تفسير الآية ١٨ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ١٨ من سورة الحديد

إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا يُضَـٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ ١٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٨ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة ، ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) أي : دفعوه بنية خالصة ابتغاء وجه الله ، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا ; ولهذا قال : ( يضاعف لهم ) أي : يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها ، ويزداد على ذلك إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك ( ولهم أجر كريم ) أي : ثواب جزيل حسن ، ومرجع صالح ومآب ) كريم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ )، اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامه قرّاء الأمصار، خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال، بمعنى أن المتصدِّقين والمتصدِّقات، ثم تُدغم التاء في الصاد، فتجعلها صادا مشدّدة، كما قيل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يعني المتزمل.

وقرأ ابن كثير وعاصم: ( إنَّ المُتَصَدّقِينَ والمُتَصدّقاتِ ) بتخفيف الصاد وتشديد الدال، بمعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، صحيح معنى كلّ واحدة منهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

فتأويل الكلام إذن على قراءة من قرأ ذلك بالتشديد في الحرفين، أعني في الصاد والدال: أن المتصدّقين من أموالهم والمتصدّقات، ( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) يعني: بالنفقة في سبيله، وفيما أمر بالنفقة فيه، أو فيما ندب إليه، ( يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) يقول: يضاعف الله لهم قروضهم التي أقرضوها إياه، فيوفيهم ثوابها يوم القيامة، ( وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) يقول: ولهم ثواب من الله على صدقهم، وقروضهم إياه كريم، وذلك الجنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن المصدقين والمصدقات قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق ، أي : المصدقين بما أنزل الله تعالى .

الباقون بالتشديد أي : المتصدقين والمتصدقات فأدغمت التاء في الصاد ، وكذلك في مصحف أبي .

وهو حث على الصدقات ، ولهذا قال وأقرضوا الله قرضا حسنا بالصدقة والنفقة في سبيل الله .

قال الحسن : كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع .

وقيل : هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبا صادقا .

وإنما عطف بالفعل على الاسم ، لأن ذلك الاسم في تقدير الفعل ، أي : إن الذين تصدقوا وأقرضوا يضاعف لهم أمثالها .

وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله .

وقرأ الأعمش " يضاعفه " بكسر العين وزيادة هاء .

وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب " يضعف " بفتح العين وتشديدها .

ولهم أجر كريم يعني الجنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ } بالتشديد أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، { وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا لهم عند ربهم، { يُضَاعَفُ لَهُمُ } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، { وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } وهو ما أعده الله لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن المصدقين والمصدقات ) قرأ ابن كثير ، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من " التصديق " أي : المؤمنين والمؤمنات ، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) بالصدقة والنفقة في سبيل الله - عز وجل - ( يضاعف لهم ) ذلك القرض ( ولهم أجر كريم ) ثواب حسن وهو الجنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن المصَّدقين» من التصديق أدغمت التاء في الصاد، أي الذين تصدقوا «والمصَّدقات» اللاتي تصدقن وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق والإيمان «وأقرضوا الله قرضا حسنا» راجع إلى الذكور والإناث بالتغليب وعطف الفعل على الاسم في صلة أل لأنه فيها حل محل الفعل، وذكر القرض بوصفه بعد التصدق تقييد له «يضاعف» وفي قراءة يضعف بالتشديد، أي قرضهم «لهم ولهم أجر كريم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن المتصدتقين من أموالهم والمتصدقات، وأنفقوا في سبيل الله نفقات طيبة بها نفوسهم؛ ابتغاء وجه الله تعالى، يضاعف لهم ثواب ذلك، ولهم فوق ذلك ثواب جزيل، وهو الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم فى سبيله .

والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

فقال : ( إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) .وقراءة : ( إِنَّ المصدقين والمصدقات ) بتشديد الصاد - من التصدق ، فأدغمت التاء فى الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما .

.

.

وأصل الكلام : المتصدقين والمتصدقات .وقرأ ابن كثير وغيره ( إِنَّ المصدقين والمصدقات ) - بتخفيف الصاد - على أنه من التصديق لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : علام عطف قوله : ( وَأَقْرَضُواْ ) ؟قلت : على معنى الفعل فى المصدقين ، لأن " أل " بمعنى الذين ، واسم الفاعل بمعنى : اصّدقوا ، فكأنه قيل : " إن الذين اصدقوا وأقرضوا " .والمعنى : إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا بأموالهم فى وجوه الخير والدين ( وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً ) بأن أنفقوا أموالهم الحلال فى سبيل الله بدون من أو أذى .هؤلاء الذين فعلوا ذلك ( يُضَاعَفُ لَهُمْ ) أجرهم عند الله - تعالى - أضعافا كثيرة .( وَلَهُمْ ) فضلا عن كل ذلك ، أجر كريم ، لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي: قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ بالتخفيف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: ﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الصاد فيهما، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن، فيكون المعنى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة، ثم قالوا: وهذه القراءة أولى لوجهين: الأول: أن من تصدق لله وأقرض إذا لم يكن مؤمناً لم يدخل تحت الوعد، فيصير ظاهر الآية متروكاً على قراءة التشديد، ولا يصير متروكاً على قراءة التخفيف والثاني: أن المتصدق هو الذي يقرض الله، فيصير قوله: ﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ وقوله: ﴿ وَأَقْرِضُواُ الله ﴾ شيئاً واحداً وهو تكرار، أما على قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار، وحجة من نقل وجهان: أحدهما: أن في قراءة أبي: ﴿ إن المتصدقين والمتصدقات ﴾ بالتاء والثاني: أن قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ اعتراض بين الخبر والمخبر عنه، والاعتراض بمنزلة الصفة، فهو للصدقة أشد ملازمة منه للتصديق، وأجاب الأولون: بأنا لا نحمل قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ ﴾ على الاعتراض، ولكنا نعطفه على المعنى، ألا ترى أن المصدقين والمصدقات معناه: إن الذين صدقوا، فصار تقدير الآية: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله.

المسألة الثانية: في الآية إشكال وهو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما الفائدة في التزامه ههنا؟

قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ ﴾ معطوف على معنى الفعل في المصدقين، لأن اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى صدقوا، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا، واعلم أن هذا لا يزيل الإشكال فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ، والذي عندي فيه أن الألف واللام في المصدقين والمصدقات للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا الوصف ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة وهو الإتيان بالقرض الحسن، ثم ذكر الخبر بعد ذلك وهو قوله: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ ﴾ فقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ الله ﴾ هو المسمى بحشو اللوزنج كما في قوله: إن الثمانين وبلغتها *** (قد أحوجت سمعي إلى ترجمان) المسألة الثالثة: من قرأ: ﴿ المصدقين ﴾ بالتشديد اختلفوا في أن المراد هو الواجب أو التطوع أو هما جميعاً، أو المراد بالتصدق الواجب وبالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك فكل هذه الاحتمالات مذكورة، أما قوله: ﴿ يضاعف لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ فقد تقدم القول فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المصدقين ﴾ المتصدّقين.

وقرئ على الأصل ﴿ والمصدّقين ﴾ .

من صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين.

فإن قلت: علام عطف قوله ﴿ وَأَقْرِضُواُ ﴾ ؟

قلت: على معنى الفعل في المصدّقين؛ لأنّ اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى أصدّقوا، كأنه قيل: إنّ الذين أصدّقوا وأقرضوا.

والقرض الحسن: أنّ يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة.

وقرئ: ﴿ يضعف ﴾ ويضاعف، بكسر العين، أي: يضاعف الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِالإحْياءِ والإمْواتِ تَرْغِيبًا في الخُشُوعِ وزَجْرًا عَنِ القَساوَةِ.

﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ كَيْ تَكْمُلَ عُقُولُكم.

﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ إنَّ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِ الصّادِ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.

﴿ وَأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى الفِعْلِ في المُحَلّى بِاللّامِ لِأنَّ مَعْناهُ: الَّذِينَ أصْدَقُوا، أوْ صَدَقُوا وهو عَلى الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ هو التَّصَدُّقُ المَقْرُونُ بِالإخْلاصِ.

﴿ يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ مَعْناهُ والقِراءَةُ في يُضاعَفُ كَما مَرَّ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجْزَمْ لِأنَّهُ خَبَرُ إنَّ وهو مُسْنَدٌ إلى لَهم أوْ إلى ضَمِيرِ المَصْدَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ المصدقين والمصدقات} بتشديد الدال وحده مكي وأبو بكر وهواسم قاعل من صدق وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين الباقون بتشديد الصاد والدال وهو اسم فاعل من تصدق فأدغمت التاء في الصادر وقرىء على الأصل {وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً} هو عطف على معنى الفعل في المصدقين لأن اللام بمعنى اللذين واسم الفاعل بمعنى الفعل وهو اصدقوا كأنه قيل ان الذين اصدقوا وأقرضوا القرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدق {يُضَاعَفُ لَهُمُ} يضعف مكي وشامي وَلَهُمْ أَجْرٌ كريم أي الجنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ أيِ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ هارُونَ بِتَخْفِيفِ الصّادِ مِنَ التَّصْدِيقِ لا مِنَ الصَّدَقَةِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا واللّاتِي صَدَقْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقِراءَةُ الأُولى أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وقِيلَ: الثّانِيَةُ أرْجَحُ لِأنَّ الإقْراضَ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ، وأنْتَ سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَهُ، وعُطِفَ ( أقْرَضُوا ) عَلى مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُصَّدِّقِينَ عَلى ما اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الفِعْلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ أصْدَقُوا أوْ صَدَّقُوا عَلى القِراءَتَيْنِ ( وأقْرَضُوا ) وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ إذِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو المُصَّدِّقاتُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ النّاسَ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وتَصَدَّقْنَ أأقْرَضُوا فَهو عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى بِلا فَصْلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ ألِ الثّانِيَةَ زائِدَةٌ لِئَلّا يُعْطَفَ عَلى صُورَةِ جُزْءِ الكَلِمَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ اعْتِبارِ المَعْنى يَدْفَعُ ما ذُكِرَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَرِيبٌ ولا يَبْعُدُ تَنْزِيلُ ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى صِلَةِ ألْ في المُصَّدِّقاتِ واخْتِلافِ الضَّمائِرِ تَأْنِيثًا وتَذْكِيرًا لا يَضُرُّ لِأنَّ ألْ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ فَيُرادُ بِها مَعْنى اللّاتِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الإناثِ عَلَيْها ومَعْنى الَّذِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الذُّكُورِ عَلَيْها وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: هو مِن بابِ كَلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ أيْ إنَّ المُصَّدِّقِينَ مَقْرُونُونَ مَعَ المُصَّدِّقاتِ في الثَّوابِ والمَنزِلَةِ، أوْ يُقَدَّرُ خَبَرٌ أيْ - إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ يُفْلِحُونَ - ( وأقْرَضُوا ) في الوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ بَلْ مُسْتَأْنَفٌ ويُضافُ بَعْدَ صِفَةِ قَرْضًا أوِ اسْتِئْنافٍ ومَن أنْصَفَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ أدْنى الفُصَحاءِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَخْرِيجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المَوْصُولِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ فَمَن يَهْجُرُ رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ وهُوَ مَقْبُولٌ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ دُونَ رَأْيِ البَصْرِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ في مِثْلَهُ، وبَعْضُ أئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ بَعْدَ أنِ اسْتَقْرَبَ تَوْجِيهَ التَّقْرِيبِ ولَمْ يَسْتَبْعِدْ تَنْزِيلَ ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ قالَ: وأقْرَبُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( المُصَّدِّقاتِ ) مَنصُوبٌ عَلى التَّخْصِيصِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إنَّ المُصَّدِّقِينَ» عامًّا عَلى التَّغْلِيبِ وأخُصُّ المُتَصَدِّقاتِ مِنهم كَما تَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا سِيَّما العُلَماءَ مِنهم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم كَذا.

ووَجْهُ التَّخْصِيصِ ما ورَدَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ فَإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ»» يَحُضُّهُنَّ عَلى الصَّدَقَةِ بِأنَّهُنَّ إذا فَعَلْنَ ذَلِكَ كانَ لَهُ تَعالى أقْبَلَ وجَزاؤُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ أوْفَرَ وأفْضَلَ، ثُمَّ قالَ: ولَمّا لَمْ يَكُنِ الإقْراضُ غَيْرَ ذَلِكَ التَّصَدُّقِ قِيلَ: وأقْرَضُوا أيْ بِذَلِكَ التَّصَدُّقِ تَحْقِيقًا لِكَيْنُونَتِهِ وأنَّهم مِثْلُ ذَلِكَ مُمَثَّلُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِمَن يُعامَلُ مَعَ أجْوَدِ الأجْوَدَيْنِ مُعامَلَةً بِرِضاهُ، ولَوْ قِيلَ: والمُقْرِضِينَ لَفاتَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ نَصْبَ المُصَّدِّقاتِ عَلى التَّخْصِيصِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ المَفْرُوضَيْنِ فَحَسَنٌ وهو مُتَأتٍّ عَلى تَخْرِيجِ أبِي عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيِّ، وعَلى تَخْرِيجِ أبِي حَيّانَ، وقالَ الخَفاجِيُّ: القَوْلُ - أيْ قَوْلُ أبِي البَقاءِ - بِأنْ أقْرَضُوا إلَخْ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها أظْهَرُ وأسْهَلُ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ فِيهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ بِالمُضاعَفَةِ، وزَعَمَ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها مِن ضَمِيرَيِ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ لا يَخْفى مَعْنًى وعَرَبِيَّةً فَتَدَبَّرْ ( يُضاعَفُ لَهم ) الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ المُتَقَدِّمِينَ الذُّكُورِ والإناثِ عَلى التَّغْلِيبِ كَضَمِيرِ أقْرَضُوا، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ التَّصَدُّقِ أوْ ضَمِيرُ القَرْضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يُضاعَفُ ثَوابُ التَّصَدُّقِ أوْ ثَوابُ القَرْضِ لَهم، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ «( يُضَعَّفُ)» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقُرِئَ «يُضاعِفُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ يُضاعِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم ثَوابَ ذَلِكَ ﴿ ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: في يوم القيامة على الصراط يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: بتصديقهم في الدنيا، وبأعمالهم الصالحة، فيعطى لهم النور، يمضون به على الصراط، فيكون النور بين أيديهم، وأيمانهم، وعن شمائلهم، إلا أن ذكر الشمائل مضمر.

وتقول لهم الملائكة: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ يعني: أبشروا هذا اليوم بكرامة الله تعالى.

جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين في الجنة، ونجوا من العذاب ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ يعني: نُصِبْ من نوركم، فتضيء معكم.

وروي عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: «بينما العباد يوم القيامة عند الصراط، إذ غشيتهم ظلمة.

ثم يقسم الله تعالى النور بين عباده، فيعطي الله المؤمن نوراً، ويبقى الكافر والمنافق لا يعطيان نوراً، فكما لا يستضيء الأعمى بنور البصر، كذلك لا يستضيء الكافر والمنافق بنور الإيمان، فيقولان: انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ، فيقال لهم: قِيلَ ارْجِعُوا حيث قسم النور فيرجعون، فلا يجدون شيئاً، فيرجعون، وقد ضرب بينهم بسور.

وعن الحسن البصري قال: إِنَّ المنافقين يخادعون الله، وهو خادعهم، لأنه يعطي المؤمن والمنافق نوراً، فإذا بلغوا الصِّراط، اطفىء نور المنافق، فيقول: المنافقون انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قال: فيشفق المؤمنون حين طفئ نور المنافقين، فيقولون: عند ذلك رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا.

قرأ حمزة انْظُرُونا بنصب الألف، وكسر الظاء المعجمة.

والباقون: بالضم.

فمن قرأ: بالنصب، فمعناه: أمهلونا.

ومن قرأ بالضم، فمعناه: انتظرونا.

فقال لهم المؤمنون: ارجعوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً يعني: ارجعوا إلى الدنيا، فإنا جعلنا النور في الدنيا.

ويقال: ارجعوا إلى المحشر حيث أعطينا النور، واطلبوا نوراً، فيرجعون في طلب النور، فلم يجدوا شيئاً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يعني: ظهر لهم.

ويقال: بين أيديهم بسور.

يعني: بحائط بين أهل الجنة، وأهل النار، لَهُ بابٌ باطِنُهُ يعني: باطن السور فِيهِ الرَّحْمَةُ يعني: الجنة وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يعني: النار.

ويقال: هو السور الذي عليه أصحاب الأعراف، فيظهر بين الجنة، والنار.

باب يعني: عليه: باب فيجاوز فيه المؤمنون، ويبقى المنافقون على الصراط في الظلمة يُنادُونَهُمْ من وراء السور أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يعني: ألم نكن معكم في الدنيا على دينكم، وكنا معكم في الجماعات، والصلوات، فيجيبهم المؤمنون.

قالُوا بَلى يعني: قد كنتم معنا في الدنيا، أو في الظاهر.

وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني: قد أصبتم أنفسكم حيث كفرتم في السر.

ويقال: فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني: ثبتم على الكفر الأول في السر وَتَرَبَّصْتُمْ يعني: انتظرتم موت نبيكم.

ويقال: تَرَبَّصْتُمْ يعني: أخرتم التوبة، وسوّفْتُمْ فيها.

وَارْتَبْتُمْ يعني: شككتم في الدين، وشككتم في البعث وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ يعني: أباطيل الدنيا حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: القيامة وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: الشياطين.

وقال الزجاج: الْغَرُورُ على ميزان فَعُول، وهو من أسماء المبالغة، وكذلك الشياطين الْغَرُورُ لأنه يغري ابن آدم كثيراً.

ثم قال: فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ يعني: في هذا اليوم وهو يوم القيامة.

وقرأ ابن عامر: فاليوم لا تؤخذ بالتاء لأن الفدية مؤنثة.

وقرأ الباقون: بالياء.

وجمع على المعنى، لأن معنى الفدية فداء، ومعناه: لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ الفداء يعني: المنافقين وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: الذين جحدوا بتوحيد الله تعالى، مَأْواكُمُ النَّارُ يعني: مَصِيرَكُمْ إِلَى النار يعني: المنافقين، والكافرين هِيَ مَوْلاكُمْ يعني: هي أولى بكم بما أسلفتم من الذنوب وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس المرجع النار للكافرين، والمنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التوبيخ لهم، أي: إنَّكم لا تجدونه، ثم أعلم تعالى أَنَّهُ يضرب بينهم في هذه الحال بسورٍ حاجز، فيبقى المنافقون في ظُلْمَةٍ وعذاب.

وقوله تعالى: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ أي: جهة المؤمنين وَظاهِرُهُ: جهة المنافقين، والظاهر هنا: البادي ومنه قول الكُتَّابِ: من ظاهر مدينة كذا، وعبارة الثعلبيِّ: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ: وهو حاجز بين الجنة والنار، قال أبو أمامة الباهليُّ «١» : فيرجعون إلى المكان الذي قُسِّمَ فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم، وقد ضُرِبَ بينهم/ بسور، قال قتادة «٢» : حائط بين الجنة والنار، له باب باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، يعني: الجنة، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يعني النار، انتهى، قال- ص-: قال أبو البقاء: الباء في بِسُورٍ زائدة، وقيل: ليست بزائدة، قال أبو حيان «٣» : والضمير في باطِنُهُ عائدٌ على الباب، وهو الأظهر لأَنَّهُ الأقرب، وقيل: على سور، أبو البقاء: والجملة صفة ل «باب» أو ل «سور» ، انتهى.

يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)

وقوله تعالى: يُنادُونَهُمْ معناه: ينادي المنافقون المؤمنين: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ: في الدنيا، فيردّ المؤمنون عليهم: بَلى: كنتم معنا، ولكن عَرَّضْتُمْ أنفسكم للفتنة، وهي حُبُّ العاجل والقتال عليه، قال مجاهد «٤» : فتنتم أنفسكم بالنفاق وتَرَبَّصْتُمْ معناه هنا:

بإيمانكم فأبطأتم به، حَتَّى مُتُّم، وقال قتادة «٥» : معناه: تربصتم بنا وبمحمّد صلّى الله عليه وسلّم الدوائرَ، وشككتم، والارتياب: التشكك، والأماني التي غرتهم هي قولهم: سَيَهْلَكُ محمد هذا العام، سَتَهْزِمُهُ قريش، ستأخذه الأحزاب ...

إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل:

غرار لكل أحد، وأمر اللَّه الذي جاء هو: الفتح وظهور الإسلام، وقيل: هو موتهم على النفاق الموجب للعذاب، والْغَرُورُ: الشيطان بإجماع المتأولين، وينبغي لكل مؤمن أَنْ يعتبر هذه الآيةَ في نفسه، وتسويفَه في توبته، واعلم أيها الأخ أَنَّ الدنيا غَرَّارة للمقبلين عليها، فإنْ أردت الخلاص والفوز بالنجاة، فازهدْ فيها، وأقبلْ على ما يعنيك من إصلاح دينك والتزود لآخرتك، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن أبي الدرداء أَنَّهُ قال- يعني لأصحابه-: لَئِنْ حَلَفْتُم لي على رجل منكم/ أَنَّه أزهدكم، لأحلفنَّ لكم أنَّه خيركم «١» ، وروى ابن المبارك بسنده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ كَانَا عَلَى سِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَحَدُهُمَا مَقْتُورٌ عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مَوَسَّعٌ عَلَيْهِ [فَيُقْبِلُ المَقْتُورُ عَلَيْهِ] «٢» إلَى الجَنَّةِ، وَلاَ يَنْثَنِي عَنْهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَبْوَابِهَا، فَيَقُولُ حَجَبَتُهَا: إلَيْكَ إلَيْكَ!

فَيَقُولُ: إذَنْ لاَ أَرْجِعَ، قال: وَسَيْفُهُ في عُنُقِهِ فَيَقُولُ: أُعْطِيتُ هذا السَّيْفَ في الدُّنْيَا أُجَاهِدُ بِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مُجَاهِداً بِهِ حتى قُبِضْتُ وَأَنَا على ذَلِكَ، فَيَرْمِي بِسَيْفِهِ إلَى الخَزَنَةِ، وَيَنْطَلِقُ، لاَ يُثْنُونَهُ وَلاَ يَحْبِسُونَهُ عَنِ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا، فَيَمْكُثُ فِيهَا دَهْراً، ثُمَّ يَمُرُّ بِهِ أَخُوهُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، مَا حَبَسَكَ؟!

فَيَقُولُ: مَا خُلِّيَ سَبِيلِي إلاَّ الآن، وَلَقَدْ حُبِسْتُ مَا لَوْ أَنَّ ثَلاَثَمِائَةِ بِعِيرٍ أَكَلَتْ خَمْطاً، لاَ يَرِدْنَ إلاَّ خِمْساً وَرَدْنَ على عِرْقِي لَصَدَرْنَ مِنْهُ رِيًّا «٣» » انتهى.

وقوله تعالى: فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ...

الآية: استمرارٌ في مخاطبة المنافقين قاله قتادة وغيره «٤» .

وقوله تعالى: هِيَ مَوْلاكُمْ قال المفسرون: معناه: هي أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنَّما هي استعارة لأَنَّها من حيثُ تَضُمُّهم وتباشِرُهم هي تواليهم وتكون لهم مكانَ المولى، وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر]

..............

...

تحيّة بينهم ضرب وجيع «٥»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا، وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، فَجَعَلَ المُؤْمِنُونَ يُعاتِبُ بَعْضُهم بَعْضًا.

والثّانِي:، أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: سَألَ المُنافِقُونَ سَلْمانَ الفارِسِيَّ فَقالُوا: حَدِّثْنا عَنِ التَّوْراةِ، فَإنَّ فِيها العَجائِبَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَثُّوا عَلى الرِّقَّةِ والخُشُوعِ.

فَأمّا مَن كانَ وصَفَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالخُشُوعِ، والرِّقَّةِ، فَطَبَقَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَوْقَ هَؤُلاءِ.

فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً.

وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَعْنى: ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ألَمْ يَحِنْ، تَقُولُ: أنى الشَّيْءُ: إذا حانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ: تَرِقَّ وتَلِينَ لِذِكْرِ اللَّهِ.

المَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُورِثَهُمُ الذِّكْرُ خُشُوعًا ﴿ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "وَما نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ، والزّايِ، مَعَ تَشْدِيدِ الزّايِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ، وتَخْفِيفِ الزّايِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ "نُزِّلَ" بِرَفْعِ النُّونِ، وكَسْرِ الزّايِ، مَعَ تَشْدِيدِها.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ "وَما أنْزَلَ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وفَتْحِ الزّايِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وكَسْرِ الزّايِ.

و"الحَقِّ" القُرْآنُ "وَلا يَكُونُوا" قَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "لا تَكُونُوا" بِالتّاءِ ﴿ كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ، والنَّصارى ﴿ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ﴾ وهُوَ: الزَّمانُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمَدُ: الغايَةُ.

والمَعْنى: أنَّهُ بَعُدَ عَهْدُهم بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ أيْ: يُخْرِجُ مِنها النَّباتَ بَعْدَ يُبْسِها، فَكَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَتَأمَّلُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ﴾ اسْتِمْرارٌ في مُخاطَبَةِ المُنافِقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حَدِيثٌ.

وهُوَ: «أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ الكافِرَ فَيَقُولُ لَهُ: "أرَأيْتُكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافَ الدُنْيا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النارِ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في صُلْبِ أبِيكَ آدَمَ، لا تُشْرِكُ بِي، فَأبَيْتَ إلّا الشِرْكَ،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "يُؤْخَذُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ: "تُؤْخَذُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ هُشامٍ عنهُ.

وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "هِيَ مَوْلاكُمْ"، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: هي أولى بِكُمْ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِأنَّها مِن حَيْثُ تَضُمُّهم وتُباشِرُهم هي تُوالِيهِمْ وتَكُونُ لَهم مَكانَ المَوْلى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ..............

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَأْنِ" الآيَةُ ابْتِداءٌ مَعْنًى مُسْتَأْنِفٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كَثُرَ الضَحِكُ والمُزاحُ في بَعْضِ تِلْكَ المُدَّةِ في قَوْمٍ مِن شُبّانِ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَلَّ الصَحابَةُ مِلَّةً فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

ومَعْنى "ألَمْ يَأْنِ" ألَمْ يَحِنْ، يُقالُ: أنَّ الشَيْءَ يَأْنِي إذا حانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ ∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "اَلَمّا يَأْنِ" ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "ألَمْ يَئِنْ"، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى مَعْنى الحَضِّ والتَقْرِيعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: عُوتِبَ المُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وسَمِعَ الفَضْلُ بْنُ مُوسى قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ والفَضْلُ يُحاوِلُ مَعْصِيَةً فَكانَتِ الآيَةُ سَبَبَ تَوْبَتِهِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ في صِباهُ حَرَّكَ العُودَ لِيَضْرِبَهُ فَإذا بِهِ قَدْ نَطَقَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَتابَ ابْنُ المُبارَكِ وكَسَرَ العُودَ وجاءَهُ التَوْفِيقُ.

و"الخُشُوعُ": الإخْباتُ والتَطامُنُ، وهي هَيْئَةٌ تَظْهَرُ في الجَوارِحِ مَتى كانَتْ في القَلْبِ، فَلِذَلِكَ خَصَّ تَعالى القَلْبَ بِالذِكْرِ، ورَوى شَدّادُ بْنُ أوسٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ الناسِ الخُشُوعُ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: "لَذِكْرُ اللهِ" أيْ: لِأجْلِ ذِكْرِ اللهِ ووَحْيِهِ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِأجْلِ تَذْكِيرِ اللهِ إيّاهم وأمْرِهِ فِيهِمْ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "وَما نَزَلَ" مُخَفَّفَ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَما نَزَّلَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ، عَلى مَعْنى: نَزَّلَ اللهُ مِنَ الحَقِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عِياشٍ- وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، وابْنِ القَعْقاعِ: "وَما نُزِّلَ" بِكَسْرِ الزايِ وشَدِّها.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "وَلا يَكُونُوا" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ -فِيما رَوى عنهُ سُلَيْمٌ- "وَلا تَكُونُوا" عَلى مُخاطَبَةِ الحُضُورِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ إلى بَنِي إسْرائِيلَ المُعاصِرِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وذَلِكَ قالَ: "مِن قَبْلُ"، وإنَّما شَبَّهَ أهْلَ عَصْرِ نَبِيٍّ بِأهْلِ عَصْرِ نَبِيٍّ آخَرَ.

و"الأمَدُ" قِيلَ: مَعْناهُ انْتِظارُ الفَتْحِ، وقِيلَ: انْتِظارُ القِيامَةِ، وقِيلَ: أمَدُ الحَياةِ، و"قَسَتْ" مَعْناهُ: صَلُبَتْ وقَلَّ خَيْرُها وانْفِعالُها لِلطّاعاتِ وسَكَنَتْ إلى مَعاصِي اللهِ تَعالى فَفَعَلُوا مِنَ العِصْيانِ والمُخالَفَةِ ما هو مَأْثُورٌ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نَدَبُوا إلى الخُشُوعِ، وهَذا ضَرْبُ مَثَلٍ واسْتِدْعاءٌ إلى الخَيْرِ بِرِفْقٍ وتَقْرِيبٍ بَلِيغٍ، أيْ: لا يَبْعُدُ عنكم أيُّها التارِكُونَ لِلْخُشُوعِ رُجُوعُكم إلَيْهِ وتَلَبُّسِكم بِهِ، فَإنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالقُلُوبِ، ويَرُدُّها إلى الخُشُوعِ بَعْدَ بُعْدِها عنهُ، وتَرْجِعُ هي إلَيْهِ إذا وقَعَتِ الإنابَةُ والتَكَسُّبُ مِنَ العَبْدِ بَعْدَ نُفُورِها مِنهُ كَما يُحْيِيِ الأرْضَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَيِّتَةً غَبْراءَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يشبه أن تكون هذه الآية من المدني وأن تكون متصلة المعنى بقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم ﴾ [الحديد: 11] وأن آية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ [الحديد: 16] وما بعدها معترض.

وقد تخلل المكي والمدني كل مع الآخر في هذه السورة ألاَ ترى أن ألفاظ الآيتين متماثلة إذ أريد أن يعاد ما سبق من التحريض على الإِنفاق فيُؤتى به في صورة الصلة التي عُرف بها الممتثلون لذلك التحريض.

وعطف ﴿ والمصدقات ﴾ كما تقدم في قوله: ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ﴾ [الحديد: 12]، ولأن الشُحَّ يكثر في النساء كما دلت عليه أشعار العرب.

وقرأ الجمهور ﴿ والمصّدقين ﴾ بتشديد الصاد على أن أصله المتصدقين فأدغمت التاء في الصاد بعد قَلْبِهَا صاداً لقرب مخرجيهما تطلباً لخفة الإِدغام، فقوله: ﴿ واقرضوا الله قرضاً حسناً ﴾ من عطف المرادف في المعنى لما في المعطوف من تشبيه فِعلهم بقرض لله تنويهاً بالصدقات.

وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد على أنه من التصديق، أي الذين صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم أي آمنوا وامتثلوا أمره فأقرضوا الله قرضاً حسناً.

وقرأ الجمهور ﴿ يضاعف لهم ﴾ بألف بعد الضاد.

وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب ﴿ يضعّف ﴾ بدون ألف وبتشديد العين.

وعطف ﴿ واقرضوا ﴾ وهو جملة على ﴿ المصدقين ﴾ وهو مفرد لأن المفرد في حكم الفعل حيث كانت اللام في معنى الموصول فقوة الكلام: إن الذين اصَّدَّقوا واللائي تصدقْنَ وأقرضوا، على التغليب ولا فَصْلَ بأجنبي على أن الفصل لا يمنع إذا لم يفسد المعنى.

ووجه العدول عن تماثل الصلتين فلم يقل: إن المصدقين والمقرضين، هو تصوير معنى كون التصدق إقراضاً لله.

وتقدم معنى ﴿ يضاعف لهم ولهم أجر كريم ﴾ في قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له ﴾ [الحديد: 11] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ  ، قالَهُ ابْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: في المُنافِقِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وكَفَرُوا بِقُلُوبِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها في المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّتِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ أبُو حازِمٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كانَ بَيْنَ أنْ أسْلَمْنا وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، فَجَعَلَ يَنْظَرُ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ ويَقُولُ ما أحْدَثْنا.

قالَ الحَسَنُ: يَسْتَبْطِئُهم وهم أحَبُّ خَلْقِهِ إلَيْهِ.

الثّانِي: ما رَواهُ قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقالَ تَعالى ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ.

الثّالِثُ: ما رَواهُ المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ: «مَلَّ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  مَرَّةً فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ ثُمَّ مَلُّوا مَرَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ » قالَ شَدّادُ بْنُ أوْسٍ: كانَ يُرْوى لَنا عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ)» .

وَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ ألَمْ يَأْنِ ﴾ ألَمْ يَحِنْ، قالَ الشّاعِرُ ألَمْ يَأْنِ لِي يا قَلْبُ أنْ أتْرُكَ الجَهْلا وأنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ المُبِينُ لَنا عَقْلًا وَفِي ﴿ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ تَلِينَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنْ تَذَلَّ قُلُوبُهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنْ تَجْزَعَ قُلُوبُهم مِن خَوْفِ اللَّهِ.

وَفي ذِكْرِ اللَّهِ هاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ حُقُوقُ اللَّهِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ما أنْزَلَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى.

﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُلَيِّنُ القُلُوبَ بَعْدَ قَسْوَتِها، قالَهُ صالِحٌ المُرِّيُّ.

الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ يُصْلِحُ الفَسادَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِإحْياءِ المَوْتى.

رَوى وكِيعٌ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؟

فَقالَ: (يا أبا رَزِينَ أما مَرَرْتَ بِوادٍ مُمَحَّلٍ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خُضْرَةً؟

قالَ: بَلى، قالَ كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ألمايان للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن، فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قالوا يا رسول الله: فما كفارة ذلك؟

قال: تبكون قدر ما ضحكتم» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قال: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أول ما يرفع من الناس الخشوع» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ﴾ يقول: ألم يحن للذين آمنوا.

وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ قال: تليين القلوب بعد قسوتها.

وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كان بين أسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ إلا أربع سنين.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية أقبل بعضنا على بعض أي شيء أحدثنا؟

أي شيء صنعنا؟.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظهر منهم المزاح والضحك فنزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذوا في شيء من المزاح فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت ﴿ ألم يأن للذين أمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن القاسم قال: ملّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ [ يوسف: 3] ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا أن كل ما هو آت قريب، ألا إنما البعيد ما ليس بآت» .

وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم أحد بعده، فأرسلوا إليه فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟

فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

يعني الكتاب الذي فيه القرآن فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات وجدوا الكتاب الذي فيه القرآن معلق عليه فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنوا إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي القرآن.

قال عبدالله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً وبحسب امرئ يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا تلا هذه الآية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية شداد بن أوس: أول ما يرفع من الناس الخشوع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الأمد ﴾ قال: الدهر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: جمع أبو موسى الأشعري القراء فقال: لا يدخلن عليكم إلا من جمع القرآن، فدخلنا ثلاثمائة رجل فوعظنا وقال: أنتم قراء هذه البلد والله ليطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قراءة العامة بتشديد الصاد على معنى المتصدقين والمتصدقات بالصدقة، وكذا هو في قراءة أُبَّي بالفاء (١) قوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وهذا الفصل اعتراض بعين الخبر والمخبر عنه والاعتراض بمنزلة الصفة (٢) ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ (٣) (٤) وذكر أبو علي في المسائل الحلبية في قوله: ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ ﴾ أوجهًا، واختار الاعتراض فقال: حمله على الاعتراض أرجح الوجوه عندي؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم وكثر، ولم يجر ذلك عندهم فجرى مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تبييناً فأشبه بذلك الصفة والتأكيد (٥) (١) قرأ ابن كثير، وأبو بكر: ﴿ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ بتخفيف الصاد فيهما وقرأ الباقون (المصَّدَّقين والمصَّدقات) بتاء ظاهرى وبها احتج الجمهور لقراءة التشديد.

انظر: "حجة القراءات" ص 107، و"النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.

(٢) في (ك): (الصلة).

(٣) من الآية (277) من سورة البقرة، وفي غيرها من سور القرآن كثير.

(٤) من قوله: (قوله تعالى ﴿ وَأَقْرَضُوا ﴾ وهذا الفصل) إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي بتصرف من المؤلف.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274 - 275.

(٥) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 143.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ أي يحييها بإنزال المطر وإخراج النبات، وقيل: إنه تمثيل للقلوب أي: يحيي الكله القلوب بالمواعظ كما يحيي الأرض بالمطر، وفي هذا تأنيس للمؤمنين الذين ندبوا إلى أن تخشع قلوبهم، والأول أظهر وأرجح لأنه الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز جل -: ﴿ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الإيمان بالله: هو أن تجعله رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر، والإيمان برسوله: هو أن صدقه في كل ما يخبر عن الله  وفي كل قول وفعل، وأنه صادق، وأنه محق، وتعلم أنه بأمر الله  ونهيه يأمر وينهى ويفعل لا من ذات نفسه؛ هذا هو الإيمان بالله  ورسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ يقول: والله أعلم -: وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم؛ لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال؛ كأنه يقول: أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم؛ كما ترك الإنفاق من تقدمكم؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها، لا للترك كما هي، والله أعلم.

ثم أخبر  بقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ أن من كان أمر به وأنفق، فله أجر كبير: ما أوعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال، دون الاستحقاق؛ إذ امال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر على سيده، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في ظاهره متناقض؛ لأنه يقول: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ﴾ ، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون بالله وبالرسول، ويصدقونه: أنه رسول الله؛ إذ التصديق بالرسول تصديق بالمرسل، وهم لا يؤمنون بالله، فيكف يصدقون الرسول؟

لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما لكم لا تؤمنون بالله؟

أي: بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما لكم لا تؤمنون بقدرته؟

على هذا جائز أن يخرج؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا: منهم من يذهب مذهب الدهر، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد وينكر البعث، والله أعلم.

والثاني يقول: أي: عذر لكم في ترك الإيمان بالله  والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟

فأي عذر لكم من ترككم الإيمان به؟

فما لكم لا تؤمنون؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق من الله  يخرج على وجوه: أحدها: على ألسن الرسل - عليهم السلام - كقوله  : ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وغير ذلك من أمثاله.

والثاني: أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له.

والثالث: عهد إليهم؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون مالهم مما عليهم، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى.

ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم -  -، والوجه الأول أقرب.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد  قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: ما لكم لا تؤمنون بالله والرسول الذي كنتم مؤمنين به؟!

ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به، ولا يحققونه؛ يقول: ما لكم لا تحققون الإيمان بالله والرسول ويدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم؟

وهو كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ أي لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله، وترك الإيمان بهما، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالآيات والحجج.

أو يذكر هذا لا على الشرط؛ بل على التأكيد؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ ، لأ،هم إذا كن أذعن الإيمان، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ الآيات في الحقيقة: هي الأعلام، لكن فست الآيا بالحجج؛ لأ، الآيات حجج من عند الله  جاءت، لا أنها مفتعلات من الخلق.

وقوله: ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ : واضحات أنها من عند الله جاءت، لا من عند الخلق، أو بينات أمره ونهيه، وما لهم وما عليه، وما يؤتى وما يتقى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ما أضيف إلى الله  من الإخراج، فهو على وجهين: أحدهما: على حقيقة الإخراج، وهو أن يوقفهم إلى الإيمان، ويعطيهم المعونة والعصمة؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان.

والثاني: يخرج على الأمر به، والدعاء إلى الإيمان، ليس على حققة الإخراج، وهو كقوله: ﴿ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ في هذه الآية، ونظير حقيقة الإخراج قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ، وعلى هذا يخرج إضافة الهداية إلى الله  : على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم، والثاني: على الدعاء والبيان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ جائز أن يكون معناه: وإن الله بمن خرج من الظلمات إلى النور لرءوف رحيم، وهو يرجع إلى المؤمنين خاصة.

وجائز أيضا [أن] يوصف بالرحمة والرأفة على الكل؛ إي: بكم لرءوف رحيم بما أرسل إليكم الرسول، وأنزل عليكم الكتاب، وإن كان من أنفسكم وعقولكم كافية على معرفة وحدانية الله  وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول، لكن بفظه ورحمته أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون ذلك أدعى لهم، وأوصل إلى إدراك ما دعوا إليه، وأقرب في دفع الشبه والعذر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ما قال أهل التأويل: إن الخلق يفنون كلهم، ويبقى الله  ؛ كقوله  : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ فعلى هذا قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما لكم لا تنفقون في سبيل الله قبل أن يزول ملككم ويصير ميراثا لله  .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إضافة وراثة بعضهم من بعض إليه؛ لما أنهم عبيده وإماؤه، ومال العبد يكون لسيده؛ فيصير كأنه يقول: ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم، وما يرجع إلى منافعكم، قبل أن يصير ذلك ميراثا لغيركم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً...

﴾ الآية.

قال بعضهم: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ ﴾ ، أي: لا يستوي منكم من آمن قبل الفتح؛ لأن قبل الفتح كان على من آمن خوف الهلاك وأنواع العقوبات؛ ل، الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر؛ لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح، ومن آمن منهم بعد الفتح، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله  : أنه قال: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح" ؛ لأن إيمانه -  - في وقت الخوف على متبعي الإسلام.

أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير؛ لأنه كان رئيسهم، وكذلك الإنفاق في ذلك الوقت أفضل وأعظم، لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول الله  ولمن تابعه.

أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع والأبدال من الصدقات والمغانم، وقبل الفتح، لم يكن ذلك المعنى، فهو لله خالص بلا بدل ولا طمع كان معه، والله أعلم.

وقيل: لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر، ولا هجرة بعد فتح مكة؛ فلذلك روي عنه  : "لا هجرة بعد اليوم، ولكن جهاد ونية" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: وعد الله لكلا الفريقين: من أنفق قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن.

وقال بعض أهل التأويل: "هذه الآية نزلت في فتح الحديبية، فقيل: يا رسول الله ، فتح هو؟

قال: نعم، فتح عظيم" وعن قتادة: هو فتح مكة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فيه ترغيب وترهيب فيما يرغب ويرهب عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه - جل وعلا - عامل عباده بكرمه وجوده معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم، لا معاملة من حقيقة أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له؛ من نحو ما ذكر من الإقراض له، وما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة، وما ذكر لأعمالهم من الأجر، وهم عبيده، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم، كأهم عاملون له، وما يمسكون لأنفسهم ويدخرونه في وقت الحاجة لهم، سماه: قرضا، وما يكتسبون به للحياة الدائمة والنعم الباقية، فهم المنتفعون بها، ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من آخر ببدل ثم يعطي له الأجر على ذلك؛ هذا كله خراج عن عادة الخلق، وطبعهم، وصنعيهم بعضهم مع بضع، لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده [و]عد لهم بما أمسكوا لأنفسهم أضعافا مضاعفة.

ثم جائز تسميته ما يمسكون لوقت حاجتهم: قرضا؛ لئلا يمنوا على الفقراء وأهل الحاجة بما أعطوهم منه؛ لما عرف - جل وعلا - من طبعهم الامتنان عليهم، أو لما يدفع عنهم مؤنة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة، والغصب وغير ذلك من أنواع ما يخاف التلف منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: أجر حسن، والله أعلم.

وجائز تسميته: كريما؛ لما أن من ناله يصير كريما، أو لما يؤمل ويرجى أن يكون لهم ذلك، والكريم في الشاهد: هو الذي يرجى منه كل خير ويؤمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ يَسْعَىٰ نُورُهُم ﴾ أي: كتبهم التي يعطون في الآخرة، فإنه يعطى كتاب المقربين والسابقين من أمامهم وقدامهم، وكتاب سائر المؤمنين من أيمانهم، وكتاب أهل الشرك من وراء ظهورهم، يؤيده حرف حفصة -  -: (نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمانهم) كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ...

﴾ الآية [الإنشقاق: 7].

وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا.

وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون ، يرون ما أمامهم، وسائر المؤمنين عن أيمانهم وما سلكوا في الدنيا، وأهل الشرك بشمالهم، وأهل للنفاق من ورائهم.

وجئز أن يكون قوله: ﴿ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ كناية عن اليمن والبركة؛ إذ إنما بالأيمان ينال اليمن والبركات فسماها بذلك.

ويحتمل ما ذكر أهل التأويل: أنه يرفع لهم نور، فيمشون بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ إنما يقال ذلك قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ ؛ لأنه لا هلاك بعده ولا تبعة، ولا انقطاع لذلك.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ليس أن يراه هو خاصة لا يرى غيره ذلك؛ بل يرى ذلك جميع المؤمنين؛ فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء دالا على التخصيص ونفي غيره.

وعن قتادة: أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله  قال: "إن من المؤمنين من يضيء نوره من موضع قدميه، وللمؤمنين منازل لأعمالهم" وروي في بعض الأخبار عن روسل الله  قال: ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ : ما أفرطوا من أولادهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ منهم من قرأ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ومنهم من قرأ مقطوعة من (أنظرت)؛ قال أبو عبيدة: فالاتصال أحب إلينا؛ لأن تأويلها - والله أعلم -: انتظرونا، يقال منه: نظرت فلانا أنظره.

وأما القراءة الأخرى؛ فإنها من التأخير؛ يقال منه: أنظرت فلانا أنظره؛ غذا أخرته، ولا أعرف للتأخير هاهنا موضعا.

وقال أبو عوسجة: أنظرته ونظرته، أي: انتظرته، يقال منه: نظر نظرة.

ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببع من المؤمنين وألا ينتفعوا بنور المؤمنين، ولكن يرون ذلك اليوم من بعد؛ حيث قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، ولو كانوا بقرب منهم أو ينتفعون ينورهم، لكانوا لا يطلبون منهم الانتظار لهم، والاقتباس من نورهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ من الناس من يقول: إن هذا هو الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى: أنه يستهزئ بهم، حيث قال: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، فقوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ هو ذلك الاستهزاء.

وقلنا نحن في قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء استهزائهم، الذين استهزءوا برسول الله  وبالمؤمنين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ ﴾ ليس على الأمر بالرجوع من وراء والتماس النور، ولكن على التوبيخ والتعيير، أي: النور إنما يطلب من وراء هذا اليوم؛ أي: من قبل هذا اليوم، لا يطلب فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ الآية.

جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف؛ حيث قال: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ  ﴾ السور: هو الأعراف التي ذكر أنها تكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة، يرفع ذلك السور بينهم؛ لئلا ينتفعوا بنور المؤمنين.

وقوله: ﴿ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ بَابٌ ﴾ ليس على حقيقة الباب، ولكن الباب كناية عن الطريق والسبيل يقول: هو طريق وسبيل، من يأخذ ذلك السبيل، افضاه إلى الرحمة، ومن سلك ظاهره، أفضاه إلى العذاب.

وجائز أن يُفتح من النار إلى الجنة باب؛ فيرون ما حل بهم من العذاب، ويرون أهل النار أهل الجنة على ما هم عليه من النعيم؛ ليزداد لهم حسرة وندامة.

أو يكون اطلاعا لا من باب، ولكن من السور والأعراف الذي ذكر، وهو ما قال: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ، والإطلاع في الظاهر إنما يكون من مكان عال مرتفع إلى موضع منحدر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ ، أي: ينادي أهل النفاق المؤمنين ألم نكن معكم قالوا بلى، جائز أن يكون هذا القول منهم ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ تغرير منهم للمسلمين يومئذ كما كانوا يغرونهم في الدنيا، وهو ما أخبر عنهم، يكذبون في الآخرة كما كانوا في الدنيا؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، ثم أخبر أنهم هم الكاذبون في حلفهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم: ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ يخرج على تغريرهم إياهم.

ثم الإشكال والكلام قول المؤمنين: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، وقد علموا أنهم لم يكونوا معهمه، فكيف قالوا: بلى؟

فنقول: جائز أن يكون جوابهم خرج لأولئك على ما عرفوا من خطابهم ومرادهم، فأجابوهم على ذلك.

أو أن يكون قولهم: بلى إن كنتم تقولون بأنا معكم، ولكن لم تكونوا معنا.

أو يخرج جوابهم على ظاهر ما يرون من أنفسهم الموافقة دون الحقيقة.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: امتحنتم أنفسكم في الرجوع إلى من جعل لكم المنافع والعاقبة، كقوله  : ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ ، أي شدة، وقال القتبي: ﴿ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: أثمتموها.

وقوله: ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾ يخرج على وجهين: يحتمل تربصتم برسول الله  أنه سيموت عن قريب، أو أنه يرجع عن الإسلام إلى دين أولئك الكفرة.

وقوله: ﴿ وَٱرْتَبْتُمْ ﴾ ، أي: شككتم وإن قام لكم ما يدفع الارتياب والشك عنكم والشبه.

وقوله: ﴿ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ ﴾ \[يخرج على\] وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من ابتاعهم المنافع التي كانوا يتوقعونها فكيفما كان يتبعون غرضهم في ذلك.

والثاني: ما تمنت أنفسهم من موت رسول الله وهلاكه، أو عوده إلى دينهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: الأمر بالهلاك، أو يوم القيامة.

وقوله: ﴿ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ أي: غركم عن دين الله الشيطان.

وقوله - عز وجل : ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قرئ بالياء والتاء، وأكثرهم على الياء، معناهما واحد، أي: لا يكون لهم فدية يومئذ، ليس أن يكون لهم فدية ولا تؤخذ.

أو أن يقول على التمثيل، أي: لو كان لهم فدية، لكان لا تقبل منهم، يخبر أن أمر الآخرة على خلاف ما يكون في الدنيا؛ إذ في الدنيا ربما يحتال لدفع البلاء بالفداء مرة وبالشفاء ثانيا.

وقوله: ﴿ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ، أي: يأوون إليها.

وقوله: ﴿ هِيَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم وأحق.

وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، أي: بئس ما يصيرون إليها.

ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار؛ لأنه  جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة: المنافقين، والكافرين كفر تصريح، والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاس، ولم يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم، وكذلك ما قسم الله  الناس أقساما ثلاثة: السباقين، وأصحاب اليمين، واصحاب الشمال هم المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم، وهو ما جعل النار إلا للمكذبين؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ  فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ  وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ  إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ  ﴾ جعل الجنة للمقربين وأصحاب اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم، فمن جعلها لغيرهم، فهو مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن المتصدقين ببعض أموالهم، والمتصدقات ببعض أموالهنّ، الذين ينفقونها طيبة بها نفوسهم دون مَنٍّ ولا أذى، يُضاعَف لهم ثواب أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهم مع ذلك ثواب كريم عند الله وهو الجنة.

من فوائد الآيات امتنان الله على المؤمنين بإعطائهم نورًا يسعى أمامهم وعن أيمانهم.

المعاصي والنفاق سبب للظلمة والهلاك يوم القيامة.

التربُّص بالمؤمنين والشك في البعث، والانخداع بالأماني، والاغترار بالشيطان: من صفات المنافقين.

خطر الغفلة المؤدية لقسوة القلوب.

<div class="verse-tafsir" id="91.mpG9n"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله