الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ٧ من سورة الملك
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧ من سورة الملك من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا ) قال ابن جرير : يعني الصياح .
( وهي تفور ) قال الثوري : تغلي بهم كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير .
وقوله: (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا ) يعني إذا ألقى الكافرون في جهنم (سَمِعُوا لَهَا ) يعني لجهنم (شَهِيقًا ) يعني بالشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدّة كصوت الحمار، كما قال رؤبة في صفة حمار: حَشْـرج فـي الجَوْفِ سَحيلا أوْ شهَقْ حَــتَّى يُقَــال نـاهِق ومَـا نَهَـقْ (1) وقوله: (وَهِيَ تَفُورُ ) يقول: تَغْلِي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد (سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ) يقول: تغلي كما يغلي القدر.
القول في تأويل قوله تعالى : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9) ------------------------ الهوامش: (1) البيتان في (ديوان رؤبة الراجز طبع ليبسج 106) وحشرج الحمار: قطع صوته وردده في حلقه، والسحيل: صوت إلى البحة يدور في صدر الحمار، وكذلك السحال بالضم والشهيق: نهيق الحمار.
والشهيق: رد النفس، والزفير: إخراج النفس، قال الله عز وجل في صفة أهل النار: ( لهم فيها زفير وشهيق ) قال الزجاج: الزفير والشهيق: من أصوات المكروبين.
قال: والزفير من شديد الأنين وقبيحة.
والشهيق: الأنين الشديد المرتفع جدا.
قال: وزعم بعض أهل اللغة من البصريين والكوفيين: أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار من النهيق، والشهيق: بمنزلة آخر صوته في الشهيق.
وروى عن الربيع في قوله: ( لهم فيها زفير وشهيق )قال: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر (اللسان: شهق).
قوله تعالى : إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفورقوله تعالى : إذا ألقوا فيها يعني الكفار .سمعوا لها شهيقا أي صوتا .
قال ابن عباس : الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها ; تشهق إليهم شهقة البغلة للشعير ، ثم تزفر زفرة لا [ ص: 196 ] يبقى أحد إلا خاف .
وقيل : الشهيق من الكفار عند إلقائهم في النار قاله عطاء .
والشهيق في الصدر ، والزفير في الحلق .
وقد مضى في سورة " هود " .وهي تفور أي تغلي ; ومنه قول حسان :تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفورقال مجاهد : تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير .
وقال ابن عباس : تغلي بهم على المرجل ; وهذا من شدة لهب النار من شدة الغضب ; كما تقول فلان يفور غيظا .
{ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا } على وجه الإهانة والذل { سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا } أي: صوتًا عاليًا فظيعًا، { وَهِيَ تَفُورُ } .
( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا ) وهو أول نهيق الحمار وذلك أقبح الأصوات ( وهي تفور ) تغلي بهم كغلي المرجل .
وقال مجاهد : تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل .
«إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا» صوتا منكرا كصوت الحمار «وهي تفور» تغلي.
إذا طُرح هؤلاء الكافرون في جهنم سمعوا لها صوتًا شديدًا منكرًا، وهي تغلي غليانًا شديدًا.
ثم بين - سبحانه - أحوالهم الأليمة حينما يلقون جميعا فى النار فقال : ( إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ .
.
)والظرف " إذا " متعلق بقوله ( سَمِعُواْ ) والشهيق : تردد النفس فى الصدر بصعوبة وعناء .
.أى : أن هؤلاء الكافرين بربهم ، عندما يلقون فى النار ، يسمعون لها صوتا فظيعا منكرا ، ( وَهِيَ تَفُورُ ) أى : وحالها أنها تغلى بهم غليان المرجل بما فيه ، إذا الفوز : شدة الغليان ، ويقال ذلك فى النار إذا هاجت ، وفى القدر إذا غلت .
.
الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿ إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا ﴾ .
﴿ أَلْقَوْاْ ﴾ طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ويرمى به فيها، ومثله قوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ وفي قوله: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا ﴾ وجوه: أحدها: قال مقاتل: سمعوا لجهنم شهيقاً، ولعل المراد تشبيه صوت لهب النار بالشهيق، قال الزجاج: سمع الكفار للنار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات، وهو كصوت الحمار، وقال المبرد: هو والله أعلم تنفس كتنفس المتغيظ.
وثانيها: قال عطاء: سمعوا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها شهيقاً.
وثالثها: سمعوا من أنفسهم شهيقاً، كقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ والقول هو الأول.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ وَهِىَ تَفُورُ ﴾ قال الليث: كل شيء جاش فقد فار، وهو فور القدر والدخان والغضب والماء من العين، قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل، وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل، ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب، قال المبرد: يقال تركت فلاناً يفور غضباً، ويتأكد هذا القول بالآية الآتية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الدنيا ﴾ القربى؛ لأنها أقرب السموات إلى الناس، ومعناها: السماء الدنيا منكم.
والمصابيح السرج، سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بأثقاب المصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها ﴿ بمصابيح ﴾ أي بأي مصابيح لا توازيهامصابيحكم إضاءة، وضممنا إلى ذلك منافع أخر: أنا (جعلنا رجوما) لأعدائكم: (للشياطين) الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات وتهتدون بها في ظلمات البر والبحر.
قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها.
فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلف مالا علم له به وعن محمد بن كعب: في السماء والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم علة.
والرجوم: جمع رجم: وهو مصدر سمي به ما يرجم به.
ومعنى كونها مراجم للشياطين: أنّ الشهب التي تنقض لرمي المسترقة منهم منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها؛ لأنها قارة في الفلك على حالها.
وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص.
وقيل: من الشياطين المرجومة من يقتله الشهاب.
ومنهم من يخبله.
وقيل: معناه وجعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون.
﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير ﴾ في الآخرة بعد عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ.
﴿ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ لِلَّذِينَ عَطْفٌ عَلى لَهم وعَذابٌ عَلى عَذابِ السَّعِيرِ.
﴿ إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ صَوْتًا كَصَوْتِ الحَمِيرِ.
﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ تَغْلِي بِهِمْ غَلَيانَ المِرْجَلِ بِما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
{إذا ألقوا فيها} طرحوا في جنهم كما يطرح الحطب في النار العظيمة {سَمِعُواْ لَهَا} لجهنم {شَهِيقًا} صوتاً منكراً كصوت الحمير شبه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق {وَهِىَ تَفُورُ} تغلي بهم غليان المرجل بما فيه
﴿ إذا أُلْقُوا فِيها ﴾ أيْ طُرِحُوا فِيها كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ﴿ سَمِعُوا لَها ﴾ أيْ لِجَهَنَّمَ نَفْسِها كَما هو الظّاهِرُ ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ شَهِيقًا ﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَتُهُ فَلَمّا صارَتْ حالًا أيْ ﴿ سَمِعُوا ﴾ كائِنًا ﴿ لَها شَهِيقًا ﴾ أيْ صَوْتًا كَصَوْتِ الحَمِيرِ وهو حَسِيسُها المُنْكَرُ الفَظِيعُ، فَفي ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الشَّهِيقُ لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها ومِن أنْفُسِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ﴾ والكَلامُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ أوْ تَجُوزُ في النِّسْبَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لَهم بَعْدَ القَرارِ في النّارِ وبَعْدَ ما يُقالُ لَهُمُ ﴿ اخْسَئُوا فِيها ﴾ .
وهو بَعْدَ سِتَّةِ آلافِ سَنَةٍ مِن دُخُولِهِمْ كَما في بَعْضِ الآثارِ ورَدَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى انْحِصارِ حالِهِمْ حِينَئِذٍ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ لا عَلى عَدَمِ وُقُوعِها مِنهم قَبْلُ.
<div class="verse-tafsir"
نقل الآثار في فضل هذه السورة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تَبارَكَ من البركة وهي التزيّد في الخيرات، قال الثعلبي: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أي: تَعَالَى وتَعَاظَمَ وَقَالَ الحسنُ:
تَقَدَّسَ الذي بيده الملكُ في الدنيا والآخرة «١» ، وقال ابن عباس: بِيَدِهِ الْمُلْكُ: يُعِزُّ مَنْ يَشاء ويذل من يشاء «٢» .
انتهى.
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)
وقوله سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ...
الآية، الموتُ والحياةُ مَعْنَيَانِ يَتَعَاقَبَانِ جِسْمَ الحيوانِ، يَرْتَفِعُ أحدهما بحلُولِ الآخَرِ، وما جاء في الحديثِ الصحيح من قوله- عليه الصلاة والسلام-: «يُؤتَى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيَامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ» «٣» الحديث، فقال أهْلُ العِلْمِ: إنَّما ذَلِكَ تِمْثَالُ كَبْشٍ يُوقِعُ اللَّهُ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ لأَهْلِ الدَّارَيْنِ أَنَّه الموتُ الذي ذَاقُوه في الدنيا، ويكونُ ذلك التمثالُ حَامِلاً للموتِ، لاَ عَلى أنه يَحُلُّ الموتُ فيه فَتَذْهَبُ عنهُ حياةٌ، ثم يَقْرِنُ اللَّه تعالى في ذلك التمثالِ إعْدَامَ الموتِ.
وقوله سبحانه: لِيَبْلُوَكُمْ أي: جَعَلَ لَكُمْ هاتينِ الحالتَيْنِ ليبلوَكم، أي: ليختبرَكم في حالِ الحياةِ ويُجَازِيكُم بَعْدَ الممات، وقال أبو قتادة، ونحوه عن ابن عمر، قلت:
يا رسول اللَّه، مَا مَعْنى قولِه/ تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا؟
فَقَال: يقول: أَيُّكُمْ أحْسَنُ عَقلاً، وأشَدُّكم للَّهِ خَوْفاً، وأحْسَنُكم في أمْرِه ونهيهِ نَظَراً، وإن كَانُوا أقلَّكم تطوُّعاً «٤» ، وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أزهدكم في
الدنيا «١» ، قال القرطبي «٢» : وقال السدي: (أحْسَنُكُمْ عَمَلاً) ، أي: أكثَركم للموت ذِكْراً، وله أحْسَنُ استعداداً، ومِنْه أشَدُّ خوفاً وحذَراً، انتهى من «التذكرة» ، وللَّه در القائل: [الطويل]
وَفِي ذِكْرِ هَوْلِ المَوْتِ وَالقَبْرِ والبلى ...
عَنِ الشُّغْلِ باللَّذَّاتِ لِلْمَرْءِ زَاجِرُ
أَبَعْدَ اقتراب الأَرْبَعِينَ تَرَبُّصٌ ...
وَشَيْبٌ فَذَاكَ مُنْذِرٌ لَكَ ذَاعِرُ
فَكَمْ في بُطُونِ الأَرْضِ بَعْدَ ظُهُورِهَا ...
مَحَاسِنُهُمْ فِيهَا بَوَالٍ دَوَاثِرُ
وَأَنْتَ عَلَى الدّنْيَا مُكِبٌّ مُنَافِس ...
لِخُطَّابِهَا فِيهَا حَرِيصٌ مُكَاثِرُ
على خَطَرٍ تُمْسِي وَتُصْبِحُ لاَهِياً ...
أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخَاطِرُ
وَإنَّ امرأ يسعى لِدُنْيَاه جَاهِداً ...
وَيَذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لاَ شَكَّ خَاسِرُ
كَأَنَّكَ مُغْتَرٌّ بِمَا أَنْتَ صَائِرٌ ...
لِنَفْسِكَ عَمْداً أوْ عَنِ الرُّشْدِ جَائِرُ
فَجِدَّ وَلاَ تَغْفُلْ فَعَيْشُكَ زَائِلٌ ...
وَأَنْتَ إلى دَارِ المَنِيَّةِ صَائِرُ
وَلاَ تَطْلُبِ الدُّنْيَا فَإنَّ طِلاَبَهَا ...
وَإنْ نِلْتَ مِنْهَا ثَرْوَةً لَكَ ضَائِرُ
وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ ...
بِمَوْقِفِ عَدْلٍ يَوْمَ «٣» تُبْلَى السَّرَائِرُ
لَقَدْ خَضَعَتْ واستسلمت وَتَضَاءَلَتْ ...
لِعِزَّةِ ذي العرش الملوك الجبابر
انتهى،، وطِباقاً قال الزَّجَّاجُ: هو مصدرٌ، وقيل: جمعُ طَبَقَةٍ، أو جَمْعُ طَبَقِ، والمعنى: بعضُها فوق بعض، وقال إبان بن ثعلب: سمعتُ أعْرابياً يذُمّ رَجُلاً فقال: شَرُّهُ طِبَاقُ/ وَخَيْرُه غَيْر باقٍ، وما ذَكره بعضُ المفسرينَ في السموات منْ أنَّ بعضَها مِن ذَهَبٍ وفضةٍ وياقوتٍ ونحوِ هذا، ضعيفٌ لم يَثْبُتْ بذلك حديث.
وقوله سبحانه: مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ معناه من قِلَّةِ تَنَاسُبٍ، ومنْ خروجٍ عن إتقانٍ، قال بعض العلماء: خَلْقُ الرحمن، معنيٌّ بهِ السموات وإيَّاها أرادَ بقوله:
هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ وبقوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ ...
الآية، وقال آخرون: بلْ يعني بهِ جَميعَ مَا خَلَقَ سبحانه من الأشياء فإنَّها لاَ تَفَاوُتَ فيها، ولا فطورَ جاريةً عَلى غَيْرِ إتْقَانٍ، قال منذر بن سعيد: أمَرَ اللَّهُ تعالى بالنظرِ إلى السماءِ وخَلْقِها، ثم أمرَ بتكريرِ النظرِ، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ مَتَى نَظَرَها ناظرٌ لِيَرَى فيها خَلَلاً أو نَقْصاً فإنَّ بصره ينقلب خاسئا
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُلْكِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ يَقْرَؤُها كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ أخْذِ مَضْجَعِهِ،» رَواهُ جَماعَةٌ مَرْفُوعًا إلى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "إنَّها لِتُنْجِي مِن عَذابِ القَبْرِ، وتُجادِلُ عن حافِظِها حَتّى لا يُعَذَّبَ"،» ويُرْوى أنَّ في التَوْراةِ سُورَةَ المُلْكِ، مَن قَرَأها في لَيْلَةٍ فَقَدْ أجادَ وأطْيَبَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "وَدِدْتُ أنَّ سُورَةَ ﴿ [تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ]﴾ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلَقَ الرَحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرَ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ ﴾ "تَبارَكَ" تَفاعَلَ، مِنَ البَرَكَةِ، وهي التَزَيُّدُ في الخَيْراتِ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "يَتَبارَكَ" وَلا "مُتَبارِكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِيَدِهِ المَلِكُ" عِبارَةٌ عن تَحْقِيقِ المُلْكِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ هي آلَةُ التَمَلُّكِ، فَهي مُسْتَعارَةٌ لِذَلِكَ، و"المُلْكُ" عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ مِنهُ شَيْءٌ، وذَلِكَ هو مُلْكُ اللهِ تَعالى، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مَلِكُ المُلُوكِ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ عُمُومٌ، فالشَيْءُ مَعْناهُ في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.
و"المَوْتَ والحَياةَ" مَعْنَيانِ يَتَعاقَبانِ جِسْمَ الحَيَوانِ، يَرْتَفِعُ أحَدُهُما بِحُلُولِ الآخَرِ، وما جاءَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ : « "يُؤْتى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُذْبَحُ عَلى الصِراطِ"،» فَقالَ أهْلُ العِلْمِ: ذَلِكَ تِمْثالُ كَبْشٍ يُوَقِّعُ الله تَعالى عَلَيْهِ العِلْمَ الضَرُورِيَّ لِأهْلِ الدارَيْنِ إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي خافُوهُ في الدُنْيا، ويَكُونُ ذَلِكَ التِمْثالُ حامِلًا لِلْمَوْتِ عَلى أنَّهُ يُحِلُّ المَوْتَ فِيهِ، فَتَذْهَبُ عنهُ حَياتُهُ، ثُمَّ يَقْرِنُ اللهُ تَعالى بِذَبْحِ ذَلِكَ التِمْثالِ إعْدامُ المَوْتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ، أيْ: لِيَخْتَبِرَكم في حالِ الحَياةِ ويُجازِيَكم بَعْدَ المَوْتِ، وقالَ أبُو قَتادَةَ -وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ ؟
فَقالَ: "يَقُولُ تَعالى: أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأشَدُّ لِلَّهِ تَعالى خَوْفًا، وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا وإنْ كانُوا أقَلَّكم تَطَوُّعًا،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا: أزْهَدُكم في الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَبْلُوَكُمْ" دالٌّ عَلى فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ أو يَعْلَمُ أيُّكُمْ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَوْتُ والحَياةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا والآخِرَةِ، سَمّى هَذِهِ مَوْتًا مِن حَيْثُ إنَّ فِيها المَوْتَ، وسَمّى تِلْكَ حَياةَ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَوَصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَدَّمَ المَوْتَ في اللَفْظِ لِأنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في النَفْسِ هَيْبَةً وغِلْظَةً.
و"طِباقًا" قالَ الزَجّاجُ: هو مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هو جَمْعُ طَبَقَةٍ أو جَمْعُ طَبَقٍ مِثْلُ رَحْبَةٍ ورِحابٍ أو جَبَلٍ وجِبالٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَذُمُّ رَجُلًا فَقالَ: شَرُّهُ طِباقٌ، وخَيْرُهُ غَيْرُ باقٍ، وما ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في السَماواتِ أنَّ بَعْضَها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وياقُوتٍ ونَحْوِ هَذا ضَعِيفٌ كُلُّهُ ولَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ حَدِيثٌ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ حَقِيقَةً لِهَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ﴾ مَعْناهُ: مِن قِلَّةٍ تُناسِبُ، ومِن خُرُوجٍ عَنِ الِاتِّفاقِ، والأمْرُ المُتَفاوِتُ هو الَّذِي يُجاوِزُ الحُدُودَ الَّتِي لَهُ زِيادَةً أو نَقْصًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مِن تَفاوُتٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "مِن تَفَوُّتٍ" وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" يَعْنِي بِهِ السَماواتِ فَقَطْ، وهي الَّتِي تَتَضَمَّنُ اللَفْظَ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ ﴾ الآيَةُ، قالُوا: وإلّا فَفي الأرْضِ فُطُورٌ، وقالَ آخَرُونَ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" مَعْنِيٌّ بِهِ جَمِيعَ ما خَلَقَ اللهُ تَعالى مِنَ الأشْياءِ فَإنَّها لا تَفاوُتَ فِيها ولا فُطُورَ جارِيَةً عَلى غَيْرِ إتْقانٍ، ومَتى كانَتْ فُطُورٌ لا تُفْسِدُ الشَيْءَ المَخْلُوقَ مِن حَيْثُ هو ذَلِكَ الشَيْءُ بَلْ هي إتْقانٌ فِيهِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ المُرادَةَ في الآيَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أمَرَ اللهُ تَعالى بِالنَظَرِ إلى السَماءِ وخَلْقَها ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَكْرِيرِ في النَظَرِ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ مَتى نَظَرَها ناظِرٌ لِيَرى فِيها خَلَلًا أو نَقْصًا فَإنَّ بَصَرَهُ يَنْقَلِبُ خاسِئًا حَسِيرًا، "وَرَجْعُ البَصَرِ" تَرْدِيدُهُ في الشَيْءِ المُبْصَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَرَّتَيْنِ" مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، و"الخاسِئُ": المُبْعَدُ بِذُلٍّ عن شَيْءٍ أرادَهُ وعُرِضَ عَلَيْهِ، ومِنهُ الكَلْبُ الخاسِئُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ لِابْنِ صَيّادٍ: « "اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في الكُفّارِ الحَرِيصِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن جَهَنَّمَ: "اخْسَئُوا فِيها"، وكَذَلِكَ هُنا البَصَرُ يَحْرِصُ عَلى رَوِيَّةٍ فَطَوْرٍ أو تَفاوُتٍ فَلا يَجِدُ ذَلِكَ، فَيَنْقَلِبُ خاسِئًا، و"الحَسِيرُ": العَيِيُّ الكالُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجى أنْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَوى ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ <div class="verse-tafsir"
﴿ المصير * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ ﴾ ﴿ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ ﴾ .
الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان ذمَ مصيرهم في جهنم، أي من جملة مذام مصيرهم مذمة ما يسمعونه فيها من أصوات مؤلمة مخيفة.
و ﴿ إذا ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ سمعوا ﴾ يدل على الاقتران بين زمن الإِلقاء وزمن سماع الشهيق.
والشهيق: تردد الأنفاس في الصدر لا تستطيع الصعود لبُكاء ونحوه أطلق على صوت التهاب نار جهنم الشهيق تفظيعاً له لأن قوله: ﴿ سمعوا لها ﴾ يقتضي أن الشهيق شهيقها لأن أصل اللام أن تكون لشبه الملك.
وجملة ﴿ وهي تفور ﴾ حال من ضمير ﴿ فيها ﴾ وتفور: تغلي وترتفع ألسنَة لهيبها.
و ﴿ الغيظ ﴾ أشد الغضب.
وقوله: ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ خبر ثان عن ضمير ﴿ وهي ﴾ ، مثلت حالة فورانها وتصاعد ألسنة لهيبها ورطمها ما فيها والتهام من يُلقون إليها، بحال مغتاظ شديد الغيظ لا يترك شيئاً مما غاظه إلاّ سلط عليه ما يستطيع من الإِضرار.
واستعمل المركب الدال على الهيئة المشبه بها مع مرادفاته كقولهم: يكاد فلان يتميز غيظاً ويتقصف غَضَباً، أي يكاد تتفرق أجزاؤه فيتميز بعضها عن بعض وهذا من التمثيلية المكنية وقد وضحناها في تفسير قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة البقرة (5).
ونظير هذه الاستعارة قوله تعالى: ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ ﴾ في سورة الكهف (77) إذ مثل الجدار بشخص له إرادة.
وتميَّز} أصله تتميز، أي تنفصل، أي تتجزأ أجزاءً تخييلاً لشدة الاضطراب بأن أجزاءها قاربت أن تتقطع، وهذا كقولهم: غضب فلان فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الكُلِّ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّبارُكَ تَفاعُلٌ مِنَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَهو أبْلَغُ مِنَ المُبارَكِ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ بِالتَّبارُكِ واشْتِراكِ المَخْلُوقِينَ في المُبارَكِ.
الثّانِي: أيْ تَبارَكَ في الخَلْقِ بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وَفي قَوْلِهِ ( ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الثّانِي: مُلْكُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أعَزَّ بِها مَنِ اتَّبَعَهُ وأذَلَّ بِها مَن خالَفَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ.
﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ يَعْنِي المَوْتَ في الدُّنْيا، والحَياةَ في الآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: « (إنَّ اللَّهَ أذَلَّ بَنِي آدَمَ بِالمَوْتِ، وجَعَلَ الدُّنْيا دارَ حَياةٍ ثُمَّ دارَ مَوْتٍ، وجَعَلَ الآخِرَةَ دارَ جَزاءٍ ثُمَّ دارَ بَقاءٍ)» .
الثّانِي: أنَّهُ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ جِسْمَيْنِ، فَخَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ [أُنْثى بَلْقاءَ]، وهَذا مَأْثُورٌ حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيُّكم أتَمُّ عَقْلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أيُّكم أزْهَدُ في الدُّنْيا، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: أيُّكم أوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.
الرّابِعُ: أيُّكم لِلْمَوْتِ أكْثَرُ ذِكْرًا ولَهُ أحْسَنُ اسْتِعْدادًا ومِنهُ أشَدُّ خَوْفًا وحَذَرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أيُّكم أعْرَفُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أيُّكم أرْضى بِقَضائِهِ وأصْبَرُ عَلى بَلائِهِ.
﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُتَّفِقٌ مُتَشابِهٌ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ هَذا مُطابِقٌ لِهَذا أيْ شَبِيهٌ لَهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: يَعْنِي بِعْضَهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، قالَ الحَسَنُ: وسَبْعُ أرَضِينَ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وأرْضٍ خَلْقٌ وأمْرٌ.
﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ اخْتِلاَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ مُتَفاوِتاتٌ مِنَ الأعِنَّةِ قَطَّبا حَتّى وفي عَشِيَّةِ أثْقالِها.
الثّانِي: مِن عَيْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مِن تَفَرُّقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: لا يَفُوتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي مُسْلِمٍ.
قالَ الشّاعِرُ فَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ بِلَهْفٍ ولاَ بِلَيْتَ ولا لَوْ أنِّي ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ فانْظُرْ إلى السَّماءِ.
﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن شُقُوقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مِن خَلَلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مِن خُرُوقٍ قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: مِن وهَنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيِ انْظُرْ إلى السَّماءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
وَيَحْتَمِلُ أمْرُهُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ في الثّانِيَةِ أقْوى نَظَرًا وأحَدَّ بَصَرًا.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَرى في الثّانِيَةِ مِن سَيْرِ كَواكِبِها واخْتِلافِ بُرُوجِها ما لا يَراهُ مِنَ الأُولى فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا فُطُورَ فِيها.
وَتَأوَّلَ قَوْمٌ بِوَجْهٍ ثالِثٍ: أنَّهُ عَنى بِالمَرَّتَيْنِ قَلْبًا وبَصَرًا.
﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلَيْكَ البَصَرُ لِأنَّهُ لا يَرى فُطُورًا فَيَرْتَدُّ.
وَفي ( ﴿ خاسِئًا ﴾ ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذَلِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مُنْقَطِعًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: كَلِيلًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الرّابِعُ: مُبْعَدًا، قالَهُ الأخْفَشُ مَأْخُوذٌ مَن خَسَأْتَ الكَلْبَ إذا أبْعَدْتَهُ.
وَفي (حَسِيرٌ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ النّادِمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ما أنا اليَوْمَ عَلى شَيْءٍ خَلا ∗∗∗ يا ابْنَةَ القَيْنِ تَوَلّى بِحَسِيرْ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَلِيلُ الَّذِي قَدْ ضَعُفَ عَنْ إدْراكِ مَرْآهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ مَن مَدَّ طَرْفًا إلى ما فَوْقَ غايَتِهِ ∗∗∗ ارْتَدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حَسِرا.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُنْقَطِعُ مِنَ الإعْياءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ والخَيْلُ شُعْثٌ ما تَزالُ جِيادُها ∗∗∗ حَسْرى تُغادِرُ بِالطَّرِيقِ سِخالُها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتاة على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا هو بإنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر» .
وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة» وقال: «هي المانعة في القبور، وإن قرأءة قل هو الله أحد في صلاة تعدل قراءة ثلث القرآن، وإن قراءة قل يا أيها الكافرون في صلاة تعدل ربع القرآن، وإن قراءة إذا زلزلت في صلاة تعدل نصف القرآن» .
وأخرج عبد بن حميد في مسنده واللفظ له والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟
قال: بلى، قال اقرأ ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» .
وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره شقاقك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الربّ فاشفعي له، فانطلقت إلى الرب، فتقول: يا رب إن فلاناً عمد إليّ من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه؟
فإن كنت فاعلاً به فامحني من كتابك فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحق لي أن أغضب، فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشفعتك فيه، فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبا بهذا الفم فربما تلاني، وتقول: مرحباً بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه» فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجية.
وأخرج ابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: يؤتى الرجل في قبره فيؤتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد كان يقوم علينا بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان وعى فيّ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقرأ بي سورة الملك، فهي المانعة تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد كثر وأطيب.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال: كنا نسميها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المانعة، وإنها لفي كتاب الله سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب.
وأخرج أبو عبيد والبيهقي في الدلائل من طريق مرة عن ابن مسعود قال: إن الميت إذا مات أوقدت حوله نيران فتأكل كل نار يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها، وإن رجلاً مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فأتته من قبل رأسه، فقالت: إنه كان يقرؤني، فأتته من قبل رجليه، فقالت: إنه كان يقوم بي، فأتته من قبل جوفه فقالت: إنه كان وعاني فأنجته.
قال: فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك.
وأخرجه الدارمي وابن الضريس عن مرة مرسلاً.
وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن مرة قال: كان يقال: إن في القرآن سورة تجادل عن صاحبها في القبر تكون ثلاثين آية فنظروا فوجدوها تبارك.
وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً قال: يبعث رجل يوم القيامة لم يترك شيئاً من المعاصي إلا ركبها إلا أنه كان يوحد الله، ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة واحدة فيؤمر به إلى النار فطار من جوفه شيء كالشهاب، فقالت: اللهم إني مما أنزلت على نبيك صلى الله عليه وسلم وكان عبدك هذا يقرؤني، فما زالت تشفع حتى أدخلته الجنة، وهي المنجية ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [ الأعلى: 1] وفي صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿ ألم تنزيل ﴾ [ السجدة: 1] و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .
وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأجد في كتاب الله سورة هي ثلاثون آية من قرأها عند نومه كتب له منها ثلاثون حسنة، ومحي عنه ثلاثون سيئة، ورفع له ثلاثون درجة، وبعث الله إليه ملكاً من الملائكة ليبسط عليه جناحه ويحفظه من كل شيء حتى يستيقظ، وهي المجادلة تجادل عن صاحبها في القبر، وهي ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج الديلمي بسند واه عن أنس رضي الله عنه رفعه «لقد رأيت عجباً، رأيت رجلاً مات كان كثير الذنوب مسرفاً على نفسه، فكلما توجه إليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه أقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب، أنه كان يحافظ عليّ، وقد وعدني ربي أنه من واظب عليّ أن لا يعذبه، فانصرف عنه العذاب بها وكان المهاجرون والأنصار يتعلمونها ويقولون: المغبون من لم يتعلمها وهي سورة الملك» .
وأخرج ابن الضريس عن مرة الهمداني قال: أتى رجل من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل عنه حتى منعته من عذاب القبر، فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الصباح عن عبد العزيز عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخل رجل الجنة بشفاعة سورة من القرآن، وما هي إلا ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ ألم تنزيل ﴾ السجدة و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ كل ليلة لا يدعها في سفر ولا حضر.
قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ﴾ الآيتين.
أخرج ابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه مرفوعاً «كلمات من قالهن عن وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات، ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ﴾ » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن للموت ذكراً، وله استعداداً، ومنه خوفاً وحذراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: الحياة فرس جبريل عليه السلام، والموت كبش أملح.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الموت كبشاً أملح مستتراً بسواد وبياض له أربعة أجنحة، جناح تحت العرش، وجناح في الثرى، وجناح في المشرق وجناح في المغرب.
أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبع سماوات طباقاً ﴾ قال: بعضها فوق بعض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: ما يفوت بعضه بعضاً، مفاوت: مفرق.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: من اختلاف ﴿ فارجع البصر هل ترى فطور ﴾ قال: من خلل ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعني لا ترى في خلق الرحمن تفاوتاً ولا خللاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ من تفاوت ﴾ قال: تشقق، وفي قوله: ﴿ هل ترى من فطور ﴾ قال: شقوق وفي قوله: ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: كليل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الفطور الوهي.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: من خلل.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: تشقق أو خلل، وفي قوله: ﴿ ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: يرجع إليك ﴿ خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعي ولا يرى شيئاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: مترجع.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا ﴾ قال مقاتل: صوتًا مثل أول صوت الحمار (١) (٢) (٣) (٤) وقا الزجاج: يسمع الكفار للنار شهيقًا، وهو أقبح الأصوات، وهو كصوت الحمير (٥) وقال المبرد: هو -والله أعلم- تنفس كتنفس المتغيظ (٦) (٧) قوله ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ قال الليث: كل شيء جاش فقد فار، وهو فور القدر، والدخان، والغضب، والماء من العين (٨) قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل (٩) وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل (١٠) قال المبرد: يقال: تركت فلانًا يفور غضبًا (١١) ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ أي: تنقطع من غيظها عليهم فيماز بعضها من بعض كما يتميز الشيء، أي يفرق هذا المعنى (١٢) (١٣) وقال المبرد: ويقال للغضبان: تركته يتميز عليك غيظًا (١٤) ﴿ تَمَيَّزُ ﴾ : تفرق (١٥) قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ ﴾ الفوج: الجماعة من الناس.
والأفواج: الجماعات في تفرقة (١٦) ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ .
وقوله: ﴿ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴾ وهو سؤال توبيخ.
قال أبو إسحاق: وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب (١٧) ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي (١٨) (١٩) ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ أنهم صم الأسماع مجانين، ولكن أرادوا أنهم كانوا صمًّا عن الخير، غافلي القلوب عن الهدى.
وقال أبو إسحاق: أي لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار (٢٠) قال الله تعالى: ﴿ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ﴾ قال مقاتل: يعني بتكذيبهم الرسل (٢١) ﴿ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ والذنب هاهنا في معنى الجمع؛ لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس، أي: أعطياتهم؛ هذا قول الفراء (٢٢) ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ ﴾ ، وقد مر في مواضع.
وقوله (٢٣) ﴿ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ قال المفسرون: فبعدًا لهم (٢٤) (٢٥) (٢٦) ﴿ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ .
قال أبو إسحاق: (سحقًا) منصوب على المصدر.
المعنى: أسحقهم الله سحقًا، أي: باعدهم من رحمته مباعدة (٢٧) قال أبو علي: وكان القياس: إسحاقًا، فجاء المصدر على الحذف كقولهم: عمرك الله، وكما قال: وإن أهلك فذلك كان قدري (٢٨) أي: تقديري (٢٩) ثم أخبر عن المؤمنين وعما أعد لهم في الآخرة فقال: {وإِنَّ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12].
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يخافون عذاب ربهم ولم يروه فيؤمنون به خوفًا من عذابه (٣٠) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.
(٢) انظر: " التفسير الكبير" 30/ 63.
(٣) في (ك): (فجعلها).
(٤) ومنه قوله تعالى: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ قال ابن المنير: لا حاجة إلى حمله على المجاز فإن رؤية جهنم جائزة وقدرة الله تعالى صالحة، وقد تضافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكًا حسيًّا وعقليًّا.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا ﴾ وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: ﴿ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها ..
"حاشية الكشاف" 3/ 90.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" 5/ 199.
(٦) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.
(٧) عند تفسيره الآية (106) من سورة هود.
الشهيق ردُّ النَّفس.
يقال: شَهَقَ يشهَق ويشهِق ويشهُق شهيقًا، وبعضهم يقول: شهوقًا.
ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد.
وهو قول جميع أهل اللغة.
والشهيق آخر صوت الحمار إذا نهق.
وقيل: الشهق في الصدر.
وعن ابن عباس: الزفير الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 247 (فاز)، و"اللسان" 2/ 1143 (فور).
(٩) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 63.
(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 212، و"الدر" 6/ 248.
(١١) في (ك): (غيضًا) وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.
(١٢) في (س): (المعنى) زيادة.
(١٣) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 474.
(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.
(١٥) وهو قول ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل.
انظر: "تنوير المقباس" 6/ 107، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و "جامع البيان" 12/ 29/ 4، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 397.
(١٦) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 212، و"اللسان" 2/ 1142 (فوج).
(١٧) انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.
(١٨) في (س): (الكلبي و) زيادة.
(١٩) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 107، و"الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 471.
(٢٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.
(٢١) انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.
(٢٢) انظر: "معاني القرآن" 3/ 171.
(٢٣) في (س): (وقوله) زيادة.
(٢٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 65.
وقال ابن جبير فيما أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 539: وادٍ في جهنم.
(٢٥) قرأ الكسائي ﴿ فَسُحْقًا ﴾ بضم الحاء، وقرأ الباقون ﴿ فَسُحْقًا ﴾ بتخفيفها.
انظر: "حجة القراءات" ص 716، و"النشر" 2/ 217، و"الإتحاف" ص 420، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 171.
(٢٦) تقول العنق والعنق، والطنب والطنب، والطنب هو حبل الخباء والسرادق ونحوهما.
"اللسان" 2/ 617 (طنب).
(٢٧) انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.
(٢٨) للشاعر يزيد بن سنان: وهو بتمامه: فإن يبرأ فلم أنفث عليه ...
وإن يهلك فذلك كان قدري انظر: "أمالي ابن الشجري" 2/ 110، و"المخصص" 9/ 92، و"المفضليات" ص 71، و"الحجة" 2/ 128.
(٢٩) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 307.
(٣٠) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير مقاتل" 161 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ الشهيق أقبح ما يكون من صوت الحمار، ويعني به هنا ما يسمع من صوت جهنم لشدّة غليانها وهَوْلها أو شهيق أهلها، والأول أظهر ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أي تغلي بأهلها غليان القدر بما فيها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ .
قيل: وتعاظم، و ﴿ تَبَارَكَ ﴾ تفاعل من البركة، والبركة كناية عن نفي كل عيب؛ قال - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً ﴾ أي: ماء لا كدورة فيه ولا قذر، بل هو ماء مطهر من كل آفة وعيب، فمعنى قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ أي: من أن يكون له شبيه وعديل، وتعاظم عما قالت فيه الملاحدة ومن أن يلحقه المعايب والآفات.
وقوله: ﴿ بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ .
أي: الذي له ملك الملك؛ لأنه قال في موضع آخر: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ [أي: الذي له الملك]، فذكر اليد هاهنا مكان المالك هناك؛ فامتدح - جل وعلا - بملك الملك وكونه مالكا له.
والمعتزلة يقولون بأن مِلْكَ مُلْكِ الكفرة ليس له، وأنه لا يولي الملك للكافر، ويقولون في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ أن الذي آتاه الله الملك هو إبراهيم - - والهاء تنصرف إليه، لا إلى الذي حاجه، وإذا لم يجعلوا مِلكَْ مُلْكِ الكافر في يده، لم يصر ممتدحا بما ذكرنا؛ لأنه يكون في يده بعض الملك لا كله، وقال في آية أخرى: ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ ، وعلى قولهم يصير الملك في يد من لا يشاء؛ لأنه لا يشاء الملك للكافر، ومع ذلك يوجد فيهم الملك.
ثم ما ينبغي لهم أن يقطعوا القول بأن الله لا يؤتي الملك للكافر، بل عليهم أن يقولوا: إن كان إيتاء الملك أصلح لهم آتاهم إياه، وإن كان شرّاً لهم لم يؤتهم؛ إذ من مذهبهم أن الله لا يفعل بعبده إلا [ما هو الأصلح] له في الدين والدنيا في حقه، فهذا جملة اعتقادهم، ثم هم لا يعرفون الوجه الذي صار أصلح في كل شيء على الإشارة إليه؛ لأنهم يقولون: في إبقاء إبليس اللعين إلى اليوم المعلوم صلاح، وإن كنا لا نعرف الوجه الذي لأجله صار أصلح، وإفناء الأنبياء والرسل - عليهم السلام - كان أصلح وإن لم نعرف من أي وجه صار أصلح؟!
فليقولوا هاهنا بأن إيتاء الملك إن كان أصلح لهم لم يكن له إلا يؤتيهم، وإن كان شرّاً فعليه ألا يؤتيهم؛ لئلا يجعلوا الأمر على النفي.
ثم الملك اسم عام، وهو عبارة عن نفاذ التدبير والسلطان والولاية، والملك هو أن يكون للمالك خاصة في الشيء، لا يتناول من ذلك الشيء إلا بإذنه، وقد يكون المرء مالكا، وليس بملك، وقد يكون ملكا ليس بمالك، فكل واحد من الوجهين يقتضي معنى [غير ما] يقتضيه الآخر.
وجائز أن يكون [تأويل] قوله: ﴿ بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ ، أي: ملك كل من ملك من أهل الأرض بيده؛ لأنه إن شاء أبقى له الملك، وإن شاء نزعه؛ فما من ملك في دار الدنيا إلا وملكه في الحقيقة لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
امتدح نفسه [بأنه على ما يشاء قدير، وذلك من أوصاف ربوبيته أيضاً ومن قول المعتزلة]: إنه على أكثر الأشياء غير قدير؛ لأنهم يجعلون المعدوم شيئاً؛ فشيئية الأشياء كانت بأنفسها لا بإنشاء الله ، ويجعلون ظهورها بالله - - فقط، وإذا كان كذلك فإنه لم يصر قادرا على شيئية الأشياء، وكذلك ينفون الخلق والقدرة على أفعال العباد.
ومن قولهم - أيضاً - إن إقدار العبد بيد الله، وإذا أقدر عبداً من عبيده على الهداية، خرجت القدرة من يده؛ فتصير هذه القدرة مستفادة لا ذاتية، وإذا كان كذلك فقد نفوا عنه القدرة عن أكثر الأشياء، فلا يصير هو قادرا على كل شيء، وإنما هو قادر على البعض، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي: خلقكم أمواتا: نطفة وعلقة ومضغة، ثم أحياكم ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ .
وقال غيره: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ ﴾ ليجزيكم بعده، والحياة؛ ليبتليكم بها، واستدل بقوله - -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، فصرف المحنة إلى الحالة التي أنشأهم على وجه الأرض، وهي حالة الحياة، [ثم أخبر بعد ذلك أنه يجعلهم] صعيدا جرذا بعد الابتلاء بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ .
وعندنا: أنه خلقهما جميعا للابتلاء؛ لأن الله - - خلق الموت على غاية ما تكرهه الأنفس، وتنفر عنه، وخلق الحياة على غاية ما تتلذذ به الأنفس وترغب فيها، والمحنة في الترغيب والترهيب، فثبت أن في خلق الموت محنة؛ فيكون قوله - -: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ كأنه يقول: خلق الموت مرهبا، وخلق الحياة مرغبة؛ ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، أي: ليبلوكم أيكم أرهب من الشر، وأرغب في الخير؟
ثم الموت مما لا مهرب منه لأحد، ولا مخلص لمخلوق، وكذلك الحياة، وإن كانت من أرغب الأشياء إلى الأنفس، فليست هي بحيث يتهيأ للمرء أن يزيد منها بالطلب، ولا مما يوجد بالكد والسعي؛ فصارت هي مرغبة في الحياة الدائمة وهي نعيم الآخرة، [وصار الموت] مرهبا عن الموت الدائم، والموت الدائم هو العذاب الدائم، الذي لا ينقطع كما قال - -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ ، أي: لا تنقضي عنه الآلام والأوجاع بل يبقى فيها أبدا، وإذا ثبت أن الموت صار مرهبا عن العذاب الدائم، والحياة صارت مرغبة في مثلها، فنقوم بطلبه، ووجب القول بالبعث أيضاً؛ إذ الراغب إنما يصل [إلى] ما يرغب فيه بالبعث، والآخر إنما يصير إلى العذاب الدائم بالبعث.
وفي إيجاب القول بالرسالة؛ لأنه إذا ثبت الرغبة في الموعود من الثواب والرهبة عن العذاب، وهما جميعاً غائبان، فاحتيج إلى من يظهرهما ويحضرهما ويخبر عنهما، فلم يكن بد من رسول يخبرهم ويحضر علمه لهم.
ثم الأصل في قوله - -: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ \[أنه إنما يحسن عمله\] بحسن رغبته ويسوء عمله بسوء رغبته ورهبته، فخلق الحياة والموت ليتفكر فيهما المرء، ويعتبر بهما، فمن حسنت رغبته ورهبته حسن عمله، ومن لم يتفكر فيهما، ولم يعتبر بهما، ساء عمله، فالموت والحياة أنشئا مرغبين ومرهبين، وكذلك الدنيا وما فيها [أنشئت] دلالة على طريق الآخرة، فالسمع يدل على السمع، والبصر على البصر، وآلامها تدل على آلام الآخرة، ونعيمها دليل على نعيم الآخرة، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ \[فيه دليل على إضمار قوله: وأيكم أسوأ عملا\] على مقابلة الأول، إلا أنه اكتفى بذكر أحد المتقابلين عن الآخر، والله أعلم.
فإن قال قائل: كيف أضاف الابتلاء إلى نفسه بقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ، والابتلاء في الشاهد؛ لاستظهار ما خفي، ولاستحضار ما غاب، والله لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف أضيف إليه الابتلاء؟!
فجوابه أن نقول: إن الابتلاء في الحقيقة كناية عما به ظهور الشيء وبروزه.
فاستعمل الابتلاء في كل ما فيه ظهور الأمر، وإن كان الذي ظهر من الأمر عند المبتلي ظاهرا، وهذا كما أضيف [الاستدراج والمكر] إلى الله ؛ لوجود معنى المكر والاستدراج فيه، وإن لم يكن المقصود من ذلك المكر والاستدراج، وفي الشاهد المكر أن تحسن إلى عدو ليقع عنده أنك تركت عداوته، فيعتبر بإحسانك إليه، ثم تأخذه من وجه أمنه، ومن حيث لا يشعر به، هذا هو معنى المكر في الشاهد، وقد وجد الإحسان من الله إلى أعدائه، ووجد منهم الاغترار بالنعم، ووقع عندهم أنهم من جملة أوليائه ثم أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون؛ فوجد معنى المكر وإن لم يقصد بإحسانه إليهم المكر بهم.
والثاني: أن من أمر في الشاهد فإنما يأمر؛ لمصلحة أو لمنفعة تعود إليه، وإذا نهى عن شيء فإنما ينهى؛ لنفي مضرة تصل إليه، والله لم يأمر الخلق ولم ينههم لمنفعة يجلب بها إلى نفسه، أو لمضرة يدفعها عن نفسه، وإنما أمرهم ونهاهم؛ لمنافع ترجع إليهم ومضار تلحقهم، ثم أضيف إليه الأمر والنهي وإن كان لا منفعة له ولا مضرة عليه؛ فكذلك ابتلى خلقه؛ ليظهر للمبتلى عداوته وولايته، لا لتظهر له، وأضاف الابتلاء إلى نفسه وإن كان هو مستغنيا عن الابتلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ﴾ .
ففيه إبانة أنه لم يبتلنا لمنفعة أو لعز يرجع إليه، أو لذل يدفع عنه، ولكن لعز يحرزه الممتحن إذا أحسن العمل وذنوب تغفر له وتستر عليه، وهو عزيز بذاته.
وجائز أن يكون معنى قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ ، أي: القوي على الانتقام ممن ساء عمله، واختار عداوته، ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ : الستور على من حسن عمله، يستر عليه ذنبه، ويجزيه بحسن عمله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ .
ففي ذكر السماوات السبع إيجاب القول بتصديق ما يأتي به الرسل؛ [لأن كون السماوات سبعا لا يعرف إلا من طريق] الخبر، وقد ثبت وجود هذا القول [على ألسن الرسل] وهذه الآية أثبتت تصديق ما يأتي به الرسل؛ فلزمنا القول [في السماوات] أنها سبع وإن لم تشاهد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً ﴾ ؛ ليبلو أهلها: أيهم أحسن عملا؛ لأنه بين أنه لم يخلق السماوات والأرضين باطلا، ثم السماوات بأنفسها لا تمتحن، وإنما يمتحن أهلها، لكنه اقتضى [ذكر السماوات] ذكر أهلها، واقتضى ذكر الأرض ذكر أهلها، فأخبر بذكر الأرض عن ذكر أهلها، وبذكر السماوات عن ذكر أهلها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ .
أي: انظر في خلق الرحمن، هل ترى [فيه] من تفاوت أو فطور؟!
فإنك إن رأيت فيه فطوراً، ظننت أن في مدبره عدداً، وإن رأيت فيه تفاوتا، ظننت في منشئه سفهاً، فإنك إذا رأيت فيه فطورا وشقوقا رأيت فيه تمانعا وتدافعا، وفي حصول التمانع والتدافع حصول العدد؛ لأن التدافع والتمانع إنما يقع عند ثبات العدد؛ لأن ما يبني هذا يهدمه الآخر، وما يهدمه الآخر وينقضه يبني الآخر، فعند ذلك يقع التدافع، وإذا لم ير فيه فطوراً أو شقوقاً، بل رآه متسقا مجتمعا؛ دل على وحدانيته وقدرته وسلطانه.
وكذلك التفاوت يدل على السفه ونفي الحكمة، وارتفاع التفاوت يدل على حكمته وعجيب تدبيره؛ فيكون في ارتفاع [الفطور والتفاوت] إثبات القول بالوحدانية وإيجاب القول بالبعث من حيث ثبت حكمته، وفي نفي القول بالبعث زوال الحكمة، وفيه إيجاب المحنة والابتلاء؛ لأن العدد إذا ثبت، كان للممتحن ألا يعمل حتى يتبين له الغالب من المغلوب فلا يضيع عمله.
أو يشتغل كل بإقامة سلطانه ونفاذ تدبيره، فلا يتفرغ للأمر بالمحنة؛ ألا ترى [إلى] قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\] قيل: يذهب كل واحد منهم بالجزء الذي خلقه؛ فيظهر عند ذاك فطور وشقوق؛ لأن ما خلق هذا يمتاز من الذي خلقه الآخر، فارتفاع الفطور يدل على وحدانية الصانع .
وقيل في قوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ أي: من حيث الدلالة على وحدانية الرب - - أو من حيث الحكمة والمصلحة؛ فالخلائق كلها في المعاني التي ذكرناها غير متفاوتة، لا أن تكون الأشياء المحدثة غير متفاوتة في أنفسها؛ لأن بين السماوات والأرضين تفاوتاً، وكذلك بين الحياة والموت تفاوت، ولكن منافع السماء متصلة بمنافع الأرض، ومنافع أهل الأرض متصلة بالأرض وقوامهم ومعاشهم بما يخرج منها، وكل ذلك يدل على وحدانيته وعلى حكمته ولطائف تدبيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ .
فجائز أن يكون هذا على رجوع بصر الوجه.
وجائز أن يكون على رجوع بصر القلب.
أو يكون أحدهما على بصر الوجه، والثاني على بصر القلب.
والأشبه أن يكون على بصر القلب؛ لأنه قد سبق منه النظر إلى السماوات والأرضين ببصر الوجه، وسبق منه العلم من حيث النظر أنه لا تفاوت فيها ولا فطور، فدعاه إلى أن ينظر ببصر القلب؛ ليدله ذلك على المعاني التي ذكرناها؛ وهو كقوله - -: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال : ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولم يرد به السير بالأقدام؛ إذ قد سبق منهم السير فيها، ولكن معناه: أو لم يتفكروا في عواقب من تقدمهم من مكذبي الرسل أنهم بأي سبب أهلكوا؟
ولأي معنى عوقبوا واستؤصلوا؟
ثم قوله: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ...
﴾ الآية منهم من قال: إن الكرتين هاهنا كناية عن مرة بعد مرة، ليس على تثنية العدد، فكأنه أمره أن يكون أبداً معتبرا ناظرا في خلق الرحمن؛ وإلى هذا يذهب الحسن والأصم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَرَّتَيْنِ ﴾ مرتين، ولكن على اختلاف الوقتين؛ فيكون أحد النظرين [بالليل] والآخر بالنهار؛ لأنه يرى بالليل آيات وبالنهار آيات سواها، وثبوت كل ذلك يدل على وحدانيته وعجيب حكمته ونفاذ قدرته وسلطانه.
أو أن تكون النظرة الأولى ببصر الوجه والنظرة الثانية ببصر القلب؛ لأنه إذا نظر النظرة الأولى ببصر وجهه، فرأى ما فيه من العجائب أشعر قلبه ما رأى، فينظر فيه مرة أخرى ببصر القلب؛ ليتأكد ذلك ويتكرر.
ويجوز أن يكون النظران جميعا ببصر الوجه؛ لأنه لا يستوعب النظر بالجملة في المرة الأولى؛ فينظر [مرة أخرى]؛ ليدرك ما غاب عنه في المرة الأولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَاسِئاً ﴾ .
أي: صاغرا مستسلما معترفا بالقصور عن درك كنه سلطانه والإحاطة بعظمته وجلاله.
﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ .
أي: منقطع عن درك بلوغ حكمته ونفاذ أمره.
ثم الأشبه أن يكون المراد بهذا الخطاب المكذبين بالبعث؛ لأن رسول الله وإن كان الخطاب متوجها إليه في الظاهر؛ لأنه إنما أراد بالنظر في خلق الله ؛ ليتقرر عنده عظمة الله وسلطانه وعجيب حكمته ونفاذ تدبيره، ورسول الله قد كان تقرر عنده علم ذلك كله؛ فلم يكن يحتاج إلى النظر فيما ذكر؛ ليتقرر صرف النظر إلى المكذبين بالبعث، فأمروا بالنظر فيما ذكر؛ ليتقرر عندهم سلطانه ونفاذ تدبيره، وأنه ليس بالذي يعجزه أمر وأن قدرته ليست بمقدرة بقوى البشر، وهم كانوا ينكرون البعث والإحياء على تقرير الأمور بقوى أنفسهم، فإذا نظروا في هذه الأشياء وعرفوا فيها لطائف وحكماً لا تدركها عقولهم وقوة لا تبلغها حيلهم، أدى ذلك إلى رفع الإشكال عنهم وإزاحة الريب الذي اعتراهم في أمر البعث؛ فيحملهم على الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ﴾ .
سماها: سماء الدنيا؛ لدنوها إلى المخاطبين الممتحنين، لا أن تكون السماء الثانية سماء الآخرة، والذي يدل على صحة ما ذكرنا: أن مقابل الآخرة ليست هي الدنيا بل مقابلها الأولى، ومقابل الدنيا القصوى؛ فثبت أن ليس فيها تثبيت أن السماء الثانية هي سماء الآخرة، والمصابيح هي النجوم، فذكر عباده عظم ما أودع من النعيم في النجوم عليهم، فجعل فيها ثلاثة أوجه من النعيم: أحدها: أنه جعلها زينة للناظرين؛ كما قال - -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ ، ثم هذه الزينة إنما تظهر عندما تخفى على الناظرين زينة الأرض، وذلك في ظلم الليالي؛ فأبدل الله لهم زينة في السماء مكان الزينة التي أنشأها في الأرض، وفضل هذه الزينة على سائرها؛ لأن سائرها لا يظهر إلا بالدنو إليها والقرب منها، ثم جعل هذه الزينة بحيث تظهر فترى من البعد؛ فثبت أن لها فضلا وشرفا على زينة الأرض.
والنعمة الثانية: ما ذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ؛ فجعلها هدى من ظلمات أحوال تقع فيسلم بها المرء عن الوقوع في المهالك.
والنعمة الثالثة: ما ذكر من قوله - -: ﴿ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ ﴾ ، وفي جعلها رجوما للشياطين رفع الاشتباه عن الخلق وإخراجهم من ظلمات الأفعال إلى النور، وذلك أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء؛ فيستمعون إلى الأخبار التي يتحادث بها أهل السماء، فيما بينهم مما يراد بأهل الأرض، فيسترقون السمع منهم، فيأتون بها أهل الأرض ويلقونها إلى أهل الأرض بعدما يخلطونها بأكاذيب من عند أنفسهم فيشبهون على الخلائق ويضلونهم بذلك عن سبيل الله ؛ فملأ الله - - السماء بالحرس والشهب؛ ليدفعوا الشياطين عن استراق السمع؛ ليكون تبليغ الأخبار إلى أهل الأرض بمن يؤمن عليه الكذب، وهو الرسول - - فتسلم تلك الأخبار عن التخاليط والشبه؛ فيسلم الناس عن الوقوع في الظلمات.
ثم يكون في جعل النجوم زينة للسماء: أن أهل [السماء ابتلوا] أيهم أحسن عملا؟
كما ابتلي به أهل الأرض؛ ألا ترى إلى ما ذكر في أهل الأرض من قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ فأخبر أن الزينة للامتحان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
ففيه أنهم وإن عذبوا بالنيران التي جعلت في النجوم الرجوم، لا يدفع عنهم ما استوجبوا من العذاب الدائم، بل قد أعد لهم عذاب السعير، كما أعد لغيرهم من الشياطين وأهل الكفر.
<div class="verse-tafsir"
إذا طُرحوا في النار سمعوا صوتًا قبيحًا شديدًا، وهي تغلي مثل غليان المِرْجَل.
<div class="verse-tafsir" id="91.mM9jw"