تفسير الآية ١٠ من سورة الصف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 61 الصف > الآية ١٠ من سورة الصف

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍۢ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 42 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠ من سورة الصف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الصف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ، رضي الله عنهم ، أرادوا أن يسألوا عن أحب الأعمال إلى الله عز وجل ليفعلوه ، فأنزل الله هذه السورة ، ومن جملتها هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور ، والتي هي محصلة للمقصود ، ومزيلة للمحذور فقال

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) موجع، وذلك عذاب جهنم؛ ثم بين لنا جلّ ثناؤه ما تلك التجارة التي تنجينا من العذاب الأليم، فقال: ( تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة قال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون ; وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أذنت لي فطلقت خولة ، وترهبت واختصيت وحرمت اللحم ، ولا أنام بليل أبدا ، ولا أفطر بنهار أبدا !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من سنتي النكاح ، ولا رهبانية في الإسلام ، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله ، وخصاء أمتي الصوم ، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم .

ومن سنتي أنام وأقوم ، وأفطر وأصوم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " .

فقال عثمان : والله لوددت يا نبي الله أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها ; فنزلت .

وقيل : " أدلكم " أي سأدلكم .

والتجارة الجهاد ; قال الله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم الآية .

وهذا خطاب لجميع المؤمنين .

وقيل : لأهل الكتاب .قوله تعالى : " تجارة " أي تخلصكم ، وقراءة العامة تنجيكم بإسكان النون من الإنجاء .

وقرأ الحسن وابن عامر وأبو حيوة " تنجيكم " مشددا من التنجية ، ثم بين التجارة وهي المسألة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه وصية ودلالة وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين، لأعظم تجارة، وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ) .

قرأ ابن عامر " تنجيكم " بالتشديد والآخرون بالتخفيف ( من عذاب أليم ) .

نزل هذا حين قالوا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله - عز وجل - لعملناه وجعل ذلك بمنزلة التجارة لأنهم يربحون بها رضا الله ونيل جنته والنجاة من النار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم» بالتخفيف والتشديد «من عذاب أليم» مؤلم، فكأنهم قالوا نعم فقال:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، هل أُرشِدكم إلى تجارة عظيمة الشأن تنجيكم من عذاب موجع؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، أرشدهم فيه إلى ما يسعدهم ، وينجيهم من كل سوء ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ .

.

.

) .هذه الآيات الكريمة جواب عما قاله بعض المؤمنين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو نعلم أى الأعمال أحب إلى الله لعملناها ، كما سبق .

أن ذكرنا فى سبب قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ) فكأنه - سبحانه - بعد أن نهاهم عن أن يقولوا قولا ، تخالفه أفعالهم ، وضرب لهم الأمثال بجانب من قصة موسى وعيسى - عليهما السلام - وبشرهم بظهور دينهم على سائر الأديان .بعد كل ذلك أرشدهم إلى أحب الأعمال إليه - سبحانه - فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ ) .والتجارة فى الأصل معناها : التصرف فى رأس المال ، وتقليبه فى وجوه المعاملات المختلفة ، طلبا للربح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ لِيُطْفِئُواْ ﴾ أي أن يطفئوا وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في لا أباً لك، تأكيداً لمعنى الإضافة في أباك، وإطفاء نور الله تعالى بأفواههم، تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: ﴿ هذا سحرٌ  ﴾ مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، كذا ذكره في الكشاف، وقوله: ﴿ والله مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ قرئ بكسر الراء على الإضافة، والأصل هو التنوين، قال ابن عباس: يظهر دينه، وقال صاحب الكشاف: متم الحق ومبلغه غايته، وقيل: دين الله، وكتاب الله، ورسول الله، وكل واحد من هذه الثلاثة بهذه الصفة لأنه يظهر عليهم من الآثار.

وثانيها: أن نور الله ساطع أبداً وطالع من مطلع لا يمكن زواله أصلاً وهو الحضرة القدسية، وكل واحد من الثلاثة كذلك.

وثالثها: أن النور نحو العلم، والظلمة نحو الجهل، أو النور الإيمان يخرجهم من الظلمات إلى النور، أو الإسلام هو النور، أو يقال: الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب إلى الخيرات باختيارهم المحمود وذلك هو النور، والكتاب هو المبين قال تعالى: ﴿ تِلْكَ ءَايَاتُ الكتاب المبين  ﴾ فالإبانة والكتاب هو النور، أو يقال: الكتاب حجة لكونه معجزاً، والحجة هو النور، فالكتاب كذلك، أو يقال في الرسول: إنه النور، وإلا لما وصف بصفة كونه رحمة للعالمين، إذ الرحمة بإظهار ما يكون من الأسرار وذلك بالنور، أو نقول: إنه هو النور، لأنه بواسطته اهتدى الخلق، أو هو النور لكونه مبيناً للناس ما نزل إليهم، والمبين هو النور، ثم الفوائد في كونه نوراً وجوه منها: أنه يدل على علو شأنه وعظمة برهانه، وذلك لوجهين: أحدهما: الوصف بالنور وثانيهما: الإضافة إلى الحضرة، ومنها: أنه إذا كان نوراً من أنوار الله تعالى كان مشرقاً في جميع أقطار العالم، لأنه لا يكون مخصوصاً ببعض الجوانب، فكان رسولاً إلى جميع الخلائق، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» فلا يوجد شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمناً فهو من أمة المتابعة، وإن كان كافراً فهو من أمة الدعوة.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ أي اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين، وقوله: ﴿ بالهدى ﴾ لمن اتبعه ﴿ وَدِينِ الحق ﴾ قيل: الحق هو الله تعالى، أي دين الله: وقيل: نعت للدين، أي والدين هو الحق، وقيل: الذي يحق أن يتبعه كل أحد و ﴿ يُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ يريد الإسلام، وقيل: ليظهره، أي الرسول صلى الله عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة، وهاهنا مباحث: الأول: ﴿ والله مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ والتمام لا يكون إلا عند النقصان، فكيف نقصان هذا النور؟

فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر، وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو الإتمام، يؤيده قوله تعالى: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ وعن أبي هريرة: أن ذلك عند نزول عيسى من السماء، قال مجاهد.

الثاني: قال هاهنا: ﴿ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ  ﴾ وهذا عين ذلك أو غيره؟

نقول: هو غيره، لأن نور الله في ذلك الموضع هو الله تعالى عند أهل التحقيق، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول.

الثالث: قال في الآية المتقدمة: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ وقال في المتأخرة: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ المشركون ﴾ فما الحكمة فيه؟

فنقول: إنهم أنكروا الرسول، وما أنزل إليه وهو الكتاب، وذلك من نعم الله، والكافرون كلهم في كفران النعم، فلهذا قال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، والمراد من الكافرين هاهنا اليهود والنصارى والمشركون، وهنا ذكر النور وإطفاءه، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام، وهي اعتراض على الله تعالى كما قال: ألا قل لمن ظل لي حاسدا *** أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله *** كأنه لم ترض لي ما وهب والاعتراض قريب من الشرك، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام، كان أكثرهم من قريش وهم المشركون، ولما كان النور أعم من الدين والرسول، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال، والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَدِينِ الحق ﴾ الملة الحنفية ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ليعليه ﴿ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ على جميع الأديان المخالفة له؛ ولعمري لقد فعل، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام.

وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام.

وقرئ: ﴿ أرسل نبيه ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ ﴾ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ يُدْعى إلى الإسْلامِ الظّاهِرِ حَقِّيَّتُهُ المُقْتَضى لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ فَيَضَعُ مَوْضِعَ إجابَتِهِ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِ وتَسْمِيَةِ آياتِهِ سِحْرًا فَإنَّهُ يَعُمُّ إثْباتَ المَنفِيِّ ونَفْيَ الثّابِتِ وقُرِئَ «يُدَعّى» يُقالُ دَعاهُ وادَّعاهُ كَلَمَسَهُ والتَمَسَهُ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ لا يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ فَلاحُهم.

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا ﴾ أيْ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَها كَما زِيدَتْ لِما فِيها مِن مَعْنى الإضافَةِ تَأْكِيدًا لَها في لا أبا لَكَ، أوْ يُرِيدُونَ الِافْتِراءَ لِيُطْفِئُوا.

﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي دِينَهُ أوْ كِتابَهُ أوْ حُجَّتَهُ.

﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ بِطَعْنِهِمْ فِيهِ.

﴿ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ مُبَلِّغُ غايَتِهِ بِنَشْرِهِ وإعْلائِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالإضافَةِ.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ إرْغامًا لَهم.

﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ بِالقُرْآنِ أوِ المُعْجِزَةِ.

﴿ وَدِينِ الحَقِّ ﴾ والمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ.

﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُغَلِّبَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ لِما فِيهِ مِن مَحْضِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} تُنجّيكُم شامي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ ﴾ جَلِيلَةِ الشَّأْنِ ﴿ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ «تُنَجِّيكم» بِالتَّشْدِيدِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربع عشرة آية مدنية قوله تبارك وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ وذلك أن أصحاب رسول الله  قالوا بعد ما فروا يوم أحد: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى، وأفضل لفعلناه، فنزل: لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ.

ويقال: قالوا ذلك قبل يوم أحد، فابتلوا بذلك وفروا، فنزل تيسيراً لهم بترك الوفاء، فقال: لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ.

كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ، يعني: عظم بغضاً عند الله أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، يعني: يصفون بمنزلة الصف في الصلاة وملتزمة بعضهم في بعض، لا يتأخر أحدهم عن صاحبه بمنزلة البنيان الذي بني بالرصاص ويقال: كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ أي: متفقي الكلمة بعضهم على بعض على عدوهم، فلا يخالف بعضهم بعضاً.

وروي في الخبر: أنه كان يوم مؤتة وكان عبد الله بن رواحة أحد الأمراء الذين أمرهم رسول الله  ناداهم: يا أهل المجلس الذين وعدتم ربكم قولكم، ثم مشى فقاتل حتى قتل.

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى وقد قال موسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي بالتكذيب، وذلك أنهم كذبوه وقالوا: إنه آدر، ويقال: إنه حين مات هارون، ويقال: إنه قال لقومه الكفار: لم تؤذونني بالتكذيب والشتم؟

وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا يعني: مالوا عن الحق وعدلوا عنه.

أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ يعني: خذلهم عن الهدى فثبتوا على اليهودية.

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي يعني: لا يرشد إلى دينه الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ، يعني: العاصين المكذبين، الذين لا يرغبون في الحق.

وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يعني: وقد قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، يعني: أرسلني الله تعالى إليكم، لأدعوكم إلى الإسلام.

مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ يعني: أقرأ عليكم الإنجيل موافقاً للتوراة في التوحيد وفي بعض الشرائع، وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يعني: أبشركم برسول الله يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.

وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله  أنهم قالوا: يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ.

فقال: «أَنَا دَعْوَةُ أبِي إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى- صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ- وَرَأَتْ أُمِّي رُؤْيَاهَا حِينَ حَمَلَتْ بِي أنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى فِي أرْضِ الشَّامِ» .

فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ، يعني: جاءهم عيسى بالبينات التي كان يريهم من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: بيناً ظاهراً.

قرأ حمزة والكسائي ساحر بالألف، والباقون سِحْرٌ بغير ألف.

فمن قرأ ساحر فهو فاعل، ومن قرأ سِحْرٌ فهو نعت الفعل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مَا لا يفعلُ مُوجِبٌ مَقْتَ اللَّهِ تعالى، ولذلك فرَّ كثيرٌ من العلماءِ عَنِ الوَعْظِ والتذكيرِ وآثرُوا السكوتَ، /- قلت-: وهَذا بحسَبِ فِقْهِ الحالِ إنْ وَجَدَ الإنْسانُ مَنْ يكفِيه هذه المئونة في وقتهِ، فَقَدْ يَسَعُه السكوتُ وإلا فَلاَ يسعُه، قال الباجي في «سنن الصالحين» له: قال الأصمعي: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الحكماءِ كَانَ يقول: إني لأَعظكُم وإنّي لَكَثيرُ الذنوبِ، وَلَوْ أن أحَداً لاَ يَعِظُ أخاه حَتَّى يُحْكِمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لتُرِكَ الأَمْرُ بالخيرِ، واقْتُصِرَ عَلى الشَّرِّ، ولكنَّ محادثةَ الإخوانِ حياةُ القلوبِ وجَلاَء النُّفُوسِ وتَذْكِيرٌ مِنَ النسيانِ، وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ وما أنا بموضعٍ للوَعْظِ «١» ، ولكنْ أريدُ به نَفْسِي، وقَالَ الحسنُ لمطرف: عِظْ أصْحَابَكَ، فَقَالَ: إنِّي أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعل فقالَ: رحمك اللَّه وأيُّنَا يَفْعَلُ ما يقول، وَدَّ الشيطانُ أنه لَو ظَفَرَ منكم بهذهِ فَلَمْ يأمُرْ أحدٌ منكم بمعروف، ولم ينه عن منكر، انتهى.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ...

الآية، قال معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ له الجنة، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً، ثُمَّ مَاتَ أو قتل فإنّ له أجر شهيد» «٢» ،

مختصر رواه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:

هَذَا حديثٌ صحيحٌ انتهى من «السلاح» ، ثُمَّ ذَكَرَ تعالى مقَالَةَ مُوسَى، وذلك ضربُ مَثَلٍ للمؤمنينَ ليحذَرُوا مَا وَقَعَ فيه هؤلاء من العصيانِ وقولِ الباطل.

وقوله: لِمَ تُؤْذُونَنِي أي: بتعنيتِكم وعصيانِكم واقْتِرَاحَاتِكُم، وأسْنَدَ الزيغَ إليهم لكونهِ فعلَ حطيطَةٍ، وهذا بخلافِ قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] فَأَسْنَدَ التَّوْبَةَ إليه سبحانَه لِكَوْنِهَا فعلَ رِفْعَةٍ، و «زاغ» معناه مَالَ وصار عرفها في الميل عن الحق، وأَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ معناه طَبَعَ عليْهَا وكثُرَ مَيْلُها عنِ الحقِّ وهذهِ هي العُقُوبَةُ عَلَى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ.

وقوله: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال عياض في «الشفا» : سَمَّى اللَّه تعالى نبيَّه في كتابه محمداً وأحمدَ فأما اسمه أحمد، ف «أَفْعَلُ» مبالغةً من صفةِ الحَمْدِ، ومُحَمَّد «مُفَعَّل» من كثرةِ الحمدِ، وسمى أمَّته في كتب أنبيائِه بالحمَّادينَ ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصِه سبحانه وبدائع آياته أنه سبحانه حَمَى أن يتسمَّى بهما أَحَدٌ قَبْلَ زمانِه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشَّرَتْ به الأنبياء فمنع سبحانه أن يَتَسَمَّى به أحد غيرُه حتى لا يدخلَ بذلكَ لَبْسٌ عَلى ضعيفِ القلبِ وكذلك محمَّد أيضاً لم يَتَسَمَّ به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شَاعَ قبيل وجوده صلّى الله عليه وسلّم وميلادِه أَنَّ نبيًّا يبعثُ اسمهُ محمد فسمَّى قومٌ قليلٌ من العرب أبناءَهم بذلك رجاءَ أَنْ يكونَ أحدُهم هو، وهُم محمد بن أحيحة الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان باليمن، ويقولون: بل محمد بن اليحمد من الأزد، ومحمد بن سوادة منهم لا سابعَ لهم، ولم يَدَّعِ أحد من هؤلاء النبوَّة أو يظهرْ عليْهِ سببٌ يشكِّكُ الناس، انتهى، وروى أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قَالَ: «لاَ تُسَمُّوا أَوْلاَدَكُمْ مُحَمَّداً ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» «١» ، رواه الحاكم/ في «المستدركِ» ، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...

الآية: يحتمل أن يريد «عيسى» ويحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا ﴾ أيْ: مالُوا عَنِ الحَقِّ ﴿ أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ أيْ: أمالَها عَنِ الحَقِّ جَزاءً لِما ارْتَكَبُوهُ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَأْتِي مِن بَعْدِي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ) بِفَتْحِ الياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( مِن بَعْدِي اسْمُهُ) بِإسْكانِ الياءِ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: النَّصارى حِينَ قالُوا: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (يَدَّعِي إلى الإسْلامِ) بِفَتْحِ الياءِ، والدّالِ، وتَشْدِيدِها، وبِكَسْرِ العَيْنِ، وما بَعْدَ هَذا في [بَراءَةٍ: ٣٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ( مُتِمُّ نُورِهِ) مُضافٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مُتِمٌّ) رَفْعٌ مُنَوَّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنَ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ-، وهَذا مِثالٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وحُكِيَ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا قَوْمِ" وعن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ" مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ أبٌ.

و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"مُبَشِّرًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "يَأْتِي مِن بَعْدِي" وقَوْلُهُ: "اسْمُهُ أحْمَدُ " جُمْلَتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى الصِفَةِ لـ"رَسُولٍ"، و" أحْمَدُ " فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ كَأسْوَدَ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكَلِمَةِ لا الشَخْصِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: جاءَنا أحْمَدُ ؛ لِأنَّكَ هاهُنا أوقَعْتَ الِاسْمَ عَلى مُسَمّاهُ، وفي الآيَةِ إنَّما أرادَ: اسْمَهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الغَرَضَ، ومِنهُ يَنْفَكُّ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: يُقالُ "لَهُ إبْراهِيمُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مِن بَعْدِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فى رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مِن بَعْدِي" بِسُكُونِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ ﴾ الآيَةُ...

يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ الآيَةُ وما بَعْدَها تَمْثِيلًا بِأُولَئِكَ لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَمْثِيلُ قَدْ فَرَغَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أحْمَدُ "، ثُمَّ خَرَجَ إلى ذِكْرِ أحْمَدَ، لَمّا تَطَرَّقَ ذِكْرُهُ فَقالَ تَعالى مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: فَلَمّا جاءَ أحْمَدُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، و"البَيِّناتُ" هي الآياتُ والعَلاماتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَذا سِحْرٌ" إشارَةٌ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَن أظْلَمُ" تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، و"افْتِراءُ الكَذِبِ" هو قَوْلُهُمْ: "هَذا سِحْرٌ" وما جَرى مَجْرى هَذا مِنَ الأقْوالِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْعى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْن مُصَرِّفٍ: "يَدَّعِي" بِمَعْنى: يَنْتَمِي ويَنْتَسِبُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرَمَيْتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ وأبَنْتُ لِلْأشْهادِ حَزَّةُ أدَّعِي والمَعْنى -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إنَّما هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، لِما حُكِيَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: "هَذا سِحْرٌ" بَيِّنٌ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ العَقْلَ لا يَقْبَلُهُ، أيْ: وهَلْ أظْلَمُ مِن هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ ويَدَّعِي إلى الإسْلامِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُفْتَرٍ عَلى رَبِّهِ؟

وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِأنَّ مَسالِكَ أهْلِ الِافْتِراءِ والمَخْرَقَةِ إنَّما هي دُونَ هَذا وفي أُمُورٍ خَسِيسَةٍ، وضَبَطَ النَقّاشُ هَذِهِ القِراءَةَ "يُدَّعى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ المُشَدَّدَةِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

والضَمِيرُ في "يُرِيدُونَ" لِلْكُفّارِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيُطْفِؤُا" لامٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وأنَّ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يُرِيدُونَ إطْفاءً، وأكْثَرُ ما تَلْزَمُ هَذِهِ اللامُ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ، تَقُولُ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتٌ ولِرُؤْيَتِكً قَصَدْتُ.

و"نُورُ اللهِ" هو شَرْعُهُ وبَراهِينُهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "بِأفْواهِهِمْ" إشارَةٌ إلى الأقْوالِ، أيْ: بِقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وشِعْرٌ وتَكَهُّنٌ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ: "واللهُ مُتِمُّ" بِالتَنْوِينِ "نُورَهُ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ" بِالإضافَةِ، وهي في مَعْنى الِانْفِصالِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا زيادة تحدِّ للمشركين وأحلافهم من أهل الكتاب فيه تقوية لمضمون قوله: ﴿ والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ [الصف: 8].

وفيه معنى التعليل للجملة التي قبله.

فقد أفاد تعريفُ الجزأيْن في قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ قصراً إضافياً لقلببِ زَعْم الكافرين أن محمّداً صلى الله عليه وسلم أتى من قِبَللِ نفسه، أي الله لا غيره أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق.

وأن شيئاً تولى الله فعله لا يستطيع أحد أن يزيله.

وتعليل ذلك بقوله: ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ إعلام بأن الله أراد ظهور هذا الدين وانتشاره كيلا يطمعوا أن يناله ما نال دين عيسى عليه السّلام من القمع والخفت في أول أمره واستمر زماناً طويلاً حتى تنصَّر قسطنطينُ سلطانُ الروم، فلما أخبر الله بأنه أراد إظهار دين الإِسلام على جميع الأديان عُلم أن أمره لا يزال في ازدياد حتى يتمّ المراد.

والإِظهار: النصر ويطلق على التفضيل والإِعلاء المعنوي.

والتعريف في قوله: ﴿ على الدين ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق، أي ليعلي هذا الدين الحق على جميع الأديان وينصر أهله على أهل الأديان الأخرى الذين يتعرضون لأهل الإسلام.

ويظهر أن لفظ ﴿ الدين ﴾ مستعمل في كلا معنييه: المعنى الحقيقي وهو الشريعة.

والمعنى المجازي وهو أهل الدّين كما تقول: دخلت قرية كذا وأكرمتني، فإظهار الدين على الأديان بكونه أعلى منها تشريعاً وآداباً، وأصلح بجميع الناس لا يخص أمة دون أخرى ولا جيلاً دون جيل.

وإظهار أهله على أهل الأديان بنصر أهله على الذين يشاقُّونهم في مدة ظهوره حتى يتمّ أمره ويستغني عمن ينصره.

وقد تمّ وعد الله وظهر هذا الدين وملك أهله أمماً كثيرة ثم عرضت عوارض من تفريط المسلمين في إقامة الدين على وجهه فغلبت عليهم أمم، فأمّا الدين فلم يزل عالياً مشهوداً له من علماء الأمم المنصفين بأنه أفضل دين للبشر.

وخص المشركون بالذكر هنا إتماماً للذين يكرهون إتمام هذا النور، وظهور هذا الدين على جميع الأديان.

ويعلم أن غير المشركين يكرهون ظهور هذا الدين لأنهم أرادوا إطفاء نور الدين لأنهم يكرهون ظهور هذا الدين فحصل في الكلام احتباك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ قالَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ العُزّى واللّاتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

والإطْفاءُ هو الإخْمادُ، ويُسْتَعْمَلانِ في النّارِ، ويُسْتَعارانِ فِيما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الضِّياءِ والنُّورِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الإطْفاءِ والإخْمادِ مِن وجْهٍ وهو أنَّ الإطْفاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والإخْمادُ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، فَيُقالُ أطْفَأْتُ السِّراجَ ولا يُقالُ أخْمَدْتُ السِّراجَ.

وَفي ﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ هاهُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، يُرِيدُونَ دَفْعَهُ بِالكَلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  يُرِيدُونَ هَلاكَهُ بِالأراجِيفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، يُرِيدُونَ إبْطالَها بِإنْكارِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، أيْ مَن أرادَ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ فَوَجَدَهُ مُسْتَحِيلًا مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ مَن أرادَ إبْطالَ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حَكاهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  أبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: يا مَعَشْرَ اليَهُودِ أبْشِرُوا فَقَدْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ مُحَمَّدٍ فِيما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُتِمَّ أمْرَهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ  لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ اتَّصَلَ الوَحْيُ بَعْدَها.

» ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ الآيَةَ.

وَفي الإظْهارِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ.

الثّانِي: العُلُوُّ عَلى الأدْيانِ.

الثّالِثُ: العِلْمُ بِالأدْيانِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ ظَهَرْتُ عَلى سِرِّهِ أيْ عَلِمْتُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال ناس: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، فأخبرهم الله، فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ فكرهوا ذلك فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: والله لو نعلم ما أحب الأعمال إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ فدلهم على أحب الأعمال إليه.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن مجاهد في قوله: ﴿ يا أيها لذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ قال: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لهم: لو نعلم أي عمل أحب إلى الله لعملناه حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيداً.

وأخرج مالك في تفسيره عن زيد بن أسلم قال: نزلت هذه الآية في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت، فأنزل الله هذه فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت شهيداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم على أحب الأعمال إليه فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ فبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال: قال المسلمون: لو أمرنا بشيء نفعله، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ قال: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشد الموعظة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرية، فإذا رجعوا كانوا يزيدون في الفعل، ويقولون قاتلنا كذا وفعلنا كذا، فأنزل الله الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: إن القاص ينتظر المقت فقيل له أرأيت قول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ أهو الرجل يقرظ نفسه فيقول: فعلت كذا وكذا من الخير، أم هو الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان فيه تقصير، فقال: كلاهما ممقوت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد الوالبي قال: جلسنا إلى خباب، فسكت، فقلنا: ألا تحدثنا فإنما جلسنا إليك لذلك؟

فقال: أتأمروني أن أقول ما لا أفعل.

قوله تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم بنيان مرصوص ﴾ قال: مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآية، قال: ألم تروا إلى صاحب البناء كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره وإن الله وصف المسلمين في قتالهم وصفهم في صلاتهم فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول، وصلوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام، فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال ﴿ صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يضحك الله إليهم: القوم إذا اصطفوا للصلاة، والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين، ورجل يقوم إلى الصلاة في جوف الليل» .

قوله تعالى: ﴿ وإذ قال عيسى ابن مريم ﴾ الآية.

أخرج ابن مردويه عن العرياض ابن سارية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك.

أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي قال: ما منعك أن تسجد لي؟

قلت: لا نسجد إلا لله.

قال: وما ذاك؟

قلت: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لي خمسة أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» .

وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة» .

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت ما لم يعط أحد من أنبياء الله قلنا يا رسول الله ما هو؟

قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي تراب الأرض طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم» .

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما جاءهم بالبينات ﴾ قال: محمد وفي قوله: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ قال: بألسنتهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق أنه كان يقرأ التي في المائدة وفي الصف وفي يونس ﴿ ساحر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ هذا سحر مبين ﴾ بغير ألف، وقرأ ﴿ والله متم نوره ﴾ بتنوين متم وبنصب نوره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله ﴾ ذكر في [التوبة: 32].

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: تنبيه لهم، وإعلام عن معاملة اعتادوها فيما بينهم من غير أن يعلموا فيها أذى لموسى -  - نحو أن قال في حق رسولنا  : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ ؛ فيجوز أن يكونوا لا يعدون تلك المعاملة أذى لموسى -  - ولا يعلمونها؛ فأخبرهم أنها تؤذيه؛ لينتهوا عن ذلك.

والثاني: أنه يجوز أن يكونوا علموا أن ذلك يؤذيه، ولكنهم عاندوه وكابروه، فيخبرهم عن كيف ﴿ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، وقد علموا أن حق رسل الملوك التعظيم والتبجيل؛ فيكف رسول رب العالمين؟!

فأخبرهم أنه يؤذنوه شكاية منهم إليهم.

ثم اختلفوا في الأذى: فقال بعضهم: أن موسى -  - كان لا يكشف عن نفسه؛ فأذوه بأن قالوا: إن في بدنه آفة ومكروها.

وقال بعضهم: إن موسى -  - ذهب مع هارون -  - إلى الجبل، فقبض هارون في ذلك الجبل، فآذوه بأن قالوا: قتل موسى اخاه.

ومنهم من قال: كانوا يؤذونه بألسنتهم حيث قالوا: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ  ﴾ ؛ ولكن الوجه أن لا يشار إلى شيء بعينه.

فإن كا التأويل هو الوجه الأول: أنهم آذوه من غير أن يعملوا أن ذلك يؤذيه أن لا يصرف إليه شيء من هذه الأوجه الثلاثة، وإن كان على الوجه الثاني فكذلك، وإن كان على الوجه الثالث جاز أن يصرف إليه أي الوجوه منها، والله أعلم.

ثم حق هذه في رسول الله  يخرج على وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا رسول الله  فذكره الله  أمر موسى -  - وإياذاءهم إياه؛ ليكون فيه تصبير لرسول الله  ، وتسكين لقلبه.

أو يجوز أن يكون هذا تحذيراً لأصحابه عن أن يرتكبوا ما يخاف أن يكون فيه أذاه -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ له معنيان: أحدهما: أن يقول: ﴿ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، يعني: خ لق فعل الزيغ في قلوبهم يعني: خذلهم الله، ووكلهم إلى أنفسهم.

قالت المعتزلة محتجين علينا: إن الله  قال: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ  ﴾ ذكر أنه إنما يضله بعدما فسق، وأنتم تقولون: إنه يضله وهو يهدى؟

قلنا: إن هذا تمويه علينا، وذلك أنا نقول: إن الله  يضله لوقت اختياره الضلال، ويزيغه لوقت اختياره الزيغ، وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالت المعتزلة، مع أنهم يقولون: إن الله  يضله بعد ضلالته بنفسه، عقوبة له، ويريد له هدى بعد اهتدائه ثوابا له.

ولا يستقيم كذلك؛ لأنا قد نراه في الشاهد يكفر بعد إيمان ويؤمن بعد كفره، وإذا كفر بعدما كان مؤمنا، وذلك وقت يريده الله  هُدِي؛ ثوابا لإيمانه المتقدم؛ فإذا كفر فكأن هداية الله  كانت سبباً لكفره، أو إذا آمن بعدما كان كافرا وقت عقوبته بالكفر؛ فكأن عقوبة الله  بالكفر على الكفر المتقدم كان سببا للإيمان، وهذا كلام مستقبح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

يعني الذين علم الله منهم أنهم يختارون الضلال والكفر؛ فلا يتوبون منه ولا ينقلعون؛ فلا يهدي أولئك، وأما من علم منهم أنه يتوب ويسلم فإنه يهديه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

قوله: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يقول جئت إليكم بالنعت الذي وصفت في التوراة، أو ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ بالتوراة ويكتب الله  ؛ ليعلم أن الرسل كان يلزمهم [الإيمان] بالكتب المتقدمة والرسل جميعا، كما يلزم ذلك أمتهم.

أو يقول: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ ، يعني: آمركم بعبادة الله - عز وجل - وتوحيده كما أمرتم به في التوراة؛ ليعلم أن الرسل كان دينهم واحدا، وإن كلهم يدعون إلى التوحيد وعبادجة الرحمن، وأما الشرائع فقد يجوز اختلافها ولا يدل ذلك على اختلاف في الدين؛ لأن الشرائع قد تختلف في رسول واحد ولا يختلف دينه؛ فكذلك الرسل، والله الموفق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

يعني: مبشرا برسول يصدق بالتوراة على تصديقي؛ فكأنه قيل له: [ما] اسمه؟

فقال: ﴿ ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قال بعضهم: الذي جاءهم عيسى،  .

وقال بعضهم: محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقد جاءا جميعاً.

وقوله: ﴿ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، أي: بالبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء من عند الله.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، و(ساحر مبين)، واختلفوا فيمن قيل له هذا: قال بعضهم: هو عيسى،  .

وقال بعضهم: هو محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقيل: قالوا لهما جميعا.

ويحتمل أن يكون هذا قول أكابر الكفرة للضعفاء منهم؛ وذلك أنهم لم يجدوا سبباً للتمويه سوى أن نسبوه للسحر، وهذا يدل أنه جاءهم بالآيات المعجزة؛ حث نسبوه إلى السحر، وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، وإنا لا نعلم السحر، ولو كان الذي جاءهم به سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا أن الرسل لم يختلفوا إلى السحرة، ولم يتعلموا منهم، وكان لا يتهيأ لهم اختراعه من تلقاء أنفسهم، فلو كان سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا ما ذكرنا، ولكن الله  برأه ونزهه من السحر، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

نور الله يعني: دين الله، أو كتاب الله، أو رسل الله.

وقوله: ﴿ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ أي: ليست عندهم حجة ولا معنى يدفعون به هذا النور، سوى أن يقولوا بألسنتهم: هذا سحر.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

أي ومن أوحش ظلماً وأقبح ممن بلغ افتراؤه المبلغ [الذي] يفتري على الله  الكذب؛ لأنهم قد علموا أن ما نالوا من نعمه وكرمه، فإنما نالوه بالله، ثم كفروا به، وكذبوا على الله وعلى رسوله.

أو يقول: لا أحد أظلم ممن يفتري عل الله الكذب؛ وذلك أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ كلام استفهام، ومعلوم أن الله  لا يستفهم أحداً، وإذا كان كذلك، كان حق كل ما خرج مخرج الاستفهام أن ينظر إلى جوابه لو كان مستفهماً؛ فيفهم منه معنى قول رب العالمين، وإنما المفهوم من جواب من يسألهم عن مثل هذا أن يقول: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والله يدعو إلى الإسلام، وهو أن يجعل الأشياء كلها سالمة له، فهو إذ علم أن ما ناله من نعمة فإما ناله بالله  ، وعلم الأشياء كلها لله  ، فكيف افترى على الله  الكذب، وهو يعلم فإنه علم هذا؟!

فلا أحد أظلم منه حتى افترى على الله الكذب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

له أوجه: أحدها: بالحجج والبراهين.

والثاني: بنصر أهله وغلبتهز والثالث: بإظهار في الأماكن كلها.

فإن كان على النصر والغلبة، فقد كان حتى كأن المشركين في خوف والمسلمون في أمن؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وإلى ما روي عن النبي  : "نصرت بالرغب مسيرة شهرين".

وإن كان بالحجج فقد كان أيضاً، لأهم عجزوا عن أن يأتوا بما يشبه أن يكون مثلا له؛ فضلا من أن يأتوا بمثله؛ فدل أنه قد أتم نوره بالنصر والغلبة والبراهين والحجج.

وإن كان المراد منه إظهاره؛ فإنه يرجى أن يظهر؛ على ما روي أنه إذا نزل عيسى -  - لم يبق على وجه الأرض دين إلا الإسلام.

ثم قوله  ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ليس فيه أنه كان به شيء من الكدر فصفاه؛ ولكن على ما ذكرنا من التأويل؛ فكذلك لا يجب أن يفهم من قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ : أنه كان ناقصا فأكلمه بالشرائع؛ ولكنه على هذه الوجوه، يعني: أظهر الدين بالشرائع التي وصفناها في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقال حين ذكر الإظهار: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ لأن هؤلاء كفروا بالرسول والكتاب، وذلك نعم الله  ؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، [و]أولئك أشركوا به في التوحيد؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يعني: بما لو اتبعوه اهتدوا به.

وقوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ له أوجه ثلاثة: أحدها: أن يجعل الحق كناية عن الله  فكأنه قال: ودين الله.

والثاني: أن يجعل الحق نعتا للدين؛ فكأنه قال: والدين الذي هو الحق من بين سائر الأديان.

والثالث: أن يقول: الذي على كل أحد قبوله والانقياد له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ له وجهان: أحدهما: أن يقول ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ، يعني: يظهر رسوله  على غيره بما يحتاج في هذا الدين من النوازل؛ فيكون فيه بيان أن ما جاء عنه -  - في هذه النوازل إنما هو بالوحي وبما أظهره الله  عليه.

ويحتمل: بإظهار هذه الدين في الأماكن.

قال: والدين: هو الخضوع والاستسلام لله  ، فحقيقته أن يجعل الأشياء كلها سالمة لهز وقوله ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، قال الشيخ - رحمه الله -: ويقتضى هذا: ولو كره المعتزلة؛ لأن إتمام نوره كان بالحجج، أو بالنصر والغلبة، أو بإظهاره في الأماكن كلها فإنما يكون ذلك بأفعال العباد، ثم أضاف الله  إلى نفسه؛ فثبت أن لله  في أفعال العباد صنعا وتدبيرا، وإن كان أفعالهم كلها مخلوقة لله لا تخرج عن تدبيره ومشيئته، والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرعه لهم، هل أرشدكم وأهديكم إلى تجارة رابحة، تنقذكم من عذاب موجع؟

<div class="verse-tafsir" id="91.epKWr"

مزيد من التفاسير لسورة الصف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر