الآية ٩ من سورة الصف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 61 الصف > الآية ٩ من سورة الصف

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة الصف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الصف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق " فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع ودين الحق هو الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة " ليظهره على الدين كله " أي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال " إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن أبي يعقوب سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة أوقبيصة بن مسعود يقول: صلى هذا الحي من محارب الصبح فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى لله تعالى عليه وآله وسلم يقول " إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدى الأمانة ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثنا سليم بن عامر عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين يعز عزيزا ويذل ذليلا عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر " فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل والصغار والجزية.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا الوليد بن مسلم حدثني ابن جابر سمعت سليم بن عامر قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام يعز عزيزا يذل ذليلا إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها وإما يذلهم فيدينون لها " وفي المسند أيضا حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي حذيفة عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا عدي أسلم تسلم " فقلت إنى من أهل دين قال " أنا أعلم بدينك منك " فقلت أنت أعلم بديني مني؟

قال " نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟

" قلت بلى !

قال " فإن هذا لا يحل لك في دينك " قال فلم يعد أن قالها فتواضعت لها قال " أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب أتعرف الحيرة؟

" قلت لم أرها وقد سمعت بها قال " فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز" قلت كسرى بن هرمز؟

قال " نعم كسرى بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد " قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها.

وقال مسلم: حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنهما " قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى " فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله عز وجل " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق " الآية أن ذلك تام قال " إنه سيكون من ذلك ما شاء الله عزوجل ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم ".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: الله الذي أرسل رسوله محمدًا بالهدى ودين الحقّ ، يعني ببيان الحقّ ودين الحقّ يعني: وبدين الله، وهو الإسلام.

وقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) يقول: ليظهر دينه الحقّ الذي أرسل به رسوله على كلّ دين سواه، وذلك عند نـزول عيسى ابن مريم، وحين تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام.

كما حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أَبي المقدام ثابت بن هرمز، عن أَبي هريرة ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) قال: خروج عيسى ابن مريم، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله: ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) والصواب عندنا من القول في ذلك بعلله فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقد حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا الأسود بن العلاء، عن أَبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: " لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ والنَّهَارُ حَتى تُعْبَدَ اللاتُ وَالعُزَّى "، فقالت عائشة: والله يا رسول الله إن كنت لأظنّ حين أنـزل الله ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ...الآية، أن ذلك سيكون تامًا ، فقال: " إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، فَيَتَوَّفَّى مَنْ كاَنَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مَنْ خَيْرٍ، فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ، فَيْرجِعُونَ إلَى دينَ آبَائِهِمْ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركونقوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى أي محمدا بالحق والرشاد .ليظهره على الدين كله أي بالحجج .

ومن الظهور الغلبة باليد في القتال ; وليس المراد بالظهور ألا يبقى دين آخر من الأديان ، بل المراد يكون أهل الإسلام عالين غالبين .

ومن الإظهار ألا يبقى دين سوى الإسلام في آخر الزمان .

قال مجاهد : وذلك إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلا دين الإسلام .

وقال أبو هريرة : ليظهره على الدين كله بخروج عيسى .

وحينئذ لا يبقى كافر إلا أسلم .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لينزلن ابن مريم حكما عادلا ، فليكسرن الصليب ، وليقتلن الخنزير ، وليضعن الجزية ، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " .

وقيل : ليظهره أي ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر الأديان ; حتى يكون عالما بها عارفا بوجوه بطلانها ، وبما حرفوا وغيروا منها .

على الدين أي الأديان ; لأن الدين مصدر يعبر به عن جمع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر سبب الظهور والانتصار للدين الإسلامي، الحسي والمعنوي، فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } أي: بالعلم النافع والعمل الصالح.بالعلم الذي يهدي إلى الله وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدنيا والآخرة.{ وَدِينِ الْحَقِّ } أي: الدين الذي يدان به، ويتعبد لرب العالمين الذي هو حق وصدق، لا نقص فيه، ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاء القلوب والأرواح، وراحة الأبدان، وترك نواهيه سلامة من الشر والفساد فما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، أكبر دليل وبرهان على صدقه، وهو برهان باق ما بقي الدهر، كلما ازداد العاقل تفكرا، ازداد به فرحا وتبصرا.{ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان، فأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر، وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان، وإذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه، لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم، ويعرف هذا، من استقرأ الأحوال ونظر في أول المسلمين وآخرهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره» يعليه «على الدين كله» جميع الأديان المخالفة له «ولو كره المشركون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله هو الذي أرسل رسوله محمدًا بالقرآن ودين الإسلام؛ ليعليه على كل الأديان المخالفة له، ولو كره المشركون ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - وعده بإتمام نوره ، وبين كيفية هذا الإتمام فقال : ( هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ .

.

.

) .والمراد بالهدى : القرآن الكريم : المشتمل على الإرشادات السامية ، والتوجيهات القويمة ، والأخبار الصادقة ، والتشريعات الحكيمة .والمراد بدين الحق : دين الإسلام الذى هو خاتم الأديان .وقوله : ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ) من الإظهار بمعنى الإعلاء والغلبة بالحجة والبرهان ، والسيادة والسلطان .والجملة تعليلية لبيان سبب هذا الإرسال والغاية منه .والضمير فى " ليظهره " يعود على الدين الحق ، أوعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى : هو الله - سبحانه - الذى أرسل رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن الهادى للتى هى أقوم .

وبالدين الحق الثابت الذى لا ينسخه دين آخر ، وكان هذا الإرسال لإظهار هذا الدين الحق على سائر الأديان بالحجة والغلبة .( وَلَوْ كَرِهَ المشركون ) ذلك ، فإن كراهيتهم لا أثر لها فى ظهوره ، وفى إعلائه على جميع الأديان .ولقد أنجز الله - تعالى - وعده ، حيث جعل دين الإسلام ، هو الدين الغالب على جميع الأديان ، بحججه وبراهينه الدالة على أنه الدين الحق الذى لا يحوم حوله باطل .هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التى تؤيد ذلك ، ومنها : ما ثبت فى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله زوى لى الأرض مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ لِيُطْفِئُواْ ﴾ أي أن يطفئوا وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في لا أباً لك، تأكيداً لمعنى الإضافة في أباك، وإطفاء نور الله تعالى بأفواههم، تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: ﴿ هذا سحرٌ  ﴾ مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، كذا ذكره في الكشاف، وقوله: ﴿ والله مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ قرئ بكسر الراء على الإضافة، والأصل هو التنوين، قال ابن عباس: يظهر دينه، وقال صاحب الكشاف: متم الحق ومبلغه غايته، وقيل: دين الله، وكتاب الله، ورسول الله، وكل واحد من هذه الثلاثة بهذه الصفة لأنه يظهر عليهم من الآثار.

وثانيها: أن نور الله ساطع أبداً وطالع من مطلع لا يمكن زواله أصلاً وهو الحضرة القدسية، وكل واحد من الثلاثة كذلك.

وثالثها: أن النور نحو العلم، والظلمة نحو الجهل، أو النور الإيمان يخرجهم من الظلمات إلى النور، أو الإسلام هو النور، أو يقال: الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب إلى الخيرات باختيارهم المحمود وذلك هو النور، والكتاب هو المبين قال تعالى: ﴿ تِلْكَ ءَايَاتُ الكتاب المبين  ﴾ فالإبانة والكتاب هو النور، أو يقال: الكتاب حجة لكونه معجزاً، والحجة هو النور، فالكتاب كذلك، أو يقال في الرسول: إنه النور، وإلا لما وصف بصفة كونه رحمة للعالمين، إذ الرحمة بإظهار ما يكون من الأسرار وذلك بالنور، أو نقول: إنه هو النور، لأنه بواسطته اهتدى الخلق، أو هو النور لكونه مبيناً للناس ما نزل إليهم، والمبين هو النور، ثم الفوائد في كونه نوراً وجوه منها: أنه يدل على علو شأنه وعظمة برهانه، وذلك لوجهين: أحدهما: الوصف بالنور وثانيهما: الإضافة إلى الحضرة، ومنها: أنه إذا كان نوراً من أنوار الله تعالى كان مشرقاً في جميع أقطار العالم، لأنه لا يكون مخصوصاً ببعض الجوانب، فكان رسولاً إلى جميع الخلائق، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» فلا يوجد شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمناً فهو من أمة المتابعة، وإن كان كافراً فهو من أمة الدعوة.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ أي اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين، وقوله: ﴿ بالهدى ﴾ لمن اتبعه ﴿ وَدِينِ الحق ﴾ قيل: الحق هو الله تعالى، أي دين الله: وقيل: نعت للدين، أي والدين هو الحق، وقيل: الذي يحق أن يتبعه كل أحد و ﴿ يُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ يريد الإسلام، وقيل: ليظهره، أي الرسول صلى الله عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة، وهاهنا مباحث: الأول: ﴿ والله مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ والتمام لا يكون إلا عند النقصان، فكيف نقصان هذا النور؟

فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر، وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو الإتمام، يؤيده قوله تعالى: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ وعن أبي هريرة: أن ذلك عند نزول عيسى من السماء، قال مجاهد.

الثاني: قال هاهنا: ﴿ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ  ﴾ وهذا عين ذلك أو غيره؟

نقول: هو غيره، لأن نور الله في ذلك الموضع هو الله تعالى عند أهل التحقيق، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول.

الثالث: قال في الآية المتقدمة: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ وقال في المتأخرة: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ المشركون ﴾ فما الحكمة فيه؟

فنقول: إنهم أنكروا الرسول، وما أنزل إليه وهو الكتاب، وذلك من نعم الله، والكافرون كلهم في كفران النعم، فلهذا قال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، والمراد من الكافرين هاهنا اليهود والنصارى والمشركون، وهنا ذكر النور وإطفاءه، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام، وهي اعتراض على الله تعالى كما قال: ألا قل لمن ظل لي حاسدا *** أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله *** كأنه لم ترض لي ما وهب والاعتراض قريب من الشرك، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام، كان أكثرهم من قريش وهم المشركون، ولما كان النور أعم من الدين والرسول، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال، والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَدِينِ الحق ﴾ الملة الحنفية ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ليعليه ﴿ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ على جميع الأديان المخالفة له؛ ولعمري لقد فعل، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام.

وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام.

وقرئ: ﴿ أرسل نبيه ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ ﴾ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ يُدْعى إلى الإسْلامِ الظّاهِرِ حَقِّيَّتُهُ المُقْتَضى لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ فَيَضَعُ مَوْضِعَ إجابَتِهِ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِ وتَسْمِيَةِ آياتِهِ سِحْرًا فَإنَّهُ يَعُمُّ إثْباتَ المَنفِيِّ ونَفْيَ الثّابِتِ وقُرِئَ «يُدَعّى» يُقالُ دَعاهُ وادَّعاهُ كَلَمَسَهُ والتَمَسَهُ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ لا يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ فَلاحُهم.

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا ﴾ أيْ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَها كَما زِيدَتْ لِما فِيها مِن مَعْنى الإضافَةِ تَأْكِيدًا لَها في لا أبا لَكَ، أوْ يُرِيدُونَ الِافْتِراءَ لِيُطْفِئُوا.

﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي دِينَهُ أوْ كِتابَهُ أوْ حُجَّتَهُ.

﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ بِطَعْنِهِمْ فِيهِ.

﴿ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ مُبَلِّغُ غايَتِهِ بِنَشْرِهِ وإعْلائِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالإضافَةِ.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ إرْغامًا لَهم.

﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ بِالقُرْآنِ أوِ المُعْجِزَةِ.

﴿ وَدِينِ الحَقِّ ﴾ والمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ.

﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُغَلِّبَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ لِما فِيهِ مِن مَحْضِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أي الملة الحنيفية {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه {عَلَى الدين كُلّهِ} على جميع الأديان المخالفة له ولعمري لقد فعل فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام وعن مجهاد إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام {وَلَوْ كَرِهَ المشركون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ مُحَمَّدًا  ﴿ بِالهُدى ﴾ بِالقُرْآنِ، أوْ بِالمُعْجِزَةِ بِجَعْلِ ذَلِكَ نَفْسَ الهُدى مُبالَغَةً ﴿ ودِينِ الحَقِّ ﴾ والمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُعْلِيَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعْدَهُ حَيْثُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ دِينٌ مِنَ الأدْيانِ إلّا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ بِدِينِ الإسْلامِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ إلّا دِينُ الإسْلامِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّهُ يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقى فِيهِ مِنَ الإسْلامِ إلّا اسْمُهُ إذْ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإظْهارِ الإعْلاءُ مِن حَيْثُ وُضُوحُ الأدِلَّةِ وسُطُوعُ البَراهِينِ وذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ أبَدًا ﴿ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَحْضِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ، وقُرِئَ هو الَّذِي أرْسَلَ نَبِيَّهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ يعني: من أشد في كفره مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ يعني: اختلق على الله الْكَذِبَ وهم اليهود.

وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ يعني: إلى دين محمد  وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم.

ويقال: لا يرحمهم ما داموا على كفرهم.

ثم قال عز وجل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يعني: ليبطلوا دين الله بقولهم: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ يعني: مظهر توحيده وكتابه، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يعني: وإن كره اليهود والنصارى.

قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ على معنى الإضافة، والباقون مُتِمُّ بالتنوين نُورِهِ بالنصب.

فمتم فاعل ونصب نوره، لأنه مفعول به.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يعني: بالتوحيد وَدِينِ الْحَقِّ يعني: الشهادة لا إله إلا الله.

لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: على الأديان كلها.

قال مقاتل: وقد فعل، ويقال: إنه يكون في آخر الزمان، لا يبقى أحد إلا مسلم أو ذمة للمسلم.

وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يعني: وإن كرهوا ذلك.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: من عذاب دائم.

قرأ ابن عامر تُنْجِيكُمْ بالتشديد، والباقون بالتخفيف، وهما لغتان.

أنجاه ونجاه بمعنى واحد.

ثم بيَّن لهم تلك التجارة، فقال عز وجل: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: تصدقون بتوحيد الله وَرَسُولِهِ يعني: وتصدقون برسوله، وبما جاء به من عنده.

وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، فقدم ذكر المال، لأن الإنسان ربما يضر بماله ما لا يضر بنفسه، ولأنه إذا كان له مال، فإنه يؤخذ به النفس ليغزو.

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التصديق والجهاد خير لكم من تركهما.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: تعلمون ثواب الله تعالى، ويقال: يعلمون يعني: يصدقون.

ثم بين ثواب ذلك العمل.

فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ يعني: إن فعلتم ذلك العمل، يغفر لكم ذنوبكم.

وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً يعني: يدخلكم منازل الجنة فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة.

ثم قال عز وجل: وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: تجارة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: ولكم سوى الجنة أيضاً عدة أخرى في الدنيا تحبونها، ويقال: معناه ونجاة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: هي النصرة من الله تعالى على عدوكم، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ يعني: ظفراً سريعاً عاجلاً في الدنيا والجنة في الآخرة.

ثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: بشرهم بالجنة.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ، قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو أنصارا لله بالتنوين، والباقون أَنْصارَ اللَّهِ بالإضافة، ومعناهما واحد يعني: كونوا أعوان الله بالسيف على أعدائه، ومعناه: انصروا الله، وانصروا دين الله، وانصروا محمدا  ، كما نصر الحواريون عيسى ابن مريم.

وهو قوله تعالى: كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يعني: من أعواني إلى الله، ويقال: إنما سموا الحواريون لبياض ثيابهم، ويقال: كانوا قصارين، ويقال: خلصاؤه وصفوته.

كما قال النبيّ  : «الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَوارِيَّ مِنْ أُمَّتِي» .

وتأويل الحواريين في اللغة، الذين أخلصوا وتبرؤوا من كل عيب وكذلك الدقيق الحواري، لأنه ينتقى من لباب البرّ.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين.

وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا قتادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ قال: وقد كان ذلك بحمد الله جاءه السبعون، فبايعوه عند العقبة فنصروه وآووه، حتى أظهر الله دينه.

قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ يعني: نحن أعوانك مع الله، فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: بعيسى-  - ويقال: فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد  ، وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ يعني: جماعة منهم.

فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ يعني: قوينا الذين آمنوا على عدوهم من الكفار، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ، فصاروا غالبين بالنصرة، والحجة والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مَا لا يفعلُ مُوجِبٌ مَقْتَ اللَّهِ تعالى، ولذلك فرَّ كثيرٌ من العلماءِ عَنِ الوَعْظِ والتذكيرِ وآثرُوا السكوتَ، /- قلت-: وهَذا بحسَبِ فِقْهِ الحالِ إنْ وَجَدَ الإنْسانُ مَنْ يكفِيه هذه المئونة في وقتهِ، فَقَدْ يَسَعُه السكوتُ وإلا فَلاَ يسعُه، قال الباجي في «سنن الصالحين» له: قال الأصمعي: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الحكماءِ كَانَ يقول: إني لأَعظكُم وإنّي لَكَثيرُ الذنوبِ، وَلَوْ أن أحَداً لاَ يَعِظُ أخاه حَتَّى يُحْكِمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لتُرِكَ الأَمْرُ بالخيرِ، واقْتُصِرَ عَلى الشَّرِّ، ولكنَّ محادثةَ الإخوانِ حياةُ القلوبِ وجَلاَء النُّفُوسِ وتَذْكِيرٌ مِنَ النسيانِ، وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ وما أنا بموضعٍ للوَعْظِ «١» ، ولكنْ أريدُ به نَفْسِي، وقَالَ الحسنُ لمطرف: عِظْ أصْحَابَكَ، فَقَالَ: إنِّي أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعل فقالَ: رحمك اللَّه وأيُّنَا يَفْعَلُ ما يقول، وَدَّ الشيطانُ أنه لَو ظَفَرَ منكم بهذهِ فَلَمْ يأمُرْ أحدٌ منكم بمعروف، ولم ينه عن منكر، انتهى.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ...

الآية، قال معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ له الجنة، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً، ثُمَّ مَاتَ أو قتل فإنّ له أجر شهيد» «٢» ،

مختصر رواه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:

هَذَا حديثٌ صحيحٌ انتهى من «السلاح» ، ثُمَّ ذَكَرَ تعالى مقَالَةَ مُوسَى، وذلك ضربُ مَثَلٍ للمؤمنينَ ليحذَرُوا مَا وَقَعَ فيه هؤلاء من العصيانِ وقولِ الباطل.

وقوله: لِمَ تُؤْذُونَنِي أي: بتعنيتِكم وعصيانِكم واقْتِرَاحَاتِكُم، وأسْنَدَ الزيغَ إليهم لكونهِ فعلَ حطيطَةٍ، وهذا بخلافِ قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] فَأَسْنَدَ التَّوْبَةَ إليه سبحانَه لِكَوْنِهَا فعلَ رِفْعَةٍ، و «زاغ» معناه مَالَ وصار عرفها في الميل عن الحق، وأَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ معناه طَبَعَ عليْهَا وكثُرَ مَيْلُها عنِ الحقِّ وهذهِ هي العُقُوبَةُ عَلَى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ.

وقوله: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال عياض في «الشفا» : سَمَّى اللَّه تعالى نبيَّه في كتابه محمداً وأحمدَ فأما اسمه أحمد، ف «أَفْعَلُ» مبالغةً من صفةِ الحَمْدِ، ومُحَمَّد «مُفَعَّل» من كثرةِ الحمدِ، وسمى أمَّته في كتب أنبيائِه بالحمَّادينَ ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصِه سبحانه وبدائع آياته أنه سبحانه حَمَى أن يتسمَّى بهما أَحَدٌ قَبْلَ زمانِه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشَّرَتْ به الأنبياء فمنع سبحانه أن يَتَسَمَّى به أحد غيرُه حتى لا يدخلَ بذلكَ لَبْسٌ عَلى ضعيفِ القلبِ وكذلك محمَّد أيضاً لم يَتَسَمَّ به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شَاعَ قبيل وجوده صلّى الله عليه وسلّم وميلادِه أَنَّ نبيًّا يبعثُ اسمهُ محمد فسمَّى قومٌ قليلٌ من العرب أبناءَهم بذلك رجاءَ أَنْ يكونَ أحدُهم هو، وهُم محمد بن أحيحة الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان باليمن، ويقولون: بل محمد بن اليحمد من الأزد، ومحمد بن سوادة منهم لا سابعَ لهم، ولم يَدَّعِ أحد من هؤلاء النبوَّة أو يظهرْ عليْهِ سببٌ يشكِّكُ الناس، انتهى، وروى أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قَالَ: «لاَ تُسَمُّوا أَوْلاَدَكُمْ مُحَمَّداً ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» «١» ، رواه الحاكم/ في «المستدركِ» ، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...

الآية: يحتمل أن يريد «عيسى» ويحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا ﴾ أيْ: مالُوا عَنِ الحَقِّ ﴿ أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ أيْ: أمالَها عَنِ الحَقِّ جَزاءً لِما ارْتَكَبُوهُ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَأْتِي مِن بَعْدِي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ) بِفَتْحِ الياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( مِن بَعْدِي اسْمُهُ) بِإسْكانِ الياءِ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: النَّصارى حِينَ قالُوا: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (يَدَّعِي إلى الإسْلامِ) بِفَتْحِ الياءِ، والدّالِ، وتَشْدِيدِها، وبِكَسْرِ العَيْنِ، وما بَعْدَ هَذا في [بَراءَةٍ: ٣٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ( مُتِمُّ نُورِهِ) مُضافٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مُتِمٌّ) رَفْعٌ مُنَوَّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الرِسالَةِ وشَدٌّ لِأزْرِها، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ: أنا فَعَلْتُهُ، أيْ: فَمَن يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلْيُعارِضْ، و"الرَسُولُ" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ﴾ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِلْعُمُومِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا يَبْقى مَوْضِعٌ فِيهِ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُظْهِرَهُ حَتّى لا يُوجَدَ دِينٌ إلّا والإسْلامُ أظْهَرُ مِنهُ، وهَذا قَدْ كانَ ووُجِدَ.

ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَضَّهم عَلى الجِهادِ بِهَذِهِ التِجارَةِ الَّتِي بَيَّنَها، وهي أنْ يُعْطِيَ المَرْءُ نَفْسَه وَمالَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنًا جَنَّةَ الخُلْدِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقُرّاءُ: "تُنْجِيكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تُنَجِّيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: آمَنُوا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ألِيمٌ، آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَطْفُ بَيانٍ عَلى "تِجارَةٍ"، قالَ المَبَرِّدً: هو بِمَعْنى: آمَنُوا عَلى الأمْرِ، ولِذَلِكَ جاءَ "يَغْفِرْ" مَجْزُومًا، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" أشارَ إلى الجِهادِ والإيمانِ، و"خَيْرٌ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، فالمَعْنى: مِن كُلِّ عَمَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، أنَّ هَذا خَيْرٌ في ذاتِهِ ونَفْسِهِ.

والجَزْمُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَغْفِرْ" عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ المُقَدَّرِ في "تُؤْمِنُونَ"، أو عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: "هَلْ أدُلُّكُمْ" مِنَ الحَضِّ والأمْرِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "يُغْفِلُكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، ولا يُجَوِّزُ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَساكِنَ" عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، و"طَيِّبُ المَساكِنِ": سِعَتُها وجَمالُها، وقِيلَ: طَيِّبُها المَعْرِفَةُ بِدَوامِ أمْرِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، وأيُّ طَيِّبٍ مَعَ الفَناءِ والمَوْتِ؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا زيادة تحدِّ للمشركين وأحلافهم من أهل الكتاب فيه تقوية لمضمون قوله: ﴿ والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ [الصف: 8].

وفيه معنى التعليل للجملة التي قبله.

فقد أفاد تعريفُ الجزأيْن في قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ قصراً إضافياً لقلببِ زَعْم الكافرين أن محمّداً صلى الله عليه وسلم أتى من قِبَللِ نفسه، أي الله لا غيره أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق.

وأن شيئاً تولى الله فعله لا يستطيع أحد أن يزيله.

وتعليل ذلك بقوله: ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ إعلام بأن الله أراد ظهور هذا الدين وانتشاره كيلا يطمعوا أن يناله ما نال دين عيسى عليه السّلام من القمع والخفت في أول أمره واستمر زماناً طويلاً حتى تنصَّر قسطنطينُ سلطانُ الروم، فلما أخبر الله بأنه أراد إظهار دين الإِسلام على جميع الأديان عُلم أن أمره لا يزال في ازدياد حتى يتمّ المراد.

والإِظهار: النصر ويطلق على التفضيل والإِعلاء المعنوي.

والتعريف في قوله: ﴿ على الدين ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق، أي ليعلي هذا الدين الحق على جميع الأديان وينصر أهله على أهل الأديان الأخرى الذين يتعرضون لأهل الإسلام.

ويظهر أن لفظ ﴿ الدين ﴾ مستعمل في كلا معنييه: المعنى الحقيقي وهو الشريعة.

والمعنى المجازي وهو أهل الدّين كما تقول: دخلت قرية كذا وأكرمتني، فإظهار الدين على الأديان بكونه أعلى منها تشريعاً وآداباً، وأصلح بجميع الناس لا يخص أمة دون أخرى ولا جيلاً دون جيل.

وإظهار أهله على أهل الأديان بنصر أهله على الذين يشاقُّونهم في مدة ظهوره حتى يتمّ أمره ويستغني عمن ينصره.

وقد تمّ وعد الله وظهر هذا الدين وملك أهله أمماً كثيرة ثم عرضت عوارض من تفريط المسلمين في إقامة الدين على وجهه فغلبت عليهم أمم، فأمّا الدين فلم يزل عالياً مشهوداً له من علماء الأمم المنصفين بأنه أفضل دين للبشر.

وخص المشركون بالذكر هنا إتماماً للذين يكرهون إتمام هذا النور، وظهور هذا الدين على جميع الأديان.

ويعلم أن غير المشركين يكرهون ظهور هذا الدين لأنهم أرادوا إطفاء نور الدين لأنهم يكرهون ظهور هذا الدين فحصل في الكلام احتباك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ قالَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ العُزّى واللّاتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

والإطْفاءُ هو الإخْمادُ، ويُسْتَعْمَلانِ في النّارِ، ويُسْتَعارانِ فِيما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الضِّياءِ والنُّورِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الإطْفاءِ والإخْمادِ مِن وجْهٍ وهو أنَّ الإطْفاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والإخْمادُ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، فَيُقالُ أطْفَأْتُ السِّراجَ ولا يُقالُ أخْمَدْتُ السِّراجَ.

وَفي ﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ هاهُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، يُرِيدُونَ دَفْعَهُ بِالكَلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  يُرِيدُونَ هَلاكَهُ بِالأراجِيفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، يُرِيدُونَ إبْطالَها بِإنْكارِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، أيْ مَن أرادَ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ فَوَجَدَهُ مُسْتَحِيلًا مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ مَن أرادَ إبْطالَ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حَكاهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  أبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: يا مَعَشْرَ اليَهُودِ أبْشِرُوا فَقَدْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ مُحَمَّدٍ فِيما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُتِمَّ أمْرَهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ  لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ اتَّصَلَ الوَحْيُ بَعْدَها.

» ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ الآيَةَ.

وَفي الإظْهارِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ.

الثّانِي: العُلُوُّ عَلى الأدْيانِ.

الثّالِثُ: العِلْمُ بِالأدْيانِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ ظَهَرْتُ عَلى سِرِّهِ أيْ عَلِمْتُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال ناس: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، فأخبرهم الله، فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ فكرهوا ذلك فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: والله لو نعلم ما أحب الأعمال إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ فدلهم على أحب الأعمال إليه.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن مجاهد في قوله: ﴿ يا أيها لذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ قال: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لهم: لو نعلم أي عمل أحب إلى الله لعملناه حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيداً.

وأخرج مالك في تفسيره عن زيد بن أسلم قال: نزلت هذه الآية في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت، فأنزل الله هذه فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت شهيداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم على أحب الأعمال إليه فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ فبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال: قال المسلمون: لو أمرنا بشيء نفعله، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ قال: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشد الموعظة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرية، فإذا رجعوا كانوا يزيدون في الفعل، ويقولون قاتلنا كذا وفعلنا كذا، فأنزل الله الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: إن القاص ينتظر المقت فقيل له أرأيت قول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ أهو الرجل يقرظ نفسه فيقول: فعلت كذا وكذا من الخير، أم هو الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان فيه تقصير، فقال: كلاهما ممقوت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد الوالبي قال: جلسنا إلى خباب، فسكت، فقلنا: ألا تحدثنا فإنما جلسنا إليك لذلك؟

فقال: أتأمروني أن أقول ما لا أفعل.

قوله تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم بنيان مرصوص ﴾ قال: مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآية، قال: ألم تروا إلى صاحب البناء كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره وإن الله وصف المسلمين في قتالهم وصفهم في صلاتهم فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول، وصلوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام، فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال ﴿ صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يضحك الله إليهم: القوم إذا اصطفوا للصلاة، والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين، ورجل يقوم إلى الصلاة في جوف الليل» .

قوله تعالى: ﴿ وإذ قال عيسى ابن مريم ﴾ الآية.

أخرج ابن مردويه عن العرياض ابن سارية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك.

أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي قال: ما منعك أن تسجد لي؟

قلت: لا نسجد إلا لله.

قال: وما ذاك؟

قلت: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لي خمسة أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» .

وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة» .

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت ما لم يعط أحد من أنبياء الله قلنا يا رسول الله ما هو؟

قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي تراب الأرض طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم» .

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما جاءهم بالبينات ﴾ قال: محمد وفي قوله: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ قال: بألسنتهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق أنه كان يقرأ التي في المائدة وفي الصف وفي يونس ﴿ ساحر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ هذا سحر مبين ﴾ بغير ألف، وقرأ ﴿ والله متم نوره ﴾ بتنوين متم وبنصب نوره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله ﴾ ذكر في [التوبة: 32].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ زاغوا ﴾ بالإمالة مثل ﴿ زاغ البصر  ﴾ ﴿ بعدي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب ﴿ متم نوره ﴾ بالإضافة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون: بالتنوين ونصب ﴿ نوره ﴾ ﴿ تنجيكم ﴾ بالتشديد: ابن عامر ﴿ أنصاراً ﴾ بالتنوين ﴿ لله ﴾ جاراً ومجروراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والباقون: بالإضافة ﴿ أنصاري إلى الله ﴾ بالفتح كما مر في " آل عمران ".

الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ج ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ مرصوص ﴾ ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أحمد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الإسلام ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ز ﴿ وأنفسكم ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ تؤمنون ﴾ على أنه خبر في معنى الأمر ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف ﴿ تحبونها ﴾ ط لحق الحذف أي هي نصر ﴿ قريب ﴾ ه لانقطاع النظم واختلاف المعنى ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ وكفرت طائفة ﴾ ه لاتفاق الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين ﴿ ظاهرين ﴾ ه.

التفسير: يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم.

وروي أن الله  حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالاً إلى الله لنفرغن فيه وسعنا ففرّوا يوم أحد ولم يفوا.

وقيل؛ كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله  ﴿ لم تقولون ﴾ واللام الجاره إذا دخلت على " ما " الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة الاستعمال.

وقد عرفت مراراً أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا التفسير يتناول إخلاف كل وعد.

وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا بقلوبهم.

ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال ﴿ كبر ﴾ الآية.

وفيه أصناف مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى ﴿ أن تقولوا ﴾ ونصب ﴿ مقتاً ﴾ على التمييز ومن قبل أن المقت أشدّ من البغض أو من وصفه بأنه ﴿ عند الله ﴾ لأن الممقوت عنده ممقوت عند كل ذي لب.

ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أوّلاً ترك الجهاد بعد تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد إلى الحب.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على المصدر بمعنى الحال.

وقوله ﴿ كأنهم ﴾ مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل ﴿ بنيان ﴾ رص بعضه على بعض أي رص صف.

وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات.

وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلاً بناء على أن الفرسان لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى  مع قومه كيلا يفعلوا بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل.

تفسير الإيذاء مذكور في آخر " الأحزاب " وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة مشهورة ﴿ وقد تعلمون ﴾ في موضع الحال.

وفائدة " قد " تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله  إيذاءه.

والزيغ الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية.

قال بعض العلماء: إنما قال عيسى ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ ولم يقل يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم.

قلت: ممنوع لقوله  في " الأنعام " ﴿ ومن ذريته داود  ﴾ إلى قوله ﴿ وعيسى  ﴾ قال النحويون: قوله ﴿ مصدّقاً ﴾ و ﴿ مبشراً ﴾ حالان والعامل فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون ﴿ إليكم ﴾ عاملاً لأنه ظرف لغو.عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟

قال: نعم أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل.

قوله ﴿ وهو يدعى إلى الإسلام ﴾ نظير ما مر من قوله ﴿ وقد تعلمون إني رسول الله ﴾ ففي كل منهما تعكيس القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر،لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف الكذب بخلاف آخر " العنكبوت ".

ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله ﴿ يريدون ليطفؤا ﴾ ولهذا خص هذه السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه الإرادة كما زيدت اللام في " لا أبالك " لتأكيد معنى الإضافة.

وباقي الآيتين سبق تفسيره في " براءة ".

وإنما قال ههنا ﴿ والله متم نوره ﴾ لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه عطف قوله ﴿ ويأبى ﴾ على قوله ﴿ يريدون ﴾ .

ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على العمل كما قال ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ قال أهل المعاني: فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟

وعن الفراء أن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ هل أدلكم ﴾ بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ﴿ ذلكم ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خير لكم ﴾ من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض.

وقوله ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيراً.

ثم قال ﴿ و ﴾ لكم مع هذه النعم الآجلة نعمة ﴿ أخرى ﴾ عاجلة ﴿ تحبونها ﴾ وهي فتح مكة كما قال ﴿ وأثابكم فتحاً قريباً  ﴾ وعن الحسن: هو فتح فارس والروم.

قال في الكشاف: في قوله ﴿ تحبونها ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجلة.

وعندي أنه  رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر والفتح على الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك مطلوب كل ذي لب ودين.

وقال في قوله ﴿ وبشر ﴾ إنه معطوف على ﴿ تؤمنون ﴾ لأنه بمعنى الأمر.

والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على " قل " مقدراً قل يا أيها الذين آمنوا يؤيد تقدير قل.

قوله ﴿ هل أدلكم ﴾ فإن نسبة هذا الاستفهام إلى رسوله أولى من نسبته إلى الله  على ما لا يخفى.

قوله ﴿ كونوا أنصار الله ﴾ أي أعوان دينه ﴿ كما قال عيسى ابن مريم للحوارين ﴾ أي أصفيائه وقد مر ذكرهم في " آل عمران " ﴿ من أنصاري ﴾ متوجهاً ﴿ إلى ﴾ نصرة دين ﴿ الله ﴾ قال أهل البيان: فيه تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين ﴿ نحن أنصار الله ﴾ وارد بطريق الاستئناف كأن سائلاً سأل: فماذا قال الحواريون حينئذ؟

فأجيب بما أجيب.

وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله ﴿ من أنصاري ﴾ على أن " ما " مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعاً كقولك " جئتك قدوم الحاج " و " خفوق النجم " أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة الواضحة إلة العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من الحقيقة، ولعل في الآية أسراراً آخر لم نطلع عليها.

ومعنى ﴿ ظاهرين ﴾ غالبين.

عن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: تنبيه لهم، وإعلام عن معاملة اعتادوها فيما بينهم من غير أن يعلموا فيها أذى لموسى -  - نحو أن قال في حق رسولنا  : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ ؛ فيجوز أن يكونوا لا يعدون تلك المعاملة أذى لموسى -  - ولا يعلمونها؛ فأخبرهم أنها تؤذيه؛ لينتهوا عن ذلك.

والثاني: أنه يجوز أن يكونوا علموا أن ذلك يؤذيه، ولكنهم عاندوه وكابروه، فيخبرهم عن كيف ﴿ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، وقد علموا أن حق رسل الملوك التعظيم والتبجيل؛ فيكف رسول رب العالمين؟!

فأخبرهم أنه يؤذنوه شكاية منهم إليهم.

ثم اختلفوا في الأذى: فقال بعضهم: أن موسى -  - كان لا يكشف عن نفسه؛ فأذوه بأن قالوا: إن في بدنه آفة ومكروها.

وقال بعضهم: إن موسى -  - ذهب مع هارون -  - إلى الجبل، فقبض هارون في ذلك الجبل، فآذوه بأن قالوا: قتل موسى اخاه.

ومنهم من قال: كانوا يؤذونه بألسنتهم حيث قالوا: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ  ﴾ ؛ ولكن الوجه أن لا يشار إلى شيء بعينه.

فإن كا التأويل هو الوجه الأول: أنهم آذوه من غير أن يعملوا أن ذلك يؤذيه أن لا يصرف إليه شيء من هذه الأوجه الثلاثة، وإن كان على الوجه الثاني فكذلك، وإن كان على الوجه الثالث جاز أن يصرف إليه أي الوجوه منها، والله أعلم.

ثم حق هذه في رسول الله  يخرج على وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا رسول الله  فذكره الله  أمر موسى -  - وإياذاءهم إياه؛ ليكون فيه تصبير لرسول الله  ، وتسكين لقلبه.

أو يجوز أن يكون هذا تحذيراً لأصحابه عن أن يرتكبوا ما يخاف أن يكون فيه أذاه -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ له معنيان: أحدهما: أن يقول: ﴿ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، يعني: خ لق فعل الزيغ في قلوبهم يعني: خذلهم الله، ووكلهم إلى أنفسهم.

قالت المعتزلة محتجين علينا: إن الله  قال: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ  ﴾ ذكر أنه إنما يضله بعدما فسق، وأنتم تقولون: إنه يضله وهو يهدى؟

قلنا: إن هذا تمويه علينا، وذلك أنا نقول: إن الله  يضله لوقت اختياره الضلال، ويزيغه لوقت اختياره الزيغ، وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالت المعتزلة، مع أنهم يقولون: إن الله  يضله بعد ضلالته بنفسه، عقوبة له، ويريد له هدى بعد اهتدائه ثوابا له.

ولا يستقيم كذلك؛ لأنا قد نراه في الشاهد يكفر بعد إيمان ويؤمن بعد كفره، وإذا كفر بعدما كان مؤمنا، وذلك وقت يريده الله  هُدِي؛ ثوابا لإيمانه المتقدم؛ فإذا كفر فكأن هداية الله  كانت سبباً لكفره، أو إذا آمن بعدما كان كافرا وقت عقوبته بالكفر؛ فكأن عقوبة الله  بالكفر على الكفر المتقدم كان سببا للإيمان، وهذا كلام مستقبح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

يعني الذين علم الله منهم أنهم يختارون الضلال والكفر؛ فلا يتوبون منه ولا ينقلعون؛ فلا يهدي أولئك، وأما من علم منهم أنه يتوب ويسلم فإنه يهديه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

قوله: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يقول جئت إليكم بالنعت الذي وصفت في التوراة، أو ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ بالتوراة ويكتب الله  ؛ ليعلم أن الرسل كان يلزمهم [الإيمان] بالكتب المتقدمة والرسل جميعا، كما يلزم ذلك أمتهم.

أو يقول: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ ، يعني: آمركم بعبادة الله - عز وجل - وتوحيده كما أمرتم به في التوراة؛ ليعلم أن الرسل كان دينهم واحدا، وإن كلهم يدعون إلى التوحيد وعبادجة الرحمن، وأما الشرائع فقد يجوز اختلافها ولا يدل ذلك على اختلاف في الدين؛ لأن الشرائع قد تختلف في رسول واحد ولا يختلف دينه؛ فكذلك الرسل، والله الموفق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

يعني: مبشرا برسول يصدق بالتوراة على تصديقي؛ فكأنه قيل له: [ما] اسمه؟

فقال: ﴿ ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قال بعضهم: الذي جاءهم عيسى،  .

وقال بعضهم: محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقد جاءا جميعاً.

وقوله: ﴿ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، أي: بالبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء من عند الله.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، و(ساحر مبين)، واختلفوا فيمن قيل له هذا: قال بعضهم: هو عيسى،  .

وقال بعضهم: هو محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقيل: قالوا لهما جميعا.

ويحتمل أن يكون هذا قول أكابر الكفرة للضعفاء منهم؛ وذلك أنهم لم يجدوا سبباً للتمويه سوى أن نسبوه للسحر، وهذا يدل أنه جاءهم بالآيات المعجزة؛ حث نسبوه إلى السحر، وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، وإنا لا نعلم السحر، ولو كان الذي جاءهم به سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا أن الرسل لم يختلفوا إلى السحرة، ولم يتعلموا منهم، وكان لا يتهيأ لهم اختراعه من تلقاء أنفسهم، فلو كان سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا ما ذكرنا، ولكن الله  برأه ونزهه من السحر، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

نور الله يعني: دين الله، أو كتاب الله، أو رسل الله.

وقوله: ﴿ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ أي: ليست عندهم حجة ولا معنى يدفعون به هذا النور، سوى أن يقولوا بألسنتهم: هذا سحر.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

أي ومن أوحش ظلماً وأقبح ممن بلغ افتراؤه المبلغ [الذي] يفتري على الله  الكذب؛ لأنهم قد علموا أن ما نالوا من نعمه وكرمه، فإنما نالوه بالله، ثم كفروا به، وكذبوا على الله وعلى رسوله.

أو يقول: لا أحد أظلم ممن يفتري عل الله الكذب؛ وذلك أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ كلام استفهام، ومعلوم أن الله  لا يستفهم أحداً، وإذا كان كذلك، كان حق كل ما خرج مخرج الاستفهام أن ينظر إلى جوابه لو كان مستفهماً؛ فيفهم منه معنى قول رب العالمين، وإنما المفهوم من جواب من يسألهم عن مثل هذا أن يقول: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والله يدعو إلى الإسلام، وهو أن يجعل الأشياء كلها سالمة له، فهو إذ علم أن ما ناله من نعمة فإما ناله بالله  ، وعلم الأشياء كلها لله  ، فكيف افترى على الله  الكذب، وهو يعلم فإنه علم هذا؟!

فلا أحد أظلم منه حتى افترى على الله الكذب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

له أوجه: أحدها: بالحجج والبراهين.

والثاني: بنصر أهله وغلبتهز والثالث: بإظهار في الأماكن كلها.

فإن كان على النصر والغلبة، فقد كان حتى كأن المشركين في خوف والمسلمون في أمن؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وإلى ما روي عن النبي  : "نصرت بالرغب مسيرة شهرين".

وإن كان بالحجج فقد كان أيضاً، لأهم عجزوا عن أن يأتوا بما يشبه أن يكون مثلا له؛ فضلا من أن يأتوا بمثله؛ فدل أنه قد أتم نوره بالنصر والغلبة والبراهين والحجج.

وإن كان المراد منه إظهاره؛ فإنه يرجى أن يظهر؛ على ما روي أنه إذا نزل عيسى -  - لم يبق على وجه الأرض دين إلا الإسلام.

ثم قوله  ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ليس فيه أنه كان به شيء من الكدر فصفاه؛ ولكن على ما ذكرنا من التأويل؛ فكذلك لا يجب أن يفهم من قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ : أنه كان ناقصا فأكلمه بالشرائع؛ ولكنه على هذه الوجوه، يعني: أظهر الدين بالشرائع التي وصفناها في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقال حين ذكر الإظهار: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ لأن هؤلاء كفروا بالرسول والكتاب، وذلك نعم الله  ؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، [و]أولئك أشركوا به في التوحيد؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يعني: بما لو اتبعوه اهتدوا به.

وقوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ له أوجه ثلاثة: أحدها: أن يجعل الحق كناية عن الله  فكأنه قال: ودين الله.

والثاني: أن يجعل الحق نعتا للدين؛ فكأنه قال: والدين الذي هو الحق من بين سائر الأديان.

والثالث: أن يقول: الذي على كل أحد قبوله والانقياد له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ له وجهان: أحدهما: أن يقول ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ، يعني: يظهر رسوله  على غيره بما يحتاج في هذا الدين من النوازل؛ فيكون فيه بيان أن ما جاء عنه -  - في هذه النوازل إنما هو بالوحي وبما أظهره الله  عليه.

ويحتمل: بإظهار هذه الدين في الأماكن.

قال: والدين: هو الخضوع والاستسلام لله  ، فحقيقته أن يجعل الأشياء كلها سالمة لهز وقوله ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، قال الشيخ - رحمه الله -: ويقتضى هذا: ولو كره المعتزلة؛ لأن إتمام نوره كان بالحجج، أو بالنصر والغلبة، أو بإظهاره في الأماكن كلها فإنما يكون ذلك بأفعال العباد، ثم أضاف الله  إلى نفسه؛ فثبت أن لله  في أفعال العباد صنعا وتدبيرا، وإن كان أفعالهم كلها مخلوقة لله لا تخرج عن تدبيره ومشيئته، والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله هو الَّذي بعث رسوله محمدًا  بدين الإسلام، دين الهداية والإرشاد للخير، ودين العلم النافع والعمل الصالح؛ ليُعْلِيه على جميع الأديان على رغم أنوف المشركين الذين يكرهون أن يُمَكَّن له في الأرض.

<div class="verse-tafsir" id="91.raYdJ"

مزيد من التفاسير لسورة الصف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله