الآية ٨ من سورة الصف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 61 الصف > الآية ٨ من سورة الصف

يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الصف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الصف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ) أي : يحاولون أن يردوا الحق بالباطل ، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه ، وكما أن هذا مستحيل كذلك ذاك مستحيل ; ولهذا قال : ( والله متم نوره ولو كره الكافرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يريد هؤلاء القائلون لمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : هذا ساحر مبين (لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ) يقول: يريدون ليبطلوا الحق الذي بعث الله به محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بأفواههم يعني بقولهم إنه ساحر، وما جاء به سحر، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) يقول: الله معلن الحقّ ، ومظهر دينه، وناصر محمدًا عليه الصلاة والسلام على من عاداه، فذلك إتمام نوره، وعنى بالنور في هذا الموضع الإسلام.

وكان ابن زيد يقول: عُنِي به القرآن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ) قال: نور القرآن.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ( مُتِمٌ نُورهِ ) بالنصب.

وقرأه بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء الكوفة ( مُتِمُّ ) بغير تنوين نوره خفضا وهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا.

وقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) يقول: والله مظهر دينه، وناصر رسوله، ولو كره الكافرون بالله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرونقوله تعالى : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم الإطفاء هو الإخماد ، يستعملان في النار ، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور .

ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه ; وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير ، والإخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل ; فيقال : أطفأت السراج ; ولا يقال أخمدت السراج .وفي نور الله هنا خمسة أقاويل : أحدها : أنه القرآن ; يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول ; قاله ابن عباس وابن زيد .

والثاني : أنه الإسلام ; يريدون دفعه بالكلام ; قاله السدي .

الثالث : أنه محمد صلى الله عليه وسلم ; يريدون هلاكه بالأراجيف ; قاله الضحاك .

الرابع : حجج الله ودلائله ; يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم ; قاله ابن بحر .

الخامس : أنه مثل مضروب ; أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا فكذلك من أراد إبطال الحق ; حكاه ابن عيسى .

وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما ; فقال كعب بن الأشرف : يا معشر اليهود ، أبشروا !

فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه ، وما كان ليتم أمره ; فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحي بعدها ; حكى جميعه الماوردي رحمه الله .والله متم نوره أي بإظهاره في الآفاق .

وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والله متم نوره بالإضافة على نية الانفصال ; كقوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت وشبهه ، حسب ما تقدم بيانه في " آل عمران " .

الباقون " متم نوره " لأنه فيما يستقبل ; فعمل .ولو كره الكافرون من سائر الأصناف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير معرفة بما هم عليه من الباطل، { وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } أي: قد تكفل الله بنصر دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله فإنهم مغلوبون.

وصاروا بمنزلة من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يريدون ليطفئوا» منصوب بأن مقدرة واللام مزيدة «نور الله» شرعه وبراهينه «بأفواههم» بأقوالهم إنه سحر وشعر وكهانة «والله متمٌّ» مظهر «نورهُ» وفي قراءة بالإضافة «ولو كره الكافرون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يريد هؤلاء الظالمون أن يبطلوا الحق الذي بُعِثَ به محمد صلى الله عليه وسلم- وهو القرآن- بأقوالهم الكاذبة، والله مظهر الحق بإتمام دينه ولو كره الجاحدون المكذِّبون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما يهدف إليه هؤلاء الظالمون من رواء افترائهم الكذب على الدين الحق ، فقال - تعالى - : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ) .والمراد بنور الله : دين الإسلام الذى ارتضاه - سبحانه - لعباده دينا ، وبعث به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقيل المراد به : حججه الدالة على وحدانيته - تعالى - وقيل المراد به : القرآن .

.

.

وهى معان متقاربة .والمراد بإطفاء نور الله : محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه ، بكل وسيلة يستطيعها أعداؤه ، كإثارتهم للشبهات من حول تعاليمه ، وكتحريضهم لمن كان على شاكلتهم فى الضلال على محاربته .والمراد بأفواههم : أقوالهم الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التى تنطق بما لا وزن له من الكلام .والمعنى : يريد هؤلاء الكافرون بالحق ، أن يقضوا على دين الإسلام ، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التى جاء بها النبى - صلى الله عليه وسلم - عن طريق أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم ، من غير أن يكون لها مصداق من الواقع تنبق عليه ، أو أصل تستند إليه ، وإنما هى أقوال من قبيل اللغو الساقط المهمل الذى لا وزن له ولا قيمة .قال صاحب الكشاف : مثَّل حالهم فى طلبهم إبطال نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتكذيب ، بحال من يريد أن ينفخ فى نور عظيم منبثق فى الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى فى الإشراق أو الإضاءة ، ليطفئه بنفخه ويطمسه .والجملة الكريمة فيها ما فيها من التهكم والاستهزاء بهؤلاء الكافرين ، حيث شبههم - سبحانه - فى جهالاتهم وغفلتهم ، بحال من يريد إطفاء نور الشمس الوهاج ، بنفخة من فمه الذى لا يستطيع إطفاء ما هو دون ذلك بما لا يحصى من المرات .وقوله - تعالى - : ( والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ) بشارة للمؤمنين بأن ما هم عليه من حق ، لا بد أن يعم الآفاق .أى : والله - تعالى - بقدرته التى لا يعجزها شىء ، متم نوره ، ومظهر دينه ومؤيد نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولو كره الكافرون ذلك فإن كراهيتهم لظهور دين الله - تعالى - لا أثر لها ولا قيمة .فالآية الكريمة وعد من الله - تعالى - للمؤمنين ، بإظهار دينهم ، وإعلاء كلمتهم ، لكى يزيدهم ذلك ثباتا على ثباتهم ، وقوة على قوتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ لِيُطْفِئُواْ ﴾ أي أن يطفئوا وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في لا أباً لك، تأكيداً لمعنى الإضافة في أباك، وإطفاء نور الله تعالى بأفواههم، تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: ﴿ هذا سحرٌ  ﴾ مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، كذا ذكره في الكشاف، وقوله: ﴿ والله مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ قرئ بكسر الراء على الإضافة، والأصل هو التنوين، قال ابن عباس: يظهر دينه، وقال صاحب الكشاف: متم الحق ومبلغه غايته، وقيل: دين الله، وكتاب الله، ورسول الله، وكل واحد من هذه الثلاثة بهذه الصفة لأنه يظهر عليهم من الآثار.

وثانيها: أن نور الله ساطع أبداً وطالع من مطلع لا يمكن زواله أصلاً وهو الحضرة القدسية، وكل واحد من الثلاثة كذلك.

وثالثها: أن النور نحو العلم، والظلمة نحو الجهل، أو النور الإيمان يخرجهم من الظلمات إلى النور، أو الإسلام هو النور، أو يقال: الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب إلى الخيرات باختيارهم المحمود وذلك هو النور، والكتاب هو المبين قال تعالى: ﴿ تِلْكَ ءَايَاتُ الكتاب المبين  ﴾ فالإبانة والكتاب هو النور، أو يقال: الكتاب حجة لكونه معجزاً، والحجة هو النور، فالكتاب كذلك، أو يقال في الرسول: إنه النور، وإلا لما وصف بصفة كونه رحمة للعالمين، إذ الرحمة بإظهار ما يكون من الأسرار وذلك بالنور، أو نقول: إنه هو النور، لأنه بواسطته اهتدى الخلق، أو هو النور لكونه مبيناً للناس ما نزل إليهم، والمبين هو النور، ثم الفوائد في كونه نوراً وجوه منها: أنه يدل على علو شأنه وعظمة برهانه، وذلك لوجهين: أحدهما: الوصف بالنور وثانيهما: الإضافة إلى الحضرة، ومنها: أنه إذا كان نوراً من أنوار الله تعالى كان مشرقاً في جميع أقطار العالم، لأنه لا يكون مخصوصاً ببعض الجوانب، فكان رسولاً إلى جميع الخلائق، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» فلا يوجد شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمناً فهو من أمة المتابعة، وإن كان كافراً فهو من أمة الدعوة.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ أي اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين، وقوله: ﴿ بالهدى ﴾ لمن اتبعه ﴿ وَدِينِ الحق ﴾ قيل: الحق هو الله تعالى، أي دين الله: وقيل: نعت للدين، أي والدين هو الحق، وقيل: الذي يحق أن يتبعه كل أحد و ﴿ يُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ يريد الإسلام، وقيل: ليظهره، أي الرسول صلى الله عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة، وهاهنا مباحث: الأول: ﴿ والله مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ والتمام لا يكون إلا عند النقصان، فكيف نقصان هذا النور؟

فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر، وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو الإتمام، يؤيده قوله تعالى: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ وعن أبي هريرة: أن ذلك عند نزول عيسى من السماء، قال مجاهد.

الثاني: قال هاهنا: ﴿ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ  ﴾ وهذا عين ذلك أو غيره؟

نقول: هو غيره، لأن نور الله في ذلك الموضع هو الله تعالى عند أهل التحقيق، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول.

الثالث: قال في الآية المتقدمة: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ وقال في المتأخرة: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ المشركون ﴾ فما الحكمة فيه؟

فنقول: إنهم أنكروا الرسول، وما أنزل إليه وهو الكتاب، وذلك من نعم الله، والكافرون كلهم في كفران النعم، فلهذا قال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، والمراد من الكافرين هاهنا اليهود والنصارى والمشركون، وهنا ذكر النور وإطفاءه، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام، وهي اعتراض على الله تعالى كما قال: ألا قل لمن ظل لي حاسدا *** أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله *** كأنه لم ترض لي ما وهب والاعتراض قريب من الشرك، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام، كان أكثرهم من قريش وهم المشركون، ولما كان النور أعم من الدين والرسول، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال، والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أصله (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ) كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في: لا أبالك، تأكيداً لمعنى الإضافة في: لا أباك، وإطفاء نور الله بأفواههم: تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه ﴿ والله متمّ نوره ﴾ أي متمّ الحق ومبلغه غايته.

وقرئ: بالإضافة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ ﴾ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ يُدْعى إلى الإسْلامِ الظّاهِرِ حَقِّيَّتُهُ المُقْتَضى لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ فَيَضَعُ مَوْضِعَ إجابَتِهِ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِ وتَسْمِيَةِ آياتِهِ سِحْرًا فَإنَّهُ يَعُمُّ إثْباتَ المَنفِيِّ ونَفْيَ الثّابِتِ وقُرِئَ «يُدَعّى» يُقالُ دَعاهُ وادَّعاهُ كَلَمَسَهُ والتَمَسَهُ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ لا يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ فَلاحُهم.

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا ﴾ أيْ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَها كَما زِيدَتْ لِما فِيها مِن مَعْنى الإضافَةِ تَأْكِيدًا لَها في لا أبا لَكَ، أوْ يُرِيدُونَ الِافْتِراءَ لِيُطْفِئُوا.

﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي دِينَهُ أوْ كِتابَهُ أوْ حُجَّتَهُ.

﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ بِطَعْنِهِمْ فِيهِ.

﴿ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ مُبَلِّغُ غايَتِهِ بِنَشْرِهِ وإعْلائِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالإضافَةِ.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ إرْغامًا لَهم.

﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ بِالقُرْآنِ أوِ المُعْجِزَةِ.

﴿ وَدِينِ الحَقِّ ﴾ والمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ.

﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُغَلِّبَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ لِما فِيهِ مِن مَحْضِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم} هذا تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن هذا سحر مثلت حالهم بحل من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه والمفعول محذوف واللام للتعليل والتقدير يريدون الكذب ليطفؤا نور الله بأفواههم أي بكلامهم {والله مُتِمُّ نوره} وحمزة وعلي وحفص مُتِمٌّ نُورِهِ غيرهم أي متم الحق ومبلغه غايته {وَلَوْ كَرِهَ الكافرون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في اجْتِهادِهِمْ في إبْطالِ الحَقِّ بِحالَةِ مَن يَنْفُخُ الشَّمْسَ بِفِيهِ لِيُطْفِئَها تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً بِهِمْ كَما تَقُولُ النّاسُ: هو يُطْفِئُ عَيْنَ الشَّمْسِ، وذَهَبَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إلى أنَّ المُرادَ بِنُورِ اللَّهِ دِينُهُ تَعالى الحَقُّ كَما رُوِيَ عَنِالسُّدِّيِّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ومُتِمٌّ تَجْرِيدٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ تَوْرِيَةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ يُرِيدُونَ إبْطالَ القُرْآنِ وتَكْذِيبَهُ بِالقَوْلِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يُرِيدُونَ إبْطالَ حُجَجِ اللَّهِ تَعالى بِتَكْذِيبِهِمْ، وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُونَ هَلاكَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالأراجِيفِ، وقِيلَ: يُرِيدُونَ إبْطالَ شَأْنِ النَّبِيِّ  وإخْفاءَ ظُهُورِهِ بِكَلامِهِمْ وأكاذِيبِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَحْيَ أبْطَأ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: يا مَعْشَرَ يَهُودٍ أبْشِرُوا أطْفَأ اللَّهُ تَعالى نُورَ مُحَمَّدٍ فِيما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وما كانَ لِيُتِمَّ نُورَهُ فَحَزِنَ الرَّسُولُ  فَنَزَلَتْ ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ إلى آخِرِهِ، وفي ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا ﴾ مَذاهِبُ: أحَدُها أنَّ اللّامَ زائِدَةٌ والفِعْلَ مَنصُوبٌ بِأنْ مُقَدَّرَةٍ بَعْدَها، وزِيدَتْ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإرادَةِ لِما في لامِ العِلَّةِ مِنَ الإشْعارِ بِالإرادَةِ والقَصْدِ كَما زِيدَتِ اللّامُ في: لا أبًا لَكَ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإضافَةِ ثانِيها أنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ لِلتَّعْلِيلِ، ومَفْعُولُ ”يُرِيدُونَ“ مَحْذُوفٌ أيْ يُرِيدُونَ الِافْتِراءَ لِأنْ يُطْفِئُوا ثالِثُها أنَّ الفِعْلَ أعْنِي ”يُرِيدُونَ“ حالٌّ مَحَلَّ المَصْدَرِ مُبْتَدَأٌ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والمَجْرُورُ بِها خَبَرٌ أيْ إرادَتُهم كائِنَةٌ لِلْإطْفاءِ والكَلامُ نَظِيرَ - تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ - مِن وجْهٍ، ورابِعُها أنَّ اللّامَ مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى أنْ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ والمَصْدَرُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَكْثُرُ ذَلِكَ بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، خامِسُها أنَّ ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِتَأْوِيلِهِ بِيُوقِعُونَ الإرادَةَ، قِيلَ: وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِجَعْلِ كُلِّ إرادَةٍ لَهم لِلْإطْفاءِ وفِيهِ كَلامٌ في شَرْحِ المُغْنِي.

وغَيْرِهِ.

وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «مُتِمٌّ» بِالتَّنْوِينِ «نُورَهُ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِمُتِمٍّ ﴿ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿ مُتِمُّ ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتِمٌّ ذَلِكَ إرْغامًا لَهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ يعني: من أشد في كفره مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ يعني: اختلق على الله الْكَذِبَ وهم اليهود.

وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ يعني: إلى دين محمد  وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم.

ويقال: لا يرحمهم ما داموا على كفرهم.

ثم قال عز وجل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يعني: ليبطلوا دين الله بقولهم: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ يعني: مظهر توحيده وكتابه، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يعني: وإن كره اليهود والنصارى.

قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ على معنى الإضافة، والباقون مُتِمُّ بالتنوين نُورِهِ بالنصب.

فمتم فاعل ونصب نوره، لأنه مفعول به.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يعني: بالتوحيد وَدِينِ الْحَقِّ يعني: الشهادة لا إله إلا الله.

لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: على الأديان كلها.

قال مقاتل: وقد فعل، ويقال: إنه يكون في آخر الزمان، لا يبقى أحد إلا مسلم أو ذمة للمسلم.

وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يعني: وإن كرهوا ذلك.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: من عذاب دائم.

قرأ ابن عامر تُنْجِيكُمْ بالتشديد، والباقون بالتخفيف، وهما لغتان.

أنجاه ونجاه بمعنى واحد.

ثم بيَّن لهم تلك التجارة، فقال عز وجل: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: تصدقون بتوحيد الله وَرَسُولِهِ يعني: وتصدقون برسوله، وبما جاء به من عنده.

وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، فقدم ذكر المال، لأن الإنسان ربما يضر بماله ما لا يضر بنفسه، ولأنه إذا كان له مال، فإنه يؤخذ به النفس ليغزو.

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التصديق والجهاد خير لكم من تركهما.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: تعلمون ثواب الله تعالى، ويقال: يعلمون يعني: يصدقون.

ثم بين ثواب ذلك العمل.

فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ يعني: إن فعلتم ذلك العمل، يغفر لكم ذنوبكم.

وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً يعني: يدخلكم منازل الجنة فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة.

ثم قال عز وجل: وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: تجارة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: ولكم سوى الجنة أيضاً عدة أخرى في الدنيا تحبونها، ويقال: معناه ونجاة أخرى تحبونها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ يعني: هي النصرة من الله تعالى على عدوكم، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ يعني: ظفراً سريعاً عاجلاً في الدنيا والجنة في الآخرة.

ثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: بشرهم بالجنة.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ، قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو أنصارا لله بالتنوين، والباقون أَنْصارَ اللَّهِ بالإضافة، ومعناهما واحد يعني: كونوا أعوان الله بالسيف على أعدائه، ومعناه: انصروا الله، وانصروا دين الله، وانصروا محمدا  ، كما نصر الحواريون عيسى ابن مريم.

وهو قوله تعالى: كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يعني: من أعواني إلى الله، ويقال: إنما سموا الحواريون لبياض ثيابهم، ويقال: كانوا قصارين، ويقال: خلصاؤه وصفوته.

كما قال النبيّ  : «الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَوارِيَّ مِنْ أُمَّتِي» .

وتأويل الحواريين في اللغة، الذين أخلصوا وتبرؤوا من كل عيب وكذلك الدقيق الحواري، لأنه ينتقى من لباب البرّ.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين.

وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا قتادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ قال: وقد كان ذلك بحمد الله جاءه السبعون، فبايعوه عند العقبة فنصروه وآووه، حتى أظهر الله دينه.

قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ يعني: نحن أعوانك مع الله، فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: بعيسى-  - ويقال: فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد  ، وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ يعني: جماعة منهم.

فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ يعني: قوينا الذين آمنوا على عدوهم من الكفار، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ، فصاروا غالبين بالنصرة، والحجة والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مَا لا يفعلُ مُوجِبٌ مَقْتَ اللَّهِ تعالى، ولذلك فرَّ كثيرٌ من العلماءِ عَنِ الوَعْظِ والتذكيرِ وآثرُوا السكوتَ، /- قلت-: وهَذا بحسَبِ فِقْهِ الحالِ إنْ وَجَدَ الإنْسانُ مَنْ يكفِيه هذه المئونة في وقتهِ، فَقَدْ يَسَعُه السكوتُ وإلا فَلاَ يسعُه، قال الباجي في «سنن الصالحين» له: قال الأصمعي: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الحكماءِ كَانَ يقول: إني لأَعظكُم وإنّي لَكَثيرُ الذنوبِ، وَلَوْ أن أحَداً لاَ يَعِظُ أخاه حَتَّى يُحْكِمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لتُرِكَ الأَمْرُ بالخيرِ، واقْتُصِرَ عَلى الشَّرِّ، ولكنَّ محادثةَ الإخوانِ حياةُ القلوبِ وجَلاَء النُّفُوسِ وتَذْكِيرٌ مِنَ النسيانِ، وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ وما أنا بموضعٍ للوَعْظِ «١» ، ولكنْ أريدُ به نَفْسِي، وقَالَ الحسنُ لمطرف: عِظْ أصْحَابَكَ، فَقَالَ: إنِّي أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعل فقالَ: رحمك اللَّه وأيُّنَا يَفْعَلُ ما يقول، وَدَّ الشيطانُ أنه لَو ظَفَرَ منكم بهذهِ فَلَمْ يأمُرْ أحدٌ منكم بمعروف، ولم ينه عن منكر، انتهى.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ...

الآية، قال معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ له الجنة، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً، ثُمَّ مَاتَ أو قتل فإنّ له أجر شهيد» «٢» ،

مختصر رواه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:

هَذَا حديثٌ صحيحٌ انتهى من «السلاح» ، ثُمَّ ذَكَرَ تعالى مقَالَةَ مُوسَى، وذلك ضربُ مَثَلٍ للمؤمنينَ ليحذَرُوا مَا وَقَعَ فيه هؤلاء من العصيانِ وقولِ الباطل.

وقوله: لِمَ تُؤْذُونَنِي أي: بتعنيتِكم وعصيانِكم واقْتِرَاحَاتِكُم، وأسْنَدَ الزيغَ إليهم لكونهِ فعلَ حطيطَةٍ، وهذا بخلافِ قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] فَأَسْنَدَ التَّوْبَةَ إليه سبحانَه لِكَوْنِهَا فعلَ رِفْعَةٍ، و «زاغ» معناه مَالَ وصار عرفها في الميل عن الحق، وأَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ معناه طَبَعَ عليْهَا وكثُرَ مَيْلُها عنِ الحقِّ وهذهِ هي العُقُوبَةُ عَلَى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ.

وقوله: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال عياض في «الشفا» : سَمَّى اللَّه تعالى نبيَّه في كتابه محمداً وأحمدَ فأما اسمه أحمد، ف «أَفْعَلُ» مبالغةً من صفةِ الحَمْدِ، ومُحَمَّد «مُفَعَّل» من كثرةِ الحمدِ، وسمى أمَّته في كتب أنبيائِه بالحمَّادينَ ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصِه سبحانه وبدائع آياته أنه سبحانه حَمَى أن يتسمَّى بهما أَحَدٌ قَبْلَ زمانِه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشَّرَتْ به الأنبياء فمنع سبحانه أن يَتَسَمَّى به أحد غيرُه حتى لا يدخلَ بذلكَ لَبْسٌ عَلى ضعيفِ القلبِ وكذلك محمَّد أيضاً لم يَتَسَمَّ به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شَاعَ قبيل وجوده صلّى الله عليه وسلّم وميلادِه أَنَّ نبيًّا يبعثُ اسمهُ محمد فسمَّى قومٌ قليلٌ من العرب أبناءَهم بذلك رجاءَ أَنْ يكونَ أحدُهم هو، وهُم محمد بن أحيحة الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان باليمن، ويقولون: بل محمد بن اليحمد من الأزد، ومحمد بن سوادة منهم لا سابعَ لهم، ولم يَدَّعِ أحد من هؤلاء النبوَّة أو يظهرْ عليْهِ سببٌ يشكِّكُ الناس، انتهى، وروى أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قَالَ: «لاَ تُسَمُّوا أَوْلاَدَكُمْ مُحَمَّداً ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» «١» ، رواه الحاكم/ في «المستدركِ» ، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...

الآية: يحتمل أن يريد «عيسى» ويحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا ﴾ أيْ: مالُوا عَنِ الحَقِّ ﴿ أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ أيْ: أمالَها عَنِ الحَقِّ جَزاءً لِما ارْتَكَبُوهُ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَأْتِي مِن بَعْدِي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ) بِفَتْحِ الياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( مِن بَعْدِي اسْمُهُ) بِإسْكانِ الياءِ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: النَّصارى حِينَ قالُوا: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (يَدَّعِي إلى الإسْلامِ) بِفَتْحِ الياءِ، والدّالِ، وتَشْدِيدِها، وبِكَسْرِ العَيْنِ، وما بَعْدَ هَذا في [بَراءَةٍ: ٣٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ( مُتِمُّ نُورِهِ) مُضافٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مُتِمٌّ) رَفْعٌ مُنَوَّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنَ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ-، وهَذا مِثالٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وحُكِيَ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا قَوْمِ" وعن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ" مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ أبٌ.

و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"مُبَشِّرًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "يَأْتِي مِن بَعْدِي" وقَوْلُهُ: "اسْمُهُ أحْمَدُ " جُمْلَتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى الصِفَةِ لـ"رَسُولٍ"، و" أحْمَدُ " فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ كَأسْوَدَ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكَلِمَةِ لا الشَخْصِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: جاءَنا أحْمَدُ ؛ لِأنَّكَ هاهُنا أوقَعْتَ الِاسْمَ عَلى مُسَمّاهُ، وفي الآيَةِ إنَّما أرادَ: اسْمَهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الغَرَضَ، ومِنهُ يَنْفَكُّ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: يُقالُ "لَهُ إبْراهِيمُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مِن بَعْدِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فى رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مِن بَعْدِي" بِسُكُونِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ ﴾ الآيَةُ...

يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ الآيَةُ وما بَعْدَها تَمْثِيلًا بِأُولَئِكَ لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَمْثِيلُ قَدْ فَرَغَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أحْمَدُ "، ثُمَّ خَرَجَ إلى ذِكْرِ أحْمَدَ، لَمّا تَطَرَّقَ ذِكْرُهُ فَقالَ تَعالى مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: فَلَمّا جاءَ أحْمَدُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، و"البَيِّناتُ" هي الآياتُ والعَلاماتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَذا سِحْرٌ" إشارَةٌ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَن أظْلَمُ" تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، و"افْتِراءُ الكَذِبِ" هو قَوْلُهُمْ: "هَذا سِحْرٌ" وما جَرى مَجْرى هَذا مِنَ الأقْوالِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْعى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْن مُصَرِّفٍ: "يَدَّعِي" بِمَعْنى: يَنْتَمِي ويَنْتَسِبُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرَمَيْتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ وأبَنْتُ لِلْأشْهادِ حَزَّةُ أدَّعِي والمَعْنى -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إنَّما هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، لِما حُكِيَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: "هَذا سِحْرٌ" بَيِّنٌ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ العَقْلَ لا يَقْبَلُهُ، أيْ: وهَلْ أظْلَمُ مِن هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ ويَدَّعِي إلى الإسْلامِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُفْتَرٍ عَلى رَبِّهِ؟

وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِأنَّ مَسالِكَ أهْلِ الِافْتِراءِ والمَخْرَقَةِ إنَّما هي دُونَ هَذا وفي أُمُورٍ خَسِيسَةٍ، وضَبَطَ النَقّاشُ هَذِهِ القِراءَةَ "يُدَّعى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ المُشَدَّدَةِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

والضَمِيرُ في "يُرِيدُونَ" لِلْكُفّارِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيُطْفِؤُا" لامٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وأنَّ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يُرِيدُونَ إطْفاءً، وأكْثَرُ ما تَلْزَمُ هَذِهِ اللامُ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ، تَقُولُ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتٌ ولِرُؤْيَتِكً قَصَدْتُ.

و"نُورُ اللهِ" هو شَرْعُهُ وبَراهِينُهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "بِأفْواهِهِمْ" إشارَةٌ إلى الأقْوالِ، أيْ: بِقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وشِعْرٌ وتَكَهُّنٌ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ: "واللهُ مُتِمُّ" بِالتَنْوِينِ "نُورَهُ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ" بِالإضافَةِ، وهي في مَعْنى الِانْفِصالِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ناشئ عن الإِخبار عنهم بأنهم افتروا على الله الكذب في حال أنهم يُدعون إلا الإِسلام لأنه يثير سؤال سائل عما دعاهم إلى هذا الافتراء.

فأجيب بأنهم يريدون أن يخفوا الإِسلام عن الناس ويعوقوا انتشاره ومثلت حالتهم بحالة نفر يبتغون الظلام للتّلصّص أو غيره مما يراد فيه الاختفاء.

فلاحت له ذُبالة مصباح تضيء للناس، فكرهوا ذلك وخشُوا أن يُشعَّ نوره على الناس فتفتضح ترهاتهم، فعمدوا إلى إطفائه بالنفخ عليه فلم ينطَفِئ، فالكلام تمثيل دال على حالة الممثل لهم.

والتقدير: يريدون عوق ظهور الإِسلام كمثل قوم يريدون إطفاء النور، فهذا تشبيه الهيئة بالهيئة تشبيه المعقول بالمحسوس.

ثم إن ما تضمنه من المحاسن أنه قابِل لتفرقة التشبيه على أجزاء الهيئة، فاليَهود في حال إرادتهم عوق الإِسلام عن الظهور مشبَّهون بقوم يريدون إطفاء نور الإِسلام فشبه بمصباح.

والمشركون مثلُهم وقد مُثّل حال أهل الكتاب بنظير هذا التمثيل في قوله تعالى: ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ إلى قوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ الآية في سورة [براءة: 30- 32]، ووصفهم القرآن بأنه سحر ونحو ذلك من تمويهاتهم، فشبه بنفخ النافخين على المصباح فكان لذكر بأفواههم } وقع عظيم في هذا التمثيل لأن الإِطفاء قد يكون بغير الأفواه مثل المروحة والكِير، وهم أرادوا إبطال آيات القرآن بزعم أنها من أقوال السحر.

وإضافة نور إلى اسم الجلالة إضافة تشريف، أي نوراً أوقده الله، أي أوجده وقدَّره فما ظنكم بكماله.

واللام من قوله: ﴿ ليطفئوا ﴾ تسمّى اللام الزائدة، وتفيد التأكيد.

وأصلها لام التعليل، ذُكِرت علةُ فعل الإِرادة عوضاً عن مفعوله بتنزيل المفعول منزلة العلة.

والتقدير: يريدون إطفاء نور الله ليطفئوا.

ويكثر وقوع هذه اللام بعد مادة الإِرادة ومادة الأمر.

وقد سماها بعض أهل العربية: لام (أَنْ) لأن معنى (أَنْ) المصدرية ملازم لها.

وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ في سورة [النساء: 26].

فلذلك قيل: إن هذه اللام بعد فعل الإِرادة مزيدة للتأكيد.

وجملة والله متم نوره } معطوفة على جملة ﴿ يريدون ﴾ وهي إخبار بأنهم لا يبلغون مرادهم وأن هذا الدِّين سيتم، أي يبلغ تمام الانتشار.

وفي الحديث «والله لَيِتَمَّن هذا الأمرُ حتى يسيرَ الراكبُ من صنَعاء إلى حضرَموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».

والجملة الاسمية تفيد ثبوت هذا الإِتمام.

والتمام: هو حصول جميع ما للشيء من كيفية أو كمية، فتمام النور: حصول أقوى شعاعه وإتمامه إمداد آلته بما يقوى شعاعه كزيادة الزيت في المصباح وإزالة ما يغشاه.

وجملة ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ حالية و ﴿ لو ﴾ وصلية، وهي تدل على أن مضمون شرطها أجدر ما يُظَنُّ أن لا يحصل عند حصوله مضمونُ الجوَاب.

ولذلك يقدِّر المعربون قبله ما يدلّ على تقدير حصول ضد الشرط.

فيقولون هذا إذا لم يكن كذا بل وإن كان كذا، وهو تقدير معنى لا تقدير حذف لأن مثل ذلك المحذوف لا يطرد في كل موقع فإنه لا يستقيم في مثل قوله تعالى: ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ﴾ [يوسف: 17]، إذ لا يقال: هذا إذا كنّا كاذبين، بل ولو كنا صادقين.

وكذلك ما في هذه الآية لأن المعنى: والله متمّ نورَه على فرض كراهة الكافرين، ولما كانت كراهة الكافرين إتمام هذا النور محققةً كان سياقها في صورة الأمر المفروض تهكماً.

وتقدم استعمال (لو) هذه عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة [آل عمران: 91].

وإنما كانت كراهية الكافرين ظهور نور الله حالة يُظنّ انتفاء تمام النور معها، لأن تلك الكراهية تبعثهم على أن يتألبوا على إحداث العراقيل وتضليل المتصدين للاهتداء وصرفهم عنه بوجوه المكر والخديعة والكيد والإِضرار.

وشمل لفظ الكافرون} جميع الكافرين بالإِسلام من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم.

ولكن غلب اصطلاح القرآن على تخصيص وصف الكافرين بأهل الكتاب ومقابلتهم بالمشركين أو الظالمين ويتجه على هذا أن يكون الاهتمام بذكر هؤلاء بعد ﴿ لو ﴾ الوصلية لأن المقام لإِبطال مرادهم إطفاء نور الله فإتمام الله نوره إبطال لمرادهم إطفاءَه.

وسيرد بعد هذا ما يبطل مراد غيرهم من المعاندين وهم المشركون.

وقرأ نافع وأبو عَمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ متمٌ نورَه ﴾ بتنوين ﴿ متمٌ ﴾ ونصب ﴿ نورَه ﴾ .

وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص وخلف بدون تنوين وجَرّ ﴿ نورِه ﴾ على إضافة اسم الفاعل على مفعوله وكلاهما فصيح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ قالَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ العُزّى واللّاتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

والإطْفاءُ هو الإخْمادُ، ويُسْتَعْمَلانِ في النّارِ، ويُسْتَعارانِ فِيما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الضِّياءِ والنُّورِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الإطْفاءِ والإخْمادِ مِن وجْهٍ وهو أنَّ الإطْفاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والإخْمادُ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، فَيُقالُ أطْفَأْتُ السِّراجَ ولا يُقالُ أخْمَدْتُ السِّراجَ.

وَفي ﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ هاهُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، يُرِيدُونَ دَفْعَهُ بِالكَلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  يُرِيدُونَ هَلاكَهُ بِالأراجِيفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، يُرِيدُونَ إبْطالَها بِإنْكارِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، أيْ مَن أرادَ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ فَوَجَدَهُ مُسْتَحِيلًا مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ مَن أرادَ إبْطالَ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما حَكاهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  أبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ: يا مَعَشْرَ اليَهُودِ أبْشِرُوا فَقَدْ أطْفَأ اللَّهُ نُورَ مُحَمَّدٍ فِيما كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُتِمَّ أمْرَهُ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ  لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ اتَّصَلَ الوَحْيُ بَعْدَها.

» ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ الآيَةَ.

وَفي الإظْهارِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ.

الثّانِي: العُلُوُّ عَلى الأدْيانِ.

الثّالِثُ: العِلْمُ بِالأدْيانِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ ظَهَرْتُ عَلى سِرِّهِ أيْ عَلِمْتُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال ناس: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، فأخبرهم الله، فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ فكرهوا ذلك فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: والله لو نعلم ما أحب الأعمال إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ فدلهم على أحب الأعمال إليه.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن مجاهد في قوله: ﴿ يا أيها لذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بنيان مرصوص ﴾ قال: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لهم: لو نعلم أي عمل أحب إلى الله لعملناه حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيداً.

وأخرج مالك في تفسيره عن زيد بن أسلم قال: نزلت هذه الآية في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت، فأنزل الله هذه فيهم، فقال ابن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت شهيداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم على أحب الأعمال إليه فقال: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ فبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال: قال المسلمون: لو أمرنا بشيء نفعله، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ قال: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشد الموعظة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرية، فإذا رجعوا كانوا يزيدون في الفعل، ويقولون قاتلنا كذا وفعلنا كذا، فأنزل الله الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: إن القاص ينتظر المقت فقيل له أرأيت قول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ أهو الرجل يقرظ نفسه فيقول: فعلت كذا وكذا من الخير، أم هو الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان فيه تقصير، فقال: كلاهما ممقوت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد الوالبي قال: جلسنا إلى خباب، فسكت، فقلنا: ألا تحدثنا فإنما جلسنا إليك لذلك؟

فقال: أتأمروني أن أقول ما لا أفعل.

قوله تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم بنيان مرصوص ﴾ قال: مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ الآية، قال: ألم تروا إلى صاحب البناء كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره وإن الله وصف المسلمين في قتالهم وصفهم في صلاتهم فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول، وصلوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام، فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال ﴿ صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يضحك الله إليهم: القوم إذا اصطفوا للصلاة، والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين، ورجل يقوم إلى الصلاة في جوف الليل» .

قوله تعالى: ﴿ وإذ قال عيسى ابن مريم ﴾ الآية.

أخرج ابن مردويه عن العرياض ابن سارية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك.

أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي قال: ما منعك أن تسجد لي؟

قلت: لا نسجد إلا لله.

قال: وما ذاك؟

قلت: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لي خمسة أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» .

وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة» .

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت ما لم يعط أحد من أنبياء الله قلنا يا رسول الله ما هو؟

قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي تراب الأرض طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم» .

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما جاءهم بالبينات ﴾ قال: محمد وفي قوله: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ قال: بألسنتهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق أنه كان يقرأ التي في المائدة وفي الصف وفي يونس ﴿ ساحر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ هذا سحر مبين ﴾ بغير ألف، وقرأ ﴿ والله متم نوره ﴾ بتنوين متم وبنصب نوره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله ﴾ ذكر في [التوبة: 32].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ زاغوا ﴾ بالإمالة مثل ﴿ زاغ البصر  ﴾ ﴿ بعدي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب ﴿ متم نوره ﴾ بالإضافة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون: بالتنوين ونصب ﴿ نوره ﴾ ﴿ تنجيكم ﴾ بالتشديد: ابن عامر ﴿ أنصاراً ﴾ بالتنوين ﴿ لله ﴾ جاراً ومجروراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والباقون: بالإضافة ﴿ أنصاري إلى الله ﴾ بالفتح كما مر في " آل عمران ".

الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ج ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ مرصوص ﴾ ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أحمد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الإسلام ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ز ﴿ وأنفسكم ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ تؤمنون ﴾ على أنه خبر في معنى الأمر ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج للعطف ﴿ تحبونها ﴾ ط لحق الحذف أي هي نصر ﴿ قريب ﴾ ه لانقطاع النظم واختلاف المعنى ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ وكفرت طائفة ﴾ ه لاتفاق الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين ﴿ ظاهرين ﴾ ه.

التفسير: يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم.

وروي أن الله  حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالاً إلى الله لنفرغن فيه وسعنا ففرّوا يوم أحد ولم يفوا.

وقيل؛ كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله  ﴿ لم تقولون ﴾ واللام الجاره إذا دخلت على " ما " الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة الاستعمال.

وقد عرفت مراراً أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا التفسير يتناول إخلاف كل وعد.

وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا بقلوبهم.

ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال ﴿ كبر ﴾ الآية.

وفيه أصناف مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى ﴿ أن تقولوا ﴾ ونصب ﴿ مقتاً ﴾ على التمييز ومن قبل أن المقت أشدّ من البغض أو من وصفه بأنه ﴿ عند الله ﴾ لأن الممقوت عنده ممقوت عند كل ذي لب.

ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أوّلاً ترك الجهاد بعد تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد إلى الحب.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على المصدر بمعنى الحال.

وقوله ﴿ كأنهم ﴾ مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل ﴿ بنيان ﴾ رص بعضه على بعض أي رص صف.

وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات.

وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلاً بناء على أن الفرسان لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى  مع قومه كيلا يفعلوا بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل.

تفسير الإيذاء مذكور في آخر " الأحزاب " وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة مشهورة ﴿ وقد تعلمون ﴾ في موضع الحال.

وفائدة " قد " تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله  إيذاءه.

والزيغ الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية.

قال بعض العلماء: إنما قال عيسى ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ ولم يقل يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم.

قلت: ممنوع لقوله  في " الأنعام " ﴿ ومن ذريته داود  ﴾ إلى قوله ﴿ وعيسى  ﴾ قال النحويون: قوله ﴿ مصدّقاً ﴾ و ﴿ مبشراً ﴾ حالان والعامل فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون ﴿ إليكم ﴾ عاملاً لأنه ظرف لغو.عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟

قال: نعم أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل.

قوله ﴿ وهو يدعى إلى الإسلام ﴾ نظير ما مر من قوله ﴿ وقد تعلمون إني رسول الله ﴾ ففي كل منهما تعكيس القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر،لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف الكذب بخلاف آخر " العنكبوت ".

ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله ﴿ يريدون ليطفؤا ﴾ ولهذا خص هذه السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه الإرادة كما زيدت اللام في " لا أبالك " لتأكيد معنى الإضافة.

وباقي الآيتين سبق تفسيره في " براءة ".

وإنما قال ههنا ﴿ والله متم نوره ﴾ لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه عطف قوله ﴿ ويأبى ﴾ على قوله ﴿ يريدون ﴾ .

ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على العمل كما قال ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ قال أهل المعاني: فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟

وعن الفراء أن قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ جواب ﴿ هل أدلكم ﴾ بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ﴿ ذلكم ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿ خير لكم ﴾ من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض.

وقوله ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيراً.

ثم قال ﴿ و ﴾ لكم مع هذه النعم الآجلة نعمة ﴿ أخرى ﴾ عاجلة ﴿ تحبونها ﴾ وهي فتح مكة كما قال ﴿ وأثابكم فتحاً قريباً  ﴾ وعن الحسن: هو فتح فارس والروم.

قال في الكشاف: في قوله ﴿ تحبونها ﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجلة.

وعندي أنه  رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر والفتح على الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك مطلوب كل ذي لب ودين.

وقال في قوله ﴿ وبشر ﴾ إنه معطوف على ﴿ تؤمنون ﴾ لأنه بمعنى الأمر.

والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على " قل " مقدراً قل يا أيها الذين آمنوا يؤيد تقدير قل.

قوله ﴿ هل أدلكم ﴾ فإن نسبة هذا الاستفهام إلى رسوله أولى من نسبته إلى الله  على ما لا يخفى.

قوله ﴿ كونوا أنصار الله ﴾ أي أعوان دينه ﴿ كما قال عيسى ابن مريم للحوارين ﴾ أي أصفيائه وقد مر ذكرهم في " آل عمران " ﴿ من أنصاري ﴾ متوجهاً ﴿ إلى ﴾ نصرة دين ﴿ الله ﴾ قال أهل البيان: فيه تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين ﴿ نحن أنصار الله ﴾ وارد بطريق الاستئناف كأن سائلاً سأل: فماذا قال الحواريون حينئذ؟

فأجيب بما أجيب.

وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله ﴿ من أنصاري ﴾ على أن " ما " مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعاً كقولك " جئتك قدوم الحاج " و " خفوق النجم " أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة الواضحة إلة العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من الحقيقة، ولعل في الآية أسراراً آخر لم نطلع عليها.

ومعنى ﴿ ظاهرين ﴾ غالبين.

عن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: تنبيه لهم، وإعلام عن معاملة اعتادوها فيما بينهم من غير أن يعلموا فيها أذى لموسى -  - نحو أن قال في حق رسولنا  : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ ؛ فيجوز أن يكونوا لا يعدون تلك المعاملة أذى لموسى -  - ولا يعلمونها؛ فأخبرهم أنها تؤذيه؛ لينتهوا عن ذلك.

والثاني: أنه يجوز أن يكونوا علموا أن ذلك يؤذيه، ولكنهم عاندوه وكابروه، فيخبرهم عن كيف ﴿ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، وقد علموا أن حق رسل الملوك التعظيم والتبجيل؛ فيكف رسول رب العالمين؟!

فأخبرهم أنه يؤذنوه شكاية منهم إليهم.

ثم اختلفوا في الأذى: فقال بعضهم: أن موسى -  - كان لا يكشف عن نفسه؛ فأذوه بأن قالوا: إن في بدنه آفة ومكروها.

وقال بعضهم: إن موسى -  - ذهب مع هارون -  - إلى الجبل، فقبض هارون في ذلك الجبل، فآذوه بأن قالوا: قتل موسى اخاه.

ومنهم من قال: كانوا يؤذونه بألسنتهم حيث قالوا: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ  ﴾ ؛ ولكن الوجه أن لا يشار إلى شيء بعينه.

فإن كا التأويل هو الوجه الأول: أنهم آذوه من غير أن يعملوا أن ذلك يؤذيه أن لا يصرف إليه شيء من هذه الأوجه الثلاثة، وإن كان على الوجه الثاني فكذلك، وإن كان على الوجه الثالث جاز أن يصرف إليه أي الوجوه منها، والله أعلم.

ثم حق هذه في رسول الله  يخرج على وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا رسول الله  فذكره الله  أمر موسى -  - وإياذاءهم إياه؛ ليكون فيه تصبير لرسول الله  ، وتسكين لقلبه.

أو يجوز أن يكون هذا تحذيراً لأصحابه عن أن يرتكبوا ما يخاف أن يكون فيه أذاه -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ له معنيان: أحدهما: أن يقول: ﴿ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، يعني: خ لق فعل الزيغ في قلوبهم يعني: خذلهم الله، ووكلهم إلى أنفسهم.

قالت المعتزلة محتجين علينا: إن الله  قال: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ  ﴾ ذكر أنه إنما يضله بعدما فسق، وأنتم تقولون: إنه يضله وهو يهدى؟

قلنا: إن هذا تمويه علينا، وذلك أنا نقول: إن الله  يضله لوقت اختياره الضلال، ويزيغه لوقت اختياره الزيغ، وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالت المعتزلة، مع أنهم يقولون: إن الله  يضله بعد ضلالته بنفسه، عقوبة له، ويريد له هدى بعد اهتدائه ثوابا له.

ولا يستقيم كذلك؛ لأنا قد نراه في الشاهد يكفر بعد إيمان ويؤمن بعد كفره، وإذا كفر بعدما كان مؤمنا، وذلك وقت يريده الله  هُدِي؛ ثوابا لإيمانه المتقدم؛ فإذا كفر فكأن هداية الله  كانت سبباً لكفره، أو إذا آمن بعدما كان كافرا وقت عقوبته بالكفر؛ فكأن عقوبة الله  بالكفر على الكفر المتقدم كان سببا للإيمان، وهذا كلام مستقبح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

يعني الذين علم الله منهم أنهم يختارون الضلال والكفر؛ فلا يتوبون منه ولا ينقلعون؛ فلا يهدي أولئك، وأما من علم منهم أنه يتوب ويسلم فإنه يهديه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

قوله: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يقول جئت إليكم بالنعت الذي وصفت في التوراة، أو ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ بالتوراة ويكتب الله  ؛ ليعلم أن الرسل كان يلزمهم [الإيمان] بالكتب المتقدمة والرسل جميعا، كما يلزم ذلك أمتهم.

أو يقول: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ ، يعني: آمركم بعبادة الله - عز وجل - وتوحيده كما أمرتم به في التوراة؛ ليعلم أن الرسل كان دينهم واحدا، وإن كلهم يدعون إلى التوحيد وعبادجة الرحمن، وأما الشرائع فقد يجوز اختلافها ولا يدل ذلك على اختلاف في الدين؛ لأن الشرائع قد تختلف في رسول واحد ولا يختلف دينه؛ فكذلك الرسل، والله الموفق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

يعني: مبشرا برسول يصدق بالتوراة على تصديقي؛ فكأنه قيل له: [ما] اسمه؟

فقال: ﴿ ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قال بعضهم: الذي جاءهم عيسى،  .

وقال بعضهم: محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقد جاءا جميعاً.

وقوله: ﴿ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، أي: بالبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء من عند الله.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، و(ساحر مبين)، واختلفوا فيمن قيل له هذا: قال بعضهم: هو عيسى،  .

وقال بعضهم: هو محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقيل: قالوا لهما جميعا.

ويحتمل أن يكون هذا قول أكابر الكفرة للضعفاء منهم؛ وذلك أنهم لم يجدوا سبباً للتمويه سوى أن نسبوه للسحر، وهذا يدل أنه جاءهم بالآيات المعجزة؛ حث نسبوه إلى السحر، وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، وإنا لا نعلم السحر، ولو كان الذي جاءهم به سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا أن الرسل لم يختلفوا إلى السحرة، ولم يتعلموا منهم، وكان لا يتهيأ لهم اختراعه من تلقاء أنفسهم، فلو كان سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا ما ذكرنا، ولكن الله  برأه ونزهه من السحر، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

نور الله يعني: دين الله، أو كتاب الله، أو رسل الله.

وقوله: ﴿ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ أي: ليست عندهم حجة ولا معنى يدفعون به هذا النور، سوى أن يقولوا بألسنتهم: هذا سحر.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

أي ومن أوحش ظلماً وأقبح ممن بلغ افتراؤه المبلغ [الذي] يفتري على الله  الكذب؛ لأنهم قد علموا أن ما نالوا من نعمه وكرمه، فإنما نالوه بالله، ثم كفروا به، وكذبوا على الله وعلى رسوله.

أو يقول: لا أحد أظلم ممن يفتري عل الله الكذب؛ وذلك أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ كلام استفهام، ومعلوم أن الله  لا يستفهم أحداً، وإذا كان كذلك، كان حق كل ما خرج مخرج الاستفهام أن ينظر إلى جوابه لو كان مستفهماً؛ فيفهم منه معنى قول رب العالمين، وإنما المفهوم من جواب من يسألهم عن مثل هذا أن يقول: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والله يدعو إلى الإسلام، وهو أن يجعل الأشياء كلها سالمة له، فهو إذ علم أن ما ناله من نعمة فإما ناله بالله  ، وعلم الأشياء كلها لله  ، فكيف افترى على الله  الكذب، وهو يعلم فإنه علم هذا؟!

فلا أحد أظلم منه حتى افترى على الله الكذب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

له أوجه: أحدها: بالحجج والبراهين.

والثاني: بنصر أهله وغلبتهز والثالث: بإظهار في الأماكن كلها.

فإن كان على النصر والغلبة، فقد كان حتى كأن المشركين في خوف والمسلمون في أمن؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وإلى ما روي عن النبي  : "نصرت بالرغب مسيرة شهرين".

وإن كان بالحجج فقد كان أيضاً، لأهم عجزوا عن أن يأتوا بما يشبه أن يكون مثلا له؛ فضلا من أن يأتوا بمثله؛ فدل أنه قد أتم نوره بالنصر والغلبة والبراهين والحجج.

وإن كان المراد منه إظهاره؛ فإنه يرجى أن يظهر؛ على ما روي أنه إذا نزل عيسى -  - لم يبق على وجه الأرض دين إلا الإسلام.

ثم قوله  ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ليس فيه أنه كان به شيء من الكدر فصفاه؛ ولكن على ما ذكرنا من التأويل؛ فكذلك لا يجب أن يفهم من قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ : أنه كان ناقصا فأكلمه بالشرائع؛ ولكنه على هذه الوجوه، يعني: أظهر الدين بالشرائع التي وصفناها في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقال حين ذكر الإظهار: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ لأن هؤلاء كفروا بالرسول والكتاب، وذلك نعم الله  ؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، [و]أولئك أشركوا به في التوحيد؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يعني: بما لو اتبعوه اهتدوا به.

وقوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ له أوجه ثلاثة: أحدها: أن يجعل الحق كناية عن الله  فكأنه قال: ودين الله.

والثاني: أن يجعل الحق نعتا للدين؛ فكأنه قال: والدين الذي هو الحق من بين سائر الأديان.

والثالث: أن يقول: الذي على كل أحد قبوله والانقياد له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ له وجهان: أحدهما: أن يقول ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ، يعني: يظهر رسوله  على غيره بما يحتاج في هذا الدين من النوازل؛ فيكون فيه بيان أن ما جاء عنه -  - في هذه النوازل إنما هو بالوحي وبما أظهره الله  عليه.

ويحتمل: بإظهار هذه الدين في الأماكن.

قال: والدين: هو الخضوع والاستسلام لله  ، فحقيقته أن يجعل الأشياء كلها سالمة لهز وقوله ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، قال الشيخ - رحمه الله -: ويقتضى هذا: ولو كره المعتزلة؛ لأن إتمام نوره كان بالحجج، أو بالنصر والغلبة، أو بإظهاره في الأماكن كلها فإنما يكون ذلك بأفعال العباد، ثم أضاف الله  إلى نفسه؛ فثبت أن لله  في أفعال العباد صنعا وتدبيرا، وإن كان أفعالهم كلها مخلوقة لله لا تخرج عن تدبيره ومشيئته، والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يريد هؤلاء المكذبون أن يطفئوا نور الله بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة ومن التشويه للحق، والله مكمل نوره على رغم أنوفهم بإظهار دينه في مشارق الأرض ومغاربها وإعلاء كلمته.

<div class="verse-tafsir" id="91.VkyRX"

مزيد من التفاسير لسورة الصف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله