الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ٥ من سورة الملك
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 100 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال : ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت .
وقوله : ( وجعلناها رجوما للشياطين ) عاد الضمير في قوله : ( وجعلناها ) على جنس المصابيح لا على عينها ; لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء ، بل بشهب من دونها ، وقد تكون مستمدة منها ، والله أعلم .
وقوله : ( وأعتدنا لهم عذاب السعير ) أي : جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا ، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى ، كما قال : في أول الصافات : ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) [ الصافات : 6 - 10 ] .
قال قتادة : إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال : خلقها الله زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به .
رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .
يقول تعالى ذكره: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ) وهي النجوم، وجعلها مصابيح لإضاءتها، وكذلك الصبح إنما قيل له صبح للضوء الذي يضئ للناس من النهار (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ) يقول: وجعلنا المصابيح التي زيَّنا بها السماء الدنيا رجوما للشياطين تُرْجم بها.
وقد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ) إن الله جلّ ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء الدنيا، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها ؛ فمن يتأوّل منها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به.
وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ) يقول جلّ ثناؤه: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاب السعير، تُسْعَر عليهم فتُسْجَر.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)
قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير[ ص: 195 ] قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح جمع مصباح وهو السراج .
وتسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها .وجعلناها رجوما للشياطين أي جعلنا شهبها ; فحذف المضاف .
دليله : إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب .
وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها .
وقيل : إن الضمير راجع إلى المصابيح على أن الرجم من أنفس الكواكب ، ولا يسقط الكوكب نفسه إنما ينفصل منه شيء يرجم به من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته .
قاله أبو علي جوابا لمن قال : كيف تكون زينة وهي رجوم لا تبقى .
قال المهدوي : وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكواكب .
والتقدير الأول على أن يكون الاستراق من الهوى الذي هو دون موضع الكواكب .
القشيري : وأمثل من قول أبي علي أن نقول : هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين .
والرجوم جمع رجم ; وهو مصدر سمي به ما يرجم به .
قال قتادة : خلق الله تعالى النجوم لثلاث : زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأوقات .
فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به ، وتعدى وظلم .
وقال محمد بن كعب : والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم ، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلا ، ويتخذون النجوم علة .وأعتدنا لهم عذاب السعير أي أعتدنا للشياطين أشد الحريق ; يقال : سعرت النار فهي مسعورة وسعير ; مثل مقتولة وقتيل .
أي: ولقد جملنا { السَّمَاءَ الدُّنْيَا } التي ترونها وتليكم، { بِمَصَابِيحَ } وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال.
ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، [وجمالا]، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها، { وَجَعَلْنَاهَا } أي: المصابيح { رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ } الذين يريدون استراق خبر السماء، فجعل الله هذه النجوم، حراسة للسماء عن تلقف الشياطين أخبار الأرض، فهذه الشهب التي ترمى من النجوم، أعدها الله في الدنيا للشياطين، { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } في الآخرة { عَذَابِ السَّعِيرِ } لأنهم تمردوا على الله، وأضلوا عباده، ولهذا كان أتباعهم من الكفار مثلهم، قد أعد الله لهم عذاب السعير
( ولقد زينا السماء الدنيا ) أراد الأدنى من الأرض وهي التي يراها الناس .
( بمصابيح ) [ أي : الكواكب واحدها : مصباح وهو السراج سمي الكوكب مصباحا ] لإضاءته ( وجعلناها رجوما ) مرامي ( للشياطين ) إذا استرقوا السمع ( وأعتدنا لهم ) في الآخرة ( عذاب السعير ) النار الموقدة
«ولقد زيَّنا السماء الدنيا» القربى إلى الأرض «بمصابيح» بنجوم «وجعلناها رجوما» مراجم «للشياطين» إذا استرقوا السمع بأن ينفصل شهاب عن الكوكب كالقبس يؤخذ من النار فيقتل الجني أو يخبله لا أن الكوكب يزول عن مكانه «وأعتدنا لهم عذاب السعير» النار الموقدة.
ولقد زيَّنا السماء القريبة التي تراها العيون بنجوم عظيمة مضيئة، وجعلناها شهبًا محرقة لمسترقي السمع من الشياطين، وأعتدنا لهم في الآخرة عذاب النار الموقدة يقاسون حرها.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته ، وبين ما أعده للكافرين من عذاب ، بسبب إصرارهم على كفرهم .
.
فقال - تعالى - :( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ .
.
.
)قال الإِمام الرازى : اعلم أن هذا هو الدليل الثانى على كونه - تعالى - قادرا عالما ، وذلك لأن هذه الكواكب نظرا إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار معين ، وموضع خاص ، وسير معين ، تدل على أن صانعها قادر .ونظرا إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد ، ومن كونهاه زينة لأهل الدنيا ، وسببا لانتفاعهم بها ، تدل على أن صانعها عالم .ونظير هذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الصافات : ( إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب .
وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ) وقوله : ( زَيَّنَّا ) من التزيين بمعنى التحسين والتجميل .
و ( الدنيا ) صيغة تفضيل من الدنو بمعنى القرب .والمصابيح : جمع مصباح وهو السراج المضئ .
والمراد بها النجوم .
وسميت بالمصابيح على التشبيه بها فى حسن المنظر ، وفى الإضاءة ليلا .
.والرجوم : جمع رَجْم ، وهو فى الأصل مصدر رَجَمه رَجْماً - من باب نصر - إذا رماه بالرِّجام أى : بالحجارة ، فهو اسم لما يُرْجَم به ، أى : ما يَرْمِى به الرامى غيره من حجر ونحوه ، تسمية للمفعول بالمصدر ، مثل الخَلْق بمعنى المخلوق .وصدرت الآية الكريمة بالقسم ، لإِبراز كال العناية بمضمونها .والمعنى : وبالله لقد زينا وجملنا السماء القريبة منكم بكواكب مضيئة كإضاءة السُّرُجِ ، وجعلنا - بقدرتنا - من هذه الكواكب ، ما يرجم الشياطين ويحرقها ، إذا ما حاولوا أن يسترقوا السمع ، كما قال - تعالى - ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً .
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ) قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ ) عاد الضمير فى قوله ( وَجَعَلْنَاهَا ) على جنس المصابيح لاعلى عينها ، لأنه لا يرمى بالكواكب التى فى السماء ، بل بشهب من دونها ، وقد تكون مستمدة منها - والله أعلم - .قال قتادة : إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال : خلقها زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به .
.فالضمير فى قوله : ( وَجَعَلْنَاهَا ) يعود إلى المصابيح ، ومنه من أعاده إلى السماء الدنيا ، على تقدير : وجعلنا منها رجوما للشياطين الذين يسترقون السمع .وقوله - تعالى - : ( وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير ) بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة ، بعد بيان سوء مصيرهم فى الدنيا عن طريق إحراقهم بالشهب .أى : وهيأنا لهؤلاء الشياطين فى الآخرة - بعد إحراقهم فى الدنيا بالشهب - عذاب النار المشتعلة المستعرة .فالسعير - بزنة فعيل - اسم لأشد النار اشتعالا .
يقال : سعر فلان النار - كمنع - إذا أوقدها بشدة .وكان السعير عذابا للشياطين - مع أنهم مخلوقان من النار ، لأن نار جهنم أشد من النار التى خلقوا منها ، فإذا ألقوا فيها صارت عذابا لهم ، إذ السعير أشد أنواع النار التهابا واشتعالا وإحراقا ..
اعلم أن هذا هو الدليل الثاني على كونه تعالى قادراً عالماً، وذلك لأن هذه الكواكب نظراً إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار خاص، وموضع معين، وسير معين، تدل على أن صانعها قادر ونظراً إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد من كونها زينة لأهل الدنيا، وسبباً لانتفاعهم بها، تدل على أن صانعها عالم، ونظير هذه الآية في سورة الصفات ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السماء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب وَحِفْظاً مّن كُلّ شيطان مَّارِدٍ ﴾ وهاهنا مسائل.
المسألة الأولى: ﴿ السماء الدنيا ﴾ السماء القربى، وذلك لأنها أقرب السموات إلى الناس ومعناها السماء الدنيا من الناس، والمصابيح السرج سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، أما قوله تعالى: ﴿ وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ فاعلم أن الرجوم جمع رجم، وهو مصدر سمي به ما يرجم به، وذكروا في معرض هذه الآية وجهين: الوجه الأول أن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها، فإن قيل: جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها وجعلها رجوماً للشياطين ورميهم بها يقتضي زوالها والجمع بينهما متناقض، قلنا: ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها، وتلك الشعل هي الشهب، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار باقية الوجه الثاني: في تفسير كون الكواكب رجوماً للشياطين أنا جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من المنجمين.
المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها، فهي لابد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح.
واعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أن هذه الثوابت مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرات السيارات، واحتجوا عليه بأن بعض هذه الثوابت في الفلك الثامن، فيجب أن تكون كلها هناك، وإنما قلنا: إن بعضها في الفلك الثامن، وذلك لأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة، وإنما قلنا: إن هذه الثوابت لما كانت في الفلك الثامن وجب أن تكون كلها هناك، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة، فلابد وأن تكون مركوزة في كرة واحدة.
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، فإنه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق السيارات كون كلها هناك، لأنه لا يبعد وجود كرة تحت القمر، وتكون في البطء مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية، إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا، فثبت أن مذهب الفلاسفة في هذا الباب ضعيف.
المسألة الثالثة: اعلم أن منافع النجوم كثيرة، منها أن الله تعالى زين السماء بها، ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء، ولذلك فإنه إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة، وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها، ومنها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة، فإنها أجسام عظيمة نورانية، فإذا قارنت الشمس كوكباً مسخناً في الصيف، صار الصيف أقوى حراً، وهو مثل نار تضم إلى نار أخرى، فإنه لا شك أن يكون الأثر الحاصل من المجموع أقوى، ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، على ما قال تعالى: ﴿ وعلامات وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ ومنها أنه تعالى جعلها رجوماً للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمع لخبر السماء، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء، ورصدت الشياطين، فمن جاء منهم مسترقاً للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره ويرتاب الناس بخبره، فهذا هو السبب في انقضاض الشهب، وهو المراد من قوله: ﴿ وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ ومن الناس من طعن في هذا من وجوه: أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، وإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها، فتلك الشعلة هي الشهاب.
وثانيها: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحداً وألفاً من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شيء مرة ومراراً وألفاً امتنع أن يعود إليه من غير فائدة.
وثالثها: أنه يقال في ثخن السماء فإنه مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء وخرقوا اتصاله، فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال: ﴿ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ﴾ وإن كانوا لا ينفذون في جرم السماء، فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم، ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم، فلا يسمعوا كلام الملائكة حال كونهم في الأرض.
ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها من وحي الله تعالى إليهم، وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها.
وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار، والنار لا تحرق النار بل تقويها، فكيف يعقل أن يقال: إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب.
وسادسها: أنه كان هذا الحذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وسابعها: أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض، بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين ولو كانت قريبة من الفلك، لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب، وإذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض، فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك.
وثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟.
وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب؟.
والجواب عن السؤال الأول: أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب أخر، إلا أن ذلك لا ينافي أنها بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام قد توجد بسبب آخر وهو دفع الجن وزجرهم.
يروى أنه قيل للزهري: أكان يرمى في الجاهلية قال: نعم، قيل: أفرأيت قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم.
والجواب عن السؤال الثاني: أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها الحرق لطغيانها وضلالتها، قيض لها من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها، تقدم على العمل المفضي إلى الهلاك والبوار.
والجواب عن السؤال الثالث: أن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، فأما ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيماً.
وأما الجواب عن السؤال الرابع: ما روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا،» قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم قال عليه الصلاة والسلام: «فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش، ثم سبح أهل السماء، وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش، ماذا قال ربكم؟
فيخبرونهم، ولا يزال ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون، فما جاءوا به فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه».
والجواب عن السؤال الخامس: أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى، فالأقوى يبطل الأضعف.
والجواب عن السؤال السادس: أنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم يدم هذا العذاب لعادت الكهانة، وذلك يقدح في خبر الرسول عن بطلان الكهانة.
والجواب عن السؤال السابع: أن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع، فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك الموضع سمعوا كلام الملائكة.
والجواب عن السؤال الثامن: لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين.
والجواب عن السؤال التاسع: أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهذا ما يتعلق بهذا الباب على سبيل الاختصار والله أعلم.
واعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الكواكب وذكر أن من جملة المنافع أنها رجوم للشياطين، قال بعد ذلك: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير ﴾ أي أعتدنا للشياطين بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عذاب السعير في الآخرة، قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير كقولك: مقبولة وقبيل، واحتج أصحابنا على أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية، لأن قوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ إخبار عن الماضي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الدنيا ﴾ القربى؛ لأنها أقرب السموات إلى الناس، ومعناها: السماء الدنيا منكم.
والمصابيح السرج، سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بأثقاب المصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها ﴿ بمصابيح ﴾ أي بأي مصابيح لا توازيهامصابيحكم إضاءة، وضممنا إلى ذلك منافع أخر: أنا (جعلنا رجوما) لأعدائكم: (للشياطين) الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات وتهتدون بها في ظلمات البر والبحر.
قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها.
فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلف مالا علم له به وعن محمد بن كعب: في السماء والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم علة.
والرجوم: جمع رجم: وهو مصدر سمي به ما يرجم به.
ومعنى كونها مراجم للشياطين: أنّ الشهب التي تنقض لرمي المسترقة منهم منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها؛ لأنها قارة في الفلك على حالها.
وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص.
وقيل: من الشياطين المرجومة من يقتله الشهاب.
ومنهم من يخبله.
وقيل: معناه وجعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون.
﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير ﴾ في الآخرة بعد عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا ﴾ أقْرَبَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
﴿ بِمَصابِيحَ ﴾ بِالكَواكِبِ المُضِيئَةِ بِاللَّيْلِ إضاءَةَ السُّرُجِ فِيها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُ بَعْضِ الكَواكِبِ مَرْكُوزَةً في سَماواتٍ فَوْقَها إذِ التَّزْيِينُ بِإظْهارِها فِيها.
﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ وجَعَلْنا لَها فائِدَةً أُخْرى وهي رَجْمُ أعْدائِكُمْ، والرُّجُومُ جَمْعُ رَجْمٍ بِالفَتْحِ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْجَمُ بِهِ بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُسَبَّبَةِ عَنْها.
وقِيلَ: مَعْناهُ وجَعَلْناها رُجُومًا وظُنُونًا لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ المُنَجِّمُونَ.
﴿ وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ في الآخِرَةِ بَعْدَ الإحْراقِ بِالشُّهُبِ في الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا} القربى أي السماء الدنيا منكم {بمصابيح} بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح والمصابيح السرج فسميت بها الكواكب الناس يزينون مساجدهم ودورهم
بايقاد المصابيح ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة {وجعلناها رُجُوماً للشياطين} أي لأعدائكم الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات قال قتادة خلق الله النجوم لثلاث زينة الساء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف مالا علم له به والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به ومعنى كونها رجوماً للشياطين أن ينفصل عنها شهاب قيس يؤخذ من نار فيقتل الجني أو يخبله لأن الكواكب لا تزول عن أماكنها لأنها قارة في الفلك على حالها {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ} للشياطين {عَذَابَ السعير} في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ ﴾ إلَخِ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلْحَثِّ عَلى النَّظَرِ قُدْرَةً وامْتِنانًا.
وفي الإرْشادِ بَيانٌ لِكَوْنِ خَلْقِ السَّماواتِ في غايَةِ الحُسْنِ والبَهاءِ إثْرَ بَيانِ ( خُلُوِّها ) عَنْ شائِبَةِ العَيْبِ والقُصُورِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ زَيَّنا السَّماءَ ﴿ الدُّنْيا ﴾ مِنكم أيِ الَّتِي هي أتَمُّ دُنُوًّا مِنكم مِن غَيْرِها فَدُنُوُّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتُ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن حَوْلَ العَرْشِ فَبِالعَكْسِ ﴿ بِمَصابِيحَ ﴾ جَمْعُ مِصْباحٍ وهو السِّراجُ، وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الكَوْكَبِ ثُمَّ جُمِعَ أوْ تُجُوِّزَ بِالمَصابِيحِ ابْتِداءً عَنِ الكَواكِبِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِمَقَرِّ السِّراجِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَجَوُّزًا عَلى تَجَوُّزٍ ولا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأنَّ المِصْباحَ نَفْسُ السِّراجِ أيْضًا وتَنْكِيرُها لِلتَّعْظِيمِ أيْ بِمَصابِيحَ عَظِيمَةٍ لَيْسَتْ كَمَصابِيحِكُمُ الَّتِي تَعْرِفُونَها.
وقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ والأوَّلُ أوْلى.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الكَواكِبُ المُضِيئَةُ بِاللَّيْلِ إضاءَةَ السِّراجِ مِنَ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ بِناءً عَلى أنَّها كُلَّها في أفْلاكٍ ومَجارٍ مُتَفاوِتَةٌ قُرْبًا وبُعْدًا في ثِخَنِ السَّماءِ الدُّنْيا، وكَوْنُ السَّماءِ هي الفُلْكَ خِلافُ المَعْرُوفِ عَنِ السَّلَفِ وإنَّما هو قَوْلٌ قالَهُ مَن أرادَ الجَمْعَ بَيْنَ كَلامِ الفَلاسِفَةِ الأُولى وكَلامِ الشَّرِيعَةِ فَشاعَ فِيما بَيْنَ الإسْلامِ واعْتَقَدَهُ مَنِ اعْتَقَدَهُ.
وعَنْ عَطاءٍ أنَّ الكَواكِبَ في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ في أيْدِي مَلائِكَةٍ وعَلَيْهِ فَ ﴿ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: زَيَّنْتُ السَّقْفَ بِالقَنادِيلِ وهو ظاهِرٌ لَكِنَّ الخَبَرَ لا يَكادُ يَصِحُّ.
ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ السَّماءَ الدُّنْيا فَلَكُ القَمَرِ والسِّتُّ الباقِيَةُ أفْلاكُ السَّيّاراتِ الباقِيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ المَشْهُورِ وأنَّ لِلثَّوابِتِ فَلَكًا مَخْصُوصًا يُسَمّى بِلِسانِ الشَّرْعِ بِالكُرْسِيِّ، أوْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ في فَلَكِ زُحَلَ وهو السَّماءُ السّابِعَةُ، أوْ يَكُونَ بَعْضُها في فَلَكٍ وبَعْضُها الآخَرُ في آخَرَ فَوْقَهُ، أوْ كُلٌّ مِنها في فَلَكٍ وسَماءٍ غَيْرِ السَّبْعِ.
والِاقْتِصارُ عَلى العَدَدِ القَلِيلِ لا يَنْفِي الكَثِيرَ قالَ: إنَّ تَخْصِيصَ السَّماءِ بِالتَّزْيِينِ بِها لِأنَّها إنَّما تُرى عَلَيْها ولا تَرى جُرْمَ ما فَوْقَها أوْ رِعايَةً لِمُقْتَضى إفْهامِ العامَّةِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ سَماءٍ وسَماءٍ عَلَيْهِمْ، فَهم يَرَوْنَ الكَواكِبَ كَجَواهِرَ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلى بِساطِ الفَلَكِ الأزْرَقِ الأقْرَبِ، ومَنِ اعْتَبَرَ ما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ اليَوْمَ مِن أنَّ الكَواكِبَ فَلَكُ عَجائِبِ القُدْرَةِ مَواخِرُ في بَحْرِ جَوِّ الفَضاءِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ومَجارِيها فِيهِ هي أفْلاكُها وقَدْ تَحَرَّكَتْ إذْ تَحَرَّكَتْ في خَلاءٍ أوْ ما يُشْبِهُهُ مَعَ قُوًى بِها تَجاذَبَتْ وارْتَبَطَتْ ولَها حَرَكاتٌ عَلى أنْفُسِها وحَرَكاتٌ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَتْ مَرْكُوزَةً كَما اشْتُهِرَ في أجْرامٍ صُلْبَةٍ شَفّافَةٍ لا ثَقِيلَةٍ ولا خَفِيفَةٍ تُسَمّى أفْلاكًا أوْ سَماءً وهي مُتَفاوِتَةٌ قُرْبًا وبُعْدًا تَفاوُتًا كُلِّيًّا، وإنْ رُؤِيَتْ كُلُّها قَرِيبَةً لِسَبَبٍ خَفِيَ إلى الآنِ عَلَيْهِمْ حَتّى أنَّ مِنها ما لا يَصِلُ شُعاعُهُ إلَيْنا إلّا في عِدَّةِ سِنِينَ مَعَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ وبَيْنَنا وبَيْنَها أرْبَعَةٌ وثَلاثُونَ مِلْيُونًا مِنَ الفَراسِخِ، والمِلْيُونُ ألْفُ ألْفٍ يَصِلُ إلَيْنا في ثَمانِ دَقائِقَ وثَلاثَ عَشْرَةَ ثانِيَةٍ إلى آخَرِ ما زَعَمُوا فِيها.
قالَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ الدُّنْيا طَبَقَةٌ مَخْصُوصَةٌ في هَذا الفَضاءِ، وبِالمَصابِيحِ كَواكِبُ فِيها نَفْسِها قَدْ زَيَّنَتْ تِلْكَ الطَّبَقَةَ بِها تَزْيِينُ فَضاءِ دارٍ بِطُيُورٍ يَطِرْنَ وحائِماتٍ فِيهِ مَثَلًا، أوْ جَمِيعِ ما يُرى مِنَ الكَواكِبِ وإنْ كانَ فَوْقَها وتَزْيِينُها بِذَلِكَ بِإظْهارِهِ فِيها كَما مَرَّ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن تَصَدّى لِتَطْبِيقِ الآياتِ والأخْبارِ عَلى ما قالَهُ الفَلاسِفَةُ مُطْلَقًا فَقَدْ تَصَدّى لِأمْرٍ لا يَكادُ يَتِمُّ لَهُ واللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ.
نَعْمَ تَأْوِيلُ النَّقْلِيِّ إنَّما يَنْبَغِي إذا قامَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى خِلافِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، وأكْثَرُ أدِلَّةِ الفَلاسِفَةِ قاعِدَةٌ عَلى العَجْزِ عَنْ إثْباتِها إثْباتًا صَحِيحًا ما يُخالِفُ أدِلَّةَ أهْلِ الشَّرْعِ كَما لا يَخْفى عَلى مَنِ اسْتَضاءَ بِمَصابِيحِهِ.
﴿ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَصابِيحِ عَلى ما هو الظّاهِرُ لا لِلسَّماءِ الدُّنْيا عَلى مَعْنى (جَعَلْنا مِنها أيْ مِن جِهَتِها كَما قِيلَ والرُّجُومُ جَمْعُ رَجْمٍ بِالفَتْحِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ ما يُرْجَمُ بِهِ أيْ يُرْمى فَصارَ لَهُ حُكْمُ الأسْماءِ الجامِدَةِ ولِذا جُمِعَ وإنْ كانَ الأصْلُ في المَصادِرِ أنَّها لا تُجْمَعُ.
وقِيلَ إنَّهُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّجْمِ أيْضًا.
والمُرادُ بِالشَّياطِينِ مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، ورَجْمُهم عَلى ما اشْتُهِرَ بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُسَبَّبَةِ عَنِ الكَواكِبِ وإلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما قَرَّرَهُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ مِن أنَّ الكَواكِبَ نَفْسَها غَيْرُ مُنْقَضَّةٍ وإنَّما المُنْقَضُّ شُعَلٌ نارِيَّةٌ تَحْدُثُ مِن أجْزاءٍ مُتَصاعِدَةٍ لِكُرَةِ النّارِ لَكِنَّها بِواسِطَةِ تَسْخِينِ الكَواكِبِ لِلْأرْضِ، فالتَّجَوُّزُ في إسْنادِ الجَعْلِ إلَيْها أوْ في لَفْظِها وهو مَجازٌ بِوَسائِطَ.
وقالَ الشِّهابُ: لا مانِعَ مِن جَعْلِ المُنْقَضِّ نَفْسِهِ مِن جِنْسِ الكَواكِبِ وإنْ خالَفَ اعْتِقادَ الفَلاسِفَةِ وأهْلِ الهَيْئَةِ، ولَكِنْ في النُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ ما فِيهِ رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ انْتَهى.
وأقُولُ لا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ المَبْنى لا يَتِمُّ أيْضًا إلّا بِثُبُوتِ كُرَةِ النّارِ الَّذِي لا تَراهم يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ إلّا بِحُدُوثٍ هَذِهِ الشُّهُبِ وسَلَفُ الأُمَّةِ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ وكَذا أهْلُ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُحَقِّقُوا إلى الآنِ أمْرَ هَذِهِ الشُّهُبِ لَكِنْ يَمِيلُونَ إلى أنَّها أجْسامٌ انْفَصَلَتْ عَنِ الكَواكِبِ الَّتِي يَزْعُمُونَها عَوالِمَ مُشْتَمِلَةً عَلى جِبالٍ ونَحْوِها اشْتِمالَ الأرْضِ عَلى ذَلِكَ، وخَرَجَتْ لِبَعْضِ الحَوادِثِ عَنْ حَدِّ القُوى الجاذِبَةِ لَها إلى ما انْفَصَلَتْ عَنْهُ ولَمْ تَصِلْ إلى حَدِّ جَذْبِ قُوَّةِ الأرْضِ لَها فَبَقِيَتْ تَدُورُ عِنْدَ مُنْتَهى كُرَةِ الأرْضِ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الهَواءِ، فَإذا عَرَضَ لَها الدُّخُولُ في هَواءِ الأرْضِ أثْناءَ حَرَكَتِها احْتَرَقَتْ كُلًّا أوْ بَعْضًا كَما تَحْتَرِقُ بَعْضُ الأجْسامِ المَحْفُوظَةِ عَنِ الهَواءِ إذا صادَمَها الهَواءُ، ورُبَّما تَصِلُ في بَعْضِ حَرَكاتِها إلى حَدِّ جَذْبِ الأرْضِ فَتَقَعَ عَلَيْها.
وبَعْضُهم يَزْعُمُ في الحِجارَةِ السّاقِطَةِ مِنَ الجَوِّ الَّتِي تُسَمّى عِنْدَهم بِالأبْرُولِيتِ يَعْنُونَ حِجارَةَ الهَواءِ أنَّها مِن تِلْكَ الأجْسامِ وكُلُّ ذَلِكَ حَدِيثُ خُرافَةٍ ورَجْمٌ بِظُنُونٍ فاسِدَةٍ، وقُصارى ما يُقالُ في هَذِهِ الشُّهُبِ أنَّها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ ناشِئَةً مِن أجْرامٍ مِن جِنْسِ الكَواكِبِ فِيها قُوَّةُ الإحْراقِ سَواءٌ كانَ كُلُّ مُضِيءٍ مُحْرِقًا أمْ لا مُتَكَوِّنَةً في جَوِّ هَذا الفَضاءِ المُشاهَدِ إلّا أنَّها لِغايَةِ صِغَرِها لا تُشاهَدُ ولَوْ بِالنَّظّاراتِ حَتّى إذا قُرِّبَتْ بِانْقِضاضِها شُوهِدَتْ وقَدْ تُصادِفُ في انْقِضاضِها أجْسامًا مُتَصاعِدَةً مِنَ الأرْضِ فَتُحْرِقُها، ورُبَّما يَتَّصِلُ الحَرِيقُ إلى ما يَقْرُبُ مِنَ الأرْضِ جِدًّا ورُبَّما تَكَوَّنَتِ الحِجارَةُ مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ العَقْلَ يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ لَها دَوَرانٌ عَلى شَكْلٍ مِنَ الأشْكالِ فَتَرْجِعُ بَعْدَ ما يُشاهَدُ لَها مِنَ الِانْقِضاضِ، وأنْ تَتَلاشى بَعْدَ انْقِضاضِها ويَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَها مِن مادَّةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو عَزَّ وجَلَّ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( جَعَلْناها ) وإنْ عادَ عَلى المَصابِيحِ لَكِنْ لَمْ يَعُدْ عَلَيْها إلّا بِاعْتِبارِ الجِنْسِ دُونَ خُصُوصِيَّةِ كَوْنِها مُزَيَّنَةً بِها السَّماءُ الدُّنْيا نَظِيرَ ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ وعِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ لِما أنَّ التَّزْيِينَ بِاعْتِبارِ الظُّهُورِ ولا ظُهُورَ لِهَذِهِ الأجْرامِ قَبْلَ انْقِضاضِها وإنِ اعْتَبَرَ في كَوْنِها مَصابِيحَ أوْ كَواكِبَ أوْ نُجُومًا ظُهُورَها في نَفْسِها ولِمَن يَقْرُبُ مِنها دُونَ خُصُوصِيَّةِ ظُهُورِها لَنا، وفي كَوْنِها زِينَةً لِلسَّماءِ كَوْنَها زِينَةً لَها في الجُمْلَةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ جِدًّا.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ناشِئَةً مِنَ المَصابِيحِ المُشاهَدَةِ المُزَيَّنِ بِها بِأنْ يَنْفَصِلَ عَنْها وهي في مَحَلِّها شُعَلٌ هي الشُّهُبُ وما ذاكَ إلّا كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِن نارٍ والنّارُ ثابِتَةٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجِبائِيُّ وكَثِيرٌ وهو مُحْتَمِلٌ لِأنَّ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنها قابِلِيَّةُ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ القابِلِيَّةُ لِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ وهَذا لِعَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وأحْوالِها في أنْفُسِها.
والكَلامُ نَحْوَ قَوْلِكَ أسْكَنَ الأمِيرُ قَبِيلَةَ كَذا في ثَغْرِ كَذا وجَعَلَها تَرْمِي بِالبَنادِقِ مَن يَقْرُبُ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها قابِلِيَّةُ الرَّمْيِ، ثُمَّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يُشاهَدُ مِنَ الشُّهُبِ قَبَسًا مِنَ المَصابِيحِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ وهو الَّذِي تَرْمِي بِهِ الشَّياطِينُ مِنها وبَعْضُهُ مِن أُمُورٍ تَحْدُثُ في الجَوِّ مِنَ اصْطِكاكٍ أوْ نَحْوِهِ.
وتَفاوُتُ الشُّهُبِ قِلَّةً وكَثْرَةً يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِتَفاوُتِ حَوادِثِ الجَوِّ، وأنْ يَكُونَ لِتَفاوُتِ الِاسْتِراقِ ولَيْسَ في الآياتِ والأخْبارِ ما هو نَصٌّ في أنَّ الشُّهُبَ لا تَكُونُ إلّا لِرَمْيِ الشَّياطِينِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أكْثَرُ الشُّهُبِ مِنَ الحَوادِثِ الجَوِّيَّةِ وذَواتِ الأذْنابِ مِنها في رَأْيِ المُتَقَدِّمِينَ، وهي في أنْفُسِها دُونَ أذْنابِها نُجُومٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَدُورُ لا كَما يَدُورُ غَيْرُها مِنَ النُّجُومِ فَتَقْرُبُ تارَةً وتَبْعُدُ أُخْرى فَتَخْرُجُ عَنْ مَداراتِ السَّيّاراتِ إلى حَيْثُ لا تُشاهَدُ أصْلًا عِنْدَ فَلاسِفَةِ العَصْرِ ولَهم فِيها كَلامٌ أطْوَلُ مِن أذْنابِها.
وقَدْ أوْرَدَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذا الفَصْلِ أسْئِلَةً وشُبَهًا أجابَ عَنْها بِما أجابَ ونَحْنُ فَعَلْنا نَحْوَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ أتَمَّ فَلْيُتَذَكَّرْ.
وقَدْ أطْنَبْنا هُناكَ الكَلامَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ ( إلّا ) أنَّ بَعْضًا مِمّا ذَكَّرْناهُ هُناكَ فَخُذْ مِنَ المَوْضِعَيْنِ ما صَفا ودَعْ ما كَدُرَ بَعْدَ أنْ تَتَأمَّلَ حَقَّ التَّأمُّلِ وتَتَدَبَّرَ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ وجَعَلْناها ظُنُونًا ورُجُومًا بِالغَيْبِ لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ المُنَجِّمُونَ المُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونَحْوِهِما وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِمْ أيْ رَدَّ فِيما تَقَدَّمَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا.
﴿ وأعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ وهَيَّأْنا لِلشَّياطِينِ ﴿ عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ عَذابَ النّارِ المُسَعَّرَةِ المُشْعِلَةِ في الآخِرَةِ بَعْدَ الإحْراقِ في الدُّنْيا بِالشُّهُبِ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نارٍ لِأنَّهم لَيْسُوا نارًا فَقَطْ بَلْ هي أغْلَبُ عَناصِرِهِمْ فَهي مِنهم كالتُّرابِ مِن بَنِي آدَمَ فَيَتَأثَّرُونَ مِن ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَكُونُ نارًا أقْوى مِن نارٍ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ وعَلى أنَّ الشَّياطِينَ مُكَلَّفُونَ.
<div class="verse-tafsir"
وتسمى الواقية والمنجية وهي ثلاثون آية مكية قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: تعالى وتعظم.
وهذا قول ابن عباس وقيل: تفاعل من البركة.
وقال الحسن: تبارك يعني: تقدس الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له الملك، كما قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويقال: الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له القدرة ونفاذ الأمر.
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: في العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء.
ثم قال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال مقاتل: خَلَقَ الْمَوْتَ يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار حياً.
وقال الكلبي: خَلَقَ الْمَوْتَ بمنزلة كبش أملح، لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات وَالْحَياةَ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء.
وقال قتادة في قوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.
ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة.
لِيَبْلُوَكُمْ يعني: ليختبركم ما بين الحياة والموت.
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في حياته، ويقال: أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً.
ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أي: خلق الحياة للامتحان، وخلق الموت للجزاء كما قيل: لولا المحن لقدمنا مفاليس، وذلك أن الله تعالى، خلق الجنة.
وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب.
والابتلاء من الله تعالى، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب.
ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ يعني: العزيز بالنقمة للكافر، والغفور لمن تاب منهم.
ثم قال: الَّذِي خَلَقَ يعني: تبارك الذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة.
مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.
قرأ حمزة، والكسائي: من تفوت بغير ألف، والباقون بالألف، وهما لغتان.
تفاوت الشيء وتفوت، إذا اختلف، يعني: مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن اختلافاً واضطراباً، ويقال: ما ترى فيها من اعوجاج، ولكنه مستوي.
ويقال: معناه مَّا ترى فِى خَلْقِ السموات من عيب.
وأصله من الفوت أي يفوت الشيء، فيقع فيه الخلل، ولكنه متصل بعضها ببعض.
ثم أمر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته، فقال عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ يعني: رد البصر إلى السماء.
ويقال: قلب البصر في السماء، ويقال: اجتهد بالنظر إلى السماء.
هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟
يعني: هل ترى فيها من شقوق؟
ويقال: هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً؟
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعني: انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين، لا يرى فيها عيباً، بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يعني: يرجع البصر ذليلاً.
وَهُوَ حَسِيرٌ يعني: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً.
وقال القتبي: خاسِئاً أي: مبعداً، وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل.
ثم قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم والكواكب.
وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يعني: جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين، إذا تصدوا استراق السمع.
وَأَعْتَدْنا لَهُمْ يعني: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ يعني: الوقود.
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أعتدنا للذين جحدوا بِرَبِّهِمْ يعني: بوحدانية الله تعالى عَذابُ جَهَنَّمَ.
قرئ في الشاذ عَذابُ جَهَنَّمَ بالنصب يعني: أعتدنا لهم عذاب جهنم، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه، وقراءة العامة بالضم، على معنى خبر الابتداء.
ثم قال: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع.
ثم قال: إِذا أُلْقُوا فِيها يعني: ألقوا الكفار في نار جهنم.
سَمِعُوا لَها يعني: سمعوا منها شَهِيقاً يعني: صوتاً كصوت الحمار.
وَهِيَ تَفُورُ يعني: تغلي كغلي المرجل.
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يعني: تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى.
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ يعني: من النار فوج، يعني: أمة من الأمم.
سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يعني: رسولاً يخبركم ويخوفكم؟
قالُوا بَلى يعني: يقولون: بلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ يعني: الرسول، فَكَذَّبْنا الرسول، وَقُلْنا: إنكم لكاذبون على الله تعالى.
مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعني: كتاباً ولا رسولاً.
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يعني: قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم.
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ يعني: لو كنا نسمع إلى الحق أَوْ نَعْقِلُ يعني: نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق.
مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: مع أصحاب الزقوم في النار.
ويقال: يعني: ما كنا في أهل النار.
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ يعني: أقروا بشركهم فَسُحْقاً يعني: فبعداً من رحمة الله تعالى لِأَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: الوقود.
وقال الزجاج: فَسُحْقاً نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقاً، فباعدهم من رحمته.
والسحق: البعيد، كقوله: فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31] أي: بعيد.
قرأ الكسائي بضم السين والحاء، وجزم الحاء والباقون بضم السين، وهما لغتان معناهما واحد.
ثم بين حال المؤمنين: <div class="verse-tafsir"
حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:
١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.
وقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١» : ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.
وقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.
وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣» : تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.
وقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضاً لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ
سُورَةُ المُلْكِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي المانِعَةُ مِن عَذابِ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: السُّلْطانُ يُعِزُّ ويُذِلُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَلَقَ المَوْتَ المُزِيلَ لِلْحَياةِ، والحَياةَ الَّتِي هي ضِدُّ المَوْتِ ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٧] قالَ الزَّجّاجُ: والمُعَلَّقُ بِـ "أيُّكُمْ" مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: لِيَبْلُوَكُمْ، فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وهَذا عِلْمُ وُقُوعٍ.
وارْتَفَعَتْ "أيُّ" بِالِابْتِداءِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، لِأنَّها عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ "أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى" [الكَهْفِ: ١٢] .
والمَعْنى: خَلَقَ الحَياةَ لِيَخْتَبِرَكم فِيها، وخَلَقَ المَوْتَ لِيَبْعَثَكم ويُجازِيَكم.
وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ في "لِيَبْلُوَكُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِ الحَياةِ دُونَ خَلْقِ المَوْتِ، لِأنَّ الِابْتِلاءَ بِالحَياةِ، ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ مُطابَقاتٍ، أيْ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ "ما تَرى" يا ابْنَ آدَمَ "فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ" قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن تَفَوُّتٍ" بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِألِفٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، كَما تَقُولُ: تَعاهَدْتُ الشَّيْءَ، وتَعَهَّدْتُهُ.
والتَّفاوُتُ: الِاخْتِلافُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّفاوُتُ: الِاضْطِرابُ والِاخْتِلافُ، وأصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا، فَيَقَعُ الخَلَلُ، ولَكِنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ أيْ: كَرِّرِ البَصَرَ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "هَلْ تَّرى" بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، أيْ: هَلْ تَرى فِيها فُرُوجًا وصُدُوعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُبْعَدًا مِن قَوْلِكَ: خَسَأْتُ الكَلْبَ: إذا باعَدْتَهُ ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ أيْ: كَلَيْلٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ أنْ يَلْحَقَ ما نَظَرَ إلَيْهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ أعْيا مِن قَبْلِ أنْ يَرى في السَماءِ خَلَلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [حَم السَّجْدَةِ: ١٢] ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ أيْ: يُرْجَمُ بِها مُسَتَرِقُو السَّمْعِ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا المَعْنى [الحِجْرِ: ١٨] ﴿ وَأعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿ عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ وهَذا وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ أيْ: صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِ الحِمارِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى الشَّهِيقِ في [هُودٍ: ١٠٦] ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ: تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ "تَكادُ تَمَيَّزُ" أيْ: تَتَقَطَّعُ مِن تَغَيُّظِها عَلَيْهِمْ ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنهم ﴿ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ؟!
وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: قُلْنا لِلرُّسُلِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ بِعِيدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ اعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ فَقالُوا: ﴿ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ ﴾ أيْ: سَماعَ مَن يَعِي ويُفَكِّرُ ﴿ أوْ نَعْقِلُ ﴾ عَقْلَ مَن يُمَيِّزُ ويَنْظُرُ ﴿ ما كُنّا ﴾ مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا.
وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.
وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو صالِحٍ: السُّحْقُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: سُحْقٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَعِيرِ ﴾ ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ ﴾ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ﴿ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ زَيَّنَ السَماءَ الدُنْيا الَّتِي تَلِينا -أيِ: الَّتِي تَلِينا- بِمَصابِيحَ وهي النُجُومُ، فَإنْ كانَ جَمِيعُ النُجُومِ في السَماءِ الدُنْيا فَهَذا اللَفْظُ عامٌّ لِلْكَواكِبِ، وإنْ كانَ في سائِرِ السَماواتِ كَواكِبُ فَإمّا أنْ يُرِيدَ كَواكِبَ سَماءِ الدُنْيا فَقَطْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ الجَمِيعَ عَلى أنَّ ما في غَيْرِها لَمّا كانَتْ هي تَشِفُّ عنهُ ويَظْهَرُ مِنها فَقَدْ تَزَيَّنَتْ بِهِ بِوَجْهٍ ما، ومِن تَكَلُّفِ القَوْلِ لِمَواضِعِ الكَواكِبِ وفي أيِّ سَماءٍ هي فَقَوْلُهُ لَيْسَ مِنَ الشَرِيعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا ﴾ مَعْناهُ: وجَعَلْنا مِنها، وهَذا كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ بَنِي فُلانٍ وصَنَعْتُ بِهِمْ، وأنْتَ إنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ، ويُوجِبُ هَذا التَأْوِيلَ في الآيَةِ أنَّ الكَواكِبَ الثابِتَةَ والبُرُوجَ وكُلَّ ما يُهْتَدى بِهِ في البَرِّ والبَحْرِ فَلَيْسَتْ بِرَواجِمَ، وَهَذا نَصٌّ في حَدِيثِ السِيَرِ، وقالَ قَتادَةُ: رَحِمَهُ اللهُ خَلَقَ اللهُ تَعالى النُجُومَ زِينَةً ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.
ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ، ومَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ أعْدَدْنا، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلِلَّذِينِ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ المُتَقَدِّمِ، وقَرَأ الحَسَنُ في -رِوايَةِ هارُونَ عنهُ-: "عَذابَ جَهَنَّمَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وأعْتَدْنا لِلَّذِينِ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ، فالواوُ عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ لِلْكُفّارِ المُخَلَّدِينَ، وقَدْ جاءَ في الأثَرِ أنَّهُ يَمُرُّ عَلى جَهَنَّمَ زُمَرٌ تُخْفِقُ أبْوابَها، قَدْ أخْلَتْها الشَفاعَةُ، فالَّذِي يُقالُ في هَذا إنَّ "جَهَنَّمَ" تَخْتَصُّ بِهِ الطَبَقَةُ العُلْيا مِنَ النارِ، ثُمَّ قَدْ تُسَمّى الطَبَقاتُ كُلُّها "جَهَنَّمَ" بِاسْمٍ بَعْضِها، وهَكَذا كَما يُقالُ "نَجْمٌ" لِلثُّرَيّا، ثُمَّ يُقالُ ذَلِكَ لِلْكَواكِبِ اسْمُ جِنْسٍ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ جَهَنَّمُ بِأسْرِها، أيْ: جَمِيعِ الطَبَقاتِ، والَّتِي في الأثَرِ هي الطَبَقَةُ العُلْيا لِأنَّها مَقَرُّ العُصاةِ.
و"الشَهِيقُ" أقْبَحُ ما يَكُونُ مِن صَوْتِ الحِمارِ، فاحْتِدامُ النارِ وغَلَيانُها بِصَوْتٍ مِثْلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ ، أيْ: يُزايِلُ بَعْضَها بَعْضًا لِشِدَّةِ الِاضْطِرابِ، كَما قالَ الشاعِرُ في صِفَةِ الكَلْبِ يَحْتَدِمُ في جَرْيِهِ: يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عن إهابِهِ وقَرَأ الضَحّاكُ: "تَمايَزَ" بِالألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "تَتَمَيَّزُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَمَيَّزَ" مُخَفَّفَةَ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ وقَوْمٌ: "تَكادُ تَّمَيَّزُ" بِضَمِّ الدالِ وشَدِّ التاءِ عَلى أنَّها "تَتَمَيَّزُ" وأدْغَمَ إحْدى التاءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ قَوْمٌ بِإدْغامِ الدالِ في التاءِ، وهَذا فِيهِ إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الغَيْظِ" مَعْناهُ: عَلى الكَفَرَةِ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ ، الفَوْجُ: الفَرِيقُ مِنَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللهِ أفْواجًا ﴾ الآيَةُ، تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَلْقى فِيها أحَدٌ إلّا سُئِلَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ -عَنِ النُذُرِ،فَأقَرَّ بِأنَّهم جاءُوا وكَذَّبُوهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" حَصَرَ، فَإذًا الآيَةُ تَقْتَضِي في الأطْفالِ مِن أولادِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ وفِيمَن نُقَدِّرُهُ صاحِبُ فَتْرَةٍ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ النارَ لِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أمْرِ الأطْفالِ، فاجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ أولادَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ "أنَّهم في الجَنَّةِ"، وقالَ قَوْمٌ: هم في المَشِيئَةِ.
واخْتَلَفُوا في أولادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم في النارِ، واحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِيَ « "هم مِن آبائِهِمْ"،» وتَأوَّلَ المُخالِفُ هَذا الحَدِيثَ أنَّهُ في أحْكامِ الدُنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هم في المَشِيئَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هم في الجَنَّةِ واحْتَجَّ هَذا الفَرِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مُساءَلَةِ الخَزَنَةِ، وبِحَدِيثٍ وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في كِتابِ التَعْبِيرِ، يَتَضَمَّنُ أنَّهم في الجَنَّةِ، وبُقُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ"،» والأطْفالُ لَمْ يَبْلُغُوا أنْ يَصْنَعَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ لِلْكُفّارِ حِينَ أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا النُذُرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الكُفّارِ لِلنُّذُرِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقل من دلائل انتفاء الخلل عن خِلقة السماوات، إلى بيان ما في إحدى السماوات من إتقان الصنع فهو مما شمله عموم الإِتقان في خلق السماوات السبع وذكره من ذِكر بعض أفراد العام كذكر المثال بعد القاعدة الكلية، فدقائق السماء الدنيا أوضح دلالةً على إتقان الصنع لكونها نصب أعين المخاطبين، ولأن من بعضها يحصل تخلص إلى التحذير من حيل الشياطين وسوء عواقب أتباعهم.
وتأكيد الخبر ب (قد) لأنه إلى أنه نتيجة الاستفهام التقريري المؤكد ب (هل) أختتِ (قد) في الاستفهام.
والكلام على السماء الدنيا ولماذا وصفت بالدنيا وعن الكواكب تقدم في أول سورة الصافات.
وسميت النّجوم هنا مصابيح على التشبيه في حسن المنظر فهو تشبيه بليغ.
وذكر التزيين إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال، أي زيَّنَاها لكم مثل الامتنان في قوله: ﴿ ولكم فيها جَمال ﴾ في سورة النحل (6).
والمقصد: التخلص إلى ذكر رجم الشياطين ليتخلص منه إلى وعيدهم ووعيد متبعيهم.
وعدل عن تعريف (مصابيح) باللام إلى تنكيره لما يفيده التنكير من التعظيم.
والرجوم: جمع رَجْم وهو اسْم لما يُرجم به، أي ما يرمي به الرامي من حجر ونحوه تسميةً للمفعول بالمصدر مثل الخَلْق بمعنى المخلوق في قوله تعالى: ﴿ هذا خَلق الله ﴾ [لقمان: 11].
والذي جُعل رُجوماً للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة ثم تلوح منقَضَّة، وتسمى الشُهُب ومضى القول عليها في سورة الصافات.
وضمير الغائبة في ﴿ جعلناها ﴾ المتبادر أنه عائد إلى المصابيح، أي أن المصابيح رجوم للشياطين.
ومعنى جعل المصابيح رجوماً جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [البقرة: 85] وقول العرب: قتلت هُذيل رضيع بني ليث تمَّام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في ﴿ جعلناها ﴾ عائد إلى ﴿ السماء الدنيا ﴾ على تقدير: وجعلنا منها رجوماً إما على حذف حرف الجر.
وإمّا على تنزيل المكان الذي صدر منه الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه قوله تعالى: ﴿ فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها ﴾ في سورة البقرة (66) ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعاً إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف (163) ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ وقصتها هي المشار إليها بقوله: ﴿ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ﴾ [البقرة: 65] فالتقدير: فجعلنا منها، أي من القرية نكالاً، وهم القوم الذين قيل لهم ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾ [البقرة: 65].
والشياطين هي التي تسترق السمع فتطردها الشهب كما تقدم في سورة الصافات.
وأصل ﴿ أعتدنا ﴾ أعدَدْنا أي هيّأنا، قلبت الدال الأولى تاء لتقارب مخرجيهما ليتأتى الإِدغَام طلباً للخفة.
و ﴿ السعير ﴾ : اسم صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول من: سَعَرَ النار، إذا أوقدها وهو لهب النار، أي أعددنا للشياطين عذاب طبقة أشد طبقات النار حرارة وتوقداً فإن جهنم طبَقَات.
وكان السعير عذاباً لشياطين الجن مع كونهم من عنصر النار لأنّ نار جهنم أشد من نار طبعهم، فإذا أصابتهم صارت لهم عذاباً.
وتسمية عذابهم ﴿ السعير ﴾ دون النار، أو جهنم مراد لهذا المعنى ومثله قوله تعالى في عذاب الجن ﴿ ومن يَزغ منهم عن أمرنا نُذقه من عذاب السعير ﴾ [سبأ: 12] وقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ﴾ [فاطر: 6] يعني الشيطان.
ومعنى الإِعداد يحتمل أنه إعداد تقدير وإيجاد فلا يقتضي أن تكون جهنم مخلوقة قبل يوم القيامة ويحتمل أنه إعداد استعمال، فتكون جهنم مخلوقة حين نزول الآية وقد اختلف علماؤنا في أن النار موجودة أو توجد يوم الجزاء إذ لا دليل في الكتاب والسنة على أحد الاحتمالين وإنما دعاهم إلى فرض هذه المسألة تأويل بعض الآيات والأحاديث.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الكُلِّ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ التَّبارُكَ تَفاعُلٌ مِنَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَهو أبْلَغُ مِنَ المُبارَكِ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ بِالتَّبارُكِ واشْتِراكِ المَخْلُوقِينَ في المُبارَكِ.
الثّانِي: أيْ تَبارَكَ في الخَلْقِ بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وَفي قَوْلِهِ ( ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الثّانِي: مُلْكُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أعَزَّ بِها مَنِ اتَّبَعَهُ وأذَلَّ بِها مَن خالَفَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ.
﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ يَعْنِي المَوْتَ في الدُّنْيا، والحَياةَ في الآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: « (إنَّ اللَّهَ أذَلَّ بَنِي آدَمَ بِالمَوْتِ، وجَعَلَ الدُّنْيا دارَ حَياةٍ ثُمَّ دارَ مَوْتٍ، وجَعَلَ الآخِرَةَ دارَ جَزاءٍ ثُمَّ دارَ بَقاءٍ)» .
الثّانِي: أنَّهُ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ جِسْمَيْنِ، فَخَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ [أُنْثى بَلْقاءَ]، وهَذا مَأْثُورٌ حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيُّكم أتَمُّ عَقْلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أيُّكم أزْهَدُ في الدُّنْيا، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: أيُّكم أوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.
الرّابِعُ: أيُّكم لِلْمَوْتِ أكْثَرُ ذِكْرًا ولَهُ أحْسَنُ اسْتِعْدادًا ومِنهُ أشَدُّ خَوْفًا وحَذَرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: أيُّكم أعْرَفُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أيُّكم أرْضى بِقَضائِهِ وأصْبَرُ عَلى بَلائِهِ.
﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُتَّفِقٌ مُتَشابِهٌ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ هَذا مُطابِقٌ لِهَذا أيْ شَبِيهٌ لَهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: يَعْنِي بِعْضَهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، قالَ الحَسَنُ: وسَبْعُ أرَضِينَ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وأرْضٍ خَلْقٌ وأمْرٌ.
﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ اخْتِلاَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ مُتَفاوِتاتٌ مِنَ الأعِنَّةِ قَطَّبا حَتّى وفي عَشِيَّةِ أثْقالِها.
الثّانِي: مِن عَيْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مِن تَفَرُّقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: لا يَفُوتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي مُسْلِمٍ.
قالَ الشّاعِرُ فَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ بِلَهْفٍ ولاَ بِلَيْتَ ولا لَوْ أنِّي ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ فانْظُرْ إلى السَّماءِ.
﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن شُقُوقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: مِن خَلَلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مِن خُرُوقٍ قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: مِن وهَنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيِ انْظُرْ إلى السَّماءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
وَيَحْتَمِلُ أمْرُهُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ في الثّانِيَةِ أقْوى نَظَرًا وأحَدَّ بَصَرًا.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَرى في الثّانِيَةِ مِن سَيْرِ كَواكِبِها واخْتِلافِ بُرُوجِها ما لا يَراهُ مِنَ الأُولى فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا فُطُورَ فِيها.
وَتَأوَّلَ قَوْمٌ بِوَجْهٍ ثالِثٍ: أنَّهُ عَنى بِالمَرَّتَيْنِ قَلْبًا وبَصَرًا.
﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلَيْكَ البَصَرُ لِأنَّهُ لا يَرى فُطُورًا فَيَرْتَدُّ.
وَفي ( ﴿ خاسِئًا ﴾ ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذَلِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مُنْقَطِعًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: كَلِيلًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الرّابِعُ: مُبْعَدًا، قالَهُ الأخْفَشُ مَأْخُوذٌ مَن خَسَأْتَ الكَلْبَ إذا أبْعَدْتَهُ.
وَفي (حَسِيرٌ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ النّادِمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ما أنا اليَوْمَ عَلى شَيْءٍ خَلا ∗∗∗ يا ابْنَةَ القَيْنِ تَوَلّى بِحَسِيرْ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَلِيلُ الَّذِي قَدْ ضَعُفَ عَنْ إدْراكِ مَرْآهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ مَن مَدَّ طَرْفًا إلى ما فَوْقَ غايَتِهِ ∗∗∗ ارْتَدَّ خَسْآنَ مِنهُ الطَّرْفُ قَدْ حَسِرا.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُنْقَطِعُ مِنَ الإعْياءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ؎ والخَيْلُ شُعْثٌ ما تَزالُ جِيادُها ∗∗∗ حَسْرى تُغادِرُ بِالطَّرِيقِ سِخالُها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتاة على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا هو بإنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر» .
وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة» وقال: «هي المانعة في القبور، وإن قرأءة قل هو الله أحد في صلاة تعدل قراءة ثلث القرآن، وإن قراءة قل يا أيها الكافرون في صلاة تعدل ربع القرآن، وإن قراءة إذا زلزلت في صلاة تعدل نصف القرآن» .
وأخرج عبد بن حميد في مسنده واللفظ له والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟
قال: بلى، قال اقرأ ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» .
وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره شقاقك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الربّ فاشفعي له، فانطلقت إلى الرب، فتقول: يا رب إن فلاناً عمد إليّ من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه؟
فإن كنت فاعلاً به فامحني من كتابك فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحق لي أن أغضب، فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشفعتك فيه، فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبا بهذا الفم فربما تلاني، وتقول: مرحباً بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه» فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجية.
وأخرج ابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: يؤتى الرجل في قبره فيؤتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد كان يقوم علينا بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان وعى فيّ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقرأ بي سورة الملك، فهي المانعة تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد كثر وأطيب.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال: كنا نسميها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المانعة، وإنها لفي كتاب الله سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب.
وأخرج أبو عبيد والبيهقي في الدلائل من طريق مرة عن ابن مسعود قال: إن الميت إذا مات أوقدت حوله نيران فتأكل كل نار يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها، وإن رجلاً مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فأتته من قبل رأسه، فقالت: إنه كان يقرؤني، فأتته من قبل رجليه، فقالت: إنه كان يقوم بي، فأتته من قبل جوفه فقالت: إنه كان وعاني فأنجته.
قال: فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك.
وأخرجه الدارمي وابن الضريس عن مرة مرسلاً.
وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن مرة قال: كان يقال: إن في القرآن سورة تجادل عن صاحبها في القبر تكون ثلاثين آية فنظروا فوجدوها تبارك.
وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً قال: يبعث رجل يوم القيامة لم يترك شيئاً من المعاصي إلا ركبها إلا أنه كان يوحد الله، ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة واحدة فيؤمر به إلى النار فطار من جوفه شيء كالشهاب، فقالت: اللهم إني مما أنزلت على نبيك صلى الله عليه وسلم وكان عبدك هذا يقرؤني، فما زالت تشفع حتى أدخلته الجنة، وهي المنجية ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [ الأعلى: 1] وفي صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿ ألم تنزيل ﴾ [ السجدة: 1] و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ .
وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأجد في كتاب الله سورة هي ثلاثون آية من قرأها عند نومه كتب له منها ثلاثون حسنة، ومحي عنه ثلاثون سيئة، ورفع له ثلاثون درجة، وبعث الله إليه ملكاً من الملائكة ليبسط عليه جناحه ويحفظه من كل شيء حتى يستيقظ، وهي المجادلة تجادل عن صاحبها في القبر، وهي ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج الديلمي بسند واه عن أنس رضي الله عنه رفعه «لقد رأيت عجباً، رأيت رجلاً مات كان كثير الذنوب مسرفاً على نفسه، فكلما توجه إليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه أقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب، أنه كان يحافظ عليّ، وقد وعدني ربي أنه من واظب عليّ أن لا يعذبه، فانصرف عنه العذاب بها وكان المهاجرون والأنصار يتعلمونها ويقولون: المغبون من لم يتعلمها وهي سورة الملك» .
وأخرج ابن الضريس عن مرة الهمداني قال: أتى رجل من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل عنه حتى منعته من عذاب القبر، فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الصباح عن عبد العزيز عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخل رجل الجنة بشفاعة سورة من القرآن، وما هي إلا ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ ألم تنزيل ﴾ السجدة و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ كل ليلة لا يدعها في سفر ولا حضر.
قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ﴾ الآيتين.
أخرج ابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه مرفوعاً «كلمات من قالهن عن وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات، ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ﴾ » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن للموت ذكراً، وله استعداداً، ومنه خوفاً وحذراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ قال: الحياة فرس جبريل عليه السلام، والموت كبش أملح.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الموت كبشاً أملح مستتراً بسواد وبياض له أربعة أجنحة، جناح تحت العرش، وجناح في الثرى، وجناح في المشرق وجناح في المغرب.
أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبع سماوات طباقاً ﴾ قال: بعضها فوق بعض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: ما يفوت بعضه بعضاً، مفاوت: مفرق.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ قال: من اختلاف ﴿ فارجع البصر هل ترى فطور ﴾ قال: من خلل ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعني لا ترى في خلق الرحمن تفاوتاً ولا خللاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفوت ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ من تفاوت ﴾ قال: تشقق، وفي قوله: ﴿ هل ترى من فطور ﴾ قال: شقوق وفي قوله: ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: كليل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الفطور الوهي.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: من خلل.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ من فطور ﴾ قال: تشقق أو خلل، وفي قوله: ﴿ ينقلب إليك البصر خاسئاً ﴾ قال: يرجع إليك ﴿ خاسئاً ﴾ قال: صاغراً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: يعي ولا يرى شيئاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ خاسئاً ﴾ قال: ذليلاً ﴿ وهو حسير ﴾ قال: مترجع.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ ﴾ السماء الدنيا، هي القريبة منا، والمصابيح يراد بها النجوم فإن كانت النجوم كلها في السماء الدنيا فلا إشكال، لأنها ظاهرة فيها لنا، ويحتمل أن يريد أنه زيَّن السما الدنيا بالنجوم التي فيها دون التي في غيرها.
على أن القول بموضع الكواكب وفي أي سماء هي لم يرد في الشريعة ﴿ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ ﴾ أي جعلنا منها رجوماً، لأن الكواكب الثابتة ليست ترجم الشياطين، فهو كقولك: أكرمت بني فلان؛ إذا أكرمت بعضهم، والرجوم جمع رجم وهو مصدر سُمَي به ما يرجم به، قال الزمخشري: معنى كون النجوم رجوماً للشياطين: والشهب تنقض من النجوم لرجم الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء، فالشهب الراجمة منفصلة من نار الكواكب، لا أن الراجمة هي الكواكب أنفسها؛ لأنها ثابتة في الفلك.
قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينة السماء ورجوم الشياطين ويهتدي بها في ظلمات البر والبحر ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير ﴾ يعني للشياطين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.
والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.
﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.
﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.
﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.
الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.
﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.
التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.
فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.
وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.
أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.
قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.
زعم الكلبي أنه قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.
وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.
ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.
وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.
عن النبي أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.
وعنه أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.
ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله أو لكل راءٍ.
والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".
فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.
وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".
والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.
وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.
وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.
ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.
ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.
قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.
وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.
ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.
على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.
احتجوا بأنه ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.
ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.
احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.
وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.
قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.
قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.
وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.
والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.
قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.
ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.
والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.
وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.
وقد مر مراراً.
ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.
ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله .
وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.
ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.
وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.
وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.
قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.
قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.
قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.
ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.
ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.
وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.
ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".
والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.
ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.
وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.
قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.
وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.
ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.
قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.
وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.
﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.
قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.
والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.
ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".
وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.
وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.
ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.
وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.
والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.
البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".
وحين أمر نبيه أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.
قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.
والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.
قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.
وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.
قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.
وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.
قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.
وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.
و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.
وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.
وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.
يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول وعلى المؤمنين.
بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.
﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟
وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟
وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟
وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟
النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟
ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.
عن الكلبي: لا تناله الدلاء.
والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".
يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.
قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر
قوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ .
قيل: وتعاظم، و ﴿ تَبَارَكَ ﴾ تفاعل من البركة، والبركة كناية عن نفي كل عيب؛ قال - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً ﴾ أي: ماء لا كدورة فيه ولا قذر، بل هو ماء مطهر من كل آفة وعيب، فمعنى قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ أي: من أن يكون له شبيه وعديل، وتعاظم عما قالت فيه الملاحدة ومن أن يلحقه المعايب والآفات.
وقوله: ﴿ بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ .
أي: الذي له ملك الملك؛ لأنه قال في موضع آخر: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ [أي: الذي له الملك]، فذكر اليد هاهنا مكان المالك هناك؛ فامتدح - جل وعلا - بملك الملك وكونه مالكا له.
والمعتزلة يقولون بأن مِلْكَ مُلْكِ الكفرة ليس له، وأنه لا يولي الملك للكافر، ويقولون في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ أن الذي آتاه الله الملك هو إبراهيم - - والهاء تنصرف إليه، لا إلى الذي حاجه، وإذا لم يجعلوا مِلكَْ مُلْكِ الكافر في يده، لم يصر ممتدحا بما ذكرنا؛ لأنه يكون في يده بعض الملك لا كله، وقال في آية أخرى: ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ ، وعلى قولهم يصير الملك في يد من لا يشاء؛ لأنه لا يشاء الملك للكافر، ومع ذلك يوجد فيهم الملك.
ثم ما ينبغي لهم أن يقطعوا القول بأن الله لا يؤتي الملك للكافر، بل عليهم أن يقولوا: إن كان إيتاء الملك أصلح لهم آتاهم إياه، وإن كان شرّاً لهم لم يؤتهم؛ إذ من مذهبهم أن الله لا يفعل بعبده إلا [ما هو الأصلح] له في الدين والدنيا في حقه، فهذا جملة اعتقادهم، ثم هم لا يعرفون الوجه الذي صار أصلح في كل شيء على الإشارة إليه؛ لأنهم يقولون: في إبقاء إبليس اللعين إلى اليوم المعلوم صلاح، وإن كنا لا نعرف الوجه الذي لأجله صار أصلح، وإفناء الأنبياء والرسل - عليهم السلام - كان أصلح وإن لم نعرف من أي وجه صار أصلح؟!
فليقولوا هاهنا بأن إيتاء الملك إن كان أصلح لهم لم يكن له إلا يؤتيهم، وإن كان شرّاً فعليه ألا يؤتيهم؛ لئلا يجعلوا الأمر على النفي.
ثم الملك اسم عام، وهو عبارة عن نفاذ التدبير والسلطان والولاية، والملك هو أن يكون للمالك خاصة في الشيء، لا يتناول من ذلك الشيء إلا بإذنه، وقد يكون المرء مالكا، وليس بملك، وقد يكون ملكا ليس بمالك، فكل واحد من الوجهين يقتضي معنى [غير ما] يقتضيه الآخر.
وجائز أن يكون [تأويل] قوله: ﴿ بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ﴾ ، أي: ملك كل من ملك من أهل الأرض بيده؛ لأنه إن شاء أبقى له الملك، وإن شاء نزعه؛ فما من ملك في دار الدنيا إلا وملكه في الحقيقة لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
امتدح نفسه [بأنه على ما يشاء قدير، وذلك من أوصاف ربوبيته أيضاً ومن قول المعتزلة]: إنه على أكثر الأشياء غير قدير؛ لأنهم يجعلون المعدوم شيئاً؛ فشيئية الأشياء كانت بأنفسها لا بإنشاء الله ، ويجعلون ظهورها بالله - - فقط، وإذا كان كذلك فإنه لم يصر قادرا على شيئية الأشياء، وكذلك ينفون الخلق والقدرة على أفعال العباد.
ومن قولهم - أيضاً - إن إقدار العبد بيد الله، وإذا أقدر عبداً من عبيده على الهداية، خرجت القدرة من يده؛ فتصير هذه القدرة مستفادة لا ذاتية، وإذا كان كذلك فقد نفوا عنه القدرة عن أكثر الأشياء، فلا يصير هو قادرا على كل شيء، وإنما هو قادر على البعض، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ ﴾ أي: خلقكم أمواتا: نطفة وعلقة ومضغة، ثم أحياكم ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ .
وقال غيره: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ ﴾ ليجزيكم بعده، والحياة؛ ليبتليكم بها، واستدل بقوله - -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، فصرف المحنة إلى الحالة التي أنشأهم على وجه الأرض، وهي حالة الحياة، [ثم أخبر بعد ذلك أنه يجعلهم] صعيدا جرذا بعد الابتلاء بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ .
وعندنا: أنه خلقهما جميعا للابتلاء؛ لأن الله - - خلق الموت على غاية ما تكرهه الأنفس، وتنفر عنه، وخلق الحياة على غاية ما تتلذذ به الأنفس وترغب فيها، والمحنة في الترغيب والترهيب، فثبت أن في خلق الموت محنة؛ فيكون قوله - -: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ كأنه يقول: خلق الموت مرهبا، وخلق الحياة مرغبة؛ ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، أي: ليبلوكم أيكم أرهب من الشر، وأرغب في الخير؟
ثم الموت مما لا مهرب منه لأحد، ولا مخلص لمخلوق، وكذلك الحياة، وإن كانت من أرغب الأشياء إلى الأنفس، فليست هي بحيث يتهيأ للمرء أن يزيد منها بالطلب، ولا مما يوجد بالكد والسعي؛ فصارت هي مرغبة في الحياة الدائمة وهي نعيم الآخرة، [وصار الموت] مرهبا عن الموت الدائم، والموت الدائم هو العذاب الدائم، الذي لا ينقطع كما قال - -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ ، أي: لا تنقضي عنه الآلام والأوجاع بل يبقى فيها أبدا، وإذا ثبت أن الموت صار مرهبا عن العذاب الدائم، والحياة صارت مرغبة في مثلها، فنقوم بطلبه، ووجب القول بالبعث أيضاً؛ إذ الراغب إنما يصل [إلى] ما يرغب فيه بالبعث، والآخر إنما يصير إلى العذاب الدائم بالبعث.
وفي إيجاب القول بالرسالة؛ لأنه إذا ثبت الرغبة في الموعود من الثواب والرهبة عن العذاب، وهما جميعاً غائبان، فاحتيج إلى من يظهرهما ويحضرهما ويخبر عنهما، فلم يكن بد من رسول يخبرهم ويحضر علمه لهم.
ثم الأصل في قوله - -: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ \[أنه إنما يحسن عمله\] بحسن رغبته ويسوء عمله بسوء رغبته ورهبته، فخلق الحياة والموت ليتفكر فيهما المرء، ويعتبر بهما، فمن حسنت رغبته ورهبته حسن عمله، ومن لم يتفكر فيهما، ولم يعتبر بهما، ساء عمله، فالموت والحياة أنشئا مرغبين ومرهبين، وكذلك الدنيا وما فيها [أنشئت] دلالة على طريق الآخرة، فالسمع يدل على السمع، والبصر على البصر، وآلامها تدل على آلام الآخرة، ونعيمها دليل على نعيم الآخرة، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ \[فيه دليل على إضمار قوله: وأيكم أسوأ عملا\] على مقابلة الأول، إلا أنه اكتفى بذكر أحد المتقابلين عن الآخر، والله أعلم.
فإن قال قائل: كيف أضاف الابتلاء إلى نفسه بقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ، والابتلاء في الشاهد؛ لاستظهار ما خفي، ولاستحضار ما غاب، والله لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف أضيف إليه الابتلاء؟!
فجوابه أن نقول: إن الابتلاء في الحقيقة كناية عما به ظهور الشيء وبروزه.
فاستعمل الابتلاء في كل ما فيه ظهور الأمر، وإن كان الذي ظهر من الأمر عند المبتلي ظاهرا، وهذا كما أضيف [الاستدراج والمكر] إلى الله ؛ لوجود معنى المكر والاستدراج فيه، وإن لم يكن المقصود من ذلك المكر والاستدراج، وفي الشاهد المكر أن تحسن إلى عدو ليقع عنده أنك تركت عداوته، فيعتبر بإحسانك إليه، ثم تأخذه من وجه أمنه، ومن حيث لا يشعر به، هذا هو معنى المكر في الشاهد، وقد وجد الإحسان من الله إلى أعدائه، ووجد منهم الاغترار بالنعم، ووقع عندهم أنهم من جملة أوليائه ثم أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون؛ فوجد معنى المكر وإن لم يقصد بإحسانه إليهم المكر بهم.
والثاني: أن من أمر في الشاهد فإنما يأمر؛ لمصلحة أو لمنفعة تعود إليه، وإذا نهى عن شيء فإنما ينهى؛ لنفي مضرة تصل إليه، والله لم يأمر الخلق ولم ينههم لمنفعة يجلب بها إلى نفسه، أو لمضرة يدفعها عن نفسه، وإنما أمرهم ونهاهم؛ لمنافع ترجع إليهم ومضار تلحقهم، ثم أضيف إليه الأمر والنهي وإن كان لا منفعة له ولا مضرة عليه؛ فكذلك ابتلى خلقه؛ ليظهر للمبتلى عداوته وولايته، لا لتظهر له، وأضاف الابتلاء إلى نفسه وإن كان هو مستغنيا عن الابتلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ﴾ .
ففيه إبانة أنه لم يبتلنا لمنفعة أو لعز يرجع إليه، أو لذل يدفع عنه، ولكن لعز يحرزه الممتحن إذا أحسن العمل وذنوب تغفر له وتستر عليه، وهو عزيز بذاته.
وجائز أن يكون معنى قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ ، أي: القوي على الانتقام ممن ساء عمله، واختار عداوته، ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ : الستور على من حسن عمله، يستر عليه ذنبه، ويجزيه بحسن عمله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ .
ففي ذكر السماوات السبع إيجاب القول بتصديق ما يأتي به الرسل؛ [لأن كون السماوات سبعا لا يعرف إلا من طريق] الخبر، وقد ثبت وجود هذا القول [على ألسن الرسل] وهذه الآية أثبتت تصديق ما يأتي به الرسل؛ فلزمنا القول [في السماوات] أنها سبع وإن لم تشاهد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً ﴾ ؛ ليبلو أهلها: أيهم أحسن عملا؛ لأنه بين أنه لم يخلق السماوات والأرضين باطلا، ثم السماوات بأنفسها لا تمتحن، وإنما يمتحن أهلها، لكنه اقتضى [ذكر السماوات] ذكر أهلها، واقتضى ذكر الأرض ذكر أهلها، فأخبر بذكر الأرض عن ذكر أهلها، وبذكر السماوات عن ذكر أهلها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ .
أي: انظر في خلق الرحمن، هل ترى [فيه] من تفاوت أو فطور؟!
فإنك إن رأيت فيه فطوراً، ظننت أن في مدبره عدداً، وإن رأيت فيه تفاوتا، ظننت في منشئه سفهاً، فإنك إذا رأيت فيه فطورا وشقوقا رأيت فيه تمانعا وتدافعا، وفي حصول التمانع والتدافع حصول العدد؛ لأن التدافع والتمانع إنما يقع عند ثبات العدد؛ لأن ما يبني هذا يهدمه الآخر، وما يهدمه الآخر وينقضه يبني الآخر، فعند ذلك يقع التدافع، وإذا لم ير فيه فطوراً أو شقوقاً، بل رآه متسقا مجتمعا؛ دل على وحدانيته وقدرته وسلطانه.
وكذلك التفاوت يدل على السفه ونفي الحكمة، وارتفاع التفاوت يدل على حكمته وعجيب تدبيره؛ فيكون في ارتفاع [الفطور والتفاوت] إثبات القول بالوحدانية وإيجاب القول بالبعث من حيث ثبت حكمته، وفي نفي القول بالبعث زوال الحكمة، وفيه إيجاب المحنة والابتلاء؛ لأن العدد إذا ثبت، كان للممتحن ألا يعمل حتى يتبين له الغالب من المغلوب فلا يضيع عمله.
أو يشتغل كل بإقامة سلطانه ونفاذ تدبيره، فلا يتفرغ للأمر بالمحنة؛ ألا ترى [إلى] قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\] قيل: يذهب كل واحد منهم بالجزء الذي خلقه؛ فيظهر عند ذاك فطور وشقوق؛ لأن ما خلق هذا يمتاز من الذي خلقه الآخر، فارتفاع الفطور يدل على وحدانية الصانع .
وقيل في قوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾ أي: من حيث الدلالة على وحدانية الرب - - أو من حيث الحكمة والمصلحة؛ فالخلائق كلها في المعاني التي ذكرناها غير متفاوتة، لا أن تكون الأشياء المحدثة غير متفاوتة في أنفسها؛ لأن بين السماوات والأرضين تفاوتاً، وكذلك بين الحياة والموت تفاوت، ولكن منافع السماء متصلة بمنافع الأرض، ومنافع أهل الأرض متصلة بالأرض وقوامهم ومعاشهم بما يخرج منها، وكل ذلك يدل على وحدانيته وعلى حكمته ولطائف تدبيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ .
فجائز أن يكون هذا على رجوع بصر الوجه.
وجائز أن يكون على رجوع بصر القلب.
أو يكون أحدهما على بصر الوجه، والثاني على بصر القلب.
والأشبه أن يكون على بصر القلب؛ لأنه قد سبق منه النظر إلى السماوات والأرضين ببصر الوجه، وسبق منه العلم من حيث النظر أنه لا تفاوت فيها ولا فطور، فدعاه إلى أن ينظر ببصر القلب؛ ليدله ذلك على المعاني التي ذكرناها؛ وهو كقوله - -: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال : ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولم يرد به السير بالأقدام؛ إذ قد سبق منهم السير فيها، ولكن معناه: أو لم يتفكروا في عواقب من تقدمهم من مكذبي الرسل أنهم بأي سبب أهلكوا؟
ولأي معنى عوقبوا واستؤصلوا؟
ثم قوله: ﴿ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ...
﴾ الآية منهم من قال: إن الكرتين هاهنا كناية عن مرة بعد مرة، ليس على تثنية العدد، فكأنه أمره أن يكون أبداً معتبرا ناظرا في خلق الرحمن؛ وإلى هذا يذهب الحسن والأصم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَرَّتَيْنِ ﴾ مرتين، ولكن على اختلاف الوقتين؛ فيكون أحد النظرين [بالليل] والآخر بالنهار؛ لأنه يرى بالليل آيات وبالنهار آيات سواها، وثبوت كل ذلك يدل على وحدانيته وعجيب حكمته ونفاذ قدرته وسلطانه.
أو أن تكون النظرة الأولى ببصر الوجه والنظرة الثانية ببصر القلب؛ لأنه إذا نظر النظرة الأولى ببصر وجهه، فرأى ما فيه من العجائب أشعر قلبه ما رأى، فينظر فيه مرة أخرى ببصر القلب؛ ليتأكد ذلك ويتكرر.
ويجوز أن يكون النظران جميعا ببصر الوجه؛ لأنه لا يستوعب النظر بالجملة في المرة الأولى؛ فينظر [مرة أخرى]؛ ليدرك ما غاب عنه في المرة الأولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَاسِئاً ﴾ .
أي: صاغرا مستسلما معترفا بالقصور عن درك كنه سلطانه والإحاطة بعظمته وجلاله.
﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ .
أي: منقطع عن درك بلوغ حكمته ونفاذ أمره.
ثم الأشبه أن يكون المراد بهذا الخطاب المكذبين بالبعث؛ لأن رسول الله وإن كان الخطاب متوجها إليه في الظاهر؛ لأنه إنما أراد بالنظر في خلق الله ؛ ليتقرر عنده عظمة الله وسلطانه وعجيب حكمته ونفاذ تدبيره، ورسول الله قد كان تقرر عنده علم ذلك كله؛ فلم يكن يحتاج إلى النظر فيما ذكر؛ ليتقرر صرف النظر إلى المكذبين بالبعث، فأمروا بالنظر فيما ذكر؛ ليتقرر عندهم سلطانه ونفاذ تدبيره، وأنه ليس بالذي يعجزه أمر وأن قدرته ليست بمقدرة بقوى البشر، وهم كانوا ينكرون البعث والإحياء على تقرير الأمور بقوى أنفسهم، فإذا نظروا في هذه الأشياء وعرفوا فيها لطائف وحكماً لا تدركها عقولهم وقوة لا تبلغها حيلهم، أدى ذلك إلى رفع الإشكال عنهم وإزاحة الريب الذي اعتراهم في أمر البعث؛ فيحملهم على الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ﴾ .
سماها: سماء الدنيا؛ لدنوها إلى المخاطبين الممتحنين، لا أن تكون السماء الثانية سماء الآخرة، والذي يدل على صحة ما ذكرنا: أن مقابل الآخرة ليست هي الدنيا بل مقابلها الأولى، ومقابل الدنيا القصوى؛ فثبت أن ليس فيها تثبيت أن السماء الثانية هي سماء الآخرة، والمصابيح هي النجوم، فذكر عباده عظم ما أودع من النعيم في النجوم عليهم، فجعل فيها ثلاثة أوجه من النعيم: أحدها: أنه جعلها زينة للناظرين؛ كما قال - -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ ، ثم هذه الزينة إنما تظهر عندما تخفى على الناظرين زينة الأرض، وذلك في ظلم الليالي؛ فأبدل الله لهم زينة في السماء مكان الزينة التي أنشأها في الأرض، وفضل هذه الزينة على سائرها؛ لأن سائرها لا يظهر إلا بالدنو إليها والقرب منها، ثم جعل هذه الزينة بحيث تظهر فترى من البعد؛ فثبت أن لها فضلا وشرفا على زينة الأرض.
والنعمة الثانية: ما ذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ؛ فجعلها هدى من ظلمات أحوال تقع فيسلم بها المرء عن الوقوع في المهالك.
والنعمة الثالثة: ما ذكر من قوله - -: ﴿ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ ﴾ ، وفي جعلها رجوما للشياطين رفع الاشتباه عن الخلق وإخراجهم من ظلمات الأفعال إلى النور، وذلك أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء؛ فيستمعون إلى الأخبار التي يتحادث بها أهل السماء، فيما بينهم مما يراد بأهل الأرض، فيسترقون السمع منهم، فيأتون بها أهل الأرض ويلقونها إلى أهل الأرض بعدما يخلطونها بأكاذيب من عند أنفسهم فيشبهون على الخلائق ويضلونهم بذلك عن سبيل الله ؛ فملأ الله - - السماء بالحرس والشهب؛ ليدفعوا الشياطين عن استراق السمع؛ ليكون تبليغ الأخبار إلى أهل الأرض بمن يؤمن عليه الكذب، وهو الرسول - - فتسلم تلك الأخبار عن التخاليط والشبه؛ فيسلم الناس عن الوقوع في الظلمات.
ثم يكون في جعل النجوم زينة للسماء: أن أهل [السماء ابتلوا] أيهم أحسن عملا؟
كما ابتلي به أهل الأرض؛ ألا ترى إلى ما ذكر في أهل الأرض من قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ فأخبر أن الزينة للامتحان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
ففيه أنهم وإن عذبوا بالنيران التي جعلت في النجوم الرجوم، لا يدفع عنهم ما استوجبوا من العذاب الدائم، بل قد أعد لهم عذاب السعير، كما أعد لغيرهم من الشياطين وأهل الكفر.
<div class="verse-tafsir"
ولقد زيّنا أقرب سماءٍ إلى الأرض بنجومٍ مضيئة، وجعلنا تلك النجوم شُهُبًا تُرْجَم بها الشياطين التي تسترق السمع فتحرقهم، وهيَّأنا لهم في الآخرة النار المُسْتَعِرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.jAeLb"