الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٦٨ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 48 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦٨ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقال هناك : ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) ، وقال هاهنا : ( فيهما فاكهة ونخل ورمان ) ، ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة ، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم ; ولهذا فسر قوله : ( ونخل ورمان ) من باب عطف الخاص على العام ، كما قرره البخاري وغيره ، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما .
قال عبد بن حميد : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا حصين بن عمر ، حدثنا مخارق ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب قال : جاء أناس من اليهود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ، أفي الجنة فاكهة ؟
قال : " نعم ، فيها فاكهة ونخل ورمان " .
قالوا : أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا ؟
قال : " نعم وأضعاف " .
قالوا : فيقضون الحوائج ؟
قال : " لا ولكنهم يعرقون ويرشحون ، فيذهب الله ما في بطونهم من أذى " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا سفيان ، عن حماد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة ، منها مقطعاتهم ، ومنها حللهم ، وكربها ذهب أحمر ، وجذوعها زمرد أخضر ، وثمرها أحلى من العسل ، وألين من الزبد ، وليس له عجم .
وحدثنا أبي : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد - هو ابن سلمة - عن أبي هارون ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كمثل البعير المقتب " .
القول في تأويل قوله تعالى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) يقول تعالى ذكره : وفي هاتين الجنتين المدهامتَّين فاكهة ونخل ورمَّان.
وقد اختلف في المعنى الذي من أجله أعيد ذكر النخل والرمان؛ وقد ذكر قبل أن فيهما الفاكهة، فقال بعضهم: أعيد ذلك لأن النخل والرمان ليسا من الفاكهة.
وقال آخرون : هما من الفاكهة؛ وقالوا: قلنا هما من الفاكهة، لأن العرب تجعلهما من الفاكهة، قالوا: فإن قيل لنا: فكيف أعيدا وقد مضى ذكرهما مع ذكر سائر الفواكه؟
قلنا: ذلك كقوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ، فقد أمرهم بالمحافظة على كلّ صلاة، ثم أعاد العصر تشديدا لها، كذلك أعيد النخل والرمَّان ترغيبا لأهل الجنة.
وقال: وذلك كقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ، ثم قال وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ، وقد ذكرهم في أوّل الكلمة في قوله: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ .
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن رجل، عن سعيد بن جُبير قال: " نخل الجنة جذوعها من ذهب، وعروقها من ذهب، وكرانيفها من زمرد، وسعفها كسوة لأهل الجنة، ورطبها كالدلاء، أشدّ بياضا من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل، ليس له عَجَم ".
قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن وهب الذماري، قال: " بلغنا أن في الجنة نخلا جذوعها من ذهب، وكرانيفها من ذهب، وجريدها من ذهب وسعفها، كسوة لأهل الجنة، كأحسن حلل رآها الناس قط، وشماريخها من ذهب، وعراجينها من ذهب، وثفاريقها من ذهب، ورطبها أمثال القلال، أشدّ بياضا من اللبن والفضة، وأحلى من العسل والسكر، وألين من الزُّبد والسَّمْن " .
قوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان فيه مسألتان :الأولى : قال بعض العلماء : ليس الرمان والنخل من الفاكهة ، لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره وهذا ظاهر الكلام .
وقال الجمهور : هما من الفاكهة وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة ، كقوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوله : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال وقد تقدم .
وقيل : إنما كررها لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا ، لأن النخل عامة قوتهم ، والرمان كالثمرات ، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما ، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها ، فإنما ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن ، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها .
وقيل : أفردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ودواء ، فلم يخلصا للتفكه ، ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله ، وهي المسألةالثانية : إذا حلف أن لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث .
وخالفه صاحباه والناس .
قال ابن عباس : الرمانة في الجنة مثل البعير المقتب .
وذكر ابن المبارك قال : أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر ، وكرانيفها ذهب أحمر ، وسعفها كسوة لأهل الجنة ، منها مقطعاتهم وحللهم ، وثمرها أمثال [ ص: 169 ] القلال والدلاء ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ، ليس فيه عجم .
قال : وحدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ، قال : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها ، وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى ، وإن ماءها ليجري في غير أخدود ، والعنقود اثنا عشر ذراعا .
{ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ } من جميع أصناف الفواكه، وأخصها النخل والرمان، اللذان فيهما من المنافع ما فيهما.
" فيهما فاكهة ونخل ورمان " قال بعضهم : ليس النخل والرمان من الفاكهة ، والعامة على أنها من الفاكهة ، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان وهما من جملة الفواكه للتخصيص والتفصيل .
كما قال تعالى : " من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال " ( البقرة - 98 ) .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان ، عن حماد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر ، وورقها ذهب أحمر ، وسعفها كسوة لأهل الجنة فيها مقطعاتهم وحللهم ، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس له عجم .
«فيهما فاكهة ونخل ورمان» هما منها وقيل من غيرها.
في هاتين الجنتين أنواع الفواكه ونخل ورمان.
( فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) وعطف - سبحانه - النخل والرمان على الفاكهة مع أنهما منهما ، لفضلهما ، فكأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران .أو - كما يقول صاحب الكشاف - : لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ودواء ، فلم يخلصا للتفكه ، ولذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - إذا حلف لا يأكل فاكهة ، فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث .
لما ذكر الجزاء ذكر بعده مثله وهو جنتان أخريان، وهذا كقوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ دُونِهِمَا ﴾ وجهان: أحدهما: دونهما في الشرف، وهو ما اختاره صاحب الكشاف وقال قوله: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ مع قوله في الأوليين: ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴾ وقوله في هذه: ﴿ عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ مع قوله في الأوليين: ﴿ عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ لأن النضخ دون الجري، وقوله في الأولين: ﴿ مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ ﴾ مع قوله في هاتين: ﴿ فاكهة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ وقوله في الأوليين: ﴿ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ حيث ترك ذكر الظهائر لعلوها ورفعتها وعدم إدراك العقول إياها مع قوله في هاتين: ﴿ رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ دليل عليه، ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأن عطايا الله في الآخرة متتابعة لا يعطي شيئاً بعد شيء إلا ويظن الظان أنه ذلك أو خير منه.
ويمكن أن يجاب عنه تقريراً لما اختاره الزمخشري أن الجنتين اللتين دون الأولين لذريتهم اللذين ألحقهم الله بهم ولأتباعهم، ولكنه إنما جعلهما لهم إنعاماً عليهم، أي هاتان الأخريان لكم أسكنوا فيهما من تريدون الثاني: أن المراد دونهما في المكان كأنهم في جنتين ويطلعوا من فوق على جنتين أخريين دونهما، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ ﴾ الآية.
والغرف العالية عندها أفنان، والغرف التي دونها أرضها مخضرة، وعلى هذا ففي الآيات لطائف: الأولى: قال في الأوليين: ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴾ وقال في هاتين: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ أي مخضرتان في غاية الخضرة، وإدهام الشيء أي اسواد لكن لا يستعمل في بعض الأشياء والأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى أسود، ويحتمل أن يقال: الأرض الخالية عن الزرع يقال لها: بياض أرض وإذا كانت معمورة يقال لها: سواد أرض كما يقال: سواد البلد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالسواد الأعظم ومن كثر سواد قوم فهو منهم» والتحقيق فيه أن ابتداء الألوان هو البياض وانتهاءها هو السواد، فإن الأبيض يقبل كل لون والأسود لا يقبل شيئاً من الألوان، ولهذا يطلق الكافر على الأسود ولا يطلق على لون آخر، ولما كانت الخالية عن الزرع متصفة بالبياض واللاخالية بالسواد فهذا يدل على أنهما تحت الأوليين مكاناً، فهم إذا نظروا إلى ما فوقهم، يرون الأفنان تظلهم، وإذا نظروا إلى ما تحتهم يرون الأرض مخضرة، وقوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ أي فائرتان ماؤهما متحرك إلى جهة فوق، وأما العينان المتقدمتان فتجريان إلى صوب المؤمنين فكلاهما حركتهما إلى جهة مكان أهل الإيمان، وأما قول صاحب الكشاف: النضخ دون الجري فغير لازم لجواز أن يكون الجري يسيراً والنضخ قوياً كثيراً، بل المراد أن النضخ فيه الحركة إلى جهة العلو، والعينان في مكان المؤمنين، فحركة الماء تكون إلى جهتهم، فالعينان الأوليان في مكانهم فتكون حركة مائهما إلى صوب المؤمنين جرياً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِيهِنَّ ﴾ في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.
أو في الجنتين، لاشتمالها على أماكن وقصور ومجالس ﴿ قاصرات الطرف ﴾ نساء قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ: لا ينظرن إلى غيرهم.
لم يطمث الإنسيات منهنّ أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن وهذا دليل عى أنّ الجن يطمثون كما يطمث الإنس، وقرئ: ﴿ لم يطمثهنّ ﴾ بضم الميم.
قيل: هنّ في صفاء الياقوت وبياض المرجان وصغار الدر: أنصع بياضاً.
قيل: إنّ الحوراء تلبس سبعين حلة، فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء ﴿ هَلْ جَزَآءُ الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إِلاَّ الإحسان ﴾ في الثواب.
وعن محمد بن الحنفية: هي مسجلة للبر والفاجر.
أي: مرسلة، يعني: أنّ كل من أحسن أُحسن إليه، وكل من أَساء أسيء إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ ومَن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ المَوْعُودَتَيْنِ لِلْخائِفِينَ المُقَرَّبِينَ جَنَّتانِ لِمَن دُونَهم مِن أصْحابِ اليَمِينِ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ خَضْراوانِ تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الغالِبَ عَلى هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ النَّباتُ والرَّياحِينُ المُنْبَسِطَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وعَلى الأُولَيَيْنِ الأشْجارُ والفَواكِهُ دَلالَةً عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ عَطَفَ الأخِيرَيْنِ عَلى الفاكِهَةِ عَطْفَ جِبْرِيلَ ومِيكالَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، وقِيلَ: إنَّهُما في الدُّنْيا لَمّا لَمْ يَخْلُصا لِلتَّفَكُّهِ فَإنَّ النَّخْلَ ثَمَرُهُ فاكِهَةٌ وطَعامٌ، والرُّمّانَ فاكِهَةٌ ودَواءُ عَدا جِنْسًا آخَرَ فَعُطِفا عَلى الفاكِهَةِ وإنْ كانَ كُلُّ ما في الجَنَّةِ لِلتَّفَكُّهِ لِأنَّهُ تَلَذُّذٌ خالِصٌ، ومِنهُ قالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً فَأكَلَ رُمّانًا أوْ رَطْبًا لَمْ يَحْنَثْ، وخالَفَهُ صاحِباهُ ثُمَّ إنَّ نَخْلَ الجَنَّةِ ورُمّانَها وراءَ ما نَعْرِفُهُ.
أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهُنادُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وآخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَخْلُ الجَنَّةِ جُذُوعُها زُمُرُّدٌ أخْضَرُ وكَرانِيفُها ذَهَبٌ أحْمَرُ وسَعَفُها كِسْوَةُ أهْلِ الجَنَّةِ مِنها مُقَطَّعاتُهم وحُلَلُهم وثَمَرُها أمْثالُ القِلالِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ وأحْلى مِنَ العَسَلِ وألْيَنَ مِنَ الزَّبَدِ ولَيْسَ لَهُ عَجَمٌ وحُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ.
وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أُصُولُهُ فِضَّةٌ وجُذُوعُهُ فِضَّةٌ وسَعَفُهُ حُلَلٌ وحَمْلُهُ الرَّطْبُ إلَخْ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««نَظَرْتُ إلى الجَنَّةِ فَإذا الرُّمّانَةُ مِن رُمّانِها كَمَثَلِ البَعِيرِ المُقْتَبِ»» وهَذا المَدْحُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ دُونَ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى في الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ: ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِهِما يَقُولُ إنَّ التَّنْوِينَ في فاكِهَةٍ لِلتَّعْمِيمِ بِقَرِينَةِ المَقامِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ فَيَكُونُ في قُوَّةٍ فِيها كُلُّ ( فاكِهَةٌ ) ويَزِيدُ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ما ذُكِرَ بِتَضَمُّنِهِ الإشارَةَ إلى مَدْحِ بَعْضِ أنْواعِها، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: إنَّ (ما هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أنْواعٌ أرْضِيَّةٌ وشَجَرِيَّةٌ كالبِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ والنَّخْلِ وغَيْرِها مِنَ الشَجَرَيّاتِ فَقالَتَعالى: ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ لِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي فِيها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ، وفِيها أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ وذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنها نَوْعَيْنِ: الرُّطَبُ والرُّمّانُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ أحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ فِيهِ حامِضٌ، وأحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءُ والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرَ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ تَكُونُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ والآخَرُ بِالعَكْسِ فَهُما كالضِّدَّيْنِ، والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ انْتَهى، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي ينجيكم من عذاب الآخرة، إن أطعتم أمره، وآمنتم برسله، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى؟
ويقال: معناه إن إخباري إياكم بهذه العقوبة نعمة لكم، لكي تنتهوا عن الكفر والمعاصي، فلا تنكروا نعمتي عليكم.
فقد ذكر الله في هذه الآيات دفع البلاء، ثم ذكر إيصال النعم لمن اتقاه وأطاع أمره، فقال: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ يعني: من خاف عند المعصية مقام يوم القيامة بين يدي ربه، فانتهى عن المعصية، فله في الآخرة جَنَّتانِ يعني: بستانان.
وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله عندها، فيدعها، فله أجران.
وذكر عن الفراء أنه قال: جَنَّتانِ أراد به جنة واحدة، وإنما ذكر جَنَّتانِ للقوافي، والقوافي تحتمل الزيادة والنقصان ما لا يحتمل الكلام.
وقال القتبي: هذا لا يجوز، لأن الله قد وعد ببستانين، فلا يجوز أن يريد بهما واحداً، فلو جاز هذا لجاز أن يقال في قوله: تسعة عشر إنما هم عشرون، ولكن ذكر للقوافي.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: بأي نعمة من نعماء الله تعالى تتجاحدان؟
إذ جعل الجنة ثواب أعمالكم، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟
قوله تعالى: ذَواتا أَفْنانٍ يعني: ذواتاً ألوان.
يعني: البساتين فيها ألوان من الثمرات.
ويقال: ذَواتا أغصان.
وقال الزجاج: الأفنان ألوان، وهي الأغصان أيضاً واحدها فَنَنٌ.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: قد وُعِدْتُّمُ الجنة، والراحة، فكيف تنكرون وحدانيته ونعمته؟.
ثم قال عز وجل: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ يعني: في البساتين نهران من ماء غير آسن أي: غير متغير.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل الأنهار نزاهة لكم زيادة في النعمة، فكيف تنكرون قدرة الله تعالى ونعمته؟.
ثم قال: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ يعني: في هذين البساتين، من كل لون من الفاكهة صنفان، الحلو، والحامض.
ويقال: لونان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل فيهما من الراحة والنزاهة من كل نوع من الفاكهة؟
فكيف تنكرون نعمته وقدرته.
قوله عز وجل: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ يعني: ناعمين على فرش بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هو الديباج الغليظ الأخضر بلغة فارس.
وقال مقاتل: بَطائِنُها يعني: ظواهرها.
وذكر عن الفراء أنه قال: بَطائِنُها يعني: الظهارة، وقد تكون الظهارة بطانة، والبطانة ظهارة، لأن كل واحد منهما يكون وجها وحدا.
وقال القتبي: هذا لا يصح، ولكن ذكر البطانة تعليماً، أن البطانة إذا كانت من استبرق، فالظهارة تكون أجود.
وروي عن ابن عباس أنه سئل: أن بطائنها من استبرق فما الظواهر؟
قال هو مما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.
ثم قال: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ يعني: اجتناؤهما قريب إن شاء تناولهما قائماً، وإن شاء تناولهما قاعداً، وإن شاء متكئاً.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم مجالس الملوك مع الفراش المرتفعة، فكيف تنكرون وحدانية الله ونعمته؟.
ثم قال عز وجل: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: في الجنان من الزوجات غاضات البصر، قانعات بأزواجهن، لا يشتهين غيرهم، ولا ينظرون إلى غيرهم.
قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ يعني: لم يمسسهن إنس، قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ يعني: لا إنساً، ولا جنياً فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم أزواجاً موافقة لطبعكم، وهن لا يرون غيركم، فكيف تنكرون الله تعالى؟.
ثم وصف الزوجات فقال: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ يعني: في الصفاء كالياقوت، وفي البياض كالمرجان، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعلهن بحال تتلذذ أعينكم بالنظر إليهن، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟.
ثم قال عز وجل: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يعني: هل جزاء التوحيد وهو قول لا إله إلا الله إلا الجنة.
ويقال: هل جزاء من خاف مقام ربه إلا هاتان الجنتان التي ذكرناها في الآية.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فكيف تنكرون نعمة ربكم، حيث جعل ثواب إحسانكم الجنة، وبين لكم لكي تحسنوا، وتنالوا ثواب الله، وإحسانه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ هَذا حالُ المَذْكُورِينَ ﴿ عَلى فُرُشٍ ﴾ جَمْعُ فِراشٍ ﴿ بَطائِنُها ﴾ جَمْعُ بِطانَةٍ، وهي الَّتِي تَحْتَ الظِّهارَةِ.
وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَما ظَنُّكم بِالظَّهائِرِ؟!
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما تُرِكَ وصْفُ الظَّواهِرِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَعْلَمُ ما هي.
وقالَ قَتادَةُ: البَطائِنُ: هي الظَّواهِرُ بِلُغَةِ قَوْمٍ.
وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ ظاهِرَةً، والظّاهِرَةُ بِطانَةً، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها، وهو الَّذِي نَراهُ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَعِيبُ قَتَلَةَ عُثْمانَ: خَرَجُوا عَلَيْهِ كاللُّصُوصِ مِن وراءِ القَرْيَةِ، فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ كُلَّ قِتْلَةٍ، ونَجا مِنهم مَن نَجا تَحْتَ بُطُونِ الكَواكِبِ.
يَعْنِي هَرَبُوا لَيْلًا؛ فَجَعَلُوا ظُهُورَ الكَواكِبِ بُطُونًا، وذَلِكَ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.
وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ جِدًّا، وقالَ: إنَّما أرادَ اللَّهُ أنَّ يُعَرِّفَنا- مِن حَيْثُ نَفْهَمُ - فَضْلَ هَذِهِ الفُرُشِ وأنَّ ما ولِيَ الأرْضَ مِنها إسْتَبْرَقٌ، وإذا كانَتِ البِطانَةُ كَذَلِكَ، فالظِّهارَةُ أعْلى وأشْرَفُ.
وهَلْ يَجُوزُ [لِأحَدٍ] أنْ يَقُولَ لِوَجْهِ مُصَلٍّ: هَذا بِطانَتُهُ، ولِما ولِيَ الأرْضَ مِنهُ: هَذا ظِهارَتُهُ؟!
وإنَّما يَجُوزُ هَذا في ذِي الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ، تَقُولُ لِما ولِيَكَ مِنَ الحائِطِ: هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، ويَقُولُ جارُكَ لِما ولِيَهُ هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، وكَذَلِكَ السَّماءُ ما ولِيَنا مِنها: ظَهْرٌ، وهي لِمَن فَوْقَها: بَطْنٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا الإسْتَبْرَقَ في [سُورَةِ] [الكَهْفِ: ٣١]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ما يُجْتَنى قَرِيبٌ لا يُعَنِّي الجانِيَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الجَنَّتَيْنِ وغَيْرِهِما مِمّا أُعِدَّ لِصاحِبِ هَذِهِ القِصَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الفُرُشِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ: يَطْمِثُ ويَطْمُثُ، مِثْلُ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ.
وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ والطَّمْثُ: النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحائِضِ: طامِثٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ؛ يُقالُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرَ حَبْلٌ [قَطُّ] أيْ: ما مَسَّهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الجَنَّةِ؛ فَعَلى قَوْلِهِ، هَذا صِفَةُ الحُورِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: هُنَّ مِن نِساءِ الدُّنْيا لَمْ يَمْسَسْهُنَّ مُذْ أُنْشِئْنَ خَلْقٌ.
وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى المَرْأةَ كالإنْسِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ.
وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ أهْلَ التَّفْسِيرِ وأهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ والمَرْجانُ: صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهو أشَدُّ بَياضًا.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: "الياقُوتُ" فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والجَمْعُ "اليَواقِيتُ"، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ اليَرْبُوعِيُّ: لَنْ يُذْهِبَ اللُّؤْمَ تاجٌ قَدْ حُيِيتَ بِهِ مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ والذَّهَبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُحْسَنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" وعَمِلَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ إلّا الجَنَّةُ.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ"؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: "فَإنَّ رَبَّكم يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟!
.» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ" يُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ المُتَّصِفِينَ بِالخَوْفِ الزاجِرِ عن مَعاصِي اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ لِواحِدٍ مِنهُمْ، وبِحَسَبِ هَذا قالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كُلَّ خائِفٍ لَهُ جَنَّتانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ الخائِفِينَ لَهم جَنَّتانِ، و"المَقامُ" هو وُقُوفُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ تَعالى، يُفَسِّرُهُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وأضافَ المَقامُ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الثَعْلَبِيُّ: "مَقامَ رَبِّهِ" قِيامُهُ عَلى العَبْدِ، بَيانُهُ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ ، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذا المَعْنى عن مُجاهِدٍ، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ، وتَحْرِيضٌ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو أسْرَعُ المَطايا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ جَنَّةً واحِدَةً وثَنّى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ، وقَوْلُ الحَجّاجِ: يا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى التَثْنِيَةِ مُتَّجِهٌ بِلا وجْهٍ لِلْفِرارِ إلى هَذِهِ الشاذَّةِ، ويُؤَيِّدُ التَثْنِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ وهي تَثْنِيَةُ "ذاتِ" لِأنَّ أصْلَ "ذاتٍ" ذَواتٌ.
و"الأفْنانِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعٌ فَنَنٍ وهو الغُصْنُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِظِلالِها وتَكاثَفَ أغْصانَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ فَنٍّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِكَثْرَةِ أنْواعِ فَواكِهِها ونَعِيمِها.
و"زَوْجانِ" مَعْناهُ: نَوْعانِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ، إمّا مِن مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ وإمّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ"، و"الِاتِّكاءُ": جَلْسَةُ المُتَنَعِّمِ المُتَمَتِّعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرْشٍ" بِسُكُونِ الراءِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ : هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ الظَواهِرُ؟
قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هِيَ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ"،» و"الإسْتَبْرَقُ" ما خَشُنَ وحَسُنَ مِنَ الدِيباجِ، و"السُنْدُسُ" ما رَقَّ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظَةِ الإسْتَبْرَقِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مِن اسْتَبْرَقٍ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ والألِفُ وصْلٌ.
"والجَنى" ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ، ووَصَفَهُ بِالدُنُوِّ لِأنَّهُ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ يَتَناوَلُهُ الرَجُلُ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ مِن قِيامٍ أو جُلُوسٍ أوِ اضْطِجاعٍ لِأنَّهُ يَدْنُو إلى مُشْتَهِيهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: " فِيهِنَّ" لِلْفُرْشِ، وقِيلَ: لِلْجَنّاتِ؛ إذِ الجَنَّتانِ جَنّاتٌ في المَعْنى.
و: "قاصِراتُ الطَرْفِ" هُنَّ الحُورُ العَيْنُ قَصَرْنَ ألْحاظَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَنِ الكِسائِيِّ وحْدَهُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأصْحابُ عَلَيٍّ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَطْمِثُهُنَّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَطْمِثُهُنَّ" بِكَسْرِ المِيمِ، والمَعْنى: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ لِأنَّ الطَمْثَ دَمُ الفَرْجِ فَيُقالُ لِدَمِ الحَيْضِ: طَمْثٌ، ويُقالُ لِدَمِ الِافْتِضاضِ: طَمْثٌ، فَإذا نُفِيَ الطَمْثُ فَقَدْ نُفِيَ القُرْبُ مِنهُنَّ بِجِهَةِ الوَطْءِ، قالَ الفَرّاءُ: لا يُقالُ "طَمْثٌ" إلّا إذا افْتَضَّ، وقالَ غَيْرُهُ: "طَمْثٌ" مَعْناهُ: جامَعَ بِكْرًا أو غَيْرَها.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا جانَّ" - فَقالَ مُجاهِدٌ: الجِنُّ قَدْ تُجامِعُ نِساءَ البَشَرِ مَعَ أزْواجِهِنَّ إذا لَمْ يَذْكُرِ الزَوْجُ اللهَ تَعالى، فَتَنْفِي هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ المُجامَعاتِ، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ: الجِنُّ في الجَنَّةِ لَهم قاصِراتُ الطَرْفِ مِنَ الجِنِّ نَوْعُهُمْ، فَنَفى في هَذِهِ الآيَةِ الِافْتِضاضَ عَنِ البُشْرَياتِ والجِنِّيّاتِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ شَيْءٌ، أرادَ العُمُومَ التامَّ لَكِنَّهُ صَرَّحَ مِن ذَلِكَ بِالَّذِي يَعْقِلُ مِنهُ أنْ يَطْمِثَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والطَبَرِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرُ حَبْلَ قَطُّ، أيْ: ما مَسَّهُ، فَإنَّ كانَ هَذا المَعْنى: ما أدْماهُ حَبْلٌ، فَهو يَقْرُبُ مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَهو مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ ما قَدَّمْناهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَلا جَأْنٌ" بِالهَمْزِ.
<div class="verse-tafsir"
القول فيه مثل القول في نظائره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ بَطائِنَها يُرِيدُ بِهِ ظَواهِرَها، قالَهُ قَتادَةُ.
والعَرَبُ تَجْعَلُ البَطْنَ ظَهْرًا فَيَقُولُونَ هَذا بَطْنُ السَّماءِ وظَهْرُ السَّماءِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ البِطانَةَ دُونَ الظِّهارَةِ، لِأنَّ البِطانَةَ إذا كانَتْ مِن إسْتَبْرَقٍ وهي أدْوَنُ مِنَ الظّاهِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ الظَّهارَةَ فَوْقَ الإسْتَبْرَقِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَسُئِلَ عَبّاسٌ فَما الظَّواهِرُ؟
قالَ: إنَّما وصَفَ لَكم بَطائِنَها لِتَهْتَدِيَ إلَيْهِ قُلُوبُكم فَأمّا الظَّواهِرُ فَلا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ.
﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ فَأمّا الجَنا فَهو الثَّمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ هَذا جَنايَ وخِيارُهُ فِيهِ إذْ كُلِّ جانٍ يَدُهُ إلى فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ ﴿ دانٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دانِي لا يَبْعُدُ عَلى قائِمٍ ولا عَلى قاعِدٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لا يَرُدُّ أيْدِيهِمْ عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: قَصَرَ طَرَفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يُسَدِّدْنَ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِمْ، ولا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا.
﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ، قالَ أبُو عَمْرٍو: الطَّمْثُ المَسُّ، وذَلِكَ في كُلِّ شَيْءٍ يُمَسُّ.
الثّانِي: لَمْ يَذْلُلْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، والطَّمْثُ: التَّذْلِيلُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
الثّالِثُ: لَمْ يُدْمِهُنَّ يَعْنِي إنْسٌ ولا جانٌّ، وذَلِكَ قِيلَ لِلْحَيْضِ طَمْثٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: دُفِعْنَ إلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ∗∗∗ وهُنْ أصَحُّ مِن بِيضِ النَّعامِ وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ تَغْشى كالإنْسِ.
﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ جَزاءُ الطّاعَةِ إلّا الثَّوابُ.
الثّانِي: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانَ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: هَلْ جَزاءُ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلّا الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: هَلْ جَزاءُ التَّوْبَةِ إلّا المَغْفِرَةَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصّادِقُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: هَلْ جَزاءُ إحْسانِ اللَّهِ عَلَيْكم إلّا طاعَتُكم لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطيّ السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذا الخضر تأتي عليّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ يقول: خاف ثم اتقى، والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في التوبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه فينزع عنها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: من خاف مقام الله عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: الرجل يريد الذنب فيذكر الله فيدع الذنب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا ونصبوا له بالليل والنهار.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: إذا أراد أن يذنب أمسك مخافة الله.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: لمن خافه في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية بن قيس في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار لعلي أضلّ الله، قال لنا بيوم وليلة بعد أن تكلم بهذا فقبل الله منه ذلك، وأدخله الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحكيم في نوادر الأصول والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثانية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟
فقال الثالثة ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟
قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟
قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء» فكان أبو الدرداء يقص ويقول: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وإن رغم أنف أبي الدرداء.
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الحريري عن أخيه قال: سمعت محمداً بن سعد يقرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق ﴾ فقلت: ليس فيه وإن زنى وإن سرق، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك فأنا أقرأها كذلك حتى أموت.
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة، ثم قرأ ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: وإن زنى وإن سرق؟
فقلت: إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: قيل: يا أبا الدرداء وإن زنى وإن سرق؟
قال: من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق.
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جنان الفردوس أربع: جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وقوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين.
وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: بستانان عرض كل واحد منهما مسيرة مائة عام فيهما أشجار، وفرعهما ثابت، وشجرهما ثابت، وعرصتهما عظيمة، ونعيمهما عظيم وخيرهما دائم، ولذتهما قائمة وأنهارهما جارية وريحهما طيب، وبركتهما كثيرة، وحياتهما طويلة، وفاكتهما كثيرة.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال: كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازم المسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدث نفسه بذلك فشهق شهقة فغشي عليه، فجاء عم له إلى بيته، فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له: ما جزاء من خاف مقام ربه؟
فانطلق عمه فأخبر عمر، وقد شهق الفتى شهقة أخرى فمات منها، فوقف عليه عمر فقال: لك جنتان لك جنتان.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا ألوان.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مثله.
وأخرج هناد عن الضحاك مثله.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ يقول: ألوان من الفواكه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا أغصان.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: غصونهما يمس بعضها بعضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: الفتن الغصن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حبان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن قول الله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ظل الأغصان على الحيطان، أما سمعت قول الشاعر؟
ما هاج شوقك من هدير حمامة ** تدعو على فتن الغصون حماما تدعو باشرخين صادف طاويا ** ذا مخلبين من الصقور قطاما وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا فضل على ما سواهما.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فيهما كل فاكهة زوجان ﴾ قال: فيهما من كل الثمرات، قال: قال ابن عباس: فما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال: العنقود أبعد من صنعاء.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ﴾ قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: في قراءة عبدالله ﴿ متكئين على سرر وفرش بطائنها من رفرف من استبرق ﴾ والاستبرق لغة فارس يسمون الديباج الغليظ الاستبرق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قيل له ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ فما الظواهر؟
قال: ذاك مما قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ [ السجدة: 17] .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ قال: ظواهرها من نور جامد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: جناها ثمرها، والداني القريب منك يناله القائم والقاعد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: ثمارها دانية لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
قال: وذكر لنا أنا نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيراً منها» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ قال المفسرون: يعني ألوان الفاكهة وألوان الرمان.
قال ابن عباس: والرمانة مثل جلد البعير المقتب (١) ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾ فأعاد الوسطى بعد أن ذكرها في الجملة تشديدًا لها.
كذلك أعيد النخل والرمان ترغيبًا لأهل الجنة هذا قول الفراء (٢) وقال أبو إسحاق: قال يونس النحوي -وهو يتلو الخليل في القدم والحذق- أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فصل بالواو لفضلهما، واستشهد في ذلك بقوله جل وعز ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ قال فصل بالواو لفضلهما (٣) وغلط أهل العراق حين لم يجعلوا الحالف أن لا يأكل الفاكهة حانثا بأكل الرمان والتمر وظنوا أنهما لما ذكرا بعد الفاكهة ليسا من الفاكهة (٤) قال الأزهري: ما علمت أحدًا من العرب قال في النخيل والكُروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال ذلك لقلة علمه بكلام العرب وعلم اللغة وتأويل القرآن العربي المبين، والعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئًا منها بالتسمية تنبيهًا على فضل فيه، قال الله -عز وجل-: ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ﴾ إلى قوله ﴿ وَمِيكَالَ ﴾ فمن قال إنهما ليسا من الملائكة لإفراد الله إياهما بالتسمية فهو كافر، ومن قال: إن ثمر النخل والرمان ليس من الفاكهة لإفراد الله إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة فهو جاهل، هذا كلامه (٥) (١) رواه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 47 أ، من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، عن النبي - - وأبو هارون اسمه عمارة بن حديث، ضعيف جدًّا، و"تخريجات العراقي لإحياء علوم الدين" 4/ 542، وذكره القرطبي 17/ 186، وابن كثير في 4/ 279، من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه، ونسبا تخريجه لابن أبي حاتم.
(٢) انظر: "معاني القرآن" 3/ 119.
(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 103.
(٤) قال أبو حنيفة وأبو ثور: وحجتهم أن المعطوف يغاير المعطوف عليه، وخالفهم في ذلك الجمهور من الفقهاء وأهل اللغة.
انظر: "المغني" 13/ 591 - 592.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 25 (فكه).
قلت: غفر الله للأزهري في كلامه هذا، إن كان ينبغي له وهو أهل فضل وعلم أن يعرف لأهل الفضل فضلهم فأصحاب هذا القول -رحمهم الله- وإن جانبهم الصواب فيه، فلهم من السبق والرسوخ ما يرفع من قدرهم ومكانتهم عند من جاء بعدهم، عفا الله عن الجميع وجمعنا وإياهم في جنته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ خص النخل والرمان بالذكر بعد دخولهما في الفاكهة تشريفاً لهما، وبياناً لفضلهما على سائر الفواكه.
وهذا هو التجريد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ، ذكر الخوف عن المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟
ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟
فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بَيَّنَ في أخرى، وهو قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نهي النفس عما تهواه.
والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم [به] من المعصية، أو ما هوت نفسه.
ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكرى الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟
قال أهل التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذي هم أصحاب اليمين.
وجائز أن يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيقٍ إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا أن بصره حيث [يقع] لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.
والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان المحاسن.
وذكر القتبي عن الفراء في قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ قال: قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ، لموافقة مقاطع الآي، والمراد منه جنة واحدة.
لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.
ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيراً، وبرزوا، فهو على وجهين: أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذا العالم.
والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله ، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ .
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ لأصحاب اليمين.
ثم نعت ورصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.
وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضورته - لشدته - إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تبنك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ ، وقال أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ ، والناضج: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضج دون الجريان.
وقال القتبي: ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ اللتان تفوران بالماء، والنضج دون النضَجَ، وهو الرش، وقال في جنتي السابقين: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان، أو لونان، [من] أي: شيء كان، وقال في [جنتي] أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ لتفضيل أولئك على هؤلاء.
وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، و[قوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ ﴾ ] إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف الله على عباده؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا.
وقال بعضهم: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله أعلم.
وقال القتبي: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهاغرة، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.
لكن ما قاله الفراء صحيح، وما كره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخذا الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة، فأما الله - وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، يفعل ما يشاء كيف شاء.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة ثم الإستبرق اختلف فيه: قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم.
وقال بعضهم: هو ما دق ورق، والله أعلم.
ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟
وكيف هو؟
ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله الواجب عليهم، وفي أوامره ونواهيه، فقال: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ ﴾ اللتين وعد لكم ﴿ دَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر هنا - والله أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية.
قال أبو عوسجة: الجنى: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في آية أخرى: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ ذكر هذا؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير أزاجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، قرئ: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ بضم اليم وكسره.
قال الفراء: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ ، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية.
وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان.
وقال أبو عوسجة: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يرى الأولاد، ولا جان على ما تمس الجن الأولاد فيفسدهم، ولكنهم كما وصف: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ﴾ ، قال أهل التأويل: شبههن باليقاوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ قيل: هل جزاء الإحسان في الدينا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟
هل جزاء فعل الحسن في الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة.
ولكن غيره كأنه أقر، أي: هل جزاء إحسان الله بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قِبَلَ الله بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق.
ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في الآخرة، والله أعلم.
واستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - بهذه الآية على أن للجن ثوابا؛ كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ؛ فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.
لكنْ أبو حنيفة - رحمه الله - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري، فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز العين، والله أعلم.
وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
<div class="verse-tafsir"
في هاتين الجنتين فاكهة كثيرة ونخل عظيم ورُمَّان.
<div class="verse-tafsir" id="91.A3gp5"