الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٥ من سورة القلم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 14 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ) أي : فستعلم يا محمد ، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك : من المفتون الضال منك ومنهم .
وهذا كقوله تعالى : ( سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ) [ القمر : 26 ] ، وكقوله : ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) [ سبإ : 24 ] .
قال ابن جريج : قال ابن عباس في هذه الآية : ستعلم ويعلمون يوم القيامة .
وقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ) يقول تعالى ذكره: فسترى يا محمد، ويرى مشركو قومك الذين يدعونك مجنونا(بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ) يقول: ترى ويرون.
قوله تعالى : فستبصر ويبصرون قال ابن عباس : معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة .
وقيل : فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل .
فلما أنزله الله في أعلى المنازل من جميع الوجوه، وكان أعداؤه ينسبون إليه أنه مجنون مفتون قال: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ } وقد تبين أنه أهدى الناس، وأكملهم لنفسه ولغيره، وأن أعداءه أضل الناس، [وشر الناس] للناس، وأنهم هم الذين فتنوا عباد الله، وأضلوهم عن سبيله، وكفى بعلم الله بذلك، فإنه هو المحاسب المجازي.
قوله - عز وجل - ( فستبصر ويبصرون ) فسترى يا محمد ويرون - يعني أهل مكة - إذا نزل بهم العذاب .
«فستبصر ويبصرون».
فعن قريب سترى أيها الرسول، ويرى الكافرون في أيكم الفتنة والجنون؟
ثم بشره - سبحانه - ببشارات أخرى فقال : ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ .
بِأَيِّكُمُ المفتون .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين ) .والفاء فى قوله : ( فَسَتُبْصِرُ .
.
.
) للتفريع على ما تقدم من قوله : ( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ )والفعل " تبصر ويبصرون " من الإبصار الذى هو الرؤية بالعينين ، وقيل : بمعنى العلم .
.
والسين فى ( فَسَتُبْصِرُ .
.
.
) للتأكيد .
أي فسترى يا محمد ويرون يعني المشركين، وفيه قولان: منهم من حمل ذلك على أحوال الدنيا، يعني فستبصر ويبصرون الدنيا أنه كيف يكون عاقبة أمرك وعاقبة أمرهم، فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون دليلين ملعونين، وتستولي عليهم بالقتل والنهب، قال مقاتل: هذا وعيد بالعذاب ببدر، ومنهم من حمله على أحوال الآخرة وهو كقوله: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم.
وقيل: هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ [الأعراف: 199] وعن عائشة رضي الله عنها: أن سعيد بن هشام سألها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن: قد أفلح المؤمنون.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ ن مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ن ﴾ مِن أسْماءِ الحُرُوفِ، وقِيلَ: اسْمُ الحُوتِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ أوِ البَهَمُوتُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ، أوِ الدَّواةُ فَإنَّ بَعْضَ الحِيتانِ يُسْتَخْرَجُ مِنهُ شَيْءٌ أشَدُّ سَوادًا مِنَ النَّفْسِ يُكْتَبُ بِهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ سُكُونُهُ وكَتْبُهُ بِصُورَةِ الحَرْفِ.
﴿ والقَلَمِ ﴾ وهو الَّذِي خَطَّ اللَّوْحَ، أوِ الَّذِي يَخُطُّ بِهِ أقْسَمَ بِهِ تَعالى لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ وأخْفى ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ النُّونَ إجْراءً لِلْواوِ المُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ، فَإنَّ النُّونَ السّاكِنَةَ تَخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ إذا اتَّصَلَتْ بِها.
وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ، وقُرِئَتْ بِالفَتْحِ والكَسْرِ كَـ ( ص ) .
﴿ وَما يَسْطُرُونَ ﴾ وما يَكْتُبُونَ والضَّمِيرُ لِـ ( القَلَمِ ) بِالمَعْنى الأوَّلِ عَلى التَّعْظِيمِ، أوْ بِالمَعْنى الثّانِي عَلى إرادَةِ الجِنْسِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الأدِلَّةِ وإجْراؤُهُ مَجْرى أُولِي العِلْمِ لِإقامَتِهِ مَقامِهِمْ، أوْ لِأصْحابِهِ أوْ لِلْحَفَظَةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.
﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ جَوابُ القِسْمِ والمَعْنى ما أنْتَ بِمَجْنُونٍ مُنْعِمًا عَلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ وحَصافَةِ الرَّأْيِ، والعامِلُ في الحالِ مَعْنى النَّفْيِ وقِيلَ: بِمَجْنُونٍ الباءُ لا تَمْنَعُ عَمَلَهُ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّها مَزِيدَةٌ، وفِيهِ نَظَرٌ مِن حَيْثُ المَعْنى.
﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا ﴾ عَلى الِاحْتِمالِ والإبْلاغِ.
﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ مَقْطُوعٌ أوْ مَمْنُونٌ بِهِ عَلَيْكَ مِنَ النّاسِ فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِيكَ بِلا تَوَسُّطٍ.
﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ إذْ تَتَحَمَّلُ مِن قَوْمِكَ ما لا يَتَحَمَّلُ أمْثالُكَ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ خُلُقِهِ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"
{فستبصر ويبصرون} أي على قريب ترى ويرون هذا وعد له ووعيد له ووعيد لهم
﴿ وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ لا يُدْرِكُ شَأْوَهُ أحَدٌ مِنَ الخِلْقِ ولِذَلِكَ تَحْتَمِلُ مِن جِهَتِهِمْ ما لا يَحْتَمِلُهُ أمْثالُكَ مِن أُولِي العَزْمِ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والإمامِ أحْمَدَ والدّارِمِيِّ وابْنِ ماجَّةَ والنِّسائِيِّ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟
قُلْتُ: بَلى قالَتْ: فَإنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ كانَ القُرْآنَ» .
وأرادَتْ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إنَّ ما فِيهِ مِنَ المَكارِمِ كُلَّهُ كانَ فِيهِ ، وما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنْ سَفْسافِ الأخْلاقِ كانَ مُنْزَجِرًا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالخِطابِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ ورُبَّما يَرْجِعُ إلى هَذا قَوْلُها كَما فِي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ وغَيْرِهِ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ سَألَها عَنْ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» .
وقالَ العارِفُ بِاللَّهِ تَعالى المَرْصَفِيُّ أرادَتْ بِقَوْلِها: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ تَخَلُّقَهُ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى لَكِنَّها لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ تَأدُّبًا مِنها.
وفي الكَشْفِ أنَّهُ أُدْمِجَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ عَظِيمٍ ﴾ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ رَمَزًا إلى أنَّ الأخْلاقَ الحَسَنَةَ مِمّا لا تُجامِعُ الجُنُونَ، وأنَّ كُلَّما كانَ الإنْسانُ أحْسَنَ أخْلاقًا كانَ أبْعَدَ عَنِ الجُنُونِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ سُوءَ الأخْلاقِ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ.
<div class="verse-tafsir"
افتتاح هذه السورة بأحد حروف الهجاء جار على طريقة أمثالها من فواتح السور ذوات الحروف المقطعة المبيّنة في سورة البقرة وهذه أول سورة نزلت مفتتحة بحرف مقطع من حروف الهجاء.
ورَسمُوا حرف ﴿ ن ﴾ بصورته التي يرسم بها في الخط وهي مسمّى اسمه الذي هو ﴿ نُون ﴾ (بنوننٍ بعدها واو ثم نون) وكان القياس أن تكتب الحُروف الثلاثةُ لأن الكتابة تبَع للنطق والمنطوق به هو اسم الحرف لا ذاته، لأنك إذا أردتَ كتابةَ سيف مثلاً فإنما ترسم سينا، وياء، وفَاء، ولا ترسم صورة سَيْف.
وإنما يُقرأ باسم الحرف لا بهجائه كما تقدم في أول سورة البقرة.
ويُنطق باسم نون ساكنَ الآخر سكون الكلمات قبل دخول العوامل عليها، وكذلك قرئ في القراءات المتواترة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ ن ﴾ حرف من حروف الهجاء وقد تقدم الكلام عليها في البقرة، ويختص ﴿ ن ﴾ بأنه قيل: إنه حرف من الرحمن فإن حروف الرحمن ألف ولام وراء وحاء وميم، ون وقيل: إن نون هنا يراد به الحوت، ومنه؛ ذو النون يونس ﴿ والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ اختلف فيه على قولين أحدهما: أنه القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، فالضمير في يسطرون للملائكة، والآخر: أنه القلم المعروف عند الناس، أقسم الله به لما فيه من المنافع والحكم، والضمير في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ على هذا لبني آدم ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هذا جوةاب القسم وهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم معناه: نفي نسبة الكفار له من الجنون، وبنعمة ربك اعتراض بين ما وخبرها كما تقول: أنت بحول الله أفضل، والمجرور في موضع الحال، وقال الزمخشري: إن العامل فيه بمجنون ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ذكر في [فصلت: 8].
<div class="verse-tafsir"
[قوله - عز وجل -: ﴿ نۤ ﴾ ]، اختلف في تأويل نون: فمنهم من يقول: هو الحوت؛ كقوله: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ فنسبه إلى النون وهو الحوت؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .
ومنهم من يقول: "النون" هو الدواة، فتأويل هذا على جهة الموافقة؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر به، فلم يبق [هاهنا سوى] الدواة؛ فحمله على الدواة؛ لأجل الموافقة، لا أن يكون فيه معنى يدل على إرادة الدواة منه، والله أعلم.
ومنهم من يقول: هي فارسية معربة "أنون كن"، أي: اصنع ما شئت، يقال هذا عند الإياس: أن المرء إذا أيس عن آخر قال له: اصنع ما شئت إذن.
ومنهم من يقول: هو من الحروف المقطعة، ويشبه أن يكون كذلك؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر على آثره، وإنما يكتب بالقلم ويسطر الحروف المعجمة، فأخبر - - عظيم صنيعه ولطفه بإنشائه هذه الحروف وخلقه القلم وما يسطر عليه؛ حيث يوصل بها إلى معرفة الحكمة وكل ما يكون به المصلحة من الدين والدنيا، بل جعل قوام الدين والدنيا بها.
ومنهم من يجعل كل حرف من الحروف المعجمة اسما من أسماء الله ، أو افتتاح اسم من أسمائه، وكذلك يروى عن بعض الصحابة - م - أنه قال ذلك.
فإن كان النون اسما من أسماء الله ، فالقسم به قسم بالله ، وإن كان على غيره من الوجوه التي ذكرناها، فالقسم جار بما به قوام سائر الخلق ومصالحهم، وقد ذكرنا أن القسم لتأكيد ما يقصد من الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ .
فموضع القسم هذا أقسم بما ذكر ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ : [ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون؛ وهذا] يحتمل أوجهاً: أحدها: أي: نعمة ربك حفظتك عن الجنون؛ فنفى عنه الجنون بقوله: ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون، وهذا كما يقال: ما أنت بحمد الله بمجنون، يراد به نفي الجنون.
والثاني: أنك لست ممن خدعته النعمة واغتر بها حتى شغلته عن العمل بما له وعليه، والمجنون في النعمة هو الذي غرته النعم وألهته عن التزود للمعاد.
أو ما أنت بغافل عن نعمة [السيد، وهو الرب -] بل تذكرها وتشكر الله عليها، والمجنون من غفل عن النعمة وأعرض عن شكرها.
ثم الكفرة كانوا ينسبونه إلى الجنون: إما لما كان يغشى؛ لثقل الوحي، فكانوا ينسبونه لهذا، وإما لما رأوا أنه خاطر بنفسه وروحه حيث خالف أهل الأرض، وفيها الجبابرة والفراعنة، وانتصب لمعاداتهم، ومن قام بخلاف من لا طاقة له معه وانتصب لمعاداته، فذلك منه في الشاهد جنون، فأجاب الله للفريقين جميعاً: أما للأول بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ .
أي: كيف تنسبونه إلى الجنون وعند الإفاقة من تلك الغشية يأتيهم بحكمة وموعظة يعجز حكماء الجن والإنس عن إتيان مثله، وليس ذلك من علم المجانين، ولا مما يمكن تحصيله في حال الجنون؛ لأن المجنون إذا أفاق من غشيته، تكلم بكلام لا يعبأ بمثله، ولا يكترث له.
وأجاب لمن كان نسبه إلى الجنون؛ لما خاطر بروحه ونفسه بقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ ، فأخبر أن الذي حمله على المخاطرة بروحه وجسده هو أنه مأمور بالتبليغ والنذارة، فهو يقوم بما أمر، وإن أدى ذلك إلى إتلاف النفس، ثم - بحمد الله - لم يتهيأ للفراعنة أن يقتلوه ولا تمكنوا من المكر به، بل أظفره الله عليهم حتى قتلهم ورد كيدهم في نحورهم؛ فصار الوجه الذي استدلوا به على جنونه آية رسالته ودلالة نبوته، والله الهادي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ .
قال الحسن: أي: لا يمن عليك المنة التي تؤذيك، ولكن يمن عليك منة رحمة وكرامة، والمن المؤذي كما ذكر - عز وجل -: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ ﴾ ، فليس لأحد عليك منة تؤذيك.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير مقطوع، أي: إن أجرك غير مقدر بالأعمال حتى يجري بقدر الأعمال، فإذا انقطعت الأعمال انقطع الأجر وانقرض، بل يتتابع عليك ويدر، يقال في الكلام: مننت الحبل، أي: قطعته.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير محسوب، أي: لا نحسب عليك النعم؛ فتفنى بفناء الحساب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .
خلقه العظيم: هو القرآن، ومعناه ما أدبه القرآن؛ وذلك كقوله: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\]؛ وكقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فأخذه بالعفو وأمره بالعرف، وإعراضه عن الجاهلين، ودفعه السيئة بالتي هي أحسن، وخفضه الجناح للمؤمنين - من أعظم الخُلُق.
وتخلق بهذا كله بما أدبه القرآن، والله أعلم.
وقال بعضهم: الخلق العظيم: هو الإسلام، والإسلام هو الاستسلام والانقياد لأمر الله ، وقد استسلم لذلك، وسلم الناس من لسانه ويده، ومن كل أنواع الأذى، وذلك من أعظم الخلق.
والأصل أن رسول الله كلف معاملة أعداء الله ومعاملة أولياء الله وأنصاره، وكلف أن يرفض الدنيا ويتزهد فيها، وكلف معاملة الصغير والكبير والعالم والجاهل والجن والإنس، وكلف معاملة نسائه، ومن كلف المعاملة مع هؤلاء، لم يقم بها إلا بخلق عظيم، ورزقه الله خلقاً عظيماً حتى احتمل المعاملة، وقام معهم بحسن العشرة، وحتى عوتب على عظيم خلقه بقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ ﴾ وقال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، فالذي حمله على هذه المشقة والكلفة العظيمة حسن خلقه وفضل شفقته ورحمته، فعظم خلقه أن خلقه جاوز قوى نفسه حتى ضعفت نفسه عن احتماله وكادت تهلك فيه، وغيره من الخلائق تقصر أخلاقهم عن قوى أنفسهم، وأنفسهم: تحتمل أضعاف ما هم عليه من الخلق وتضيق أخلاقهم عن ذلك، فهذا الذي ذكرنا هو النهاية في العظم، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
فستبصر أنت، ويبصر هؤلاء المكذبون.
<div class="verse-tafsir" id="91.mVndy"