الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ١٩ من سورة الملك
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 47 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٩ من سورة الملك من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال تعالى : ( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ) أي : تارة يصففن أجنحتهن في الهواء ، وتارة تجمع جناحا وتنشر جناحا ) ما يمسكهن ) أي : في الجو ) إلا الرحمن ) أي : بما سخر لهن من الهواء ، من رحمته ولطفه ، ( إنه بكل شيء بصير ) أي : بما يصلح كل شيء من مخلوقاته .
وهذه كقوله : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) [ النحل : 79 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)
قوله تعالى : أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير [ ص: 201 ] قوله تعالى : أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور .
و " صافات " أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ; لأنهن إذا بسطنها صففن قوائمها صفا .
ويقبضن أي يضربن بها جنوبهن .
قال أبو جعفر النحاس : يقال للطائر إذا بسط جناحيه : صاف ، وإذا ضمهما فأصابا جنبه : قابض ; لأنه يقبضهما .
قال أبو خراش :يبادر جنح الليل فهو موائل يحث الجناح بالتبسط والقبضوقيل : ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران .
وهو معطوف على صافات عطف المضارع على اسم الفاعل ; كما عطف اسم الفاعل على المضارع في قول الشاعر :بات يعشيها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائرما يمسكهن أي ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عز وجل .
إنه بكل شيء بصير .
وهذا عتاب وحث على النظر إلى حالة الطير التي سخرها الله، وسخر لها الجو والهواء، تصف فيه أجنحتها للطيران، وتقبضها للوقوع، فتظل سابحة في الجو، مترددة فيه بحسب إرادتها وحاجتها.
{ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ } فإنه الذي سخر لهن الجو، وجعل أجسادهن وخلقتهن في حالة مستعدة للطيران، فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } فهو المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حكمته.
( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ) تصف أجنحتها في الهواء ( ويقبضن ) أجنحتها بعد البسط ( ما يمسكهن ) في حال القبض [ والبسط ] أن يسقطن ( إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير )
«أوَلم يروا» ينظروا «إلى الطير فوقهم» في الهواء «صافات» باسطات أجنحتهن «ويقبضن» أجنحتهن بعد البسط، أي وقابضات «ما يمسكهن» عن الوقوع في حال البسط والقبض «إلا الرحمن» بقدرته «إنه بكل شيء بصير» المعنى: ألم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره من العذاب.
أغَفَل هؤلاء الكافرون، ولم ينظروا إلى الطير فوقهم، باسطات أجنحتها عند طيرانها في الهواء، ويضممنها إلى جُنوبها أحيانًا؟
ما يحفظها من الوقوع عند ذلك إلا الرحمن.
إنه بكل شيء بصير لا يُرى في خلقه نقص ولا تفاوت.
بل مَن هذا الذي هو في زعمكم- أيها الكافرون- حزب لكم ينصركم من غير الرحمن، إن أراد بكم سوءًا؟
ما الكافرون في زعمهم هذا إلا في خداع وضلال من الشيطان.
بل مَن هذا الرازق المزعوم الذي يرزقكم إن أمسك الله رزقه ومنعه عنكم؟
بل استمر الكافرون في طغيانهم وضلالهم في معاندة واستكبار ونفور عن الحق، لا يسمعون له، ولا يتبعونه.
ثم تنتقل السورة بعد هذا التهديد والإِنذار ، إلى دعوتهم إلى التأمل والتفكر ، فى مشهد الطير صافات فى الجو .
.
وفى أحوال أنفسهم عند اليأس والفقر ، وعند الهزيمة والإعراض عن الحق .
.
فيقول - سبحانه - :( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير .
.
) .قال بعض العلماء : قوله : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير .
.
) عطف على جملة ( هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً .
.
) استرسالا فى الدلائل على انفراد الله - تعالى - بالتصرف فى الموجودات ، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم ، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات ، وهى أحوال الطير فى نظام حركاتها فى حال طيرانها ، إذ لا تمشى على الأرض كما هو فى حركات غيرها على الأرض ، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفرد به .
.والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَرَوْا .
.
.
) للتعجيب من حال المشركين ، لعدم تفكرهم فيما يدعو إلى التفكر والاعتبار .
.والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والطير : جمع طائر كصحب وصاحب .
.والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون ، وانطمست أعينهم عن رؤية الطير فوقهم ، وهن ( صَافَّاتٍ ) أى : باسطات أجنحتهن فى الهواء عند الطيران فى الجو ، ( وَيَقْبِضْنَ ) أى : ويضممن أجنحتهن تارة على سبيل الاستظهار بها على شدة التحرك فى الهواء .
.
( مَا يُمْسِكُهُنَّ ) فى حالتى البسط والقبض ( إِلاَّ الرحمن ) الذى وسعت رحمته وقدرته كل شئ ، والذى أحسن كل شئ خلقه .
.( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) أى : إنه - سبحانه - مطلع على أحوال كل شئ ، ومدبر لأمره على أحسن الوجوه وأحكمها .
.قال صاحب الكشاف : ( صَافَّاتٍ ) باسطات أجنحتهن فى الجو عند طيرانها ، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا ( وَيَقْبِضْنَ ) أى : ويضممها إذا ضربن بها جنوبهن .فإن قلت : لم قيل ( وَيَقْبِضْنَ ) ولم يقل : وقابضات؟قلت : لأن الأصل فى الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران فى الهواء كالسباحة فى الماء ، والأصل فى السباحة مد الأطراف وبسطها .
وأما القبض فطارئ على البسط .
للاستظهار به على التحرك ، فجئ بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل ، على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح .
.والمراد بإمساكهن : عدم سقوطهن إلى الأرض بقدرته وحكمته - تعالى - حيث أودع فيها من الخصائص ما جعلها تطير فى الجو ، كالسابح فى الماء .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله .
.
.
).
البرهان الأول: هو قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ ﴾ .
﴿ صَافَّات ﴾ أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قيل لم قال: ﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ولم يقل وقابضات، قلنا: لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارئ غير أصلي بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة، كما يكون من السابح.
ثم قال تعالى: ﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن ﴾ وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله، قلنا: نعم، وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير.
ثم إنه تعالى قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن ﴾ فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.
السؤال الثاني: أنه تعالى قال في النحل [79]: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله ﴾ وقال هاهنا: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن ﴾ فما الفرق؟
قلنا: ذكر في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية، وذكر هاهنا أنها صافات وقابضات، فكان إلهامها إلى كيفية البسط، والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ بِكُلّ شَيء بَصِيرٌ ﴾ وفيه وجهان الوجه الأول: المراد من البصير، كونه عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان بصر في هذا الأمر، أي حذق والوجه الثاني: أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول: إنه تعالى شيء، والله بكل شيء بصير، فيكون رائياً لنفسه ولجميع الموجودات، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئياً وأن كل الموجودات كذلك، فإن قيل: البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم، يقال: فلان بصير بكذا إن كان عالماً به، قلنا: لا نسلم، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات، بصير بالمبصرات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّن فِي السمآء ﴾ فيه وجهان: أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه.
والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة: أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل، إذا رأيته يركب بعض المعاصي ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ قرئ: بالتاء والياء ﴿ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم ﴿ صافات ﴾ باسطات أجنحتهنّ في الجوّ عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً ﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت: لم قيل: ويقبضن، ولم يقل: وقابضات؟
قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة؛ لأنّ الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها.
وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن ﴾ بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والخوافي، وبني الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ ﴾ يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ، وهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَهْدِيدٌ لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ﴾ باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، فَإنَّهُنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قَوادِمَها.
﴿ وَيَقْبِضْنَ ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جَنُوبَهُنَّ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحْرِيكِ، ولِذَلِكَ عَدَلَ بِهِ إلى صِيغَةِ الفِعْلِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأصْلِ في الطَّيَرانِ والطّارِئِ عَلَيْهِ.
﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ في الجَوِّ عَلى خِلافِ الطَّبْعِ.
﴿ إلا الرَّحْمَنُ ﴾ الشّامِلُ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ بِأنْ خَلَقَهُنَّ عَلى أشْكالِ وخَصائِصِ هَيْأتِهِنَّ لِلْجَرْيِ في الهَواءِ.
﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ يَعْلَمُ كَيْفَ يَخْلُقُ الغَرائِبَ ويُدَبِّرُ العَجائِبَ.
<div class="verse-tafsir"
جمع طائر {فَوْقَهُمْ} في الهواء {صافات} باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن {وَيَقْبِضْنَ} ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن ويقبضن معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى أي يصففن ويقبضن أو صافات وقابضات واختيار هذا التركيب باعتبار أن أصل الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والهواء للطائر كالماء للسابح والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك فجئ بما هو طارئ بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح {مَا يُمْسِكُهُنَّ} عن الوقوع عند القبض والبسط {إِلاَّ الرحمن} بقدرته وإلا فالثقيل طبعا حالا ولا يعلوا وكذا لو أمسك حفظه تدبيره عن العالم لتهافتت الأفلاك وما يُمْسِكُهُنَّ مستأنف وإن جعل حالاً من الضمير في يقبضن يجوز {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ} يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ أغْفَلُوا ولَمْ يَنْظُرُوا ﴿ إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ﴾ باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها فَإنَّهُنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قَوادِمَها أعْنِي ما تَقَدَّمَ مِن رِيشِها صَفًّا ونَصْبُ ﴿ صافّاتٍ ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أوْ مِن ضَمِيرِها في ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ وهو في مَوْضِعِ الحالِ فَتَكُونُ الحالُ مُتَداخِلَةً وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصافّاتٍ أوْ لِيَرَوْا ومَفْعُولُ صافّاتٍ عَلى الِاحْتِمالاتِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وناسَبَ ذِكْرُ الِاعْتِبارِ بِالطَّيْرِ ذِكْرَ التَّوَعُّدِ بِالحاصِبِ لا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِالحِجارَةِ إذْ قَدْ أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أصْحابَ الفِيلِ حِينَما رَمَتْهم بِهِ الطَّيْرُ، فَفي ذَلِكَ إذْكارُ قُرَيْشٍ بِتِلْكَ القِصَّةِ ﴿ ويَقْبِضْنَ ﴾ ويَضْمُمْنَ أجْنِحَتَهُنَّ إذا ضَرَبْنَ بِها جَنُوبَهُنَّ والعَطْفُ عَلى ﴿ صافّاتٍ ﴾ لِأنَّ المَعْنى يَصْفُفْنَ ويَقْبِضْنَ، أوْ صافّاتٍ وقابِضاتٍ وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ في مِثْلِهِ فَصِيحٌ شائِعٌ وعَكْسُهُ جائِزٌ حَسَنٌ إلّا عِنْدَ السُّهَيْلِيِّ فَإنَّهُ عِنْدَهُ قَبِيحٌ نَحْوَ قَوْلِهِ: باتَ يُعَشِّيها بِعَضْبِ باتِرٍ يَقْصِدُ في أسُوقُها وجائِرِ فَإنَّهُ أرادَ قاصِدٌ وجائِرٌ ولَمّا كانَ أصْلُ الطَّيَرانِ هو صَفُّ الأجْنِحَةِ لِأنَّ الطَّيَرانَ في الهَواءِ كالسِّباحَةِ في الماءِ، والأصْلُ فِيها مَدُّ الأطْرافِ وبَسْطُها وكانَ القَبْضُ طارِئًا عَلى البَسْطِ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحَرُّكِ، جِيءَ بِما هو طارَ غَيْرَ أصْلٍ بِلَفْظِ الفِعْلِ وبِما هو أصْلٌ بِلَفْظِ الِاسْمِ عَلى مَعْنى أنَّهُنَّ صافّاتٌ ويَكُونُ مِنهُنَّ القَبْضُ تارَةً بَعْدَ تارَةٍ ويَتَجَدَّدُ حِينًا إثْرَ حِينٍ كَما يَكُونُ مِنَ السّابِحِ ما ﴿ يُمْسِكُهُنَّ ﴾ في الجَوِّ عِنْدَ الصَّفِّ والقَبْضِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى طَبِيعَةِ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ مِنَ النُّزُولِ إلى الأرْضِ والِانْجِذابِ إلَيْها ﴿ إلا الرَّحْمَنُ ﴾ الواسِعُ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيْثُ بَرَّأهُنَّ عَزَّ وجَلَّ عَلى أشْكالٍ وخَصائِصَ وألْهَمَهُنَّ حَرَكاتٍ قَدْ تَأتّى مِنها الجَرْيُ في الهَواءِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَقْبِضْنَ ) وقَرَأ الزَّهْرِيُّ ﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ ﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ دَقِيقُ العِلْمِ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَيْفِيَّةَ إبْداعِ المُبْدِعاتِ وتَدْبِيرَ المَصْنُوعاتِ ومَن هَذا خَلْقُهُ عَزَّ وجَلَّ لِلطَّيْرِ عَلى وجْهٍ تَأتّى بِهِ جَرْيُهُ في الجَوِّ مَعَ قُدْرَتِهِ تَعالى أنْ يُجْرِيَهُ فِيهِ بِدُونِ ذَلِكَ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ رَبْطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها، ولَيْسَ فِيما ذَكَرْنا نُزُوعٌ إلى ما يَضُرُّ مِن أقْوالِ أهْلِ الطَّبِيعَةِ لِأنَّ كَوْنَ طَبِيعَةِ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ ما سَمِعْتَ أمْرٌ مَحْسُوسٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن كابَرَ حِسَّهُ، ومَثَلُهُ كَوْنُ الإمْساكِ بِالسَّبَبِ السّابِقِ وكَوْنُهُ سَبَبًا مِن آثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى الواسِعَةِ.
وأبى ذَلِكَ أبُو حَيّانٍ تَوَهُّمًا مِنهُ أنَّهُ نُزُوعٌ إلى ما يَضُرُّ مِن أقْوالِ أهْلِ الطَّبِيعَةِ وقالَ: نَحْنُ نَقُولُ إنَّ أثْقَلَ الأشْياءِ إذا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إمْساكَهُ في الهَواءِ واسْتِعْلاءَهُ إلى العَرْشِ كانَ ذَلِكَ، وإذا أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ إنْزالَ ما هو أخَفُّ سُفْلًا إلى مُنْتَهى ما يَنْزِلُ كانَ أيْضًا ولَيْسَ ذَلِكَ لِشَكْلٍ أوْ ثِقْلٍ أوْ خِفَّةٍ ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وأنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى السَّبَبِ عَقْلًا بَيْدَ أنا نَقُولُ إنَّهُ تَعالى اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ في هَذا العالَمِ ذَلِكَ الرَّبْطَ، وهو أمْرٌ عادِيٌّ اخْتارَهُ تَعالى حِكْمَةً وتَفَضُّلًا ولَوْ شاءَ جَلَّ وعَلا غَيْرَهُ لَكانَ كَما شاءَ وتَقْدِيمُ ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ عَلى ﴿ بَصِيرٌ ﴾ لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُ عَدَمَ شُمُولِ عِلْمِهِ تَعالى شَأْنُهُ.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: يخافون الله تعالى ويخافون عذابه، الذي هو بِالْغَيْبِ، فهو عذاب يوم القيامة.
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يعني: مغفرة لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: ثواباً عظيماً في الجنة ثم قال: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ.
اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر يعني: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد أو جهرتم به.
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر، وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: لا تجهروا بأصواتكم، فإن رب محمد يسمع فيخبره، قال الله تعالى للنبي : قل لهم يا محمد: أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ فإنه يعلم به.
ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين، فقال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: فكيف لا يعلم قول السر.
ثم قال عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ يعني: ألا يعلم السر، من خلق السر يعني: هو خلق السر في قلوب العباد، فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد؟
ثم قال: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ يعني: لطف علمه بكل شيء، يعني: يرى أثر كل شيء بما في القلوب من الخير والشر ويقال: لَطِيفٌ يرى أثر النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، خَبِيرٌ يعني: عالم بأفعال العباد وأقوالهم.
ثم ذكر نعمه على خلقه، ليعرفوا نعمته، فيشكروه ويوحدوه، فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا يعني: خلق لكم الأرض ذلولاً، ومدها وذللها وجعلها لينة، لكي تزرعوا فيها، وتنتفعوا منها بألوان المنافع، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها وجبالها.
وهذا خبر بلفظ الأمر وقال القتبي: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يعني: جوانبها.
ومنكبا الرجل: جانباه.
وقال قتادة: مَناكِبِها: جبالها.
قال: وكان لبشر بن كعب سرية، فقال لها: إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة لوجه الله؟
فقالت: مناكبها: جبالها، فصارت حرة.
فأراد أن يتزوجها، فسأل أبو الدرداء، فقال له: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ويقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، أي: سهل لكم السلوك فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، أي: تمشون فيها.
وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ يعني: تأكلون من رزق الله تعالى وتشكرونه.
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ يعني: إلى الله تبعثون من قبوركم.
ويقال: معناه: هو الذي ذلل لكم الأرض، قادر على أن يبعثكم، لأنه ذكر أولاً خلق السماء، ثم ذكر خلق الأرض، ثم ذكر النشور.
ثم خوفهم، فقال عز وجل: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ؟
قال الكلبي، ومقاتل: يعني: أمنتم عقوبة من في السماء؟
يعني: الرب تعالى إن عصيتموه.
ويقال: هذا على الاختصار ويقال: أمنتم عقوبة من هو جار حكمه في السماء.
قرأ أبو عمرو، ونافع أَمِنتُمْ بالمد، والباقون بغير مد بهمزتين، ومعناهما واحد وهو الاستفهام، والمراد به التوبيخ.
وقرأ ابن كثير بهمزة واحدة بغير مد، على لفظ الخبر.
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ يعني: يغور بكم الأرض، كما فعل بقارون.
فَإِذا هِيَ تَمُورُ يعني: تدور بكم إلى الأرض السفلى.
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ يعني: عذاب من في السماء.
أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً يعني: حجارة كما أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ.
وقال القتبي: «أم» على وجهين، مرة يراد بها الاستفهام، كقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ، ومرة يراد بها أو، كقوله: أَمْ أَمِنْتُمْ ويعني: أو أمنتم.
وهذا كقوله: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الإسراء: 68] .
ثم قال: فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ يعني: تعبيري عليهم بالعذاب.
ويقال: معناه سيظهر لكم كيف عذابي.
ثم قال: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأمم الخالية كذبوا رسلهم، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟
يعني: كيف كانت عقوبتي إياهم وإنكاري لهم؟
ثم قال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ؟
يعني: أو لم يعتبروا في خلق الله تعالى كيف خلق الطيور؟
فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ يعني: باسطات أجنحتها في الهواء.
وَيَقْبِضْنَ يعني: ويضممن أجنحتهن ويضربن بها.
مَا يُمْسِكُهُنَّ يعني: ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط.
إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعني: عالماً بصلاح كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:
١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.
وقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١» : ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.
وقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.
وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣» : تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.
وقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضاً لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ
ثُمَّ خَوَّفَ الكُفّارَ فَقالَ: ﴿ أأمِنتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإلَيْهِ النُّشُورُ وأمِنتُمْ" وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "النُّشُورُآمِنتُمْ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أأمِنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ "مَن في السَّماءِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمِنتُمْ عَذابَ مَن في السَّماءِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؟!
"وَتَمُورُ" بِمَعْنى: تَدُورُ.
قالَ مُقاتِلٌ: والمَعْنى: تَدُورُ بِكم إلى الأرْضِ السُّفْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ﴾ وهِيَ: الحِجارَةُ، كَما أُرْسِلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ أيْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ إنْذارِي لَكم في الدُّنْيا إذا نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ﴾ أيْ: تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ، وتَقْبِضُ أجْنِحَتَها بَعْدَ البَسْطِ، وهَذا مَعْنى الطَّيَرانِ، وهو بَسْطُ الجَناحِ وقَبْضُهُ بَعْدَ البَسْطِ ﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ أنْ يَقَعْنَ ﴿ "إلا الرَّحْمَنُ" .
﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُشُورُ ﴾ المَعْنى وقالَ الكُفّارُ لِلْخَزَنَةِ في مُحاوَرَتِهِمْ: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ سَمْعًا أو عَقْلًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويُغْنِي شَيْئًا لَآمَنّا ولَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في السَعِيرِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في وقْتٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ الِاعْتِرافُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسُحْقًا" نُصِبَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ وهو مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هَذا القَوْلُ مُسْتَقِرٌّ أزَلًا وُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ ولا يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى فِيهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، وتُنْصَبٌ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وأمّا ما وقَعَ وثَبَتَ فالوَجْهُ فِيهِ الرَفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ" ﴾ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"، ﴾ وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَسَحْقًا" بِسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "فَسَحُقًا" بِضَمِّ الحاءِ وهُما لُغَتانِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى أهْلَ الإيمانِ وهُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:"بِالغَيْبِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بِالغَيْبِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ والصِراطِ والمِيزانِ والجَنَّةِ والنارِ، فَآمَنُوا بِذَلِكَ وخَشُوا رَبَّهم فِيهِ، ونَحا إلى هَذا قَتادَةُ، والمَعْنى الثانِي: أنَّهم يَخْشَوْنَ رَبَّهم إذا غابُوا عن أعْيُنِ الناسِ، أيْ: في خَلَواتِهِمْ، ومِنهُ تَقَوُّلُ العَرَبِ: "فُلانٌ سالِمُ الغَيْبِ"، أيْ: لا يَضُرُّ، فالمَعْنى: يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الخَشْيَةِ في صَلاتِهِمْ وعِباداتِهِمْ وانْفِرادِهِمْ، فالِاحْتِمالُ الأوَّلُ مَدْحٌ بِالإخْلاصِ والإيمانِ، والثانِي مَدْحٌ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ في الخَلَواتِ، وذَلِكَ أحْرى أنْ يَفْعَلُوها عَلانِيَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَبَبُها أنَّ المُشْرِكِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلّا مُحَمَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما هَجَسَ في الصَدْرِ دُونَ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، فَكَيْفَ إذا نَطَقَ بِهِ سِرًّا أو جَهْرًا، و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها، وهَذا كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَن" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إعْرابُها رَفْعٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ خَلْقَهُ؟
فالمَفْعُولُ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، ومِنهم مَن قالَ: إعْرابُها نَصْبٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ اللهُ مَن خَلَقَ؟
وقالَ مَكِّيٌّ: وتَعَلَّقَ أهْلُ الزَيْغِ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي أنَّ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعالى هُمُ العِبادُ مِن حَيْثُ قالَ: "مَن"، فَتَخْرُجُ الأعْمالُ عن ذَلِكَ، لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ تَقُولُ: العِبادُ يَخْلُقُونَ أعْمالَهُمْ، وتَعَلُّقُهم بِهَذا التَأْوِيلِ ضَعِيفٌ، والكَلامُ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ مَأْخَذُهُ غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ فِيها لَهم ولا عَلَيْهِمْ.
و"الذَلُولُ" فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٍ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، يُقالُ: ذَلُولٌ بَيِّنُ الذِلِّ، بِكَسْرِ الذالِ، وذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُلِّ، بِضَمِّ الذالِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المَناكِبِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَناكِبُها: أطْرافُها، وهي الجِبالُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، وهي النَواحِي، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الطُرَفُ والفِجاجُ، وهَذا قَوْلٌ جارٍ مَعَ اللُغَةِ؛ لِأنَّها تَنْكَبُّ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ويَنْكَبُّ الماشِي فِيها، في مَناكِبَ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ في تَقْرِيبِ التَصَرُّفِ لِلنّاسِ، وفي التَمَتُّعِ في رِزْقِ اللهِ تَعالى، و"النُشُورُ": الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ﴾ [الملك: 15] استرسالاً في الدلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات وهي أحوال الطيرِ في نظام حركاتها في حال طيرانها إذ لا تمشي على الأرض كما هو في حركات غيرها على الأرض، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفردِ به.
واشتمل التذكير بعجيب خلقة الطير في طيرانها على ضرب من الإِطناب لأن الأوصاف الثلاثة المستفادة من قوله: ﴿ فوقهم صافات ويقبضن ﴾ تُصَوِّر صورة حركات الطيران للسامعين فتنبههم لدقائق ربما أغفلهم عن تدقيق النظر فيها نشأتُهم بينها من وقت ذهول الإدراك في زمن الصِّبا، فإن المرء التونسي أو المغربي مثلاً إذا سافر إلى بلاد الهند أو إلى بلاد السودان فرأى الفِيلَة وهو مكتمل العقل دَقيق التمييز أدرك من دقائق خلقة الفيل ما لا يدركه الرجل من أهل الهند الناشئ بين الفِيلة، وكم غفل الناس عن دقائق في المخلوقات من الحيوان والجماد ما لو تتبعوه لتجلى لهم منها مَا يَمْلأ وصفُه الصحف قال تعالى: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيفَ رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ [الغاشية: 1720]، وقال: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ [الذاريات: 21].
وقد رأيت بعض من شاهد البحر وهو كبير، ولم يكن شاهده من قبل، كيفَ امتلكه من العجب ما ليس لأحدٍ ممن ألفوه معشاره.
وهذا الإطناب في هذه السورة مخالف لما في نظير هذه الآية من سورة النحل (79) في قوله: ﴿ ألم يَروا إلى الطير مسخرات في جَوّ السماء ما يمسكهن إلاّ الله ﴾ وذلك بحسب ما اقتضاه اختلاف المقامين فسورة النحل رابعة قبل سورة الملك، فلما أوقظت عقولهم فيها للنظر إلى ما في خلقة الطير من الدلائل فلم يتفطنوا وسُلك في هذه السورة مسلك الإِطناب بزيادة ذكر أوصاف ثلاثة: فالوصف الأول: ما أفاده قوله: فوقهم } فإن جميع الدواب تمشي على الأرض والطير كذلك فإذا طار الطائر انتقل إلى حالة عجيبة مخالفة لبقية المخلوقات وهي السير في الجوّ بواسطة تحريك جناحيه وذلك سرّ قوله تعالى: ﴿ يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38] بعد قوله: ﴿ ولا طائر في ﴾ [سورة الأنعام: 38] لقصد تصوير تلك الحالة.
الوصف الثاني: ﴿ صافات ﴾ وهو وصف بوزن اسم الفاعل مشتق من الصَّف، وهو كون أشياء متعددة متقاربة الأمكنة وباستواء، وهو قاصر ومتعد، يقال: صَفّوا، بمعنى اصطفوا كما حكى الله عن الملائكة: ﴿ وإنا لنحن الصَّافُّون ﴾ [الصافات: 165] وقال تعالى في البُدْن ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صَوافَّ ﴾ [الحج: 36].
ويقال: صفهم إذا جعلهم مستوين في الموقف، وفي حديث ابن عباس في الجنائز «مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر منبوذ» إلى قوله: «فصفَّنا خلفه وكبَّر».
والمراد هنا أن الطير صافّة أجنحتها فحذف المفعول لعلمه من الوصف الجاري على الطير إذ لا تجعل الطير أشياء مصفوفة إلاّ ريش أجنحتها عند الطيران فالطائر إذا طار بسط جناحيه، أي مدها فصفّ ريش الجناح فإذا تمدد الجناحُ ظهر ريشه مصطّفاً فكان ذلك الاصطفاف من أثر فعل الطير فوصفت به، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ والطير صافات ﴾ في سورة النور (41).
وبسط الجناحين يُمكّن الطائرَ من الطيران فهو كمدّ اليدين للسابح في الماء.
الوصف الثالث: ويقبضن } وهو عطف على ﴿ صافات ﴾ من عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق وإفادةِ الاتصاف بحدوث المصدر في فاعله، فلم يفت بعطفه تماثل المعطوفين في الاسمية والفعلية الذي هو من محسنات الوصل.
والقَبض: ضد البسط.
والمراد به هنا ضد الصّف المذكور قبله، إذ كان ذلك الصف صادقاً على معنى البسط ومفعوله المحذوف هنا هو عين المحذوف في المعطوف عليه، أي قابضات أجنحتهن حين يدنينها من جُنوبهن للازدياد من تحريك الهواء للاستمرار في الطيران.
وأوثر الفعل المضارع في ﴿ يَقْبضن ﴾ لاستحضار تلك الحالة العجيبة وهي حالة عكس بسط الجناحين إذ بذلك العكس يزداد الطيران قوة امتداد زمان.
وجيء في وصف الطير ب ﴿ صافات ﴾ بصيغة الاسم لأن الصف هو أكثر أحوالها عند الطيران فناسبه الاسم الدال على الثبات، وجيء في وصفهن بالقبض بصيغة المضارع لدلالة الفعل على التجدد، أي ويجددن قبض أجنحتهن في خلال الطيران للاستعانة بقبض الأجنحة على زيادة التحرك عندما يَحسسن بتغلب جاذبية الأرض على حركات الطيران، ونظيره قوله تعالى في الجِبال والطيرِ ﴿ يسبحن بالعشيّ والإِشراق والطيرَ محشورة ﴾ [ص: 18 19] لأن التسبيح في وقتين والطير محشورة دَوْماً.
وانتصَب ﴿ فوقهم ﴾ على الحال من ﴿ الطير ﴾ وكذلك انتصب ﴿ صافات ﴾ .
وجملة ﴿ ويقبضن ﴾ في موضع نصب على الحال لعطفها على الوصف الذي هو حال فالرؤية بصرية مضمنة معنى النظر، ولذلك عُديت إلى المرئي ب (إلى).
والاستفهام في ﴿ أو لم يَروا ﴾ إنكاري، ونزلوا منزلة من لم يرَ هاته الأحوال في الطير لأنهم لم يعتبروا بها ولم يهتدوا إلى دلالتها على انفراد خالقها بالإِلهية.
وجملة ﴿ ما يمسكهن إلاّ الرحمان ﴾ مبينة لجملة ﴿ أو لم يروا إلى الطير ﴾ وما فيها من استفهام إنكار، أي كان حقهم أن يعلموا أنهن ما يُمسكُهن إلاّ الرحمان إذ لا ممسك لها ترونه كقوله تعالى: ﴿ ويمسك السماء أن تقع على الأرض ﴾ [الحج: 65].
وفي هذا إيماء إلى أن الذي أمسك الطير عن الهُوِيّ المفضي إلى الهلاك هو الذي أهلك الأمم الذين من قبللِ هؤلاء فلو لم يشركوا به ولو استعصموا بطاعته لأنجاهم من الهلاك كما أنجى الطيْر من الهُوِيّ.
ومعنى إمساك الله إياها: حفظها من السقوط على الأرض بما أودع في خلقتها من الخصائص في خفة عظامها وقوة حركة الجوانح وما جعل لهن من القوادم، وهي ريشات عشر هي مقاديم ريش الجناح، ومن الخوافي وهي ما دونها من الجناح إلى منتهى ريشه، وما خلقه من شكل أجسادها المعين على نفوذها في الهواء فإن ذلك كله بخلق الله إياها مانعاً لها من السقوط وليس ذلك بمعاليق يعلقها بها أحد كما يعلق المشعوذ بعض الصور بخيوط دقيقة لا تبدو للناظرين.
وإيثار اسم ﴿ الرحمان ﴾ هنا دون الاسم العلَم بخلاف ما في سورة النحل (79) ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلاّ الله ﴾ لعله للوجه الذي ذكرناه آنفاً في خطابهم بطريقة الإِطناب من قوله: أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات } الآية.
فمن جملة عنادهم إنكارهم اسم ﴿ الرحمان ﴾ فلما لم يرعووا عما هم عليه ذكر وصف ﴿ الرحمان ﴾ في هذه السورة أربع مرات.
وجملة ﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ تعليل لمضمون ﴿ ما يمسكهُنّ إلاّ الرحمان ﴾ أي أمسكهن الرحمان لعموم علمه وحكمته ولا يمسكهن غيره لقصور علمهم أو انتفائه.
والبصير: العليم، مشتق من البصيرة، فهو هنا غير الوصف الذي هو من الأسماء الحسنى في نحو: السميع البصير، وإنما هو هنا من باب قولهم: فلان بصير بالأمور.
وقوله تعالى: ﴿ إن الله بصير بالعباد ﴾ [غافر: 44]، فهو خبر لا وصف ولا منزل منزلة الاسم.
وتقديم ﴿ بكل شيء ﴾ على متعلقه لإفادة القصر الإِضافي وهو قصر قلب ردّاً على من يزعمون أنه لا يعلم كل شيء كالذين قيل لهم ﴿ وأسروا قولكم أو اجهروا به ﴾ [الملك: 13].
<div class="verse-tafsir"
﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتَحَرَّكُ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: تَدُورُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: تُسِيلُ ويَجْرِي بَعْضُها في بَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ رَمَيْنَ فَأقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَنْ تَرى دَمًا مائِرًا إلّا جَرى في الخَيازِمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سمعوا لها شهيقاً ﴾ قال: صياحاً.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟
قالت: إنه كان يستحي مني فيقول: أرسلوا عبدي قال: وإن العبد ليجر إلى النار فيقول يا رب ما كان هذا الظن بك، قال: فما كان ظنك؟
قال: كان ظني أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، قال: وإن الرجل ليخر إلى النار فتشهق إليه شهيق البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.
وأخرج هناد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهي تفور ﴾ قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: تتفرق.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: يفارق بعضها بعضاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول حسان: ألا من مبلغ عني أبياً ** فقد ألقيت في سحق السعير وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ قال: سحق واد في جهنم.
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ قال: الجنة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾ تنبيه على الاعتبار بطيران الطيور في الهواء من غير شيء يمسكها، وصافَّات جمع صافة وهي التي تبسط جناحها للطيران، والقبض: ضم الجناحين إلى الجنب وعطف يقبض على صافات، لأن الفعل في معنى الاسم تقديره: قابضات.
فإن قيل: لِمَ لم يقل قابضات على طريقة صافات؟
فالجواب: أن يبسط الجناحين هو الأصل في الطيران، كما أن مدَّ الأطراف هو الأصل في السباحة، فذكر بصيغة اسم الفاعل لدوامه وكثرته، وأما قبض الجناحين فإما يفعله الطائر قليلاً للاستراحة والاستعانة، فذكر بلفظ الفعل لقلته.
<div class="verse-tafsir"
[قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ .
الشهيق: هو الصوت المنكر.
ثم من الناس من يقول: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، أي: لجهنم.
ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد منه الأهل؛ كما قال: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو [من الذي يعقل]، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا يعقل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .
أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار النار [فيغلي النار بطعامهم وشرابهم].
وقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .
فجائز أن يكون [هذا] كناية عن الخزنة.
وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع في نفسه؛ ويسلم لأوليائه.
ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله الذين مع رسول الله ؛ لما [وجد] فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله - : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.
وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[ينذركم لقاء يومكم هذا\] ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ .
وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ﴿ فَكَذَّبْنَا ﴾ بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: ﴿ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مما تنذروننا به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .
فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ .
ففي قوله: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، فقوله: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ ، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا.
وقال بعضهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ : في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ﴿ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم.
وقيل: السحق: واد في جهنم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: يخشون الله - - أن يعذبهم.
أو أن يخشوه فيما أوعدهم.
ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله ، لكنهم يتفاوتون في الخشية.
ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله ؛ لما رأى من كثرة نعم الله وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.
ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.
ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!
واستدل على صحة ما ذكر بقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟!
فقال: "بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة" ، وقال - -: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ .
فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.
ثم المعتزلة لا يخافون الله ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله - - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله - - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله ، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله وفضله، ولا بذلك وصف الله المؤمنين في كتابه، ولأن الله أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله ؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه - - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله ؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .
أي: من يرجو الله ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.
والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .
تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.
وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف ﴿ مَنْ ﴾ لا يرجع إلى الله ، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف ﴿ مَنْ ﴾ يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.
وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتح به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مذكور على أثر قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.
ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .
في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، وإذا أراد [أحد] أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه.
وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق.
وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه مصالحهم.
<div class="verse-tafsir"
أَوَلم يشاهد هؤلاء المكذبون الطير فوقهم مُصْطفًّا بعضها جنب بعض، ما يمسكهنّ أن يقعن علي الأرض إلا الله، إنه بكل شيء بصير، لا يخفى عليه منه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.0nOeN"