الآية ١٨ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ١٨ من سورة الحديد

إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا يُضَـٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الحديد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة ، ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) أي : دفعوه بنية خالصة ابتغاء وجه الله ، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا ; ولهذا قال : ( يضاعف لهم ) أي : يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها ، ويزداد على ذلك إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك ( ولهم أجر كريم ) أي : ثواب جزيل حسن ، ومرجع صالح ومآب ) كريم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ )، اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامه قرّاء الأمصار، خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال، بمعنى أن المتصدِّقين والمتصدِّقات، ثم تُدغم التاء في الصاد، فتجعلها صادا مشدّدة، كما قيل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يعني المتزمل.

وقرأ ابن كثير وعاصم: ( إنَّ المُتَصَدّقِينَ والمُتَصدّقاتِ ) بتخفيف الصاد وتشديد الدال، بمعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، صحيح معنى كلّ واحدة منهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

فتأويل الكلام إذن على قراءة من قرأ ذلك بالتشديد في الحرفين، أعني في الصاد والدال: أن المتصدّقين من أموالهم والمتصدّقات، ( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) يعني: بالنفقة في سبيله، وفيما أمر بالنفقة فيه، أو فيما ندب إليه، ( يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) يقول: يضاعف الله لهم قروضهم التي أقرضوها إياه، فيوفيهم ثوابها يوم القيامة، ( وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) يقول: ولهم ثواب من الله على صدقهم، وقروضهم إياه كريم، وذلك الجنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن المصدقين والمصدقات قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق ، أي : المصدقين بما أنزل الله تعالى .

الباقون بالتشديد أي : المتصدقين والمتصدقات فأدغمت التاء في الصاد ، وكذلك في مصحف أبي .

وهو حث على الصدقات ، ولهذا قال وأقرضوا الله قرضا حسنا بالصدقة والنفقة في سبيل الله .

قال الحسن : كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع .

وقيل : هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبا صادقا .

وإنما عطف بالفعل على الاسم ، لأن ذلك الاسم في تقدير الفعل ، أي : إن الذين تصدقوا وأقرضوا يضاعف لهم أمثالها .

وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله .

وقرأ الأعمش " يضاعفه " بكسر العين وزيادة هاء .

وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب " يضعف " بفتح العين وتشديدها .

ولهم أجر كريم يعني الجنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ } بالتشديد أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، { وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا لهم عند ربهم، { يُضَاعَفُ لَهُمُ } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، { وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } وهو ما أعده الله لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن المصدقين والمصدقات ) قرأ ابن كثير ، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من " التصديق " أي : المؤمنين والمؤمنات ، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) بالصدقة والنفقة في سبيل الله - عز وجل - ( يضاعف لهم ) ذلك القرض ( ولهم أجر كريم ) ثواب حسن وهو الجنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن المصَّدقين» من التصديق أدغمت التاء في الصاد، أي الذين تصدقوا «والمصَّدقات» اللاتي تصدقن وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق والإيمان «وأقرضوا الله قرضا حسنا» راجع إلى الذكور والإناث بالتغليب وعطف الفعل على الاسم في صلة أل لأنه فيها حل محل الفعل، وذكر القرض بوصفه بعد التصدق تقييد له «يضاعف» وفي قراءة يضعف بالتشديد، أي قرضهم «لهم ولهم أجر كريم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن المتصدتقين من أموالهم والمتصدقات، وأنفقوا في سبيل الله نفقات طيبة بها نفوسهم؛ ابتغاء وجه الله تعالى، يضاعف لهم ثواب ذلك، ولهم فوق ذلك ثواب جزيل، وهو الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم فى سبيله .

والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

فقال : ( إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) .وقراءة : ( إِنَّ المصدقين والمصدقات ) بتشديد الصاد - من التصدق ، فأدغمت التاء فى الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما .

.

.

وأصل الكلام : المتصدقين والمتصدقات .وقرأ ابن كثير وغيره ( إِنَّ المصدقين والمصدقات ) - بتخفيف الصاد - على أنه من التصديق لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : علام عطف قوله : ( وَأَقْرَضُواْ ) ؟قلت : على معنى الفعل فى المصدقين ، لأن " أل " بمعنى الذين ، واسم الفاعل بمعنى : اصّدقوا ، فكأنه قيل : " إن الذين اصدقوا وأقرضوا " .والمعنى : إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا بأموالهم فى وجوه الخير والدين ( وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً ) بأن أنفقوا أموالهم الحلال فى سبيل الله بدون من أو أذى .هؤلاء الذين فعلوا ذلك ( يُضَاعَفُ لَهُمْ ) أجرهم عند الله - تعالى - أضعافا كثيرة .( وَلَهُمْ ) فضلا عن كل ذلك ، أجر كريم ، لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي: قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ بالتخفيف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: ﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الصاد فيهما، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن، فيكون المعنى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة، ثم قالوا: وهذه القراءة أولى لوجهين: الأول: أن من تصدق لله وأقرض إذا لم يكن مؤمناً لم يدخل تحت الوعد، فيصير ظاهر الآية متروكاً على قراءة التشديد، ولا يصير متروكاً على قراءة التخفيف والثاني: أن المتصدق هو الذي يقرض الله، فيصير قوله: ﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ وقوله: ﴿ وَأَقْرِضُواُ الله ﴾ شيئاً واحداً وهو تكرار، أما على قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار، وحجة من نقل وجهان: أحدهما: أن في قراءة أبي: ﴿ إن المتصدقين والمتصدقات ﴾ بالتاء والثاني: أن قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ اعتراض بين الخبر والمخبر عنه، والاعتراض بمنزلة الصفة، فهو للصدقة أشد ملازمة منه للتصديق، وأجاب الأولون: بأنا لا نحمل قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ ﴾ على الاعتراض، ولكنا نعطفه على المعنى، ألا ترى أن المصدقين والمصدقات معناه: إن الذين صدقوا، فصار تقدير الآية: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله.

المسألة الثانية: في الآية إشكال وهو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما الفائدة في التزامه ههنا؟

قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ ﴾ معطوف على معنى الفعل في المصدقين، لأن اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى صدقوا، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا، واعلم أن هذا لا يزيل الإشكال فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ، والذي عندي فيه أن الألف واللام في المصدقين والمصدقات للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا الوصف ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة وهو الإتيان بالقرض الحسن، ثم ذكر الخبر بعد ذلك وهو قوله: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ ﴾ فقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواُ الله ﴾ هو المسمى بحشو اللوزنج كما في قوله: إن الثمانين وبلغتها *** (قد أحوجت سمعي إلى ترجمان) المسألة الثالثة: من قرأ: ﴿ المصدقين ﴾ بالتشديد اختلفوا في أن المراد هو الواجب أو التطوع أو هما جميعاً، أو المراد بالتصدق الواجب وبالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك فكل هذه الاحتمالات مذكورة، أما قوله: ﴿ يضاعف لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ فقد تقدم القول فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المصدقين ﴾ المتصدّقين.

وقرئ على الأصل ﴿ والمصدّقين ﴾ .

من صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين.

فإن قلت: علام عطف قوله ﴿ وَأَقْرِضُواُ ﴾ ؟

قلت: على معنى الفعل في المصدّقين؛ لأنّ اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى أصدّقوا، كأنه قيل: إنّ الذين أصدّقوا وأقرضوا.

والقرض الحسن: أنّ يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة.

وقرئ: ﴿ يضعف ﴾ ويضاعف، بكسر العين، أي: يضاعف الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِالإحْياءِ والإمْواتِ تَرْغِيبًا في الخُشُوعِ وزَجْرًا عَنِ القَساوَةِ.

﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ كَيْ تَكْمُلَ عُقُولُكم.

﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ إنَّ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِ الصّادِ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.

﴿ وَأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى الفِعْلِ في المُحَلّى بِاللّامِ لِأنَّ مَعْناهُ: الَّذِينَ أصْدَقُوا، أوْ صَدَقُوا وهو عَلى الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ هو التَّصَدُّقُ المَقْرُونُ بِالإخْلاصِ.

﴿ يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ مَعْناهُ والقِراءَةُ في يُضاعَفُ كَما مَرَّ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجْزَمْ لِأنَّهُ خَبَرُ إنَّ وهو مُسْنَدٌ إلى لَهم أوْ إلى ضَمِيرِ المَصْدَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ المصدقين والمصدقات} بتشديد الدال وحده مكي وأبو بكر وهواسم قاعل من صدق وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين الباقون بتشديد الصاد والدال وهو اسم فاعل من تصدق فأدغمت التاء في الصادر وقرىء على الأصل {وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً} هو عطف على معنى الفعل في المصدقين لأن اللام بمعنى اللذين واسم الفاعل بمعنى الفعل وهو اصدقوا كأنه قيل ان الذين اصدقوا وأقرضوا القرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدق {يُضَاعَفُ لَهُمُ} يضعف مكي وشامي وَلَهُمْ أَجْرٌ كريم أي الجنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ أيِ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ هارُونَ بِتَخْفِيفِ الصّادِ مِنَ التَّصْدِيقِ لا مِنَ الصَّدَقَةِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا واللّاتِي صَدَقْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقِراءَةُ الأُولى أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وقِيلَ: الثّانِيَةُ أرْجَحُ لِأنَّ الإقْراضَ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ، وأنْتَ سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَهُ، وعُطِفَ ( أقْرَضُوا ) عَلى مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُصَّدِّقِينَ عَلى ما اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الفِعْلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ أصْدَقُوا أوْ صَدَّقُوا عَلى القِراءَتَيْنِ ( وأقْرَضُوا ) وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ إذِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو المُصَّدِّقاتُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ النّاسَ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وتَصَدَّقْنَ أأقْرَضُوا فَهو عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى بِلا فَصْلٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ ألِ الثّانِيَةَ زائِدَةٌ لِئَلّا يُعْطَفَ عَلى صُورَةِ جُزْءِ الكَلِمَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ اعْتِبارِ المَعْنى يَدْفَعُ ما ذُكِرَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَرِيبٌ ولا يَبْعُدُ تَنْزِيلُ ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى صِلَةِ ألْ في المُصَّدِّقاتِ واخْتِلافِ الضَّمائِرِ تَأْنِيثًا وتَذْكِيرًا لا يَضُرُّ لِأنَّ ألْ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ فَيُرادُ بِها مَعْنى اللّاتِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الإناثِ عَلَيْها ومَعْنى الَّذِي عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ جَمْعِ الذُّكُورِ عَلَيْها وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: هو مِن بابِ كَلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ أيْ إنَّ المُصَّدِّقِينَ مَقْرُونُونَ مَعَ المُصَّدِّقاتِ في الثَّوابِ والمَنزِلَةِ، أوْ يُقَدَّرُ خَبَرٌ أيْ - إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ يُفْلِحُونَ - ( وأقْرَضُوا ) في الوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ بَلْ مُسْتَأْنَفٌ ويُضافُ بَعْدَ صِفَةِ قَرْضًا أوِ اسْتِئْنافٍ ومَن أنْصَفَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ أدْنى الفُصَحاءِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَخْرِيجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المَوْصُولِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ فَمَن يَهْجُرُ رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ وهُوَ مَقْبُولٌ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ دُونَ رَأْيِ البَصْرِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ في مِثْلَهُ، وبَعْضُ أئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ بَعْدَ أنِ اسْتَقْرَبَ تَوْجِيهَ التَّقْرِيبِ ولَمْ يَسْتَبْعِدْ تَنْزِيلَ ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ قالَ: وأقْرَبُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( المُصَّدِّقاتِ ) مَنصُوبٌ عَلى التَّخْصِيصِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إنَّ المُصَّدِّقِينَ» عامًّا عَلى التَّغْلِيبِ وأخُصُّ المُتَصَدِّقاتِ مِنهم كَما تَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا سِيَّما العُلَماءَ مِنهم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم كَذا.

ووَجْهُ التَّخْصِيصِ ما ورَدَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ فَإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ»» يَحُضُّهُنَّ عَلى الصَّدَقَةِ بِأنَّهُنَّ إذا فَعَلْنَ ذَلِكَ كانَ لَهُ تَعالى أقْبَلَ وجَزاؤُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ أوْفَرَ وأفْضَلَ، ثُمَّ قالَ: ولَمّا لَمْ يَكُنِ الإقْراضُ غَيْرَ ذَلِكَ التَّصَدُّقِ قِيلَ: وأقْرَضُوا أيْ بِذَلِكَ التَّصَدُّقِ تَحْقِيقًا لِكَيْنُونَتِهِ وأنَّهم مِثْلُ ذَلِكَ مُمَثَّلُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِمَن يُعامَلُ مَعَ أجْوَدِ الأجْوَدَيْنِ مُعامَلَةً بِرِضاهُ، ولَوْ قِيلَ: والمُقْرِضِينَ لَفاتَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ نَصْبَ المُصَّدِّقاتِ عَلى التَّخْصِيصِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ المَفْرُوضَيْنِ فَحَسَنٌ وهو مُتَأتٍّ عَلى تَخْرِيجِ أبِي عَلِيٍّ والزَّمَخْشَرِيِّ، وعَلى تَخْرِيجِ أبِي حَيّانَ، وقالَ الخَفاجِيُّ: القَوْلُ - أيْ قَوْلُ أبِي البَقاءِ - بِأنْ أقْرَضُوا إلَخْ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها أظْهَرُ وأسْهَلُ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ فِيهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ بِالمُضاعَفَةِ، وزَعَمَ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها مِن ضَمِيرَيِ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ لا يَخْفى مَعْنًى وعَرَبِيَّةً فَتَدَبَّرْ ( يُضاعَفُ لَهم ) الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ المُتَقَدِّمِينَ الذُّكُورِ والإناثِ عَلى التَّغْلِيبِ كَضَمِيرِ أقْرَضُوا، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ التَّصَدُّقِ أوْ ضَمِيرُ القَرْضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يُضاعَفُ ثَوابُ التَّصَدُّقِ أوْ ثَوابُ القَرْضِ لَهم، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ «( يُضَعَّفُ)» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقُرِئَ «يُضاعِفُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ يُضاعِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم ثَوابَ ذَلِكَ ﴿ ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ألم يجىء وقت تخاف قلوبهم، فترق قلوبهم.

يقال: إناءً يأني إناءً إذا حان وجاء وقته وأوانه.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.

ثنا: أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدبيلي.

قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم قال، ملَّ أصحاب رسول الله  ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ثم ملوا ملَّة أخرى فقالوا: حدّثنا يا رسول الله.

فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ويقال: إن المسلمين قالوا لسلمان الفارسي: حدّثنا عن التوراة، فإن فيها عجائب.

فنزل نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ فكفوا عن السؤال، ثم سألوه عن ذلك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ترق قلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ يعني: القرآن بذكر الحلال والحرام.

قرأ نافع، وعاصم، في رواية حفص وَما نَزَلَ بالتخفيف.

والباقون: بالتشديد على معنى التكثير، والمبالغة.

ثم وعظهم فقال: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني: ولا تكونوا في القسوة كاليهود، والنصارى، من قبل خروج النبيّ  فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ يعني: الأجل.

ويقال: خروج النبي  فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت، ويبست قلوبهم عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالقرآن إلا قليل منهم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصون.

ويقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: المنافقين الذين آمنوا بلسانهم دون قلوبهم.

وقال أبو الدرداء: استعيذوا بالله من خشوع النفاق.

قيل: وما خشوع النفاق؟

قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.

قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ يعني: يصلح الأرض، فاعتبروا بذلك بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها، وقحطها، فكذلك يحيي القلوب بالقرآن، ويصلح بعد قساوتها حتى تلين، كما أحيا الأرض كذلك بعد موتها بالمطر.

قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لكي تعقلوا أمر البعث كذلك إنكم أيضاً تبعثون.

قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كليهما بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.

فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه: إن المؤمنين من الرجال، والمؤمنات من النساء، فمن صدق الله ورسوله ورضي بما جاء به النبيّ  .

ومن قرأ: بالتشديد.

يعني: المتصدقين من الرجال، والمتصدقات من النساء، فأدغمت التاء في الصاد، وشددت.

وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: يتصدقون، محتسبين بطبيعة أنفسهم، صادقين من قلوبهم يُضاعَفُ لَهُمْ الحسنات، والثواب بكل واحد عشرة إلى سبعمائة، إلى ما لا يحصى، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بتوحيد الله، وصدقوا بجميع الرسل، أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والصدِّيق: اسم المبالغة في الفعل.

يقال: رجل صدِّيق، كثير الصدق.

وقال ابن عباس  : فمن آمن بالله ورسله فهو من الصدِّيقين.

ثم قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال مقاتل: هذا استئناف فقال: الشُّهَداءُ يعني: من استشهد عند ربهم.

يعني: يطلب شهادة على الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني: ثوابهم وَنُورُهُمْ ويقال: هذا بناء على الأول.

يعني: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.

ويقال: معناه أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون وَأُوْلَئِكَ هُمُ الشهداء عند ربهم، ويكون لهم أجرهم، ونورهم.

قال مجاهد: كل مؤمن صديق، شهيد.

ثم وصف حال الكفار فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بوحدانية الله تعالى وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ: ابتداء معنى مستأنف، ومعنى أَلَمْ يَأْنِ: ألم يَحِنْ يقال: أنى الشَّيْءُ يأني إذَا حَانَ، وفي الآية معنى الحَضِّ والتقريع، قال ابن عباس: عُوتِبَ المؤمنون بهذه الآية «١» ، وهذه الآية كانت سَبَبَ توبة الفُضَيْلِ وابن المبارك، والخشوع:

الإخبات والتضامن/ وهي هيئة تظهر في الجوارحَ متى كانت في القلب ولذلك خَصَّ تعالى القلبَ بالذكر، وروى شداد بن أوس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ» «٢» .

وقوله تعالى: لِذِكْرِ اللَّهِ أي: لأجل ذكر اللَّه تعالى ووحيه، أو لأجل تذكير اللَّه إيَّاهم وأوامره فيهم، والإشارة في قوله: أُوتُوا الْكِتابَ إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى ع ولذلك قال: مِنْ قَبْلُ وَإنَّما شَبَّه أهل عصر نبيٍّ [بأهل عصر نبيٍّ] .

وقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قيل: معناه: أَمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة، قال الفخر «٣» : وقال مقاتل بن حيان: الأمد هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالُهم، لا جَرَمَ قَسَتْ قلوبهم، انتهى، وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ...

الآية، مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين نُدِبُوا إلى الخشوع، وهذا ضرب مَثَلٍ، واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ، أي: لا يبعد عندكم أَيُّها التاركون للخشوع رُجُوعُكُمْ إليه وتلبسكم به، فإنَّ اللَّه يحيي الأرضَ بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يرُدُّهَا إلى الخشوع بعد بُعْدِهَا عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابةُ والتَّكَسُّبُ من العبد بعد نفورها منه، كما يحيي الأرضَ بعد أَنْ كانت ميتة، وباقي الآية بين، والْمُصَّدِّقِينَ: يعني به المتصدقين، وباقي الآية بين.

ت: وقد جاءت آثار صحيحة في الحَضِّ على الصدقة، قد ذكرنا منها جملة في هذا المختصر، وأسند مالك في «الموطأ» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً» «١» وفي «الموطأ» عنه صلّى الله عليه وسلّم/ «رُدُّواْ السَّائِلَ وَلَوْ بِظَلِفٍ مُحْْرَّقٍ» «٢» قال ابن عبد البر في «التمهيد» : ففي هذا الحديث الحَضُّ على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] : أوضح الدلائل في هذا الباب، وتصدقت عائشةُ- رضي اللَّه عنها- بحبتين من عنب، فنظر إليها بَعْضُ أهل بيتها فقالت: لا تَعْجَبْنَ فكم فيها من مثقال ذرة، ومن هذا الباب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طيّبة» «٣» وإذا كان الله عز وجل يُرْبي الصدقاتِ، ويأخذ الصدقةَ بيمينه فَيُرَبِّيَهَا، كما يُرَبِّي أَحَدُنَا فَلَوَّه أَوْ فَصِيلَهُ- فما بالُ مَنْ عَرَفَ هذا يَغْفُلُ عنه!

وما التوفيق إلاَّ باللَّه، انتهى من «التمهيد» ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حرملة بن عمران أَنَّهُ سَمِعَ يزيد بن أبى حَبِيبٍ يحدّث

أَنَّ أبا الخَيْرِ حدَّثه: أنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» «١» قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلاَّ تصدق فيه بشيء، ولو كَعْكَةً أو بصلة أو كذا، انتهى، والصِّدِّيقُونَ: بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزَّجَّاج «٢» .

وقوله تعالى: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ: اخْتُلِفَ في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة:

وَالشُّهَداءُ: معطوف على: الصِّدِّيقُونَ والكلامُ متَّصل، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها: وَصَفَ اللَّه المؤمنين بأَنَّهم صديقون وشهداء، فَكُلُّ مؤمن شهيد/ قاله مجاهد «٣» ، وروى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَدَاءُ، وَتَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية «٤» وإنّما خصّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر الشهداء السبعة تشريفاً لهم لأَنَّهُم في أعلى رتب الشهادة أَلاَ ترى أَنَّ المقتولَ في سبيل اللَّه مخصوصٌ أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به، وقال بعضها: الشُّهَداءُ هنا: من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، فكأَنَّه قال: هم أهل الصدق والشهداءُ على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، والضحاك «٥» : الكلام تامٌّ في قوله: الصِّدِّيقُونَ، وقوله: وَالشُّهَداءُ: ابتداءٌ مستأنف،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا بِتَخْفِيفِ الصّادِ فِيهِما عَلى مَعْنى التَّصْدِيقِ وقَرَأ الباقُونَ، بِالتَّشْدِيدِ عَلى مَعْنى الصَّدَقَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ والفَرّاءِ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها عَلى نَظْمِها.

والواوُ في "والشُّهَداءُ" .

واوُ النَّسَقِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ شَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وهم ثَمانِيَةُ نَفَرٍ سَبَقُوا إلى الإسْلامِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وزَيْدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ شاهِدٍ.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الشّاهِدُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ لِلَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ شَهِيدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إنْ المُصَّدِّقِينَ" بِتَشْدِيدِ الصادِ المَفْتُوحَةِ، عَلى مَعْنى المُتَصَدِّقِينَ، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ المُتَصَدِّقِينَ"، بِالتاءِ، وهو يُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ، وأيْضًا فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مُلائِمًا في الكَلامِ لِلصَّدَقَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "إنَّ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ، عَلى مَعْنى الَّذِينَ صَدَّقُوا رَسُولَ اللهِ  فِيما بَلَغَ عَنِ اللهِ تَعالى، وآمَنُوا بِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةُ أنَّها أكْثَرُ تَناوُلًا مِمَّنْ لا يَتَصَدَّقُ يَعُمُّهُ اللَفْظَةُ في التَصْدِيقِ، ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَأقْرَضُوا اللهَ" يَرُدُّ مَقْصِدَ القِراءَتَيْنِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ : إنَّ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا، ولا يَصِحُّ هُنا عَطْفٌ لَفْظِيٌّ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "القَرْضِ" ومَعْنى "المُضاعَفَةِ" الَّتِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِها هَذِهِ الأُمَّةَ، تَقَدَّمَ مَعْنى وصْفِ الأجْرِ بِالكَرَمِ، كُلُّ ذَلِكَ في هَذِهِ السُورَةِ.

ويُؤَيِّدُ عِنْدِي قِراءَةَ مَن قَرَأ: "إنَّ المُصَّدِّقِينَ" بِشَدِّ الصادِ إنَّ اللهَ تَعالى حَضَّ في هَذِهِ السُورَةِ عَلى الإنْفاقِ وفي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ أهْلَ الصَدَقَةِ ووَعَدَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الإيمانِ والتَصْدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴾ ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "إنْ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ فَذِكْرُ المُؤْمِنِينَ مُكَرَّرٌ في اللَفْظِ، وكَوْنُ الأصْنافِ مُفْرَدَةً بِأحْكامِها مِنَ الوَعْدِ أبْيَنُ، والإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  يَقْتَضِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "وَرُسُلِهِ".

و"الصِدِّيقُونَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِدْقِ، أو مِنَ التَصْدِيقِ عَلى ما ذَكَرَ الزَجّاجُ: "وَفَعِيلٌ لا يَكُونُ -فِيما أحْفَظُهُ- إلّا مِن فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ، وقَدْ أشارَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ يَجِيءُ مِن غَيْرِ الثُلاثِيِّ، وقالَ: "مَسِيكٌ" مَن "أُمْسِكُ"، وأقُولُ إنَّهُ يُقالُ: مَسَّكَ الرَجُلَ، وقَدْ حَكى: مَسَّكَ الشَيْءَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: "والشُهَداءُ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "الصِدِّيقُونَ" والكَلامُ مُتَّصِلٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى هَذا الِاتِّصالِ، فَقالَ بَعْضُها: وصَفَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ وشُهَداءُ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ شَهِيدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى البَراءُ بْن عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَداءُ"، وتَلا رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ،» وإنَّما خَصَّ رَسُولُ اللهِ  ذِكْرَ الشُهَداءِ السَبْعَةِ تَشْرِيفًا، ولِأنَّهم في أعْلى رُتَبِ الشَهادَةِ، ألا تَرى أنَّ المَقْتُولَ في سَبِيلِ اللهِ مَخْصُوصٌ أيْضًا مِنَ السَبْعَةِ بِتَشْرِيفٍ يَنْفَرِدُ بِهِ، وقالَ بَعْضُها: وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ وشُهَداءُ لَكِنَّ مِن مَعْنى الشاهِدِ لا مِن مَعْنى الشَهِيدِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ  ﴾ ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: هم أهْلُ الصِدْقِ والشَهادَةِ عَلى الأُمَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٌ، والضَحّاكُ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "والشُهَداءُ" ابْتِداءٌ مُسْتَأْنَفٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى هَذا الِاسْتِئْنافِ، فَقالَ بَعْضُها: مَعْنى الآيَةِ: والشُهَداءُ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ حاضِرُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.

وعَنى بِـ"الشُهَداءِ" الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، فَكَأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ يَشْهَدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ، وهَذا يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ ، وقالَ بَعْضُها: قَوْلُهُ تَعالى: "والشُهَداءُ" ابْتِداءٌ يُرِيدُ بِهِ الشُهَداءَ في سَبِيلِ اللهِ، واسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عنهم بِأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى جَعَلَهم صِنْفًا مَذْكُورًا وحْدَهُ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ العُلْيا يَراهم مِن دُونِهِمْ كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُرِّيَّ، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مِنهم وأنْعَما".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ خَبَرٌ عَنِ الشُهَداءِ فَقَطْ عَلى الأخِيرِ مِنَ الأقْوالِ، وهو خَبَرٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى الأقْوالِ الثَلاثَةِ الأُوَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُورُهُمْ" قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هو حَقِيقَةٌ حَسَبَ ما رُوِيَ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُورَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مُجازى عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والكَرامَةِ والبُشْرى الَّتِي حَصَلُوا فِيها.

ولَمّا فَرَعَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وأهْلُ الكَرامَةِ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، فَذَكَّرَهم تَعالى بِأنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ وسُكّانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يشبه أن تكون هذه الآية من المدني وأن تكون متصلة المعنى بقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم ﴾ [الحديد: 11] وأن آية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ [الحديد: 16] وما بعدها معترض.

وقد تخلل المكي والمدني كل مع الآخر في هذه السورة ألاَ ترى أن ألفاظ الآيتين متماثلة إذ أريد أن يعاد ما سبق من التحريض على الإِنفاق فيُؤتى به في صورة الصلة التي عُرف بها الممتثلون لذلك التحريض.

وعطف ﴿ والمصدقات ﴾ كما تقدم في قوله: ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ﴾ [الحديد: 12]، ولأن الشُحَّ يكثر في النساء كما دلت عليه أشعار العرب.

وقرأ الجمهور ﴿ والمصّدقين ﴾ بتشديد الصاد على أن أصله المتصدقين فأدغمت التاء في الصاد بعد قَلْبِهَا صاداً لقرب مخرجيهما تطلباً لخفة الإِدغام، فقوله: ﴿ واقرضوا الله قرضاً حسناً ﴾ من عطف المرادف في المعنى لما في المعطوف من تشبيه فِعلهم بقرض لله تنويهاً بالصدقات.

وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد على أنه من التصديق، أي الذين صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم أي آمنوا وامتثلوا أمره فأقرضوا الله قرضاً حسناً.

وقرأ الجمهور ﴿ يضاعف لهم ﴾ بألف بعد الضاد.

وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب ﴿ يضعّف ﴾ بدون ألف وبتشديد العين.

وعطف ﴿ واقرضوا ﴾ وهو جملة على ﴿ المصدقين ﴾ وهو مفرد لأن المفرد في حكم الفعل حيث كانت اللام في معنى الموصول فقوة الكلام: إن الذين اصَّدَّقوا واللائي تصدقْنَ وأقرضوا، على التغليب ولا فَصْلَ بأجنبي على أن الفصل لا يمنع إذا لم يفسد المعنى.

ووجه العدول عن تماثل الصلتين فلم يقل: إن المصدقين والمقرضين، هو تصوير معنى كون التصدق إقراضاً لله.

وتقدم معنى ﴿ يضاعف لهم ولهم أجر كريم ﴾ في قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له ﴾ [الحديد: 11] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُصَدِّقِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: المُتَصَدِّقِينَ بِأمْوالِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ بِتَصْدِيقِ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وهُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ كَلامٌ تامٌّ.

وَقَوْلُهُ ﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرُّسُلُ يَشْهَدُونَ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهم أُمَمُ الرُّسُلِ يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَفِيما يَشْهَدُونَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما عَمِلُوا مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: يَشْهَدُونَ لِأنْبِيائِهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى أُمَمِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَقالَ مُقاتِلٌ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّهُمُ القَتْلى في سَبِيلِ اللَّهِ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يَعْنِي ثَوابَ أعْمالِهِمْ.

﴿ وَنُورُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُورُهم عَلى الصِّراطِ.

الثّانِي: إيمانُهم في الدُّنْيا، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ألمايان للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن، فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قالوا يا رسول الله: فما كفارة ذلك؟

قال: تبكون قدر ما ضحكتم» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قال: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أول ما يرفع من الناس الخشوع» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ﴾ يقول: ألم يحن للذين آمنوا.

وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ قال: تليين القلوب بعد قسوتها.

وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كان بين أسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ إلا أربع سنين.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية أقبل بعضنا على بعض أي شيء أحدثنا؟

أي شيء صنعنا؟.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظهر منهم المزاح والضحك فنزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذوا في شيء من المزاح فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت ﴿ ألم يأن للذين أمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن القاسم قال: ملّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ [ يوسف: 3] ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا أن كل ما هو آت قريب، ألا إنما البعيد ما ليس بآت» .

وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم أحد بعده، فأرسلوا إليه فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟

فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

يعني الكتاب الذي فيه القرآن فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات وجدوا الكتاب الذي فيه القرآن معلق عليه فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنوا إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي القرآن.

قال عبدالله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً وبحسب امرئ يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا تلا هذه الآية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية شداد بن أوس: أول ما يرفع من الناس الخشوع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الأمد ﴾ قال: الدهر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: جمع أبو موسى الأشعري القراء فقال: لا يدخلن عليكم إلا من جمع القرآن، فدخلنا ثلاثمائة رجل فوعظنا وقال: أنتم قراء هذه البلد والله ليطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قراءة العامة بتشديد الصاد على معنى المتصدقين والمتصدقات بالصدقة، وكذا هو في قراءة أُبَّي بالفاء (١) قوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وهذا الفصل اعتراض بعين الخبر والمخبر عنه والاعتراض بمنزلة الصفة (٢) ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ (٣) (٤) وذكر أبو علي في المسائل الحلبية في قوله: ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ ﴾ أوجهًا، واختار الاعتراض فقال: حمله على الاعتراض أرجح الوجوه عندي؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم وكثر، ولم يجر ذلك عندهم فجرى مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تبييناً فأشبه بذلك الصفة والتأكيد (٥) (١) قرأ ابن كثير، وأبو بكر: ﴿ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ بتخفيف الصاد فيهما وقرأ الباقون (المصَّدَّقين والمصَّدقات) بتاء ظاهرى وبها احتج الجمهور لقراءة التشديد.

انظر: "حجة القراءات" ص 107، و"النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.

(٢) في (ك): (الصلة).

(٣) من الآية (277) من سورة البقرة، وفي غيرها من سور القرآن كثير.

(٤) من قوله: (قوله تعالى ﴿ وَأَقْرَضُوا ﴾ وهذا الفصل) إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي بتصرف من المؤلف.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274 - 275.

(٥) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 143.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الصاد وأصله المتصدقين، وكذلك قرأ أبيّ بن كعب وقرأ بالتخفيف من التصديق، أي صدقوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿ وَأَقْرَضُواْ الله ﴾ معطوف على المعنى، كأنه قال إن الذين تصدقوا وأقرضوا، وقد ذكرنا معنى أقرضوا في قوله: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله ﴾ [الحديد: 11] ﴿ الصديقون ﴾ مبالغة من الصدق أو من التصديق، وكونه من الصدق أرجح؛ لأن صيغة فِعِّيل لا تبنى إلا من فعل ثلاثي في الأكثر، وقد حُكي بناؤها من رباعي كقولهم: رجل مِسِّك من أمسك ﴿ والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون الشهداء مبتدأ وخبره ما بعده، أو يكون معطوفاً على الصديقين، فإن كان مبتدأ ففي المعنى قولان: أحدهما أنه جمع شهيد في سبيل الله فأخبر أنهم عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والآخر أنه جمع شاهد، ويراد به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنهم يشهدون على قومهم، وإن كان معطوفاً ففي المعنى قولان: أحدهما: أنه جمع شهيد فوصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء: أي جمعوا الوصفين، وروي في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مؤمنوا أمتي شهداء وتلا هذه الآية، والآخر أنه جمع شاهد، لأن المؤمنين يشهدون على الناس كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ هذا خبر عن الشهداء خاصة إن كان مبتدأ، أو خبر عن المؤمنين إن كان الشهداء معطوفاً، ونورهم هو النور الذي يكون لهم يوم القيامة، حسبما ذكره في هذه السورة، وقيل: هو عبارة عن الهدى والإيمان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.

الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.

﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.

وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله  مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.

وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.

قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.

وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.

قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.

وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه  قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.

والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب  على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.

قلت: إنه  متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.

أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.

قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.

وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.

وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب  ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.

قال: أما البحث عن كونه  آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه  يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه  إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.

فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.

إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه  وذلك محال.

وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.

وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.

قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.

قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.

وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.

قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.

واختلفوا في معنى كونه  آخراً على وجوه أحدها: أنه  يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.

قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.

وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.

وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.

قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.

ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.

قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.

وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو  أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه  ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله  لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.

أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.

والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.

وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.

قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.

وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله  لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.

قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.

والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.

وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.

استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.

والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.

والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله  أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله  " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.

ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.

وقد مر في أواخر "البقرة".

قال أهل السنة: إنه  كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.

وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.

وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.

ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.

عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.

هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله  .

وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.

ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.

قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه  يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.

قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.

ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.

قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.

ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.

ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.

ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد  أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.

فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.

قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".

قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي  بقوله  " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.

قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.

قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.

وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله  ﴿ يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.

قوله  ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.

قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.

وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.

روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.

وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.

وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.

ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.

ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.

ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.

وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي  ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.

قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.

قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.

ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.

والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.

وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.

ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.

وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.

ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.

قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.

وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.

وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.

وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.

وعن الأصم.

إن المؤمن قائم لله  بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.

ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.

ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".

ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.

ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.

فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون  ﴾ إلأى آخره.

وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.

وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله  ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.

ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.

روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.

والباقي ظاهر وقد مر في النساء.

والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد  وبخلوا ببيان نعته.

ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.

يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.

وروي عن النبي  أن الله  أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.

أنزل الحديد والنار والماء والملح.

وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".

وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.

أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.

وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.

وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.

وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.

واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.

وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.

وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.

وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.

أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.

وسابعها الكتاب للعلماء.

والميزان للعوام والسيف للملوك.

قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.

أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.

أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.

ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.

قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.

قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.

ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.

وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.

عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.

والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله  في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد  ﴿ رحماء بينهم  ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.

مجعولاً لله  ؟

قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي  قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى  وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله  بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.

والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.

وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.

وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.

وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.

وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً  فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.

وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد  بعد أن استقاموا على الطريقة.

ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.

ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد  ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد  ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس  ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد  والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله  يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين  ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.

ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.

قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.

أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.

والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد  فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.

والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي  والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً  ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد لما سبق من ذكر الله  ، ومن خفف، جعل الفعل للحق.

ثم الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر، ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهراً وأظهروا الموافقة للمؤمنين ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: إذا ذكر الله ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم كانوا يتربصون برسول الله  الدوائر، ويطمعون هلاكه، أمّن الله  المؤمنين من ذلك الخوف وآس أولئك عما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ ظاهراً ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

[على] هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساو القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب.

ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله  قبل أن يبعث فيقول: ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ به من قبل أن يبعث ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي كتابهم ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ وهو القرآن أن يؤمنوا به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ...

﴾ الآية.

أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ ﴾ أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أتى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر الله بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، والله أعلم.

والثاني: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله، ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تركزوا النظر فيه والتفكر، [كالذين] غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم؛ فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب.

وجائز ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ \[المؤمنون: 70\]، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعهم وقلدوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .

ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله  حيث قال: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله  والوحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله  ، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، [أنه] يمتحنكم بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى.

أو يقول: قد علمتم أن الله  هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية.

أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه قادر على البعث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف "لعل" من الله  يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذ نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من الله  .

أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف "لعل" للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم الله  أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قرئ مشدد الصاد والدال، ومخفف الصاد، فمن شدد جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فيصير المصَّدِّقين، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب -  - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين والمتصدقات).

ومن خففه، جعلهما من التصديق والإيمان.

وقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق الله - صدق رسله فيما أخبروا عن الله  وفيما دعوهم إلى ما دعوا، وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله  وألوهيته من حث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه الله - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، صارت خطبة طويلة، والله أعلم.

فإن قيل: إن أبابكر -  - فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟

قيل: إن أبا بكر -  - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون.

ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفى الأمرين جميعا كان أفضل من ممن وفى أمرا واحدا.

وقوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ من الناس.

من جعل قوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ على الابتداء مقطوعا من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، ومنهم من وصله به: فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله  : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ، ثم أخبر أن لهم أجرهم.

ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [البقرة: 143]، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله اعلم.

ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله  إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، ويستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن المتصدقين ببعض أموالهم، والمتصدقات ببعض أموالهنّ، الذين ينفقونها طيبة بها نفوسهم دون مَنٍّ ولا أذى، يُضاعَف لهم ثواب أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهم مع ذلك ثواب كريم عند الله وهو الجنة.

من فوائد الآيات امتنان الله على المؤمنين بإعطائهم نورًا يسعى أمامهم وعن أيمانهم.

المعاصي والنفاق سبب للظلمة والهلاك يوم القيامة.

التربُّص بالمؤمنين والشك في البعث، والانخداع بالأماني، والاغترار بالشيطان: من صفات المنافقين.

خطر الغفلة المؤدية لقسوة القلوب.

<div class="verse-tafsir" id="91.mpG9n"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله