه كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.

والثاني: سجود هذه الأشياء الموا،: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله  : ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ .

والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله  يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله  : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

وقال بعضه الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله  : ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ  ﴾ ؟

ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر سجود الموات وطاعتها؛ لأنها موات ليست بأهل السجود، وإنما سجودهما عن اضطرار كل مخلوق في معناه في الدلالة على السجود، وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود من هو من أهل السجود، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أراد حقيقة الرفع، أي: رفعها بغير عمد من الأسفل، ولا تعليق من الأعلى، أي: أنشأها كذلك مرفوعة، لا أ ن كانت موضوعة فرفعها وأمسكها كذلك؛ ليلعم أن قدرته خلاف قدرة الخلق وقوتهم.

والثاني: ﴿ رَفَعَهَا ﴾ أي: رفع قدرها ومنزلتها في قلوب الخلق حتى يرفعوا أيديهم وأبصارهم إليها عند الحاجة؛ لما جعل فيها لهم من الأرزاق والبركات التي تنزل من السماء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل حقيقة الميزان الذي يزن الناس به الأشياء، وبه يتحقق الإبقاء الاستيفاء، امتحنهم بذلك؛ ليعرفوا بذلك قبح التقصير فيما أمروا به والمجاوزة عما نهوا عنه، وذلك يحتمل في الأحكام، والشرائع والتوحيد، وصرف الألوهية والعبادة إلى غير الذي يستحقه؛ ليعلموا التقصر في ذلك، والله أعلم.

ويحتمل المراد بالميزان: الأحكام التي وضعت بين الخلق، والشرائع التي جعلت عليهم؛ ليقوموا بوفائها وينتهوا عن التقصير فيها، والتعدي عن حدودها.

وقيل: الميزان: العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وذكر أن الموازين ثلاثة: أحدها: العقول، وهي التي يعرف بها محاسن الأشياء ومساوئها، وقبح الأشياء وحسنها.

والثاني: الميزان الذي جعل بين الخلق لإبقاء الحقوق والاستيفاء.

والثالث: الذي جعل في الآخرة؛ ليوفى به ثواب الأعمال وجزاؤها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ ﴾ أي: لا تنقصوا في الميزان.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ ﴾ أمر بإقامة الوزن والإتمام في الوزن؛ أَمْر بالإتمام، ونهي عن النقصان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهاهنا جمع بينهما صريحا؛ تأكيد لباب الوزن والميزان.

ويحتمل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.

وعن قتادة: كان ابن عباس -  - يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين هلك الناس بهما قبلكم، هما: المكيال والميزان.

وقال مجاهد في قوله  : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ في الميزان باللسان؛ أي: لسان الميزان.

وقيل: لابن عمر -  ما -: إن أهل المدينة لا يوفون الكيل، قال: وما يمنعهم، وقد قال الله  : ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ ؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ .

قال بعضهم: الأنام: هو كل ذي روح.

وقال بعضهم: الأنام: هو مع الخلق.

ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، [و] وضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ يذكرهم نعمه التي أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها زرقا لهم وقوتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ أي: ذات الغلق والأغطية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ﴾ برفع النون وكسرها؛ فمن كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب الثمار، والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق.

ومن رفعها فعلى الابتداء؛ غطفا على الحب.

واختلفوا في تفسير العصف والريحان: منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما.

وقيل: هو التبن.

وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع.

وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ الحب وما يخرج.

وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع.

وقيل: هو الذي يشتم.

وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عباس -  ما -: الريحان: هو الحب.

وقال القتبي: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان الله، أي رزقه، و الله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي  كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا؛ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ  ﴾ .

وقيلأ: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل أنسي وجني في نفسه؛ كقوله  : ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ  ﴾ ٍ، ليس أن قال الفريقان جيمعا: كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله  على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها، فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أ؛سن مردودا منكم، كلما قرأت عليهم ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ قالوا: لا شيء من آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد".

ثم فيما ذكر من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ...

﴾ إلى آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته.

أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم.

وأما بيان قدرته وسلطانه: [فإنه] أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خراج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك الأولاك في البطون، والفراخ في البيض، وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر والأكمام من وراء الحجب، وأمسكها فيها في حال ضفعها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه.

وفيه إثبات البعث من وجهين: أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق.

والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما.

وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعهم، ثم بتركهم سدى لا يستأدي شكر ما أنعم عليهم.

ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم؛ لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن الله  ذلك؛ فيكون فيه إثبات الرسالة.

ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء.

ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منايع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد - دليل على وحدانيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد، على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.Vx32Q"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده