الآية ٦ من سورة الملك

الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ٦ من سورة الملك

وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الملك عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( و ) أعتدنا ( للذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير ) أي : بئس المآل والمنقلب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) الذي خلقهم في الدنيا( عَذَابُ جَهَنَّمَ ) في الآخرة (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) يقول: وبئس المصير عذاب جهنم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } الذي يهان أهله غاية الهوان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير» هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وللكافرين بخالقهم عذاب جهنم، وساء المرجع لهم جهنم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المصير ) معطوف على ما قبله .أى : هيأنا للشياطين عذاب السعير ، وهيأنا - أيضا - للذين كفروا بربهم من الإِنس عذاب جهنم ، وبئس المصير عذاب جهنم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين في أول السورة أنه قادر على جميع الممكنات، ثم ذكر بعده أنه وإن كان قادراً على الكل إلا أنه إنما خلق ما خلق لا للعبث والباطل بل لأجل الابتلاء والامتحان، وبين أن المقصود من ذلك الابتلاء أن يكون عزيزاً في حق المصرين على الإساءة غفوراً في حق التائبين ومن ذلك كان كونه عزيزاً وغفوراً لا يثبتان إلا إذا ثبت كونه تعالى كاملاً في القدرة والعلم بين ذلك بالدلائل المذكورة، وحينئذ ثبت كونه قادراً على تعذيب العصاة فقال: ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ أي ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم، ليس الشياطين المرجومون مخصوصين بذلك، وقرئ: ﴿ عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ بالنصب عطف بيان على قوله: ﴿ عَذَابِ السعير  ﴾ ثم إنه تعالى وصف ذلك العذاب بصفاته كثيرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ ﴾ أي: ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم ﴿ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ ليس الشياطين المرجومين مخصوصين بذلك.

وقرئ: ﴿ عذاب جهنم ﴾ بالنصب عطفاً على عذاب السعير ﴿ إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا ﴾ أي طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة، ويرمى به.

ومثله قوله تعالى: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] .

﴿ سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا ﴾ إمّا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها.

أو من أنفسهم، كقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ [هود: 106] وإما للنار تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق ﴿ وَهِىَ تَفُورُ ﴾ تغلي بهم غليان المرجل بما فيه.

وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم، ويقولون: فلان يتميز غيظاً ويتقصف غضباً، وغضب فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء: إذا وصفوه بالإفراط فيه.

ويجوز أن يراد: غيظ الزبانية ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ توبيخ يزدادون به عذاباً إلى عذابهم وحسرة إلى حسرتهم.

وخزنتها: مالك وأعوانه من الزبانية ﴿ قَالُواْ بلى ﴾ اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأن الله عز وعلا أزاح عللهم ببعثه الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، وأنهم لم يؤتوا من قدره كما تزعم المجبرة؛ وإنما أتوا من قبل أنفسهم، واختيارهم خلاف ما اختار الله وأمر به وأوعد على ضده.

فإن قلت: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضلال كَبِيرٍ ﴾ من المخاطبون به؟

قلت: هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أنّ النذير بمعنى الإنذار.

والمعنى: ألم يأتكم أهل نذير.

أو وصف منذروهم لغلوهم في الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذاراً؛ وكذلك ﴿ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين ﴾ [الشعراء: 16] أي حاملاً رسالته.

ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول: أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا.

أو أرادوا بالضلال؛ الهلاك.

أو سموا عقاب الضلال باسمه.

أو من كلام الرسل لهم حكوه الخزنة، أي قالوا لنا هذا فلم نقبله ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ الإنذار سماع طالبين للحق.

أي نعقله عقل متأمّلين.

وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل؛ لأنّ مدار التكليف على أدلة السمع والعقل.

ومن بدع التفاسير: أنّ المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، كأنّ هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة؛ وعدّة المبشرين من الصحابة: عشرة، لم يضم إليهم حادي عشر، وكأن من يجوز على الصراط أكثرهم لم يسمعوا باسم هذين الفريقين ﴿ بِذَنبِهِمْ ﴾ بكفرهم في تكذيبهم الرسل ﴿ فَسُحْقًا ﴾ قرئ بالتخفيف والتثقيل، أي: فبعداً لهم، اعترفوا أو جحدوا؛ فإنّ ذلك لا ينفعهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ.

﴿ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ لِلَّذِينَ عَطْفٌ عَلى لَهم وعَذابٌ عَلى عَذابِ السَّعِيرِ.

﴿ إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ صَوْتًا كَصَوْتِ الحَمِيرِ.

﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ تَغْلِي بِهِمْ غَلَيانَ المِرْجَلِ بِما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم {عَذَابُ جَهَنَّمَ} ليس الشياطين المرجومون مخصوصين بذلك {وَبِئْسَ المصير} المرجع جهنم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ مِن غَيْرِ الشَّياطِينِ أوْ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ عَلى أنَّهُ تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِدَفْعِ إيهامِ اخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والحَصْرُ إضافِيٌّ بِقَرِينَةِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في تَعْذِيبِ العُصاةِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِمَن قالَ مِنَ المُرْجِئَةِ: لا يُعَذِّبُ غَيْرَ الكَفَرَةِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزْنِي وحَسَنٌ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ «عَذابَ» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ أيْ وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أيْ جَهَنَّمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وتسمى الواقية والمنجية وهي ثلاثون آية مكية قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: تعالى وتعظم.

وهذا قول ابن عباس وقيل: تفاعل من البركة.

وقال الحسن: تبارك يعني: تقدس الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له الملك، كما قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويقال: الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له القدرة ونفاذ الأمر.

وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: في العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال مقاتل: خَلَقَ الْمَوْتَ يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار حياً.

وقال الكلبي: خَلَقَ الْمَوْتَ بمنزلة كبش أملح، لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات وَالْحَياةَ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء.

وقال قتادة في قوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة.

لِيَبْلُوَكُمْ يعني: ليختبركم ما بين الحياة والموت.

أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في حياته، ويقال: أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أي: خلق الحياة للامتحان، وخلق الموت للجزاء كما قيل: لولا المحن لقدمنا مفاليس، وذلك أن الله تعالى، خلق الجنة.

وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب.

والابتلاء من الله تعالى، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب.

ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ يعني: العزيز بالنقمة للكافر، والغفور لمن تاب منهم.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ يعني: تبارك الذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة.

مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.

قرأ حمزة، والكسائي: من تفوت بغير ألف، والباقون بالألف، وهما لغتان.

تفاوت الشيء وتفوت، إذا اختلف، يعني: مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن اختلافاً واضطراباً، ويقال: ما ترى فيها من اعوجاج، ولكنه مستوي.

ويقال: معناه مَّا ترى فِى خَلْقِ السموات من عيب.

وأصله من الفوت أي يفوت الشيء، فيقع فيه الخلل، ولكنه متصل بعضها ببعض.

ثم أمر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته، فقال عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ يعني: رد البصر إلى السماء.

ويقال: قلب البصر في السماء، ويقال: اجتهد بالنظر إلى السماء.

هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟

يعني: هل ترى فيها من شقوق؟

ويقال: هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً؟

ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعني: انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين، لا يرى فيها عيباً، بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يعني: يرجع البصر ذليلاً.

وَهُوَ حَسِيرٌ يعني: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً.

وقال القتبي: خاسِئاً أي: مبعداً، وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل.

ثم قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم والكواكب.

وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يعني: جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين، إذا تصدوا استراق السمع.

وَأَعْتَدْنا لَهُمْ يعني: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أعتدنا للذين جحدوا بِرَبِّهِمْ يعني: بوحدانية الله تعالى عَذابُ جَهَنَّمَ.

قرئ في الشاذ عَذابُ جَهَنَّمَ بالنصب يعني: أعتدنا لهم عذاب جهنم، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه، وقراءة العامة بالضم، على معنى خبر الابتداء.

ثم قال: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع.

ثم قال: إِذا أُلْقُوا فِيها يعني: ألقوا الكفار في نار جهنم.

سَمِعُوا لَها يعني: سمعوا منها شَهِيقاً يعني: صوتاً كصوت الحمار.

وَهِيَ تَفُورُ يعني: تغلي كغلي المرجل.

تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يعني: تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى.

كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ يعني: من النار فوج، يعني: أمة من الأمم.

سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يعني: رسولاً يخبركم ويخوفكم؟

قالُوا بَلى يعني: يقولون: بلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ يعني: الرسول، فَكَذَّبْنا الرسول، وَقُلْنا: إنكم لكاذبون على الله تعالى.

مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعني: كتاباً ولا رسولاً.

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يعني: قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم.

وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ يعني: لو كنا نسمع إلى الحق أَوْ نَعْقِلُ يعني: نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق.

مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: مع أصحاب الزقوم في النار.

ويقال: يعني: ما كنا في أهل النار.

فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ يعني: أقروا بشركهم فَسُحْقاً يعني: فبعداً من رحمة الله تعالى لِأَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وقال الزجاج: فَسُحْقاً نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقاً، فباعدهم من رحمته.

والسحق: البعيد، كقوله: فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31] أي: بعيد.

قرأ الكسائي بضم السين والحاء، وجزم الحاء والباقون بضم السين، وهما لغتان معناهما واحد.

ثم بين حال المؤمنين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:

١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.

وقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١» : ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.

وقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.

وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣» : تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.

وقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضاً لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُلْكِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي المانِعَةُ مِن عَذابِ القَبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: السُّلْطانُ يُعِزُّ ويُذِلُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَلَقَ المَوْتَ المُزِيلَ لِلْحَياةِ، والحَياةَ الَّتِي هي ضِدُّ المَوْتِ ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٧] قالَ الزَّجّاجُ: والمُعَلَّقُ بِـ "أيُّكُمْ" مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: لِيَبْلُوَكُمْ، فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وهَذا عِلْمُ وُقُوعٍ.

وارْتَفَعَتْ "أيُّ" بِالِابْتِداءِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، لِأنَّها عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ "أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى" [الكَهْفِ: ١٢] .

والمَعْنى: خَلَقَ الحَياةَ لِيَخْتَبِرَكم فِيها، وخَلَقَ المَوْتَ لِيَبْعَثَكم ويُجازِيَكم.

وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ في "لِيَبْلُوَكُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِ الحَياةِ دُونَ خَلْقِ المَوْتِ، لِأنَّ الِابْتِلاءَ بِالحَياةِ، ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ مُطابَقاتٍ، أيْ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ "ما تَرى" يا ابْنَ آدَمَ "فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ" قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن تَفَوُّتٍ" بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ بِألِفٍ.

قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، كَما تَقُولُ: تَعاهَدْتُ الشَّيْءَ، وتَعَهَّدْتُهُ.

والتَّفاوُتُ: الِاخْتِلافُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّفاوُتُ: الِاضْطِرابُ والِاخْتِلافُ، وأصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا، فَيَقَعُ الخَلَلُ، ولَكِنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ أيْ: كَرِّرِ البَصَرَ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "هَلْ تَّرى" بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، أيْ: هَلْ تَرى فِيها فُرُوجًا وصُدُوعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُبْعَدًا مِن قَوْلِكَ: خَسَأْتُ الكَلْبَ: إذا باعَدْتَهُ ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ أيْ: كَلَيْلٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ أنْ يَلْحَقَ ما نَظَرَ إلَيْهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ أعْيا مِن قَبْلِ أنْ يَرى في السَماءِ خَلَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [حَم السَّجْدَةِ: ١٢] ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ أيْ: يُرْجَمُ بِها مُسَتَرِقُو السَّمْعِ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا المَعْنى [الحِجْرِ: ١٨] ﴿ وَأعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿ عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ وهَذا وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ أيْ: صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِ الحِمارِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى الشَّهِيقِ في [هُودٍ: ١٠٦] ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ: تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ "تَكادُ تَمَيَّزُ" أيْ: تَتَقَطَّعُ مِن تَغَيُّظِها عَلَيْهِمْ ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنهم ﴿ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ؟!

وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: قُلْنا لِلرُّسُلِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ بِعِيدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ اعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ فَقالُوا: ﴿ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ ﴾ أيْ: سَماعَ مَن يَعِي ويُفَكِّرُ ﴿ أوْ نَعْقِلُ ﴾ عَقْلَ مَن يُمَيِّزُ ويَنْظُرُ ﴿ ما كُنّا ﴾ مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا.

وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.

وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو صالِحٍ: السُّحْقُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: سُحْقٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَعِيرِ ﴾ ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ ﴾ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ﴿ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ زَيَّنَ السَماءَ الدُنْيا الَّتِي تَلِينا -أيِ: الَّتِي تَلِينا- بِمَصابِيحَ وهي النُجُومُ، فَإنْ كانَ جَمِيعُ النُجُومِ في السَماءِ الدُنْيا فَهَذا اللَفْظُ عامٌّ لِلْكَواكِبِ، وإنْ كانَ في سائِرِ السَماواتِ كَواكِبُ فَإمّا أنْ يُرِيدَ كَواكِبَ سَماءِ الدُنْيا فَقَطْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ الجَمِيعَ عَلى أنَّ ما في غَيْرِها لَمّا كانَتْ هي تَشِفُّ عنهُ ويَظْهَرُ مِنها فَقَدْ تَزَيَّنَتْ بِهِ بِوَجْهٍ ما، ومِن تَكَلُّفِ القَوْلِ لِمَواضِعِ الكَواكِبِ وفي أيِّ سَماءٍ هي فَقَوْلُهُ لَيْسَ مِنَ الشَرِيعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا ﴾ مَعْناهُ: وجَعَلْنا مِنها، وهَذا كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ بَنِي فُلانٍ وصَنَعْتُ بِهِمْ، وأنْتَ إنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ، ويُوجِبُ هَذا التَأْوِيلَ في الآيَةِ أنَّ الكَواكِبَ الثابِتَةَ والبُرُوجَ وكُلَّ ما يُهْتَدى بِهِ في البَرِّ والبَحْرِ فَلَيْسَتْ بِرَواجِمَ، وَهَذا نَصٌّ في حَدِيثِ السِيَرِ، وقالَ قَتادَةُ: رَحِمَهُ اللهُ خَلَقَ اللهُ تَعالى النُجُومَ زِينَةً ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.

ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ، ومَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ.

و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ أعْدَدْنا، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلِلَّذِينِ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ المُتَقَدِّمِ، وقَرَأ الحَسَنُ في -رِوايَةِ هارُونَ عنهُ-: "عَذابَ جَهَنَّمَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وأعْتَدْنا لِلَّذِينِ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ، فالواوُ عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ لِلْكُفّارِ المُخَلَّدِينَ، وقَدْ جاءَ في الأثَرِ أنَّهُ يَمُرُّ عَلى جَهَنَّمَ زُمَرٌ تُخْفِقُ أبْوابَها، قَدْ أخْلَتْها الشَفاعَةُ، فالَّذِي يُقالُ في هَذا إنَّ "جَهَنَّمَ" تَخْتَصُّ بِهِ الطَبَقَةُ العُلْيا مِنَ النارِ، ثُمَّ قَدْ تُسَمّى الطَبَقاتُ كُلُّها "جَهَنَّمَ" بِاسْمٍ بَعْضِها، وهَكَذا كَما يُقالُ "نَجْمٌ" لِلثُّرَيّا، ثُمَّ يُقالُ ذَلِكَ لِلْكَواكِبِ اسْمُ جِنْسٍ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ جَهَنَّمُ بِأسْرِها، أيْ: جَمِيعِ الطَبَقاتِ، والَّتِي في الأثَرِ هي الطَبَقَةُ العُلْيا لِأنَّها مَقَرُّ العُصاةِ.

و"الشَهِيقُ" أقْبَحُ ما يَكُونُ مِن صَوْتِ الحِمارِ، فاحْتِدامُ النارِ وغَلَيانُها بِصَوْتٍ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ ، أيْ: يُزايِلُ بَعْضَها بَعْضًا لِشِدَّةِ الِاضْطِرابِ، كَما قالَ الشاعِرُ في صِفَةِ الكَلْبِ يَحْتَدِمُ في جَرْيِهِ: يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عن إهابِهِ وقَرَأ الضَحّاكُ: "تَمايَزَ" بِالألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "تَتَمَيَّزُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَمَيَّزَ" مُخَفَّفَةَ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ وقَوْمٌ: "تَكادُ تَّمَيَّزُ" بِضَمِّ الدالِ وشَدِّ التاءِ عَلى أنَّها "تَتَمَيَّزُ" وأدْغَمَ إحْدى التاءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ قَوْمٌ بِإدْغامِ الدالِ في التاءِ، وهَذا فِيهِ إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الغَيْظِ" مَعْناهُ: عَلى الكَفَرَةِ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ ، الفَوْجُ: الفَرِيقُ مِنَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللهِ أفْواجًا  ﴾ الآيَةُ، تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَلْقى فِيها أحَدٌ إلّا سُئِلَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ -عَنِ النُذُرِ،فَأقَرَّ بِأنَّهم جاءُوا وكَذَّبُوهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" حَصَرَ، فَإذًا الآيَةُ تَقْتَضِي في الأطْفالِ مِن أولادِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ وفِيمَن نُقَدِّرُهُ صاحِبُ فَتْرَةٍ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ النارَ لِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أمْرِ الأطْفالِ، فاجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ أولادَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ "أنَّهم في الجَنَّةِ"، وقالَ قَوْمٌ: هم في المَشِيئَةِ.

واخْتَلَفُوا في أولادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم في النارِ، واحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِيَ « "هم مِن آبائِهِمْ"،» وتَأوَّلَ المُخالِفُ هَذا الحَدِيثَ أنَّهُ في أحْكامِ الدُنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هم في المَشِيئَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هم في الجَنَّةِ واحْتَجَّ هَذا الفَرِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مُساءَلَةِ الخَزَنَةِ، وبِحَدِيثٍ وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في كِتابِ التَعْبِيرِ، يَتَضَمَّنُ أنَّهم في الجَنَّةِ، وبُقُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ"،» والأطْفالُ لَمْ يَبْلُغُوا أنْ يَصْنَعَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ لِلْكُفّارِ حِينَ أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا النُذُرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الكُفّارِ لِلنُّذُرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تتميم لئلا يتوهم أن العذاب أُعد للشياطين خاصة، والمعنى: ولجميع الذين كفروا بالله عذاب جهنم فالمراد عامة المشركين ولأجل ما في الجملة من زيادة الفائدة غايرت الجملةَ التي قبلها فلذلك عطفت عليها.

وتقديم المجرور للاهتمام بتعلقه بالمسند إليه والمبادرة به.

وجملة ﴿ وبئس المصير ﴾ حال أو معترضة لإِنشاء الذم وحذف المخصوص بالذم لدلالة ما قبل ﴿ بئس ﴾ عليه.

والتقدير: وبئس المصير عذابُ جهنم.

والمعنى: بئست جهنم مصيراً للذين كفروا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إذا أُلْقُوا فِيها ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ أُلْقُوا في جَهَنَّمَ.

﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّهِيقَ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ إلْقائِهِمْ في النّارِ.

الثّانِي: أنَّ الشَّهِيقَ لِجَهَنَّمَ عِنْدَ إلْقاءِ الكُفّارِ فِيها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَشْهَقُ إلَيْهِمْ شَهْقَةَ البَغْلَةِ لِلشَّعِيرِ ثُمَّ تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا خافَ.

وَفي الشَّهِيقِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّهِيقَ في الصُّدُورِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الصِّياحُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الشَّهِيقَ هو آخِرُ نَهِيقِ الحِمارِ، والزَّفِيرَ مِثْلُ أوَّلِ نَهِيقِ الحِمارِ، وقِيلَ إنَّ الزَّفِيرَ مِنَ الحَلْقِ، والشَّهِيقَ مِنَ الصَّدْرِ.

﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ تَغْلِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَرَكْتُمْ قِدْرَكم لا شَيْءَ فِيها وقِدْرُ القَوْمِ حامِيَةٌ تَفُورُ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

.

.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَنْقَطِعُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: تَتَفَرَّقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

وَقَوْلُهُ (مِنَ الغَيْطِ) فِيهِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلَيانُ، قالَ الشّاعِرُ فَيا قَلْبُ مَهْلًا وهو غَضْبانُ قَدْ غَلا ∗∗∗ مِنَ الغَيْظِ وسَطَ القَوْمِ ألّا يَثِبَكا الثّانِي: أنَّهُ الغَضَبُ، يَعْنِي غَضَبًا عَلى أهْلِ المَعاصِي وانْتِقامًا لِلَّهِ مِنهم.

﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النُّذُرَ مِنَ الجِنِّ، والرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ، واحِدُهم نَذِيرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَبُعْدًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ يَعْنِي جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ وادٍ مِن جَهَنَّمَ يُسَمّى سُحْقًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو صالِحٍ، وفي هَذا الدُّعاءِ إثْباتٌ لِاسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتاة على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا هو بإنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر» .

وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة» وقال: «هي المانعة في القبور، وإن قرأءة قل هو الله أحد في صلاة تعدل قراءة ثلث القرآن، وإن قراءة قل يا أيها الكافرون في صلاة تعدل ربع القرآن، وإن قراءة إذا زلزلت في صلاة تعدل نصف القرآن» .

وأخرج عبد بن حميد في مسنده واللفظ له والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟

قال: بلى، قال اقرأ ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» .

وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره شقاقك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الربّ فاشفعي له، فانطلقت إلى الرب، فتقول: يا رب إن فلاناً عمد إليّ من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه؟

فإن كنت فاعلاً به فامحني من كتابك فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحق لي أن أغضب، فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشفعتك فيه، فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبا بهذا الفم فربما تلاني، وتقول: مرحباً بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه» فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجية.

وأخرج ابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: يؤتى الرجل في قبره فيؤتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد كان يقوم علينا بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان وعى فيّ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقرأ بي سورة الملك، فهي المانعة تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد كثر وأطيب.

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال: كنا نسميها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المانعة، وإنها لفي كتاب الله سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب.

وأخرج أبو عبيد والبيهقي في الدلائل من طريق مرة عن ابن مسعود قال: إن الميت إذا مات أوقدت حوله نيران فتأكل كل نار يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها، وإن رجلاً مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فأتته من قبل رأسه، فقالت: إنه كان يقرؤني، فأتته من قبل رجليه، فقالت: إنه كان يقوم بي، فأتته من قبل جوفه فقالت: إنه كان وعاني فأنجته.

قال: فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك.

وأخرجه الدارمي وابن الضريس عن مرة مرسلاً.

وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن مرة قال: كان يقال: إن في القرآن سورة تجادل عن صاحبها في القبر تكون ثلاثين آية فنظروا فوجدوها تبارك.

وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً قال: يبعث رجل يوم القيامة لم يترك شيئاً من المعاصي إلا ركبها إلا أنه كان يوحد الله، ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة واحدة فيؤمر به إلى النار فطار من جوفه شيء كالشهاب، فقالت: اللهم إني مما أنزلت على نبيك صلى الله عليه وسلم وكان عبدك هذا يقرؤني، فما زالت تشفع حتى أدخلته الجنة، وهي المنجية ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [ الأعلى: 1] وفي صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿ ألم تنزيل ﴾ [ السجدة: 1] و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .

وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأجد في كتاب الله سورة هي ثلاثون آية من قرأها عند نومه كتب له منها ثلاثون حسنة، ومحي عنه ثلاثون سيئة، ورفع له ثلاثون درجة، وبعث الله إليه ملكاً من الملائكة ليبسط عليه جناحه ويحفظه من كل شيء حتى يستيقظ، وهي المجادلة تجادل عن صاحبها في القبر، وهي ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج الديلمي بسند واه عن أنس رضي الله عنه رفعه «لقد رأيت عجباً، رأيت رجلاً مات كان كثير الذنوب مسرفاً على نفسه، فكلما توجه إليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه أقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب، أنه كان يحافظ عليّ، وقد وعدني ربي أنه من واظب عليّ أن لا يعذبه، فانصرف عنه العذاب بها وكان المهاجرون والأنصار يتعلمونها ويقولون: المغبون من لم يتعلمها وهي سورة الملك» .

وأخرج ابن الضريس عن مرة الهمداني قال: أتى رجل من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل عنه حتى منعته من عذاب القبر، فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك.

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الصباح عن عبد العزيز عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخل رجل الجنة بشفاعة سورة من القرآن، وما هي إلا ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ ألم تنزيل ﴾ السجدة و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ كل ليلة لا يدعها في سفر ولا حضر.

قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ﴾ الآيتين.

أخرج ابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه مرفوعاً «كلمات من قالهن عن وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات، ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن للموت ذكراً، وله استعداداً، ومنه خوفاً وحذراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: الحياة فرس جبريل عليه السلام، والموت كبش أملح.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الموت كبشاً أملح مستتراً بسواد وبياض له أربعة أجنحة، جناح تحت العرش، وجناح في الثرى، وجناح في المشرق وجناح في المغرب.

أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبع سماوات طباقاً ﴾ قال: بعضها فوق بعض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: ما يفوت بعضه بعضاً، مفاوت: مفرق.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: من اختلاف ﴿ فارجع البصر هل ترى فطور ﴾ قال: من خلل ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعني لا ترى في خلق الرحمن تفاوتاً ولا خللاً.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ من تفاوت ﴾ قال: تشقق، وفي قوله: ﴿ هل ترى من فطور ﴾ قال: شقوق وفي قوله: ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: كليل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الفطور الوهي.

وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: من خلل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: تشقق أو خلل، وفي قوله: ﴿ ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: يرجع إليك ﴿ خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعي ولا يرى شيئاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: مترجع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ ﴾ السماء الدنيا، هي القريبة منا، والمصابيح يراد بها النجوم فإن كانت النجوم كلها في السماء الدنيا فلا إشكال، لأنها ظاهرة فيها لنا، ويحتمل أن يريد أنه زيَّن السما الدنيا بالنجوم التي فيها دون التي في غيرها.

على أن القول بموضع الكواكب وفي أي سماء هي لم يرد في الشريعة ﴿ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ ﴾ أي جعلنا منها رجوماً، لأن الكواكب الثابتة ليست ترجم الشياطين، فهو كقولك: أكرمت بني فلان؛ إذا أكرمت بعضهم، والرجوم جمع رجم وهو مصدر سُمَي به ما يرجم به، قال الزمخشري: معنى كون النجوم رجوماً للشياطين: والشهب تنقض من النجوم لرجم الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء، فالشهب الراجمة منفصلة من نار الكواكب، لا أن الراجمة هي الكواكب أنفسها؛ لأنها ثابتة في الفلك.

قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينة السماء ورجوم الشياطين ويهتدي بها في ظلمات البر والبحر ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير ﴾ يعني للشياطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.

﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.

﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.

الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.

التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.

فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.

وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.

أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.

قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.

زعم الكلبي أنه  قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.

وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.

ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.

وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.

عن النبي  أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.

وعنه  أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.

ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله  أو لكل راءٍ.

والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".

فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.

وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج  ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".

والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.

وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.

وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.

ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.

ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.

قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.

وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.

ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.

على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه  حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.

احتجوا بأنه  ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.

ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه  جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.

احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.

وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.

قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.

قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.

وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.

والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.

قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.

ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.

والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.

وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.

وقد مر مراراً.

ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.

ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله  .

وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.

ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.

وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.

وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.

قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه  وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.

قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.

قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً  ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.

ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.

ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.

وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.

ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".

والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.

ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً  والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.

وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.

قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.

وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.

ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.

قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.

وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.

﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.

قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله  ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله  إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.

والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.

ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".

وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.

وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.

ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي  وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.

وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.

والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.

البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".

وحين أمر نبيه  أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.

قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق  ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.

والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.

قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.

وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.

قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.

وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.

قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.

وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.

و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.

وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.

وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.

يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول  وعلى المؤمنين.

بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.

﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟

وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟

وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟

وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟

النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟

ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.

عن الكلبي: لا تناله الدلاء.

والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".

يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.

قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ .

الشهيق: هو الصوت المنكر.

ثم من الناس من يقول: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، أي: لجهنم.

ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد منه الأهل؛ كما قال: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ ، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو [من الذي يعقل]، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا يعقل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار النار [فيغلي النار بطعامهم وشرابهم].

وقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

فجائز أن يكون [هذا] كناية عن الخزنة.

وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله  أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع في نفسه؛ ويسلم لأوليائه.

ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله  على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله  مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله  الذين مع رسول الله  ؛ لما [وجد] فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله -  : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.

وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[ينذركم لقاء يومكم هذا\] ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ .

وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ﴿ فَكَذَّبْنَا ﴾ بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: ﴿ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مما تنذروننا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ .

ففي قوله: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، فقوله: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ ، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا.

وقال بعضهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ : في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ﴿ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم.

وقيل: السحق: واد في جهنم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: يخشون الله -  - أن يعذبهم.

أو أن يخشوه فيما أوعدهم.

ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله  ، لكنهم يتفاوتون في الخشية.

ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله  ؛ لما رأى من كثرة نعم الله  وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله  عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.

ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.

ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!

واستدل على صحة ما ذكر بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟!

فقال: "بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة" ، وقال -  -: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.

ثم المعتزلة لا يخافون الله  ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله -  - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله -  - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله  ، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله  وفضله، ولا بذلك وصف الله  المؤمنين في كتابه، ولأن الله  أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله  ؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه -  - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله  ؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .

أي: من يرجو الله  ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.

والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .

تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله  دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.

وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف ﴿ مَنْ ﴾ لا يرجع إلى الله  ، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله  فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف ﴿ مَنْ ﴾ يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.

وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله  خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتح به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مذكور على أثر قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله  ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.

ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، وإذا أراد [أحد] أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه.

وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق.

وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه مصالحهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وللذين كفروا بربهم يوم القيامة عذاب النار المتقدة، وساء المرجع الَّذي يرجعون إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.OMgGe"

مزيد من التفاسير لسورة الملك

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد