الآية ١٧ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ١٧ من سورة الرحمن

رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( رب المشرقين ورب المغربين ) يعني مشرقي الصيف والشتاء ، ومغربي الصيف والشتاء .

وقال في الآية الأخرى : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) [ المعارج : 40 ] ، وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم ، وبروزها منه إلى الناس .

وقال في الآية الأخرى : ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) [ المزمل : 9 ] .

وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب ، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) يقول تعالى ذكره: ذلكم أيها الثقلان ( رَبُّ المَشْرقَينِ )، يعني بالمشرقين: مشرق الشمس في الشتاء، ومشرقها في الصيف.

وقوله: ( وَرَبُّ المَغْرِبَينِ ) يعني: وربّ مغرب الشمس في الشتاء، ومغربها في الصيف.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن ابن أبزى، قوله: ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) قال: مشارق الصيف ومغارب الصيف، مشرقان تجري فيهما الشمس ستون وثلاث مئة في ستين وثلاث مئة بُرْج، لكلّ برج مطلع، لا تطلع يومين من مكان واحد.

وفي المغرب ستون وثلاث مئة برج، لكل برج مغيب، لا تغيب يومين في برج.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) قال: مشرق الشتاء ومغربه، ومشرق الصيف ومغربه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) فمشرقها في الشتاء، ومشرقها في الصيف.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة قوله: ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) قال: مشرق الشتاء ومغربه، ومشرق الصيف ومغربه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد، في قوله: ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) قال: أقصر مشرق في السنة، وأطول مشرق في السنة، وأقصر مغرب في السنة، وأطول مغرب في السنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : رب المشرقين ورب المغربين أي هو رب المشرقين .

وفي ( الصافات ) ورب المشارق وقد مضى الكلام في ذلك هنالك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: هو تعالى رب كل ما أشرقت عليه الشمس والقمر، والكواكب النيرة، وكل ما غربت عليه، [وكل ما كانا فيه] فهي تحت تدبيره وربوبيته، وثناهما هنا لإرادة العموم مشرقي الشمس شتاء وصيفا، ومغربها كذلك

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" رب المشرقين "، مشرق الصيف ومشرق الشتاء.

" ورب المغربين "، مغرب الصيف ومغرب الشتاء.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«رب المشرقين» مشرق الشتاء ومشرق الصيف «ورب المغربين» كذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو سبحانه وتعالى ربُّ مشرقَي الشمس في الشتاء والصيف، ورب مغربَيها فيهما، فالجميع تحت تدبيره وربوبيته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر بشكر هذه النعم ، أتبع ذلك ببيان مظهر آخر من مظاهر قدرته ، فقال : ( رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .أى : هو - سبحانه - رب مشرق الشمس فى الشتاء والصيف ، ورب مغربها فيهما ، وفى هذا التدبير المحكم منافع عظمى للإنسان والحيوان والنبات .ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( رَّبُّ المشرق والمغرب .

.

) لأن المراد بهما جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس التى هى ثلاثمائة وستون مشرقا ، وعلى كل مغرب من مغاربها التى هى كذلك .أو بين قوله - تعالى - فى آية ثالثة : ( رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المشارق ) أى : ورب جميع المشارق التى تشرق منها الشمس فى كل يوم على مدار العام إذ لها فى كل يوم مشرق معين تشرق منه ، ولها فى كل يوم أيضا - مغرب تغرب فيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجوه أولها مشرق الشمس والقمر ومغربهما، والبيان حينئذ في حكم إعادة ما سبق مع زيادة، لأنه تعالى لما قال: ﴿ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ  ﴾ دل على أن لهما مشرقين ومغربين، ولما ذكر: ﴿ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ  عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ  ﴾ دل على أنه مخلوق من شيء فبين أنه الصلصال الثاني: مشرق الشتاء ومشرق الصيف فإن قيل: ما الحكمة في اختصاصهما مع أن كل يوم من ستة أشهر للشمس مشرق ومغرب يخالف بعضها البعض؟

نقول: غاية انحطاط الشمس في الشتاء وغاية ارتفاعها في الصيف والإشارة إلى الطرفين تتناول ما بينهما فهو كما يقول القائل في وصف ملك عظيم له المشرق والمغرب ويفهم أن له ما بينهما أيضاً الثالث: التثنية إشارة إلى النوعين الحاصرين كما بينا أن كل شيء فإنه ينحصر في قسمين فكأنه قال: رب مشرق الشمس ومشرق غيرها فهما مشرقان فتناول الكل، أو يقال: مشرق الشمس والقمر وما يغرض إليهما العاقل من مشرق غيرهما فهو تثنية في معنى الجمع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾ بالجر بدلاً من (ربكما) وأراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومَغْرِبَيْهِما.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ الَّتِي لا تُحْصى، كاعْتِدالِ الهَواءِ واخْتِلافِ الفُصُولِ وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ فِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ أرْسَلَهُما مِن مَرَجَتِ الدّابَّةُ إذا أرْسَلْتَها، والمَعْنى أرْسَلَ البَحْرَ المِلْحَ والبَحْرَ العَذْبَ.

﴿ يَلْتَقِيانِ ﴾ يَتَجاوَرانِ ويَتَماسَّ سُطُوحُهُما، أوْ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ يَلْتَقِيانِ في المُحِيطِ لِأنَّهُما خَلِيجانِ يَتَشَعَّبانِ مِنهُ.

﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ ﴾ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ الأرْضِ.

﴿ لا يَبْغِيانِ ﴾ لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ، أوْ لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو رَبٌّ إلَخْ، أوِ الَّذِي فَعَلَ ما ذَكَرَ مِنَ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ - رَبُّ مَشْرِقَيِ الشَّمْسِ صَيْفًا وشِتاءً ومَغْرِبَيْها - كَذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ أنَّ ( المَشْرِقَيْنِ ) مَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَشْرِقُ الصَّيْفِ، ( والمَغْرِبَيْنِ ) مَغْرِبُ الشِّتاءِ ومَغْرِبُ الصَّيْفِ بِدُونِ ذِكْرِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: المَشْرِقانِ مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِباهُما.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ( المَشْرِقَيْنِ ) مَشْرِقُ الفَجْرِ ومَشْرِقُ الشَّفَقِ، و( المَغْرِبَيْنِ ) مَغْرِبُ الشَّمْسِ ومَغْرِبُ الشَّفَقِ، وحَكى أبُو حَيّانَ في المَغْرِبَيْنِ نَحْوَ هَذا، وفي المَشْرِقَيْنِ أنَّهُما مَطْلَعُ الفَجْرَ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ والمُعَوَّلُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ رَبَّ ما بَيْنِهُما مِنَ المَوْجُوداتِ، وقِيلَ: ( رَبُّ ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ ﴾ إلَخْ، ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «رَبِّ» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن رَبِّكُما ﴿ فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِن فَوائِدَ لا تُحْصى كاعْتِدالِ الهَواءِ واخْتِلافِ الفُصُولِ وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ في وقْتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ يعني: ذو الورق وَالرَّيْحانُ يعني: ثمره.

وقال مجاهد: الْعَصْفِ يعني: ورق الحنطة وَالرَّيْحانُ الرزق.

وقال الضحاك: الحب، الحنطة، والشعير، الْعَصْفِ: التبن وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الْعَصْفِ الزرع وَالرَّيْحانُ الورق بلسان حمير.

ويقال: الْعَصْفِ السنبل وَالرَّيْحانُ ثمرته، وما ينتفع به.

ويقال: الرَّيْحانُ يعني: الرياحين، جمع الريحان وهو نبت لا ساق له.

قرأ ابن عامر: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ بنصب الباء، وإنما نصبه لأنه عطف على قوله: الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وَالْحَبُّ يعني: وخلق الحب ذا العصف وَالرَّيْحانُ.

وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ بضم النون والباء، لأنه عطف على قوله: فِيها فاكِهَةٌ وقرأ حمزة، والكسائي، هكذا إلا أنَّهما كسرا النون في قوله: وَالرَّيْحانُ عطفاً على الْعَصْفِ على وجه المجاورة.

وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه، ثم خاطب الإنس والجن فقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وإن لم يسبق ذكرهما، لأن في الكلام دليلاً، وقد ذكرهما من بعده، وهو قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تُكَذِّبانِ يعني: تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى.

قال بعضهم: آلاء الله ونعماء الله واحد.

إلا أن الآلاء أعم، والنعماء أخص.

ويقال: الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد، والنعماء: النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب، كقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20] وقال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا.

مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء.

وكذلك لسان الأخرس، ورجل مقعد، فله الآلاء، وليست له النعماء.

وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية، وإيصال النعمة.

فكل ذلك سماه الآلاء.

وروى محمد بن المنذر، عن جابر، بن عبد الله، أن النبي  قرأ على أصحابه سورة الرحمن، فسكت القوم، فقال النبيّ  : «الجنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدّاً مِنْكُمْ، مَا قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلاَّ قَالُوا: ولا بواحدة منها فلك الحَمْدُ» .

وفي رواية أُخرى: أنه قال: «مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ إلاَّ قَالُوا وَلا بواحدة منها فلك الحمد» .

ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: آدم مِنْ صَلْصالٍ يعني: الطين اليابس الذي يتصلصل أي: يصوت، كما يصوت الفخار.

ويقال: الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء، وتشقق.

كَالْفَخَّارِ يعني: الطين الذي يصنع به الفخار.

وقال في موضع آخر: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وقال في موضع آخر: مِنْ طِينٍ [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: مِنْ صَلْصالٍ فهذا كله قد كان حالاً بعد حال.

وَخَلَقَ الْجَانَّ يعني: أبا الجن.

ثم قال هو إبليس: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ يعني: من لهب من نار، وليس لها دخان.

وقال بعضهم: خلق من نار جهنم.

وقال بعضهم: من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء، ومنها يكون البرق، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة أنتم.

يعني: خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة.

فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى؟.

ثم قال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: هو رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشمس، ومشرق القمر.

وقيل: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: مغرب الشتاء، والصيف.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟

ومعناه: أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى، وتأكلون رزقه، وهو عالم حيث ما كنتم، وهو حافظكم، وناصركم، فكيف تنكرون هذه النعم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ "مِن صَلْصالٍ" قَدْ ذَكَرْنا في [الحِجْرِ: ٢٦،٢٧] الصَّلْصالَ والجانَّ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ كالفَخّارِ ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خُلِقَ مَن طِينٍ يابِسٍ لَمْ يُطْبَخْ، فَلَهُ صَوْتٌ إذا نُقِرَ، فَهو مِن يُبْسِهِ كالفَخّارِ.

والفَخّارُ: ما طُبِخَ بِالنّارِ.

فَأمّا المارِجُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

هو لِسانُ النّارِ الَّذِي يَكُونُ في طَرَفِها إذا التَهَبَتْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنَ اللَّهَبِ الأحْمَرِ والأصْفَرِ والأخْضَرِ الَّذِي يَعْلُو النّارَ إذا أُوقِدَتْ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو لَهَبُ النّارِ الصّافِي مِن غَيْرِ دُخانٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المارِجُ: خَلْطٌ مِنَ النّارِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المارِجُ: لَهَبُ النّارِ، مِن قَوْلِكَ: قَدْ مَرِجَ الشَّيْءُ: إذا اضْطَرَبَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِسَوادِ النّارِ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَتارَةً يَقُولُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ  ﴾ ، وتارَةً: ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وتارَةً: ﴿ مِن طِينٍ لازِبٍ  ﴾ ، وتارَةً: ﴿ كالفَخّارِ  ﴾ ، وتارَةً: ﴿ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ  ﴾ ؛ فالجَوابُ: [أنَّ الأصْلَ التُّرابُ فَجُعِلَ طِينًا، ثُمَّ صارَ كالحَمَإ المَسْنُونِ، ثُمَّ صارَ صَلْصالًا كالفَخّارِ، هَذِهِ أخْبارٌ عَنْ حالاتِ أصْلِهِ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ قَوْلِهِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ " الجَوابُ] أنَّ ذَلِكَ التَّكْرِيرَ لِتَقْرِيرِ النِّعَمِ وتَأْكِيدِ التَّذْكِيرِ بِها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن مَذاهِبِ العَرَبِ التَّكْرارُ لِلتَّوْكِيدِ والإفْهامِ، كَما أنَّ مِن مَذاهِبِهِمُ الِاخْتِصارَ [لِلتَّخْفِيفِ والإيجازِ، لِأنَّ افْتِنانَ المُتَكَلِّمِ والخَطِيبِ في الفُنُونِ أحْسَنُ مِنِ اقْتِصارِهِ] في المَقامِ عَلى فَنٍّ واحِدٍ، يَقُولُ القائِلُ مِنهُمْ: واللَّهِ لا أفْعَلُهُ، ثُمَّ واللَّهِ لا أفْعَلُهُ، إذا أرادَ التَّوْكِيدَ وحَسْمَ الأطْماعِ مِن أنْ يَفْعَلَهُ، كَما يَقُولُ: واللَّهِ أفْعَلُهُ بِإضْمارِ "لا" إذا أرادَ الِاخْتِصارَ، ويَقُولُ القائِلُ المُسْتَعْجِلُ: اعْجَلِ اعْجَلْ، ولِلرّامِي: ارْمِ ارْمِ، قالَ الشّاعِرُ: كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ لَهُ وكَمْ وكَمْ وَقالَ الآخَرُ: هَلّا سَألْتَ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وَرُبَّما جاءَتِ الصِّفَةُ فَأرادُوا تَوْكِيدَها، واسْتَوْحَشُوا مِن إعادَتِها ثانِيَةً لِأنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، فَغَيَّرُوا مِنها حَرْفًا ثُمَّ أتْبَعُوها الأُولى، كَقَوْلِهِمْ: عَطْشانُ نَطْشانُ، وشَيْطانُ لَيْطانُ، وحَسَنٌ بَسَنٌ.

قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: ومِنَ الإتْباعِ: جائِعٌ نائِعٌ، ومَلِيحٌ قَرِيحٌ، وقَبِيحٌ شَقِيحٌ، وشَحِيحٌ نَحِيحٌ، وخَبِيثٌ نَبِيثٌ، وكَثِيرٌ بَثِيرٌ: وسَيِّغٌ لَيِّغٌ، وسائِغٌ لائِغٌ، وحَقِيرٌ نَقِيرٌ، وضَئِيلٌ بَئِيلٌ، وخَضِرٌ مَضِرٌ، وعِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ، وثِقَةٌ نِقَةٌ، وكِنٌّ إنٌّ، وواحِدٌ فاحِدٌ، وحائِرٌ بائِرٌ، وسَمْحٌ لَمْحٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلَمّا عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ نَعْماءَهُ.

وَأذْكَرَ عِبادَهُ آلاءَهُ ونَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ، جَعَلَ كُلَّ كَلِمَةٍ مِن ذَلِكَ فاصِلَةً بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقْرِّرَهم بِها، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: ألَمْ أُبَوِّئْكَ مَنزِلًا وكُنْتَ طَرِيدًا؟

أفَتُنْكِرُ هَذا ؟

ألَمْ أحُجَّ بِكَ وأنْتَ صَرُورَةٌ؟

أفَتُنْكِرُ هَذا؟

.

وَرَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها [ثُمَّ] قالَ: "مالِي أراكم سُكُوتًا؟!

لَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا، ما قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِن مَرَّةٍ "فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ" إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ.» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "رَبِّ المَشْرِقَيْنِ ورَبِّ المَغْرِبَيْنِ" بِالخَفْضِ، وهُما مَشْرِقُ الصَّيْفِ ومَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَغْرِبُ الصَّيْفِ ومَغْرِبُ الشِّتاءِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ أيْ: أرْسَلَ العَذْبَ والمِلْحَ وخَلّاهُما وجَعَلَهُما "يَلْتَقِيانِ" ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ ﴾ أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ يَبْغِيانِ ﴾ أيْ: لا يَخْتَلِطانِ فَيَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ يَلْتَقِيانِ كُلَّ عامٍ.

قالَ الحَسَنُ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يَعْنِي [بَحْرَ] فارِسَ والرُّومِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ، يَعْنِي الجَزائِرَ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في [الفُرْقانِ: ٥٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ، وإنَّما جَمَعَهُما، لِأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن أحَدِهِما فَقَدْ أُخْرِجَ مِنهُما، ومِثْلُهُ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا  ﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أرادَ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما قالَ "مِنهُما" لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن أصْدافِ البَحْرِ عَنْ قَطْرِ السَّماءِ.

فَأمّا اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، فَفِيهِما قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَرْجانَ: ما صَغُرَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، واللُّؤْلُؤُ: العِظامُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اللُّؤْلُؤُ: اسْمٌ جامِعٌ لِلْحَبِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ، والمَرْجانُ: صِغارُهُ.

والثّانِي: أنَّ اللُّؤْلُؤَ: الصِّغارُ، والمَرْجانَ: الكِبارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أمْطَرَتِ السَّماءُ، فَتَحْتِ الأصْدافُ أفْواهَها، فَما وقَعَ فِيها مِن مَطَرٍ فَهو لُؤْلُؤٌ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَيْثُ وقَعَتْ قَطْرَةٌ كانَتْ لُؤْلُؤَةً.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ المَرْجانَ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ.

قالَ أبُو بَكْرٍ، يَعْنِي ابْنَ دُرَيْدٍ: ولَمْ أسْمَعَ فِيهِ بِفِعْلٍ مُنْصَرِفٍ، وأحْرِ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: [المَرْجانُ] أبْيَضُ شَدِيدُ البَياضِ.

وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّ المَرْجانَ: ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ كالقُضْبانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الجَوارِ ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ "المُنْشَآتُ" قالَ مُجاهِدٌ: هو ما قَدْ رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ دُونَ ما لَمْ يُرْفَعْ قِلْعُهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُنَّ اللَّواتِي أُنْشِئْنَ، أيِ: ابْتُدِئَ بِهِنَّ في "البَحْرِ" وقَرَأ حَمْزَةُ: "المُنْشِئاتُ"، فَجَعَلَهُنَّ اللَّواتِي ابْتَدَأْنَ، يُقالُ: أنْشَأتِ السَّحابَةُ تُمْطِرُ: إذا ابْتَدَأتْ، وأنْشَأ الشّاعِرُ يَقُولُ، والأعْلامُ: الجِبالُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [الشُّورى: ٣٢] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ ﴾ ﴿ وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "الإنْسانَ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ اسْمَ الجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَلْصالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ الصَلْصالِ، فَقالَ مَكِّيٌّ -فِيما حَكى- والنَقّاشُ: هو "مِن صَلَّ اللَحْمُ وغَيْرِهِ" إذا أنْتَنَ، فَهي إشارَةٌ إلى الحَمْأةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن "صَلَّ" إذا صَوَّتَ، وذَلِكَ في الطِينِ لِكَرَمِهِ وجَوْدَتِهِ، فَهي إشارَةٌ إلى ما كانَ في تُرْبَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الطِينِ الحُرِّ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَهُ مِن طِينٍ طَيِّبٍ وخَبِيثٍ ومُخْتَلِفِ اللَوْنِ، فَمَرَّةً ذَكَرَ في خَلْقِهِ هَذا ومَرَّةً هَذا، وكُلُّ ما في القُرْآنِ في ذَلِكَ صِفاتٌ تَرَدَّدَتْ عَلى التُرابِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ.

والفَخّارُ: الطِينُ الطَيِّبُ إذا مَسَّهُ الماءُ فَخَرَّ أيْ: رَبا وعَظُمَ.

و"الجانَّ": اسْمُ جِنْسٍ كالجِنَّةِ، و"المارِجُ": اللهَبُ المُضْطَرِبُ مِنَ النارِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وهو أحْسَنُ النارِ المُخْتَلِطِ مِن ألْوانِ الشَتّى، «وَقالَ النَبِيُّ  لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَيْفَ بِكَ إذا كُنْتَ في حُثالَةٍ مِنَ الناسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهم وأمانَتُهُمْ".» وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ( فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا لِنُفُوسٍ وتَحْرِيكًا لَها، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَعْرُوفَةٌ، وهي مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في مَواضِعَ، وفي حَدِيثِ النَبِيِّ  ، وفي كَلامِ العَرَبِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا التَكْرارَ إنَّما هو لَمّا اخْتَلَفَتِ النِعَمُ المَذْكُورَةُ كَرَّرَ التَوْقِيفُ مَعَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها وهَذا أحْسَنُ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: التَكْرارُ لِطَرْدِ الغَفْلَةِ والتَأْكِيدِ.

وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ بِالتَشْرِيفِ في إضافَةِ الرَبِّ إلَيْهِما لِعَظْمِهِما في المَخْلُوقاتِ، وأنَّهُما طَرَفا آيَةٍ عَظِيمَةٍ وعِبْرَةٍ وهي الشَمْسُ وجَرْيُها، وحَكى النَقّاشُ أنَّ "المَشْرِقَيْنِ" هُما مَشْرِقُ الشَمْسِ والقَمَرِ، و"المَغْرِبَيْنِ" كَذَلِكَ، عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ، وكُلٌّ مُتَّجَهٌ، ومَتى وقَعَ ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَهي إشارَةٌ إلى الناحِيَتَيْنِ بِجُمْلَتِهِما، ومَتى وقَعَ ذِكْرُ المَشارِقِ والمَغارِبِ فَهي إشارَةٌ إلى مَشْرِقِ كُلِّ يَوْمِ ومَغْرِبِهِ، ومَتى ذَكَرَ المَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ فَهي إشارَةٌ إلى نِهايَتِيِ المَشارِقِ والمَغارِبِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ نِهايَتِيِ الشَيْءِ ذِكْرٌ لِجَمِيعِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو مَشْرِقُ الصَيْفِ ومَغْرِبُهُ ومَشْرِقُ الشِتاءِ ومَغْرِبُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استنئاف ابتدائي فيه بيان لجملة ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ [الرحمن: 5] وعطف ﴿ ورب المغربين ﴾ لأجل ما ذكرته آنفاً من مراعاة المزاوجة.

وحذف المسند إليه على الطريقة التي سماها السكاكي باتباع الاستعمال الوارد على تركه أو ترك نظائره وتقدم غير مرة.

والمشرق: جهة شروق الشمس، والمغرب: جهة غروبها.

وتثنية المشرقين والمغربين باعتبار أن الشمس تطلع في فصلي الشتاء والربيع من سمت وفي فصلي الصيف والخريف من سمت آخر وبمراعاة وقت الطول ووقت القصر وكذلك غروبها وهي فيما بين هذين المشرقين والمغربين ينتقل طلوعها وغروبها في درجات متقاربة فقد يعتبر ذلك فيقال: المشارق والمغارب كما في قوله تعالى: ﴿ فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنّا لقادرون ﴾ في سورة المعارج (40).

ومن زعم أن تثنية المشرقين لمراعاة مشرق الشمس والقمر وكذلك تثنية المغربين لم يغص على معنى كبير.

وعلى ما فسّر به الجمهور المشرقين } و ﴿ المغربين ﴾ بمشرقي الشمس ومغربيها فالمراد ب ﴿ المشرقين ﴾ النصف الشرقي من الأرض، وب ﴿ المغربين ﴾ النصف الغربي منها.

وربوبية الله تعالى للمشرقين والمغربين بمعنى الخلق والتصرف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ المُخْتَلِطُ بِرَمْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ الرَّطِبُ الَّذِي إذا عَصَرْتَهُ بِيَدِكَ خَرَجَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِكَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي تَسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الطِّينُ الأجْوَفُ الَّذِي إذا ضُرِبَ بِشَيْءٍ صُلَّ وسُمِعَ لَهُ صَوْتٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ صَلَّ اللَّحْمَ إذا أنْتَنَ.

والمَخْلُوقُ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلّامٍ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ لازِبٍ، فَتَرَكَهُ كَذَلِكَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ صَلْصَلَهُ كالفَخّارِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ صَوَّرَهُ فَتَرَكَهُ جَسَدًا لا رُوحَ فِيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، كُلُّ ذَلِكَ والمَلائِكَةُ تَقُولُ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَكَ، لِأمْرِ ما خَلَقَكَ.

﴿ وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: خَلَطُ النّارِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ [اللَّهَبُ] الأخْضَرُ والأصْفَرُ [والأحْمَرُ] الَّذِي يَعْلُو النّارَ إذا أُوقِدَتْ ويَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ الدُّخانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّها النّارُ المُرْسَلَةُ الَّتِي لا تَمْتَنِعُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الخامِسُ: أنَّها النّارُ المُضْطَرِبَةُ الَّتِي تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وسُمِّيَ مارِجًا لِاضْطِرابِهِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ.

وَفي الجانِّ المَخْلُوقِ مِن مارِجٍ مِن نارٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أبُو الجِنِّ، قالَهُ أبُو فَرْوَةَ يَعْقُوبُ عَنْ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسُ، وهو قَوْلٌ مَأْثُورٌ.

وَفي النّارِ الَّتِي خُلِقَ مِن مارِجِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ النّارِ الظّاهِرَةِ بَيْنَ الخَلْقِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

الثّانِي: مِن نارٍ تَكُونُ بَيْنَ الجِبالِ مِن دُونِ السَّماءِ وهي كالكَلَّةِ الرَّقِيقَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: مِن نارٍ دُونَ الحِجابِ ومِنها هَذِهِ الصَّواعِقُ وتَرى خَلْقَ السَّماءِ مِنها، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَشْرِقَيْنِ مَشْرِقُ الشَّمْسِ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ، والمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبُ الشَّمْسِ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ المَشْرِقَيْنِ مَشْرِقُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، والمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبُهُما.

الثّالِثُ: أنَّ المَشْرِقَيْنِ الفَجْرُ والشَّمْسُ، والمَغْرِبَيْنِ الشَّمْسُ والغَسَقُ وَأغْمَضَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلٍ رابِعٍ: أنَّ المَشْرِقَيْنِ مَشْرِقُ القَلْبِ واللِّسانِ، والمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبُ القَلْبِ واللِّسانِ.

﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ أمّا البَحْرانِ فَفِيهِما خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، قالَهُ الحَسَنُ، و قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ البَحْرُ المالِحُ والأنْهارُ العَذْبَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بَحْرُ المَشْرِقِ وبَحْرُ المَغْرِبِ يَلْتَقِي طَرَفاهُما.

الخامِسُ: أنَّهُ بَحْرُ اللُّؤْلُؤِ وبَحْرُ المَرْجانِ.

وَأمّا ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَفْرِيقُ البَحْرَيْنِ، قالَهُ ابْنُ صَخْرٍ.

الثّانِي: إسالَةُ البَحْرَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: اسْتِواءُ البَحْرَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَأصْلُ المَرَجِ، الإهْمالُ كَما تَمْرُجُ الدّابَّةُ في المَرْجِ.

﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ في البَرْزَخِ الَّذِي بَيْنَهُما أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حاجِزٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرْضُ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجَزِيرَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لا يَبْغِيانِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَخْتَلِطانِ لا يَسِيلُ العَذْبُ عَلى المالِحِ ولا المالِحُ عَلى العَذْبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى صاحِبِهِ فَيَغْلِبُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: لا يَبْغِيانِ أنْ يَلْتَقِيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ، مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ لَوْلا البَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُما أنْ يَلْتَقِيا.

وَقالَ سَهْلٌ: البَحْرانِ طَرِيقُ الخَيْرِ وطَرِيقُ الشَّرِّ، والبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُما التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ.

﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ وفي المَرْجانِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عِظامُ اللُّؤْلُؤِ وكِبارُهُ، وقالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أُخْرِجُها تَيّارَها ووَقاها طِينَةَ الصَّدَفِ الثّانِي: أنَّهُ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ الثّالِثُ: أنَّهُ الخَرَزُ الأحْمَرُ كالقُضْبانِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجَوْهَرُ المُخْتَلِطُ، مَأْخُوذٌ مِن مَرَجْتُ الشَّيْءَ إذا خَلَطْتُهُ وفي قَوْلِهِ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أحَدُهُما وإنْ عَطَفَ بِالكَلامِ عَلَيْهِما.

الثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مِنهُما عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ، لِأنَّ ماءَ السَّماءِ إذا وقَعَ عَلى صَدَفِ البَحْرِ انْعَقَدَ لُؤْلُؤًا، فَصارَ خَرْجًا مِنهُما.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّ العَذْبَ والمالِحَ قَدْ يَلْتَقِيانِ فَيَكُونُ العَذْبُ كاللِّقاحِ لِلْمالِحِ فَنُسِبَ إلَيْهِما كَما نُسِبَ الوَلَدُ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى وإنْ ولَدَتْهُ الأُنْثى، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ لا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ إلّا مِن مَوْضِعٍ يَلْتَقِي فِيهِ العَذْبُ والمالِحُ.

﴿ وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ أمّا الجَوارِي فَهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، والجارِيَةُ هي المَرْأةُ الشّابَّةُ أيْضًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْرِي فِيها ماءُ الشَّبابِ.

وَأمّا المُنْشَآتُ فَفِيها خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها المَخْلُوقاتُ، قالَهُ قَتادَةُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإنْشاءِ.

الثّانِي: أنَّها المُحَمَّلاتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها المُرْسَلاتُ، ذَكَرَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الرّابِعُ: المُجْرَياتُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الخامِسُ: أنَّها ما رُفِعَ قِلْعُهُ مِنها وهي الشَّرَعُ فَهي مُنْشَأةٌ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَيْسَتْ بِمُنْشَأةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ ﴿ المُنْشَآتُ ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ، وفي مَعْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البادِئاتُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ.

الثّانِي: أنَّها يَكْثُرُ نَشَأً بِجَرْيِها وسَيْرِها في البَحْرِ كالأعْلامِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ كالأعْلامِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الجِبالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِارْتِفاعِها كارْتِفاعِ الأعْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَتِ الخَنْساءُ وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ الثّانِي: أنَّ الأعْلامَ القُصُورُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْألُونَهُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ فَكانَتِ المَسْألَتانِ جَمِيعًا مِن أهْلِ السَّماءِ وأهْلِ الأرْضِ، لِأهْلِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ورَوَتْهُ عائِشَةُ مَرْفُوعًا.

الثّانِي: أنَّهم يَسْألُونَهُ القُوَّةَ عَلى العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ، وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَهُ لِأنْفُسِهِمُ الرَّحْمَةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

قالَ قَتادَةُ: لا اسْتَغْنى عَنْهُ أهْلُ السَّماءِ ولا أهْلُ الأرْضِ، قالَ الكَلْبِيُّ: وأهْلُ السَّماءِ يَسْألُونَهُ المَغْفِرَةَ خاصَّةً لِأنْفُسِهِمْ ولا يَسْألُونَهُ الرِّزْقَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وخلق الجان من مارج من نار ﴾ قال: من لهب النار.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ من مارج من نار ﴾ قال: من لهبها من وسطها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ من مارج ﴾ قال: خالص النار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ من مارج ﴾ قال: من شهب النار.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ من مارج ﴾ قال: اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ من مارج ﴾ قال: الخضرة التي تقطع من النار السواد الذي يكون بين النار وبين الدخان.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجن من مارج من نار، وخلق آدم كما وصف لكم» .

قوله تعالى: ﴿ رب المشرقين ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾ قال: للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء، ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف، غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في الشتاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾ قال: مشرق الشتاء ومغربه، ومشرق الصيف ومغربه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة وعكرمة مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ رب المشرقين ﴾ قال: مشرق النجم ومشرق الشفق ﴿ ورب المغربين ﴾ قال: مغرب الشمس ومغرب الشفق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ﴾ إجماع القراء على الرفع في رب المشرقين، قال أبو عبيد (١) قال المبرد: الرفع على الاستئناف على قولك: هو رب المشرقين، وهو أحسن من البدل لأن أكثر الكلام إذا تكرر المنعوت الرفع على الابتداء كقوله: ﴿ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ  ﴾ وكان ينبغي لأبي عبيد أن يعلم أن اجتماعهم على الرفع قد دل على اختياره.

قال المفسرون: يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وهما مشرقان، مشرق الأيام الطوال ومشرق الأيام القصار، وكذلك المغرب.

(١) في (ك): (أبو عبيدة) والصواب ما أثبته.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين ﴾ يريد مشرق الشمس والقمر ومغرب الشمس والقمر.

وقيل: مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.

﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.

حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون  ﴾ ﴿ يا أيها الساحر  ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.

بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.

وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.

﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.

التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.

وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.

وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر  ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر  ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.

قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.

قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.

وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.

ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟

قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.

وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.

وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.

وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد  .

والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.

قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.

وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.

قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.

نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً  ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم  عسق  ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان  ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان  ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.

ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.

وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.

وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.

وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.

قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.

وقيل: للإنسان.

وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.

وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.

والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.

ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.

وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.

ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.

وقال الحسن وابن زيد.

على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.

ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله  سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟

للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.

وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.

وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.

قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.

وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.

والجان أبو الجن.

وقيل: هو إبليس.

والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.

وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.

ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.

هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.

قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.

وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.

وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.

قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله  في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.

قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.

وعن مقاتل: بالضد.

ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.

يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.

ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.

والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.

والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.

والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.

وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.

والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.

وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله  عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .

قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.

وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.

فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.

وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.

وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".

والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.

والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.

ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.

نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.

وأقطار السموات والأرض نواحيهما.

واحدها قطر.

وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.

والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.

قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.

ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.

جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.

وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.

وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.

والنحاس والدخان.

ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.

ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.

ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.

وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.

وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.

وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل  ﴾ وهو دردي الزيت.

وقيل: الدهان الأديم الأحمر.

عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.

وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.

وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.

والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟

ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.

﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.

والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.

والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم  ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.

وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.

ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.

روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله  يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.

ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.

والآني الذي بلغ منتهى حره.

قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.

والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.

ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي  ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.

أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.

وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا  ﴾ وهو ضعيف.

والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.

وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.

وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.

قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟

ويجوز أن يكون ظائرها السندس.

والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم  ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.

قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.

وقيل: في الفرش أي عليها.

وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.

قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.

قال مقاتل: هن من حور الجنة.

وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.

قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.

قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.

ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.

وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.

وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.

روى أبو موسى عن النبي  : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.

قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.

وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.

والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.

واعلم أنه  قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.

وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.

والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.

امرأة مقصورة أي مخدرة.

روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

وعن النبي  " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟

والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.

قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.

قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.

قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.

وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.

ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.

وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.

وقيل: الوسائد.

قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.

وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.

ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.

قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.

فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.

ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.

والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة: مرة قال: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ ، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ  ﴾ واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال مرة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ  ﴾ ، وهو الذي أسود وتغير؟

لطول المكث، ومرة قال: ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد.

ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صلَّ البثر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي تكسر إذا يبس.

وقال أبو عوسجة: الفخار: الذي طبخ.

فجائز أن تكومن هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان في الابتداء، ترابا، ثم صار لازيا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار مسنونا منتنا: أسود: لطول المكث، وصلصالاً لكثرة تربيته ولجودته، يكون له صوت.

وتشبهه بالفخار يحتمل وجوهاً: أحدها: لتكسره ويبسه.

أو لأنه كان ذا دوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين الفخار له ذه المصفات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ...

﴾ الآية، ذكر أنه أبو الجن، وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أبو عوسجة: الجان: الجن.

وقوله: ﴿ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ قال بعضهم: المارج: هو لهب النار صافياً لا دخان فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التبهت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أبو عوسجة: المارج - هاهنا -: اللهب، من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قال بعضهم في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ إذا خلط وجميع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: ﴿ مِن مَّارِجٍ ﴾ ، أي: من خلط من النار.

وعلى تأويل من قال في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ أي: أرسل أحدهما في الآخر، فهو يكون من نار منقطعة من الحطب.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة فيما ذكر من خلق آدم -  - من تراب، وخلق الجان من نار.

والفائدة في ذلك - والله أعلم - يخبر عن قدرته: أن من قدر على خلق الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة، لا يحتمل أن يعجزه شيء، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار، وإخراج ما أخرج منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء، ولا ما لو اجتمع حكماء البشر والجن، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه، وخرج هذا الخلق منه، وفي ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما: ما ذكرنا من القدرة على البعث: والثاني: أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال، وإخراج ما أخرج منه، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا، ولو لم يكن بعث، لكان إنشاء هذا الخلق عبثا باطلا، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، يقول، - والله أعلم -: إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون في البعث وغيره؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ  ﴾ ، قد ذكرناه فيما تقدم.

ثم دل قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ و ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ  ﴾ وذكر الحد لهما - أعني: الشمس والقمر - في الشروق والغروب، وفي أنهما طلعا بأمر، وغربا حيث غربا بأمر؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما، لكانا يطلعان ويغربان في جميع الأوقات والأطراف، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان، ولا ينتقصان في وقت من الأوقات، ثم هذه كله منشأ للبشر، مسخر لهم؛ فيقول - والله أعلم -: ما بال المجعول لكم أطوع لله  منكم؛ حيث لا يجاوز الحد الذي جعل له، ولا يتعدى أمر خالقه، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون حدوده.

وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ قيل: جمع بينهما وخلط.

وقيل: أحدهما العذاب، والآخر: المالح.

وقيل: ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ أي: يتقابلان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: بين البحرين حجاب وحاجز.

﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ قيل: لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما؛ يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء.

وقيل: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يجاوزان حد الله الذي حد لهما.

ثم اختلف في البحرين: قال بعضهم: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر الهند، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ أي: سكان، ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يختلطان، وهو قول الأصم.

ومنهم من قال: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر فارس، ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: جزيرة العرب.

وقيل: أحدهما: بحر السماء، والآخر: بحر الأرض، كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ  وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  ﴾ ، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، وهو: [ ] الأرض وسكان الأرض، وهذا أيضا لطف منه  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ منهم من قال: يخرج من العذب والمالح جميعا، كما هو ظاهر الآية.

ومنهم من قال: يخرجان من المالح خاصة دون العذب، وإن كانت الإضافة إ ليهما، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ  ﴾ ، ولم يأت من الجن رسل، وذلك كثير في القرآن.

ثم قرئ ﴿ يَخْرُجُ ﴾ بنصب الياء، ورفع [الراء، وقرئ برفع] الياء ونصب الراء، فالأول على جعل الفعل [لهما، والثاني على جعل الفعل] لغيرهما؛ كقوله  : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  ﴾ ، ولم يقل: (يخرج منه حلية).

ثم اختلف في اللؤلؤ والمرجان، منهم من قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان ما صغر من اللؤلؤ.

ومنهم من قال على العكس، وأكثرهم على الأول؛ كذلك روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك، وكذا قال أبو عوسجة: المرجان: صغار اللؤلؤ، والواحد: مرجانة.

وقيل: إن المرجان المختلط من الجواهر، من قولهم: مرجت، أي: خلطت.

وقيل: إنه ضرب خاص من الجوهر يخرج من البحر.

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا جاء القطر من السماء، انفتحت الأصداف؛ فكان في ذلك اللؤلؤ.

وقيل: إنما قال  : ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج اللؤلؤ من المالح دون العذب؛ لأن العذب والمالح يلتقيان؛ فيكون العذب لقاحا للمالح؛ كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ : عن إبراهيم - رحمه الله  -: أنه قرأ: ﴿ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ بكسر الشين، وفسر بعض الناس المنشآت، أي: ظاهرات السير.

وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين، وقال أبو عبيدة: وبها يقرأ؛ لأن تفسيرها: أ،ها التي قد رفع قلعها في البحر، فهي الآن مقطوع بها؛ فقيل: المنشآت، وهي المرتفعات، والتي لم يرتفع قلعها، فليست بمنشأة.

وقيل: المخلوقات، والجواري: هي السفن المنشآت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ أي: هي في البحار كالجبال في البراري.

قيل: وهي الأعلام أنفسها.

ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوهٌ من الحكمة وإثبات القدرة لله  و  : أحدها: أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها، وعلم إخراج ما فيها للآدمي، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار؛ للوصول إلى المنافع التي في البلدان النائية - لقادر على البعث وغيره.

والثاني: أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال، واتخاذ السفن وإجرائها في البحار، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها إلا بخبر الرسل، فيقول - والله أعلم -: ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما يرجع إلى منافعكم الدنيوية، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدين والآخرة من الوعد والوعيد.

أو يقول: ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم - التي جعلها لكم - أنها من الله  ، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل، عليهم السلام؟!

ثم في قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم خلق أفعال العباد؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ ، وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم، فلو لم يكن له في أفعالهم صنعٌ، لكانت السفن لهم لا له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، أذا لم تكذبا شيئاص من آلاء ربكما: أنه من الله  ، ولم تكذبا ما أتاكم من الأخبار في منافع الدنيا، فكيف تكذبان أخبار الرسل عليهم السلام بعدما جاءو بالآيات والحجج.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

رب مَشْرِقَي الشمس ومغربيها شتاءً وصيفًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.qzvRm"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله