الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٣ من سورة القلم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 12 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( وإن لك لأجرا غير ممنون ) أي : بل لك الأجر العظيم ، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد ، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق ، وصبرك على أذاهم .
ومعنى ) غير ممنون ) أي : غير مقطوع كقوله : ( عطاء غير مجذوذ ) [ هود : 108 ] ( فلهم أجر غير ممنون ) [ التين : 6 ] أي : غير مقطوع عنهم .
وقال مجاهد : ( غير ممنون ) أي : غير محسوب ، وهو يرجع إلى ما قلناه .
وقوله: ( وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ) يقول تعالى ذكره: وإن لك يا محمد لثوابا من الله عظيما على صبرك على أذى المشركين إياك غير منقوص ولا مقطوع، من قولهم: حبل متين، إذا كان ضعيفا، وقد ضعفت منَّته: إذا ضعفت قوّته.
وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( غَيْرُ مَمْنُونٍ ) قال: محسوب.
وإن لك لأجرا أي ثوابا على ما تحملت من أثقال النبوة .غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص ; يقال : مننت الحبل إذا قطعته .
وحبل منين إذا كان غير متين .
قال الشاعر : غبسا كواسب لا يمن طعامها [ ص: 210 ] أي لا يقطع .
وقال مجاهد : غير ممنون : محسوب .
الحسن : غير ممنون غير مكدر بالمن .
الضحاك : أجرا بغير عمل .
وقيل : غير مقدر وهو التفضل ; لأن الجزاء مقدر والتفضل غير مقدر ; ذكره الماوردي ، وهو معنى قول مجاهد .
أي: لأجرا عظيمًا، كما يفيده التنكير، { غير ممنون } أي: [غير] مقطوع، بل هو دائم مستمر، وذلك لما أسلفه النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكاملة.
( وإن لك لأجرا غير ممنون ) أي : منقوص ولا مقطوع بصبرك على افترائهم عليك .
«وإن لك لأجرا غير ممنون» مقطوع.
(ن) سبق الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة.
أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس، وبما يكتبون من الخير والنفع والعلوم.
ما أنت -أيها الرسول- بسبب نعمة الله عليك بالنبوة والرسالة بضعيف العقل، ولا سفيه الرأي، وإن لك على ما تلقاه من شدائد على تبليغ الرسالة لَثوابًا عظيمًا غير منقوص ولا مقطوع، وإنك -أيها الرسول- لعلى خلق عظيم، وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق؛ فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره، وينتهي عما ينهى عنه.
ثم بشره - سبحانه - ببشارة ثانية فقال : ( وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ) .وقوله : ( مَمْنُونٍ ) مأخوذ من المن بمعنى القطع ، تقول : مننت الحبل ، إذا قطعته ، ويصح أن يكون من المن ، بمعنى أن يعطى الإِنسان غيره عطية ثم يفتخر بها عليه ، ومنه قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى .
.
.
)أى : وإن لك - أيها الرسول الكريم - عندنا ، لأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا نحن ، وهذا الأجر غير مقطوع بل هو متصل ودائم وغير مجنون .وهذه الجملة الكريمة وما بعدها ، معطوفة على جملة جواب القسم ، لأنهما من جملة المقسم عليه .
.
﴿ ن ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: الأقوال المذكورة في هذا الجنس قد شرحناها في أول سورة البقرة والوجوه الزائدة التي يختص بها هذا الموضع أولها: أن النون هو السمكة، ومنه في ذكر يونس ﴿ وَذَا النون ﴾ وهذا القول مروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدي ثم القائلون بهذا منهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، ومنهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي احتبس يونس عليه السلام في بطنه، ومنهم من قال: إنه قسم بالحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه والقول الثاني: وهو أيضاً مروي عن ابن عباس واختيار الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة، ومنه قول الشاعر: إذا ما الشوق يرجع بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق و(تارة) يتحرى بالكتابة والقول الثالث: أن النون لوح تكتب الملائكة ما يأمرهم الله به فيه رواه معاوية بن قرة مرفوعاً والقول الرابع: أن النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة لأنا إذا جعلناه مقسماً به وجب إن كان جنساً أن نجره وننونه، فإن القسم على هذا التقدير يكون بدواة منكرة أو بسمكة منكرة، كأنه قيل: وسمكة والقلم، أو قيل: ودواة والقلم، وإن كان علماً أن نصرفه ونجره أو لا نصرفه ونفتحه إن جعلناه غير منصرف.
والقول الخامس: أن نون هاهنا آخر حروف الرحمن فإنه يجتمع من الرحمن ن اسم الرحمن فذكر الله هذا الحرف الأخير من هذا الاسم، والمقصود القسم بتمام هذا الاسم، وهذا أيضاً ضعيف لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية، بل الحق أنه إما أن يكون اسماً للسورة أو يكون الغرض منه التحدي أو سائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.
المسألة الثانية: القراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما بعدها، وإذا انفصلت مما بعدها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال، ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو ﴿ الم * الله ﴾ وقولهم في العدد واحد إثنان فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمنا أنها في تقدير الوصل وإذا وصلتها أخفيت النون وقد ذكرنا هذا في ﴿ طس ﴾ و ﴿ يس ﴾ وقال الفراء: وإظهارها أعجب إلي لأنها هجاء والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل.
وقوله تعالى: ﴿ والقلم ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن القسم به هو الجنس وهو واقع على كل قلم يكتب به من في السماء ومن في الأرض، قال تعالى: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ فمنّ بتيسير الكتابة بالقلم كما منَّ بالنطق فقال: ﴿ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ ﴾ ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب والثاني: أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن أول ما خلق الله القلم، قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض، وروى مجاهد عنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز، لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، ومن الناس من زعم أن القلم المذكور هاهنا هو العقل، وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا: والدليل عليه أنه روي في الأخبار أن أول ما خلق الله القلم، وفي خبر آخر: أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السموات ومن الزبد الأرض، قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض.
قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .
اعلم أن ما مع ما بعدها في تقدير المصدر، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابة، ويحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب، وعلى التقديرين فإن حملنا القلم على كل قلم في مخلوقات الله كان المعنى ظاهراً، وكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم، وقيل: بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم وسطرهم، أي ومسطوراتهم.
وأما إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ أي وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ، ولفظ الجمع في قوله: ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار، وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال: <div class="verse-tafsir"
فإن قلت: بم يتعلق الباء في ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ وما محله؟
قلت: يتعلق بمجنون منفياً، كما يتعلق بعاقل مثبتاً في قولك: أنت بنعمة الله عاقل، مستوياً في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمراً، وما ضرب زيد عمراً: تعمل الفعل مثبتاً ومنفياً إعمالاً واحداً؛ ومحله النصب على الحال، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعماً عليك بذلك؛ ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي.
والمعنى؛ استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسداً، وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوّة، بمنزلة ﴿ وَإِنَّ لَكَ ﴾ على احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه ﴿ لأجْرًا ﴾ لثواباً ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ غير مقطوع كقوله: ﴿ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] أو غير ممنون عليك به، لأنّه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء؛ وإنما تمنّ الفواضل لا الأجور على الأعمال.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِنَّ لَكَ} على احتمال ذلك والصبر عليه {لأَجْرًا} لثواباً {غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مقطوع أو غير ممنون عليك به
﴿ وإنَّ لَكَ ﴾ بِمُقابَلَةِ مُقاساتِكَ ألْوانَ الشَّدائِدِ مِن جِهَتِهِمْ وتَحَمُّلِكَ أعْباءَ الرِّسالَةِ ﴿ لأجْرًا ﴾ لَثَوابًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ مَعَ عِظَمِهِ أوْ غَيْرَ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ فَإنَّهُ عَطاؤُهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِأنَّكَ حَبِيبُ اللَّهِ تَعالى وهو عَزَّ وجَلَّ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ، ومِن شِيمَةِ الأكارِمِ أنْ لا تَمُنُّوا بِإنْعامِهِمْ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى أحْبابِهِمْ كَما قالَ: ؎سَأشْكُرُ عُمُرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أكثر المفسرين وأهل المعاني يقولون: غير منقوض ولا مقطوع، يقال: منَّهُ السير، أي أضعفه.
والمنين: الضعيف، ومنَّ الشيء إذا قطعه (١) (٢) يصف كلابًا ضارية.
وقال مجاهد: غير محسوب (٣) (٤) وقال الكلبي: غير مكدر عليك في الجنة (٥) (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 173، و"جامع البيان" 29/ 12، و"اللسان" 3/ 535 (منن).
(٢) "ديوان لبيد" ص171، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 83، و"الخصائص" 1/ 296.= "تهذيب اللغة" 5/ 394، و"اللسان" 3/ 180 (قهد)، وصدر البيت: لمعفر فهد تنازع شلوه والعفر: الإلقاء على العفر، وهو أديم الأرض، والفهد: الأبيض.
والشلو: العضو.
والغبس: الذئاب أو الكلاب.
والمعنى: أن طعام الذئاب لا يفتر لكثرة الاصطياد أو طعام الذئاب لا يقطعه أصحابها.
(٣) انظر: "جامع البيان" 29/ 12، و"البحر المحيط" 8/ 308.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 481، و"التفسير الكبير" 30/ 80.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 116، و"التفسير الكبير" 30/ 80، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 226.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ن ﴾ حرف من حروف الهجاء وقد تقدم الكلام عليها في البقرة، ويختص ﴿ ن ﴾ بأنه قيل: إنه حرف من الرحمن فإن حروف الرحمن ألف ولام وراء وحاء وميم، ون وقيل: إن نون هنا يراد به الحوت، ومنه؛ ذو النون يونس ﴿ والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ اختلف فيه على قولين أحدهما: أنه القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، فالضمير في يسطرون للملائكة، والآخر: أنه القلم المعروف عند الناس، أقسم الله به لما فيه من المنافع والحكم، والضمير في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ على هذا لبني آدم ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هذا جوةاب القسم وهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم معناه: نفي نسبة الكفار له من الجنون، وبنعمة ربك اعتراض بين ما وخبرها كما تقول: أنت بحول الله أفضل، والمجرور في موضع الحال، وقال الزمخشري: إن العامل فيه بمجنون ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ذكر في [فصلت: 8].
<div class="verse-tafsir"
إنّ لك لثوابًا على ما تعانيه من حمل الرسالة إلى الناس غير مقطوع، ولا منّة به لأحد عليك.
<div class="verse-tafsir" id="91.310KL"