الآية ٦٩ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٦٩ من سورة الرحمن

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٩ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٩ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟

قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) يقول : فبأيّ نعم ربكما تكذّبان، يقول: فبأيّ نعم ربكما التي أنعمها عليكم -بهذه الكرامة التي أكرم بها محسنكم- تكذّبان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !

؟

ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟

!

والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبأي آلاء ربكما تكذبان».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فهو كقوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ  ﴾ وذلك لأن الفاكهة أرضية نحوه البطيخ وغيره من الأرضيات المزروعات وشجرية نحو النخل وغيره من الشجريات فقال: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ  ﴾ بأنواع الخضر التي منها الفواكه الأرضية وفيهما أيضاً الفواكه الشجرية وذكر منها نوعين وهما الرمان والرطب لأنهما متقابلان فأحدهما حلو والآخر غير حلو وكذلك أحدهما حار والآخر بارد وأحدهما فاكهة وغذاء، والآخر فاكهة، وأحدهما من فواكه البلاد الحارة والآخر من فواكه البلاد الباردة، وأحدهما أشجاره في غاية الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز ومالا يؤكل كامن، والآخر بالعكس فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما، كما قال: ﴿ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين  ﴾ وقدمنا ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ لمن دونهم من أصحاب اليمين ﴿ مُدْهَامَّتَانِ (64) ﴾ قد ادهامّتا من شدّة الخضرة ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ فوّارتان بالماء.

والنضخ أكثر من النضح، لأنّ النضح غير معجمة مثل الرش، فإن قلت: لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها؟

قلت: اختصاصاً لهما وبياناً لفضلهما، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران، كقوله تعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] أو لأنّ النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه.

ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباً: لم يحنث، وخالفه صاحباه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ فَوّارَتانِ بِالماءِ هو أيْضًا أقَلُّ مِمّا وصَفَ بِهِ الأُولَيَيْنِ وكَذا ما بَعْدَهُ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ عَطَفَهُما عَلى الفاكِهَةِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، فَإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ فاكِهَةٌ وغِذاءٌ وثَمَرَةَ الرُّمّانِ فاكِهَةٌ ودَواءٌ، واحْتَجَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً فَأكَلَ رُطَبًا أوْ رُمّانًا لَمْ يَحْنَثْ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِجَنَّتانِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدُ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ كالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةَ والكَلامُ في ضَمِيرِ الجَمْعِ هُنا كالكَلامِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ  ﴾ ( وخَيْراتٌ ) قالَ أبُو حَيّانَ: جَمْعُ خَيْرَةٍ وصْفٌ بُنِيَ عَلى فِعَلَةٍ مِنَ الخَيْرِ كَما بَنَوْا مِنَ الشَّرِّ فَقالُوا شَرَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ «خَيِّراتٌ» بِالتَّشْدِيدِ فَخُفِّفَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ»» ولَيْسَ جَمْعُ خَيِّرٍ بِمَعْنى أخْيَرَ فَإنَّهُ لا يُقالُ فِيهِ خَيِّرُونَ ولا خَيِّراتِ، ولَعَلَّهُ لِأنَّ أصْلَ اسْمِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يَجْمَعُ خُصُوصًا إذا نُكِّرَ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيِّ وابْنُ مُقْسِمٍ «خَيِّراتٌ» بِتَشْدِيدِ الياءِ وهو يُؤَيِّدُ أنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرو «خَيَراتٌ» بِفَتْحِ الياءِ كَأنَّهُ جَمْعُ خائِرَةٍ جُمِعَ عَلى فِعْلَةِ ﴿ حِسانٌ ﴾ قِيلَ: أيْ حِسانِ الخُلُقِ والخَلْقِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ﴿ خَيْراتٌ ﴾ الأخْلاقُ ﴿ حِسانٌ ﴾ الوُجُوهُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ يعني: من دون الجنتين اللتين ذكرهما، جنتان أخروان.

فالأوليان جنة النعيم وجنة عدن، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: قد ذكر للمتقين جنتين، وجنتان أخريان، زيادة على الكرامة.

فكيف تنكرون فضل ربكم.

وكرامته.

ثم وصف الجنتين الأخريين فقال: مُدْهامَّتانِ يعني: خضراوان.

ويقال: التي تضرب خضرها إلى السواد فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بعني جعل لكم الجنان المخضرة، لأن النظر في الخضرة يُجلي البصر، فكيف تنكرون وحدانيته.

ثم قال: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ يعني: ممتلئتان فوارتان.

وقال القتبي: يعني: تفوران بالماء، والنضخ أكثر من النضح.

وقال مجاهد: ضَّاخَتانِ يعني: مملوءتان من الخير لا ينقطعان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: كيف تنكرون من جعل لكم فيهما عينان تفوران على الدوام، ولا انقطاع لهما.

ثم قال عز وجل: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ يعني: في الجنتين الأخريين من ألوان الفاكهة.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ معناه: في الجنتين الأخريين من ألوان الفاكهة، كمثل ما في الأوليين، فأنتم تجدون فيها ألواناً من الثمار، والفواكه.

فكيف تنكرون هذه النعمة.

ثم قال عز وجل: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ يعني: في الجنان كلها زوجات حسان.

وقال الزجاج: أصله في اللغة خيرات.

وقد قرئ بالتشديد، وقراءة العامة بالتخفيف.

وقال مقاتل: خَيِّرات الأخلاق، حسان الوجوه، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: في هذه الجنان الأربعة، في كل واحدة منها تجدون خيرة زوجة هي أحسن بما في الأخرى، فكيف تنكرون عزة ربكم ولا تشكرونه.

ثم وصف الخيرات فقال: حُورٌ مَقْصُوراتٌ يعني: محبوسات فِي الْخِيامِ على أزواجهن.

وقال ابن عباس: الخيمة الواحدة من لؤلؤة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فكيف تنكرون هذه النعمة حين حَبَسَ الأزواج الطيبات لكم إن أطعتم الله؟.

ثم قال عز وجل: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ يعني: لم يمسسهن إنس قبلهم، ولا جان.

قرأ الكسائي: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ بضم الميم.

والباقون: بالكسر.

وهما لغتان، ومعناهما واحد.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.

ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ يعني: نائمين على المجالس الخضر، على السرر الحسان.

ويقال: على رياض خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ يعني: الزرابيّ الكثيرة الألوان، وهي الطنافس الحسان.

وقال مجاهد: وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ يعني: الديباج.

وقال الزجاج: وإنما قال: عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ولم يقل حسن، لأن العبقري جماعة.

يقال: للواحدة عبقرية، كما تقول: ثمرة وثمر لوزة، ولوز، وأيضاً يكون العبقري اسم جنس، والعبقري كل شيء بولغ في وصفه، والعبقري البُسُط.

ويقال: الطنافس المبسوطة.

ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تتجاحدان مع هذه الكرامات التي بين الله تعالى لكم؟

لتعلموا، فتناولوا تلك الكرامات ما شاء الله.

ثم قال عز وجل: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ يعني: ذي الارتفاع.

يعني: ارتفاع المنزلة، والقدرة وَالْإِكْرامِ يعني: الكريم، المتجاوز عن المذنبين.

ويقال: الاسم زيادة في الكلام، ومعناه: تبارك ربك.

قرأ ابن عامر: ذُو الْجَلالِ بالواو.

والباقون: ذِي الْجَلالِ بالياء.

فمن قرأ: ذُو جعله نعتاً للاسم، والاسم رفع.

ومن قرأ: بالكسر، جعله نعتا للرب عز وجل والله أعلم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، ولَهُ مِن دُونِهِما جَنَّتانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن دُونِهِما ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: دُونَهُما في الدَّرَجِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: دُونَهُما في الفَضْلِ كَما رَوى أبُو مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ"؛» وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ [وابْنُ الزُّبَيْرِ]: خَضْراوانِ مِنَ الرِّيِّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن خُضْرَتِهِما قَدِ اسْوَدَّتا.

قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي أنَّهُما خَضْراوانِ تَضْرِبُ خُضْرَتُهُما إلى السَّوادِ، وكُلُّ نَبْتٍ أخْضَرَ فَتَمامٌ خُضْرَتِهِ ورِيِّهِ أنْ يَضْرِبَ إلى السَّوادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَضّاخَتانِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَوّارَتانِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَفُورانِ، "والنَّضْخُ" أكْثَرُ مِنَ "النَّضْحِ" .

وفِيما يَفُورانِ بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالمِسْكِ والكافُورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: بِالماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَخْلُ الجَنَّةِ: جُذُوعُها زُمُرُّدٌ أخْضَرُ، وكَرَبُها: ذَهَبٌ أحْمَرُ، وسَعَفُها: كُسْوَةُ أهْلِ الجَنَّةِ، مِنها مُقَطَّعاتُهم وحُلَلُهم.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَخْلُ الجَنَّةِ: جُذُوعُها مِن ذَهَبٍ، وعُرُوقُها مِن ذَهَبٍ، وكَرانِيفُها مِن زُمُرُّدٍ، ورُطَبُها كالدِّلاءِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، لَيْسَ لَهُ عَجَمٌ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكَرانِيفُ: أُصُولُ السَّعَفِ الغِلاظُ، الواحِدَةُ: كِرْنافَةٌ.

وإنَّما أعادَ ذِكْرَ النَّخْلِ والرُّمّانِ - وقَدْ دَخَلا في الفاكِهَةِ - لِبَيانِ فَضْلِهِما كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ.

وحَكى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّ قَوْمًا قالُوا: لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ ذَهَبُوا مَذْهَبًا، ولَكِنَّ العَرَبَ تَجْعَلُهُما فاكِهَةً.

قالَ الأزْهَرِيُّ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِنَ العَرَبِ قالَ في النَّخِيلِ والكُرُومِ وثِمارِها: إنَّها لَيْسَتْ مِنَ الفاكِهَةِ، وإنَّما قالَ مَن قالَ، لِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِكَلامِ العَرَبِ، فالعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ جُمْلَةً ثُمَّ تَخُصُّ شَيْئًا مِنها بِالتَّسْمِيَةِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلٍ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ ؛ فَمَن قالَ: لَيْسا مِنَ المَلائِكَةِ كَفَرَ، ومَن قالَ: ثَمَرُ النَّخْلِ والرُّمّانِ لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ جَهِلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ يَعْنِي في الجِنانِ الأرْبَعِ "خَيْراتٌ" يَعْنِي الحُورَ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نُهَيْكٍ: "خَيِّراتٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أصْلُهُ "خَيِّراتٌ" بِالتَّشْدِيدِ، فَخُفِّفَ، كَما قِيلَ: هَيْنٌ لَيْنٌ، وهَيِّنٌ لَيِّنٌ.

ورَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "خَيْراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ ﴾ قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ [الدُّخانِ: ٥٤] مَعْنى الحُورِ.

وَفِي المَقْصُوراتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَحْبُوساتُ في الحِجالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والقُرَظِيِّ، والضَّحّاكِ، وأبِي صالِحٍ.

والثّانِي: المَقْصُوراتُ الطَّرْفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، فَلا يَرْفَعْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: امْرَأةٌ مَقْصُورَةٌ وقَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: إذا كانَتْ مُلازِمَةً خِدْرَها، قالَ كُثَيِّرٌ: لَعَمْرِي لَقَدْ حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ إلَيَّ وما تَدْرِي بِذاكَ القَصائِرُ عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ وَبَعْضُهم يَنْشُدُهُ: قَصُورَةٌ، وقَصُوراتٌ؛ والبَحاتِرُ: القِصارُ.

وَفِي "الخِيامِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها البُيُوتُ.

والثّانِي: خِيامٌ تُضافُ إلى القُصُورِ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  [أنَّهُ] قالَ: « "إنَّ لِلْمُؤْمِنِ في الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مِيلًا لِلْمُؤْمِنِ فِيها أهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ [المُؤْمِنُ] فَلا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا" .» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الخِيامُ: دُرٌّ مُجَوَّفٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخَيْمَةُ: لُؤْلُؤَةٌ واحِدَةٌ أرْبَعَةُ فَراسِخَ في أرْبَعَةِ فَراسِخَ، لَها أرْبَعَةُ آلافِ مِصْراعٍ مِن ذَهَبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ ﴾ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَلى رَفارِفَ" جَمْعٌ غَيْرُ مَصْرُوفٍ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ مِثْلَهُمْ، إلّا أنَّهم صَرَفُوا "رَفارِفَ" قالَ ثَعْلَبٌ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: أخْضَرَ، لِأنَّ الرَّفْرَفَ جَمْعٌ، واحِدَتُهُ: رَفْرَفَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا  ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الخُضْرِ، لِأنَّ الشَّجَرَ جَمْعٌ، تَقُولُ: هَذا حَصًى أبْيَضُ، وحَصًى أسْوَدُ، قالَ الشّاعِرُ: أحَقّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ ماشِيًا ∗∗∗ بِهِرْجابَ ما دامَ الأراكُ بِهِ خُضْرا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالرَّفْرَفِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها فُضُولُ المَحابِسِ [والبُسُطِ]، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ: الفُرُشُ والبُسُطُ.

وحَكى الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّها المَحابِسُ.

وقالَ النَّقّاشُ: الرَّفْرَفُ: المَحابِسُ الخُضْرُ فَوْقَ الفُرُشِ.

والثّانِي: أنَّها رِياضُ الجَنَّةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الوَسائِدُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الزَّرابِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَبْقَرِيُّ: الطَّنافِسُ الثِّخانُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ البُسُطِ: عَبْقَرِيٌّ.

والثّانِي: أنَّهُ الدَّيْباجُ الغَلِيظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ العَبْقَرِيِّ في اللُّغَةِ أنَّهُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما بُولِغَ في وصْفِهِ، وأصْلُهُ أنَّ عَبْقَرَ: بَلَدٌ كانَ يُوشى فِيهِ البُسُطُ وغَيْرُها، فَنُسِبَ كُلُّ شَيْءٍ جَيِّدٍ إلَيْهِ، قالَ زُهَيْرٌ: بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا وَقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَعَباقِرِيَّ" بِألِفٍ مَكْسُورَةَ القافِ مَفْتُوحَةَ الياءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينِهِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ولا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ في العَرَبِيَّةِ لِأنَّ الجَمْعَ الَّذِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ، نَحْوُ؛ مَساجِدَ ومَفاتِحَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ مِثْلُ عَباقِرِيَّ، لِأنَّ ما جاوَزَ الثَّلاثَةَ لا يُجْمَعُ بِياءِ النَّسَبِ، فَلَوْ جَمَعْتَ "عَبْقَرِيٍّ" كانَ جَمْعُهُ "عَباقِرَةً" كَما أنَّكَ لَوْ جَمَعْتَ "مُهْلِبِيٌّ" كانَ جَمْعُهُ "مَهالِبَةً" ولَمْ تَقُلْ: "مَهالِبِيَّ" قالَ: فَإنْ قِيلَ: "عَبْقَرِيٌّ" واحِدٌ، و"حِسانٌ" جَمْعٌ، فَكَيْفَ جازَ هَذا؟

فالأصْلُ أنَّ واحِدَ هَذا "عَبْقَرِيَّةٌ" والجَمْعُ "عَبْقَرِيٌّ"، كَما تَقُولُ: تَمْرَةٌ، وتَمْرٌ ولَوْزَةٌ، ولَوْزٌ، ويَكُونُ أيْضًا "عَبْقَرِيٌّ" اسْمًا لِلْجِنْسِ.

وَقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "وَعَباقَرِيٍّ" بِألِفٍ مَعَ التَّنْوِينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ "الِاسْمِ" صِلَةٌ، والمَعْنى: تَبارَكَ رَبُّكَ.

والثّانِي: أنَّهُ أصْلٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، أيِ: البَرَكَةُ تُنالُ وتُكْتَسَبُ بِذِكْرِ اسْمِهِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ تَبارَكَ ﴾ في [الأعْرافِ: ٥٤]، وذَكَرْنا في هَذِهِ السُّورَةِ مَعْنى ﴿ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ  ﴾ ، وكانَ ابْنُ عامِرٍ يَقْرَأُ: "ذُو الجَلالِ" وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ؛ والباقُونَ: "ذِي الجَلالِ" وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الحِجازِ والعِراقِ، [وَهُمْ] مُتَّفِقُونَ عَلى المَوْضِعِ الأوَّلِ أنَّهُ "ذُو" .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الياقُوتُ والمَرْجانُ" مِنَ الأشْياءِ الَّتِي قَدْ بَرَعَ حُسْنُها، واسْتَشْعَرَتِ النُفُوسُ جَلالَتُها، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بِها لا في جَمِيعِ الأوصافِ لَكِنْ فِيما يُشَبَّهُ ويَحْسُنُ بِهَذِهِ المُشَبَّهاتِ، فالياقُوتُ في إمْلاسِهِ.

وشُفُوفِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في صِفَةِ المَرْأةِ مِن نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ: « "يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ العَظْمِ"،» والمَرْجانُ في إمْلاسِهِ وجَمالِ مَنظَرِهِ، وبِهَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ النِساءَ بِهَذِهِ الأشْياءِ كَدُرَّةِ بِنْتِ أبِي لَهَبٍ، ومَرْجانَةَ أُمِّ سَعِيدٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ آيَةٌ، وعَدَ وبَسَطَ لِنُفُوسِ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّها عامَّةٌ، قالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي لِلْبَرِّ والفاجِرِ، والمَعْنى: أنَّ جَزاءَ مَن أحْسَنَ بِالطاعَةِ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ بِالتَنْعِيمِ، وحَكى النَقّاشُ «أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: "هَلْ جَزاءُ التَوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مِن دُونِهِما"، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ أنَّ هاتَيْنِ دُونَ تَيْنِكَ في المَنزِلَةِ والقَدْرِ، والأُولَيانِ جَنَّتا السابِقِينَ والأُخْرَيانِ جَنَّتا أصْحابِ اليَمِينِ، قالَ الرُمّانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الجَنّاتُ الأرْبَعُ لِلْخائِفِ مَقامَ رَبِّهِ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: الأُولَيانِ لِلسّابِقِينَ والأُخْرَيانِ لِلتّابِعِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: مِن دُونِهِما في القُرْبِ إلى المُنْعِمِينَ، وهاتانِ المُؤَخِّرَتانِ في الذِكْرِ أفْضَلُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ وصَفَ عَيْنِيَّ هَذِهِ بِالنَضْخِ والأُخْرَيَيْنِ بِالجَرْيِ فَقَطْ، وجَعَلَ هاتَيْنِ مُدْهامَّتَيْنِ مِن شِدَّةِ النِعْمَةِ والأُولَيَيْنِ ذَواتا أفْنانٍ، وكُلُّ جَنَّةٍ ذاتُ أفْنانٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُدْهامَّةً.

وأكْثَرُ الناسِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وهَذِهِ اسْتِدْلالاتٌ لَيْسَتْ بِقَواطِعَ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: جَنَّتانِ لِلْمُقَرَّبِينَ مِن ذَهَبٍ، وجَنَّتانِ لِأهْلِ اليَمِينِ مِن فِضَّةٍ هُما دُونَ الأوَّلِينَ.

و"مُدْهامَّتانِ" مَعْناهُ: قَدْ عَلا لَوْنَها دُهْمَةٌ وسَوادٌ مِنَ النَضْرَةِ والخُضْرَةِ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى المِنبَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى  ﴾ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى  ﴾ .

و"النَضّاخَةُ": الفَوّارَةُ الَّتِي يَهِيجُ ماؤُها، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: نَضّاخَتانِ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وكَرَّرَ تَعالى "النَخْلُ والرُمّانُ" لِأنَّهُما لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، كَرَّرَهُما - وهُما مِن أفْضَلِ الفاكِهَةِ - تَشْرِيفًا لَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ جنتان ﴾ [الرحمن: 46]، أي ومن دون تينك الجنتين جنتان، أي لمن خاف مقام ربه.

ومعنى ﴿ من دونهما ﴾ يحتمل أن (دون) بمعنى (غير)، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان وجنتان أخريان غيرهما، كقوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ [يونس: 26].

ووُصف ما في هاتين الجنتين بما يقارب ما وصف به ما في الجنتين الأوليين وصفاً سُلك فيه مسلك الإِطناب أيضاً لبيان حسنهما ترغيباً في السعي لنيلهما بتقوى الله تعالى فذلك موجب تكرير بعض الأوصاف أو ما يقرب من التكرير بالمترادفات.

ويكون لكل الجنات الأربع حُور مقصورات لا ينتقلن من قصورهن، ويجوز أن تكون (دون) بمعنى أقل، أي لنزول المرتبة، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان أقلّ من الأولين فيقتضي ذلك أن هاتين الجنتين لطائفة أخرى ممن خافوا مقام ربهم هم أقل من الأولين في درجة مخافة الله تعالى.

ولعل هاتين الجنتين لأصحاب اليمين الذين ورد ذكرهم في سورة الواقعة والجنتين المذكورتين قبلهما في قوله: ﴿ جنتان...

ذواتا أفنان ﴾ [الرحمن: 46، 48] إلى آخر الوصف جنتا السابقين الوارد ذكرهم قوله في سورة الواقعة (10) ﴿ والسابقون السابقون ﴾ الآيات.

ومدهامتان} وصف مشتق من الدُّهمة بضم الدال وهي لون السواد.

ووصف الجنتين بالسواد مبالغة في شدة خضرة أشجارهما حتى تكونا بالتفاف أشجارها وقوة خضرتها كالسوداوين لأن الشجر إذا كان ريّان اشتدت خضرة أوراقه حتى تقرب من السواد، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام وركَّب عليه فقال: يا صاحبيَّ تقصَّيَا نَظَريكُما *** تَريا وجوهَ الأرض كيف تَصوَّر تريا نهاراً مشمِساً قد شابَهُ *** زَهْرُ الرُّبى فكأنما هو مقمر و ﴿ نضاختان ﴾ : فوّارتان بالماء، والنضخ بخاء معجمة في آخره أقوى من النضح بالحاء المهملة الذي هو الرَّش.

وقد وصف العينان هنا بغير ما وصف به العينان في الجنتين المذكورتين، فقِيل: هما صنفان مختلفان في أوصاف الحسن يُشير اختلافهما إلى أن هاتين الجنتين دون الأولَيْن في المحاسن ولذلك جاء هنا ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ ، وجاء فيما تقدم ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ [الرحمن: 52].

وقيل: الوصفان سواء، وعليه فالمخالفة بين الصنفين من الأوصاف تفنّن.

وعطف ﴿ ونخل ورمان ﴾ على ﴿ فاكهة ﴾ من باب عطف الجزئي على الكلّي تنويهاً ببعض أفراد الجنتين كما قال تعالى: ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ في سورة البقرة (98).

وجاءت جمل فبأي آلاء ربكما تكذبان } معترضات بين ﴿ جنتان ﴾ وصفاتها اعتراضاً للازدياد من تكرير التقرير والتوبيخ لمن حرموا من تلك الجنات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أقْرَبُ مِنهُما جَنَّتانِ.

الثّانِي: أيْ دُونَ صِفَتِهِما جَنَّتانِ.

وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الجَنّاتِ الأرْبَعَ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَيَكُونُ في الأُولَيَيْنِ النَّخْلُ والشَّجَرُ، وفي الأُخْرَيَيْنِ الزَّرْعُ والنَّباتُ وما انْبَسَطَ.

الثّانِي: أنَّ الأُولَيَيْنِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، والأُخْرَيَيْنِ مِن ورَقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الأُولَيَيْنِ لِلسّابِقِينَ، والأُخْرَيَيْنِ لِلتّابِعِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ مُقاتِلٌ: الجَنَّتانِ الأُولَيانِ جَنَّةُ عَدْنٍ وجَنَّةُ النَّعِيمِ والأُخْرَيانِ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ وجَنَّةُ المَأْوى، وفي الجَنّاتِ الأرْبَعِ جِنانٌ كَثِيرَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ مِن دُونِهِما جَنَّتانِ لِأتْباعِهِ، لِقُصُورِ مَنزِلَتِهِمْ عَنْ مَنزِلَتِهِ، إحْداهُما لِلْحُورِ العِينِ، والأُخْرى لِلْوِلْدانِ المُخَلَّدِينَ، لِتُمَيَّزَ بِهِما الذُّكُورُ عَنِ الإناثِ.

﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ خَضْراوانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُسْوَدَّتانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّهْمَةِ وهي السَّوادُ، ومِنهُ سُمِّيَ سُودُ الخَيْلِ دُهْمًا.

الثّالِثُ: [خَضْرَوانِ مِنَ الرِّيِّ] ناعِمَتانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: مُمْتَلِئَتانِ لا تَنْقَطِعانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: جارِيَتانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: فَوّارَتانِ، وذَكَرَ في الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ عَيْنَيْنِ تَجْرِيانِ، وذَكَرَ في الأُخْرَيَيْنِ عَيْنَيْنِ نَضّاخَتَيْنِ، والجَرْيُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْخِ.

وَبِماذا هُما نَضّاخَتانِ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ، قالَهُ أنَسٌ.

الثّالِثُ: بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ يَعْنِي الجَنّاتِ الأرْبَعَ، وفي الخَيْراتِ قِراءَتانِ إحْداهُما بِالتَّخْفِيفِ، وفي المُرادِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخَيْرُ والنِّعَمُ المُسْتَحْسَنَةُ.

الثّانِي: خَيْراتُ الفَواكِهِ والثِّمارِ، وحِسانٌ في المَناظِرِ والألْوانِ.

والقِرَءاةُ الثّانِيَةُ بِالتَّشْدِيدِ، وفي المُرادِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُخْتاراتٌ.

الثّانِي: ذَواتُ الخَيْرِ وفِيهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ الحُورُ المُنْشَآتُ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُنَّ النِّساءُ المُؤْمِناتُ الفاضِلاتُ مِن أهْلِ الدُّنْيا.

وَفي تَسْمِيَتِهِنَّ خَيْراتٍ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُنَّ خَيْراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ، قالَهُ قَتادَةُ ورَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: الثّانِي: لِأنَّهُنَّ عَذارى أبْكارًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُنَّ مُخْتاراتٍ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُنَّ خَيْراتٌ صالِحاتٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَقْصُوراتُ الطَّرْفِ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا، ولا يَرْفَعْنَ طَرَفًا إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الرِّجالِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: المَحْبُوساتُ في الحِجالِ لَسْنَ بِالطَّوّافاتِ في الطُّرُقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: المُخَدَّراتُ المَصُوناتُ، ولا مُتَعَطِّلاتٍ ولا مُتَشَوِّفاتٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

الرّابِعُ: أنَّهُنَّ المُسْكَناتُ في القُصُورِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يُرِيدَ بِالمَقْصُوراتِ البِيضَ، مَأْخُوذٌ مِن قُصارَةِ الثَّوْبِ الأبْيَضِ، لِأنَّ وُقُوعُ الفَرْقِ بَيْنَ المَقْصُوراتِ والقاصِراتِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الفَرْقِ بَيْنَهُما في التَّأْوِيلِ: وَفِي الخِيامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الخِيامَ هي البُيُوتُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّها خِيامٌ تُضْرَبُ لِأهْلِ الجَنَّةِ خارِجَ الجَنَّةِ كَهَيْئَةِ البَداوَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّها خِيامٌ في الجَنَّةِ تُضافُ إلى القُصُورِ.

رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « (الخِيامُ الدُّرُّ المُجَوَّفُ)» .

رُوِيَ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ الأشْهَلِيَّةِ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ  فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّنا مَعْشَرَ النِّساءِ مَحْصُوراتٌ مَقْصُوراتٌ قَواعِدُ بُيُوتِكم وحَوامِلُ أوْلادِكُمْ، فَهَلْ نُشارِكُكم في الأجْرِ؟

فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ (نَعَمْ إذا أحْسَنْتُنَّ تَبَعُّلَ أزْواجِكُنَّ وطَلَبْتُنَّ مَرْضاتَهم» .

﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّفْرَفَ المَحْبَسُ المُطَيَّفُ بِبَسْطِهِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّانِي: فُضُولُ الفُرُشِ والبُسُطِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّها الوَسائِدُ، قالَهُ الحَسَنُ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها الفُرُشُ المُرْتَفِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّفِّ.

الخامِسُ: أنَّها المَجالِسُ يَتَّكِئُونَ عَلى فُضُولِها.

السّادِسُ: رِياضُ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الطُّنافِسُ المَخْمَلِيَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الدِّيباجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها ثِيابٌ في الجَنَّةِ لا يَعْرِفُها أحَدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ [أيْضًا] .

الرّابِعُ: أنَّها ثِيابُ الدُّنْيا تُنْسَبُ إلى عَبْقَرَ.

وَفِي عَبْقَرِيٍّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَيِّدُ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « (فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» فَنَسَبَهُ إلى أرْفَعِ الثِّيابِ لِاخْتِصاصِهِ.

الثّانِي: أرْضُ عَبْقَرَ.

وَفِي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِكَثْرَةِ الجِنِّ فِيها.

الثّانِي: لِكَثْرَةِ رَمْلِها ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ أنَّها تَكُونُ مِثْلَ العَبْقَرِيِّ لِأنَّ ما يُنْسَجُ بِعَبْقَرَ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ إذا قِيلَ إنَّ عِبْقَرَ اسْمُ أرْضٍ.

﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ثَبَتَ اسْمُ رَبِّكَ ودامَ.

الثّانِي: أنَّ ذِكْرَ اسْمِهِ يُمْنٌ وبَرَكَةٌ، تَرْغِيبًا في مُداوَمَةِ ذِكْرِهِ.

﴿ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ في ﴿ ذِي الجَلالِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَلِيلُ.

الثّانِي: أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ.

وَفي " الإكْرامِ " وجْهانِ: أحَدُهُما: الكَرِيمُ.

الثّانِي: ذُو الإكْرامِ لِمَن يُطِيعُهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيهن قاصرات الطرف ﴾ قال: قاصرات الطرف على أزواجهن لا يرين غيرهم والله ما هن متبرجات ولا متطلعات.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ فيهن قاصرات الطرف ﴾ قال: قصرن طرفهن عن الرجال فلا ينظرن إلاّ إلى أزواجهن.

وأخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ قاصرات الطرف ﴾ قال: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يمسسهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يطأهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يجامعهن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: لا تقل للمرأة طمثت فإنما الطمث الجماع.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: كذلك نساء الجنة لم يدن منهن غير أزواجهن قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: مشين إليّ لم يطمثن قبلي ** وهن أصبح من بيض النعام وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن أرطاة بن المنذر قال: تذاكرنا عند ضمرة بن حبيب: أيدخل الجن الجنة؟

قال: نعم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ للجن الجنيات وللإِنس الإِنسيات.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ قال: هن من نساء أهل الدنيا خلقهن الله في الخلق الآخر كما قال: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً ﴾ [ الواقعة: 35] لم يطمثهن حين عدن في الخلق الآخر ﴿ إنس قبلهم ولا جان ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل أهله ولم يسمّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله: ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ قال: لم يصبهن شمس ولا دخان، لم يعذبن في البلايا، ولم يكلمن في الرزايا، ولم تغيرهن الأحزان ناعمات لا يبأسن، وخالدات فلا يمتن، ومقيمات فلا يظعنّ، لهن أخيار يعجز عن نعتهن الأوهام، والجنة أخضرها كالأصفر، وأصفرهما كالأخضر ليس فيها حجر ولا مدر ولا كدر ولا عود يابس أكلها دائم وظلها قائم» .

أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: ينظر إلى وجهها في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوباً ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: صفاء الياقوت في بياض المرجان.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن الضحاك ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: ألوانهن كالياقوت واللؤلؤ في صفائه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن الحارث ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: كأنهن اللؤلؤ في الخيط.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: يرى مخ سوقهن من وراء الثياب كما يرى الخيط في الياقوتة.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري والترمذي وابن أبي الدنيا في وصف الجنة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك أن الله يقول ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصفيته لرأيته من ورائه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: على كل واحدة سبعون حلة من حرير يرى مخ ساقها من وراء الثياب، قال: أرأيت لو أن أحدكم أخذ سلكاً فأدخله في ياقوتة ألم يكن يرى السلك من وراء الياقوتة؟

قالوا: بلى، قال: فذلك هنّ، وكان إذا حدّث حديثاً نزع له آية من الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن الحارث القيسي قال: إنه يكون على زوجة الرجل من أهل الجنة سبعون حلة حمراء يرى مخ ساقها من خلفهن.

وأخرج عبد بن حميد عن كعب قال: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة لهي أرق من شفّكم هذا الذي تسمونه شفا، وإن مخ ساقها ليرى من وراء اللحم.

وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: إن المرأة من أزواج المقربين لتكسى مائة حلة من استبرق وسقالة النور، وإن مخ ساقها ليرى من وراء ذلك كله، وإن المرأة من أزواج أصحاب اليمين لتكسى سبعين حلة من استبرق وسقالة النور، وإن مخ ذلك ليرى من وراء ذلك كله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نساء أهل الجنة يرى مخ سوقهن من وراء اللحم» .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.

وأخرج هناد وابن جرير عن عمرو بن ميمون مثله.

قوله تعالى: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: «ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: «هل جزاء من أنعمت عليه بالإِسلام إلا أن أدخله الجنة» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبغوي في تفسيره والديلمي في مسند الفروس وابن النجار في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ وقال: هل تدرون ما قال ربكم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال رسول الله: «هل جزاء من أنعمت عليه ممن قال: لا إله إلا الله في الدنيا إلا الجنة في الآخرة» .

أخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة؟.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله.

وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه والديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل الله عليّ هذه الآية مسجَّلة في سورة الرحمن للكافر والمسلم ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في المسلم والكافر ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمد بن الحنفية في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: هي مسجلة للبر والفاجر، قال البيهقي: يعني مرسلة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: إن لله عموداً أحمر رأسه ملويّ على قائمة من قوائم العرش، وأسفله تحت الأرض السابعة، على ظهر الحوت، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله تحرك الحوت تحرك العمود تحت العرش، فيقول الله للعرش: اسكن، فيقول: لا وعزتك لا أسكن حتى تغفر لقائلها ما أصاب قبلها من ذنب فيغفر الله له.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: عملوا خيراً فجزوا خيراً.

قوله تعالى: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ الآيات.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ قال: هما دون تجريان.

وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضروان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: قد اسودتا من الخضرة التي من الريّ من الماء.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان من الريّ.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان» .

وأخرج هناد وعبد بن حميد عن أبي أيوب الأنصاري في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: هما جنتان خضراوان.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: هما جنتان خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن عكرمة في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان من الريّ ناعمتان إذا اشتدت الخضرة ضربت إلى السواد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ مدهامتان ﴾ قال: مسودتان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة ﴿ مدهامتان ﴾ قالا: سوداوان من الريّ.

وأخرج هناد عن الضحاك ﴿ مدهامتان ﴾ قال: سوداوان من الريّ.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ مدهامتان ﴾ ثم ركع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال: العينان اللتان تجريان خير من النضاختين، ولفظ عبد قال: ما النضاختان بأفضل من اللتين تجريان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: فائضتان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بالماء من شدة الريّ.

وأخرج هناد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بالماء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ عينان نضاختان ﴾ قال: بالمسك والعنبر تنفخان على دور الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بألوان الفاكهة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: بالخير ولفظ ابن أبي شيبة بكل خير.

قوله تعالى: ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ قال: هي ثمر ﴿ من كل فاكهة زوجان ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد: أفي الجنة فاكهة؟

قال: نعم فيها فاكهة ونخل ورمان، قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟

قال: نعم وأضعافه، قالوا: أفيقضون الحوائج؟

قال: لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى» .

وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وهناد بن السري وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، وكرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد وليس لها عجم.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري والبيهقي عن سلمان أنه أخذ عوداً صغيراً ثم قال: لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تبصره، قيل: فأين النخل والشجر؟

قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاه الثمر.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نخل الجنة فقال: أصوله فضة وجذوعها ذهب وسعفه حلل وحمله الرطب أشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد وأحلى من الشهد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كمثل البعير المقتب» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال: إن الثمرة من ثمر الجنة طولها اثنا عشر ذراعاً ليس لها عجم.

وأخرج الطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس أنه كان يأخذ الحبَّة من الرمان فيأكلها، فقيل له: لم تفعل هذا؟

قال: بلغني أنه ليس في الأرض رمانة تلقح إلا بحبة من الجنة فلعلها هذه.

وأخرج ابن السني في الطب النبوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رمانة من رمانكم هذه إلا وهي تلقح بحبة من رمان الجنة» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ خص النخل والرمان بالذكر بعد دخولهما في الفاكهة تشريفاً لهما، وبياناً لفضلهما على سائر الفواكه.

وهذا هو التجريد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.

﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.

حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون  ﴾ ﴿ يا أيها الساحر  ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.

بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.

وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.

﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.

التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.

وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.

وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر  ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر  ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.

قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.

قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.

وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.

ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟

قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.

وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.

وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.

وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد  .

والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.

قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.

وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.

قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.

نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً  ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم  عسق  ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان  ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان  ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.

ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.

وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.

وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.

وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.

قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.

وقيل: للإنسان.

وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.

وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.

والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.

ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.

وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.

ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.

وقال الحسن وابن زيد.

على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.

ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله  سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟

للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.

وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.

وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.

قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.

وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.

والجان أبو الجن.

وقيل: هو إبليس.

والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.

وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.

ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.

هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.

قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.

وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.

وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.

قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله  في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.

قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.

وعن مقاتل: بالضد.

ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.

يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.

ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.

والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.

والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.

والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.

وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.

والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.

وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله  عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .

قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.

وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.

فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.

وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.

وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".

والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.

والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.

ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.

نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.

وأقطار السموات والأرض نواحيهما.

واحدها قطر.

وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.

والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.

قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.

ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.

جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.

وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.

وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.

والنحاس والدخان.

ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.

ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.

ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.

وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.

وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.

وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل  ﴾ وهو دردي الزيت.

وقيل: الدهان الأديم الأحمر.

عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.

وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.

وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.

والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟

ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.

﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.

والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.

والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم  ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.

وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.

ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.

روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله  يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.

ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.

والآني الذي بلغ منتهى حره.

قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.

والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.

ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي  ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.

أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.

وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا  ﴾ وهو ضعيف.

والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.

وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.

وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.

قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟

ويجوز أن يكون ظائرها السندس.

والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم  ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.

قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.

وقيل: في الفرش أي عليها.

وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.

قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.

قال مقاتل: هن من حور الجنة.

وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.

قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.

قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.

ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.

وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.

وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.

روى أبو موسى عن النبي  : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.

قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.

وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.

والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.

واعلم أنه  قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.

وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.

والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.

امرأة مقصورة أي مخدرة.

روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

وعن النبي  " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟

والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.

قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.

قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.

قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.

وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.

ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.

وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.

وقيل: الوسائد.

قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.

وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.

ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.

قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.

فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.

ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.

والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ فإن كانت الجنتان اللتان سبق ذكرهما للسابقين والصديقين، فهاتان اللتان ذكرهما هاهنا لأصحاب اليمين، على ما ذكره بعض أهل التأويل؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ أي: في الفضل والقدر والمنزلة؛ لفضل أولئك على أصحاب اليمين.

وإن كانت الجنتان جميعا لكل فريق منهم؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ في المكان والموضع، لا في الفضل والقدر؛ فكأنه قال: من أي جهة وقع بصرهم يقع في جناتهم، من فوق ومن تحت، وعن يمين شمال؛ أي يكونون وسط الجنات لا يحتاجون إلى التحويل من مكان إلى مكان؛ كقوله  : ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله  : ﴿ مُدْهَآمَّتَانِ ﴾ على ما ذكرنا هو شديد الخضرة الذي يضرب إلى السواد، فوصف هاتين دون وصف تينك الجنتين بقوله  : ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ  ﴾ على التأويل الأول، وكذلك قوله  : ﴿ عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ على ما ذكرنا: أنهما دون الجاريتين، وكذلك روي عن الفراء قال: العينان تجريان أفضل من النضاختين بقوله: ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ ؛ لأنهما ينضخان بالخير والبركة لأهل الجنة.

وقيل: ينضخان بالماء وأنواع الفواكه.

وروي عن أنس بن مالك -  - أنه قال: تنضخان بالمسك والعنبر، كما ينضخ طير الماء على بيوت أهل الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ من الناس من احتج لأبي حنيفة - رحمه الله - فيمن حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، لا يحنث في يمينه؛ لأنه احتج بهذه الآية في أن الرمان والرطب ليسا من الفاكهة؛ لأنه عطفهما على الفاكهة، والشيء لا يعطف على نفسه، إنما يعطف على غيره، هذا هو ظاهر الكلام، إلا أن تقوم الدلالة على أنه مراده بالذكر وإن كان من جنسه؛ لضرب من التعظيم وغيره؛ كقوله  : ﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ قيل: الحسان الخلق وحسان الوجوه، يقال: امرأة خيرة، ونسوة خيرات؛ يقرأ بالتثقيل والتخفيف جميعا.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ .

قيل: محبوسات في الخيام، لا يخرجن عن الخيام.

وأصله: ما ذكرنا أنهن يكن في الخيام لا يراهن غير أزواجهن، وقاصرات الطرف، أي: لا يرفعن بصرهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ هو قراءة العامة بغير الألف.

وعن عاصم الجحدري (رَفَارِفَ) و(عباقريّ)، قيل: الرفرف: المجلس، وقيل: المجالس، وقيل: الرياض الخضر، وقيل: الخيام، وقيل: هو فضول الفرش والبسط.

وأما العبقري: قيل: هو الزرابي، وهو بالفارسية: النّخّ.

وقال أبو عبيدة: العبقري: الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط: عبقري.

وقال القتبي: وأبو عوسجة: العبقري في غير القرآن ثياب تتخذ بعبقرى، وهي بلدة، فينسب إليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ قال أبو بكر الأصم: [تنزه] اسم ربك من أن يستحق غيره اسمه.

وقوله: ﴿ ذِي ٱلْجَلاَلِ ﴾ ، أي: استحق على الخلق أن يجلوه ويعظموه من أن يسموا غيره باسمه، والإكرام: هو أن يلحقوا به ما لا يليق به من الولد والشريك وغيره.

فإن قيل: ما فائدة تكرار قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، فبأي آلاء ما في السماوات والأرض تكذبان في الدلالة على وحدانية الله  والشهادة له بأنه خالقه، ومرسل رسله، وما جاءت به عنه، وذلك أن جميع ما فيها من المال والطعام والشراب، على ما ذكرنا، وذلك كما يقول الرجل لآخر يلومه ويعاتبه: ألم تكن جائعا فأطعمتك؟!

أفتنكر هذا؟!

ألم تكن ظمآنا فسقيتك؟!

أفتنكر هذا؟!

ونحو ذلك.

وجائز أن تكون فائدة التكرار غير هذا، وهو أنه خرج مخرج العظة والتذكير، ومن شأن الموعظة والذكرى التكرار والإعادة؛ لتكون أنجع وآخذ للقلوب، وأقرب إلى القبول، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

من فوائد الآيات أهمية الخوف من الله واستحضار رهبة الوقوف بين يديه.

مدح نساء الجنة بالعفاف دلالة على فضيلة هذه الصفة في المرأة.

الجزاء من جنس العمل.

<div class="verse-tafsir" id="91.9klNY"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله