تفسير الآية ٧ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٧ من سورة القلم

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 31 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي ويعلم الحزب الضال عن الحق.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن ضل عن سبيله، كضلال كفار قريش عن دين الله، وطريق الهدى (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) يقول: وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحقّ، وأقرّ به، كما اهتديت أنت فاتبعت الحقّ، وهذا من معاريض الكلام.

وإنما معنى الكلام: إن ربك هو أعلم يا محمد بك، وأنت المهتدي وبقومك من كفار قريش وانهم الضالون عن سبيل الحقّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله أي إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه .وهو أعلم بالمهتدين أي الذين هم على الهدى فيجازي كلا غدا بعمله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

و { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة الله، حيث كان يهدي من يصلح للهداية، دون غيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» له وأعلم بمعنى عالم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن ربك- سبحانه- هو أعلم بالشقي المنحرف عن دين الله وطريق الهدى، وهو أعلم بالتقي المهتدي إلى دين الحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجملة : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ .

.

.

) تعليل لما ينبئ عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد ، وتأكيد لوعده صلى الله عليه وسلم بالنصر ، ولوعيدهم بالخيبة والخسران .أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك ، هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وبمن أعرض عن طريق الحق والصواب .

.

وهو - سبحانه - أعلم بالمهتدين الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ويسعدهم فى دنياهم وآخرتهم .

.وما دام الأمر كذلك : فذرهم فى طغيانهم يعمهون ، وسر فى طريقك ، فستكون العاقبة لك ولأتباعك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجهان: الأول: هو أن يكون المعنى إن ربك هو أعلم بالمجانين على الحقيقة، وهم الذي ضلوا عن سبيله وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون الثاني: أن يكون المعنى إنهم رموك بالجنون ووصفوا أنفسهم بالعقل وهم كذبوا في ذلك، ولكنهم موصوفون بالضلال، وأنت موصوف بالهداية والامتياز الحاصل بالهداية والضلال أولى بالرعاية من الامتياز الحاصل بسبب العقل والجنون، لأن ذاك ثمرته السعادة الأبدية أو الشقاوة، وهذا ثمرته السعادة أو الشقاوة في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المفتون ﴾ المجنون، لأنه فتن: أي محن بالجنون.

أو لأن العرب يزعمون أنه من تخبيل الجن، وهم الفتان للفتاك منهم، والباء مزيدة.

أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أي: بأيكم الجنون، أو بأي الفريقين منكم الجنون، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟

أي: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم: وهو تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما، وهذا كقوله تعالى: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر ﴾ [القمر: 26] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ أيُّكُمُ الَّذِي فُتِنَ بِالجُنُونِ والباءُ مَزِيدَةٌ، أوْ بِأيِّكُمُ الجُنُونُ عَلى أنَّ المَفْتُونَ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ، أوْ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ المَجْنُونُ أبِفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أوْ بِفَرِيقِ الكافِرِينَ، أيْ في أيِّهِما يُوجَدُ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ وهُمُ المَجانِينُ عَلى الحَقِيقَةِ.

﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ الفائِزِينَ بِكَمالِ العَقْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} أي هو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما قَبْلَهُ وتَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ هو سُبْحانَهُ ﴿ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ المُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ وهامَ في تِيهِ الضَّلالِ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الشَّقاوَةِ الأبَدِيَّةِ ومَزِيدِ النَّكالِ، وهَذا هو المَجْنُونُ الَّذِي لا يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بَلْ يَحْسَبُ الضَّرَرَ نَفْعًا فَيُؤْثِرُهُ والنَّفْعَ ضَرَرًا فَيَهْجُرُهُ ( وهو ) عَزَّ وجَلَّ ﴿ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ إلى سَبِيلِهِ، الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، النّاجِينَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورٍ، وهُمُ العُقَلاءُ المَراجِيحُ فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العِقابِ والثَّوابِ.

.

وفِي الكَشّافِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وهو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ وهُمُ المُهْتَدُونَ أوْ يَكُونُ وعِيدًا ووَعْدًا، وأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِجَزاءِ الفَرِيقَيْنِ.

قالَ في الكَشْفِ هو عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما رَمَزَ إلَيْهِ في السّابِقِ مِن أنَّ المَفْتُونَ مَن قَرَفَكَ بِهِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ المُؤَكَّدِ في عَدَمِ التَّصْرِيحِ ولَكِنْ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ لا تَعْيِينَ فِيهِ بِوَجْهٍ وهَذا بَدَلٌ ﴿ هُوَ أعْلَمُ ﴾ بِالمَجْنُونِ.

.

وبِالعاقِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجُنُونَ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِما تَوَهَّمُوهُ وثَبَتَ لَهم صَرْفُ الضَّلالِ في عَيْنِ هَذا الزَّعْمِ، وعَلى الثّانِي هو تَذْيِيلٌ أيْضًا ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ لِأنَّ ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ أُقِيمَ مَقامَ (بِهِمْ ( وبِالمُهْتَدِينَ ) أُقِيمَ مَقامَ (بِكم ولَعَلَّ ما اعْتَبَرْناهُ أمَلًا بِالفائِدَةِ، وكَأنَّ تَقْدِيمَ الوَعِيدِ لِيَتَّصِلَ بِما أشْعَرَ بِهِ أوَّلًا والتَّعْبِيرَ في جانِبِ الضَّلالِ بِالفِعْلِ لِلْإيماءِ بِأنَّهُ خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ وزِيادَةُ هو أعْلَمُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ مَعَ الإيذانِ بِاخْتِلافِ الجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي اثنان وخمسون آية مكية قوله تبارك وتعالى: ن وَالْقَلَمِ.

قرأ الكسائي، ونافع، وعاصم في إحدى الروايتين بالإِدغام، والباقون بإظهار النون، وهما لغتان ومعناهما واحد.

قال ابن عباس: هي السمكة التي تحت الأرضين.

وروى الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ القَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ، قَالَ بِمَا أَكْتُبُ؟

قَالَ: اكْتُبِ القَدَرَ فَيَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ.

ثم خلق النون يعني: السمكة، فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء، ففتق منه السموات، فاضطربت النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال.

وإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة.

وقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة: النون: الدواة، وقال قتادة: الدواة والقلم: ما قام لله وبه لإصلاح عيش خلقه، والله يعلم ما يصلح خلقه.

ويقال: النون: افتتاح اسم الله تعالى، وهو النون.

ويقال: هو آخر اسمه من الرحمن، وهذا قسم أقسم الله تعالى بالنون والقلم، وجواب القسم مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، فذلك قوله: ن.

وَما يَسْطُرُونَ يكتُب الحفظة من أعمال بني آدم ويقال: وَما يَسْطُرُونَ يعني: تكتب الحفظة في اللوح المحفوظ.

مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ يعني: ما أنت بحمد الله تعالى بمجنون مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ كما يزعمون، وذلك أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) [العلق: 1] إلى قوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) [العلق: 5] وعلمه جبريل الصلاة، فقال أهل مكة: جن محمد  .

وكان النبي يفر من الشاعر والمجنون.

فلما نسبوه إلى الجنون، شق ذلك عليه، فنزل: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ.

ويقال: بل أنت رسول الله تعالى.

ثم قال: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ يعني: غير مقطوع، ويقال: غير محسوب، ويقال: لا يمن عليك.

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ يعني: على خلق حسن وقال مقاتل: يعني: على دين الإسلام، وقال عطية: يعني: على آداب القرآن.

ثم قال: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ يعني: سترى ويرون ويقال فستعلم ويعلمون بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ يعني: إذا نزل بهم العذاب تعلمون أيكم المفتون، يعني: بأيكم المجنون ويقال الباء زيادة، ومعناه أيكم المفتون يعني أيكم المجنون، وقال قتادة: يعني: أيكم أولى بالسلطة، وقال أبو عبيدة: أيكم المجنون والباء زيادة، واحتج بقول القائل: نضرب بالسيف، ونرجو بالفرج يعني: نرجو الفرج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة القلم]

وهي مكّيّة بلا خلاف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)

قوله عز وجل: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ن حَرْفٌ مقطع في قول الجمهور، فيدخُلُه من الاخْتِلاَفِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُّورِ، ويختصُّ هذَا الموضعُ مِنَ الأقوال، بأنْ قَالَ مُجاهِدٌ وابن عباس: ن اسْمُ الحوتِ الأعْظَمِ/ الَّذِي عَلَيْه الأَرضُونَ السَّبْعُ فِيما يُرْوَى «١» ، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: ن اسمُ الدَّوَاةِ «٢» ، فَمَنْ قَال بأنه اسْمُ الحوتِ جَعَلَ [القَلَمَ] القَلَمَ الذي خلقَه اللَّهُ وأمَرَهُ بِكَتْبِ الكائناتِ، وجَعَلَ الضميرَ في يَسْطُرُونَ للملائِكَةِ، ومَنْ قَال بأنَّ ن اسْمٌ للدَّوَاةِ جَعَلَ القَلم هَذَا القلمَ المتعارفَ بأيْدِي الناسِ نَصَّ على ذَلِكَ ابنُ عَبّاسٍ وَجَعَل الضميرَ في يَسْطُرُونَ للنَّاسِ فَجَاء القَسَمُ على هذا بمجموع أمْرِ الكِتَابِ الذي هو قِوَامٌ للعلومِ والمعَارِفِ، وأمورِ الدنيا، والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللسانِ، وعَضُدُ الإنْسَانِ، ومَطِيَّةُ الفِطْنَةِ، ونِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَامَّة، ورَوَى معاويةُ بن قرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ن لوح من نور» .

وقالَ ابنُ عباسٍ أيضاً وغيره: ن هو حَرْفٌ من حروفِ الرحمن «١» ، وقالوا إنَّه تَقَطَّع في القرآن الر وحم ون، ويَسْطُرُونَ: معناه: يكْتُبُونَ سُطُوراً، فإنْ أرَادَ الملائكةَ فهُوَ كَتْبُ الأَعْمَالِ وَمَا يؤْمَرُون به، وإنْ أرادَ بني آدم فهي الكُتُبُ المنزلةُ والعلومَ وما جَرَى مَجْرَاهَا، قال ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الوليدُ بن مُسْلِمٍ عَنْ مالكٍ عَنْ سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يقولُ:

«أوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، ثُمَّ خَلَق النّونَ، وهي الدوَّاةُ، وذَلِكَ قَوْلُه: ن وَالْقَلَمِ ثم قَالَ لَهُ: اكتب قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟

قَالَ: مَا كَانَ وَمَا هُو كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قال: ثُمَّ خَتَمَ العَمَلَ، فَلَمْ يَنْطِقْ وَلاَ يَنْطِقُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ العَقْلَ، فَقَالَ الجَبَّارُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أعْجَبَ إليَّ مِنْكَ، وعِزَّتِي لأكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ، وَلأَنْقُصَنَّكَ فِيمَنْ أَبْغَضْتُ، / قَالَ: ثُمَّ قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلاً أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وأعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ» «٢» ، انتهى، ت: وهذا الحديثُ هُوَ الذي يُعَوَّلُ عليهِ في تفسير الآيةِ، لصحته، واللَّه سبحانه أعلم.

وقوله تعالى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ هو جواب القسم، وما هُنَا عَاملةٌ لها اسْمٌ وَخَبَرٌ، وكذلِك هي متَى دَخَلَتِ البَاءُ في الخَبَرِ، وقوله: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ اعْتِرَاضٌ، كما تقولُ لإنْسَانٍ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فاضلٌ، وسَبَبُ الآيةِ هُوَ مَا كَانَ من قريش في رميهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالجُنُونِ، فَنَفَى اللَّهُ تعالى ذلك عنه، وأخبره بأنَّ له الأَجْرَ، وأنَّه على الخُلُقِ العظيمِ تَشْريفاً له، وَمَدْحاً واخْتُلِفَ في معنى مَمْنُونٍ فَقَال أكْثَرُ المفسرينَ: هو الوَاهِنُ المنْقَطِعُ، يقال: حَبْل مَنِينُ أي: ضعيفٌ، وقال آخرون: معناه: غير مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أي: لا يُكَدِّرُه مَنٌّ بِه، وفي الصحيحِ: سُئِلَتْ عائشةُ- رضي اللَّه عنها- عن خلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقَالَتْ: «كَانَ خُلقُهُ القُرْآنَ» ، وقال الجُنَيْدُ: سمّي خلقُه عَظِيماً إذ لَمْ تَكُنْ له همةٌ سِوَى اللَّهِ تعالى عَاشَرَ الخَلْقَ بخُلُقِه، وزَايَلَهُمْ بِقَلْبهِ فكانَ ظاهرُه مَعَ الخلقِ، وباطِنهُ مع الحق، وفي وَصِيَّةِ بعض الحكماء: عليكَ بالخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ، وبالصِّدقِ مَعَ الحقِّ، وحسْنُ الخلقِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القَلَمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ إلّا ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: "ن" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: "ن والقَلَمِ" النُّونُ في آخِرِ الهِجاءِ مِن نُونٍ ظاهِرَةٍ عِنْدَ الواوِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ لا يُبِينُ النُّونَ مِن "نُونٍ" .

وبِها قَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "نُونِ والقَلَمِ" بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "نُ والقَلَمِ" بِرَفْعِ النُّونِ.

وَفِي مَعْنى نُونِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الدَّواةُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ"» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحُوتُ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ أبِي ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْحٌ مِن نُورٍ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ افْتِتاحُ اسْمِهِ "نَصِيرٍ"، و"ناصِرٍ"، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والسّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.

وَفِي "القَلَمِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ النّاسُ.

وإنَّما أقْسَمَ بِهِ، لِأنَّ كُتُبَهُ إنَّما تُكْتَبُ() و"يَسْطُرُونَ" بِمَعْنى: يَكْتُبُونَ.

وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

وفِيما أرادُوا بِما يَكْتُبُونَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الذِّكْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أعْمالُ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الكَتَبَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِإنْعامِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ بِمَجْنُونٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ.

وتَأْوِيلُهُ: فارَقَكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكَ ﴾ بِصَبْرِكَ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلَيْكَ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاكَ إلى الجُنُونِ ﴿ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ، ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الطَّبْعُ الكَرِيمُ.

وحَقِيقَةُ "الخُلُقِ" ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ، فَسُمِّيَ خُلُقًا، لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ في صاحِبِهِ.

فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمّى: "الخِيمَ" فَيَكُونُ الخِيمُ: الطَّبْعَ الغَرِيزِيَّ، والخُلُقُ: الطَّبْعُ المُتَكَلَّفُ.

هَذا قَوْلُ الماوَرْدِيِّ.

وقَدْ «سُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ.» تَعْنِي: كانَ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

وهَذا وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ.

والمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ "بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ" وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: المَجْنُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والمَعْنى: الَّذِي قَدْ فُتِنَ بِالجُنُونِ.

والرّابِعُ: المُعَذَّبُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي الباءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وأنْشَدُوا: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها أصْلِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ كَوْنُها لَغْوًا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها.

وَفِي الكَلامِ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.

أحَدُهُما: أنَّ المَفْتُون ها هُنا: الفُتُونُ.

والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ.

تَقُولُ العَرَبُ لَيْسَ: هَذا مَعْقُودَ رَأْيٍ، أيْ: عَقْدَ رَأْيٍ، وتَقُولُ: دَعْهُ إلى مَيْسُورِهِ، أيْ: يُسْرِهِ.

والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الجُنُونُ.

والثّانِي: بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ بِالفِرْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، أمْ بِفِرْقَةِ الكُفّارِ؟

فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ الفِرْقَتَيْنِ المَجْنُونُ.

وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ نَحْوَ ما شَرَحَهُ الزَّجّاجُ.

وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أيٍّ المَفْتُونُ" .

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعليل لجملة: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ [القلم: 56] باعتبار ما تضمنته من التعريض بأن الجانب المفتون هو الجانب القائل له ﴿ إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] وأن ضده بضده هو الراجع العقل أي الذي أخبرك بما كنّى عنه قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ [القلم: 5] من أنهم المجانين هو الأعلم بالفريقين وهو الذي أنبأك بأن سيتضح الحق لأبصارهم فتعين أن المفتون هو الفريق الذين وسموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون المردودُ عليهم بقوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ [القلم: 2] إذ هم الضالون عن سبيل ربّ النبي صلى الله عليه وسلم لا محالة، وينتظم بالتدرج من أول السورة إلى هنا أقيسَة مساواةٍ مندرج بعضها في بعض تقتضي مساواة حقيقة من ضل عن سبل رب النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة المفتون.

ومساواة حقيقة المفتون بحقيقة المجنون، فتُنتج أن فريق المشركين هم المتصفون بالجنون بقاعدة قياس المساواة أن مُساوِيَ المساوي لشيء مساوٍ لذلك الشيء.

وهذا الانتقال تضمن وعداً ووعيداً، بإضافة السبيل إلى الله ومقابلةِ من ضل عنه بالمهتدين.

وعمومُ من ضل عن سبيله وعمومُ المهتدين يجعل هذه الجملة مع كونها كالدليل هي أيضاً من التذييل.

وهو بعدَ هذا كله تمهيد وتوطئة لقوله: ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ [القلم: 8].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القَلَمِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ " ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ " مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ مَدَنِيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ ﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِي السُّورَةِ مَكِّيٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ن ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ النُّونَ الحُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي الضُّحى عَنْهُ، وقَدْ رَفَعَهُ.

الثّانِي: أنَّ النُّونَ الدَّواةُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّالِثُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنْهُ.

الرّابِعُ: هو لَوْحٌ مِن نُورٍ، رَواهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ  .

الخامِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُّورَةِ، وهو مَأْثُورٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما يَشاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّابِعُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ.

الثّامِنُ: أنَّ نُونْ بِالفارِسِيَّةِ أيذون كُنْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: إنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَقْلٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَكْوِينُ الأفْعالِ والقَلَمُ وما يَسْطُرُونَ، فَنَزَلَ الأقْوالُ جَمِيعًا في قَسَمِهِ بَيْنَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وهَذا أعَمُّ قِسْمَةٍ.

وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنْ يُرِيدَ بِالنُّونِ النَّفْسَ لِأنَّ الخِطابَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْها بِغَيْرِ عَيْنِها بِأوَّلِ حُرُوفِها، والمُرادُ بِالقَلَمِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَها وعَلَيْها مِن سَعادَةٍ وشَقاءٍ، لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

أمّا ﴿ والقَلَمِ ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يَكْتُبُونَ بِهِ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ ومَنفَعَةٌ لَهم، فَأقْسَمَ بِما أنْعَمَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الذِّكْرُ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو مِن نُورٍ، طُولُهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَما يَسْطُرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما يَعْلَمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: وما يَكْتُبُونَ، يَعْنِي مِنَ الذِّكْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الكاتِبُونَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ النّاسِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ  أنَّهُ مَجْنُونٌ بِهِ شَيْطانٌ، وهو قَوْلُهم: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ، والنِّعْمَةُ ها هُنا الرَّحْمَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّ النِّعْمَةَ ها هُنا قَسَمٌ، وتَقْدِيرُهُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، لِأنَّ الواوَ والباءَ مِن حُرُوفِ القَسَمِ.

وَتَأوَّلَهُ الكَلْبِيُّ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، فَقالَ: مَعْناهُ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمُخْفِقٍ.

﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِنَ الأذى، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ألا تَكُونُ كَإسْماعِيلَ إنَّ لَهُ رَأْيًا أصِيلًا وأْجْرًا غَيْرَ مَمْنُونِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: غَيْرُ مُقَدَّرٍ وهو الفَضْلُ، لِأنَّ الجَزاءَ مُقَدَّرٌ، والفَضْلَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّانِي: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ، وهو الظّاهِرُ.

وَحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ هو ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ سُمِّيَ خُلُقًا لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ فِيهِ، فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الآدابِ فَهو الخِيمُ فَيَكُونُ الخُلُقُ الطَّبْعَ المُتَكَلَّفَ، والخِيمُ هو الطَّبْعُ الغَرِيزِيُّ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الأعْشى في شِعْرِهِ فَقالَ: وإذا ذُو الفُضُولِ ضَنَّ عَلى المَوْ ∗∗∗ لى وعادَتْ لِخِيمِها الأخْلاقُ ايْ رَجَعَتِ الأخْلاقُ إلى طِباعِها.

﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَتَرى ويَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ والباطِلُ.

الثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي المَجْنُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: المُعَذَّبُ مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحَمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أيْ يُعَذَّبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ هذا ثناء على خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن» تعني التأدب بآدابه وامتثال أوامره، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك رأس الخلق، وتفصيل ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك شرف النسب ووفور العقل وصحة الفهم، وكثرة العلم، وشدّة الحياء، وكثرة العبادة والسخاء والصدق والشجاعة والصبر والشكر والمروءة والتودد والاقتصاد والزهد والتواضع والشفقة والعدل والعفو وكظم الغيظ وصلة الرحم وحسن المعاشرة وحسن التدبير وفصاحة اللسان وقوة الحواس وحسن الصورة وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسيره صلى الله عليه وسلم ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً، لأنه لم تكن له همة سوى الله عز وجل: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ المفتون ﴾ قيل: إن المفتون هنا بمعنى المجنون، ويحتمل غير ذلك من معاني الفتنة، والخطاب في قوله: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ﴾ للنبي صلى الله وعليه وسلم وفي قوله: ﴿ وَيُبْصِرُونَ ﴾ لكفار قريش، واختلف في الباء التي في قوله: ﴿ بِأَييِّكُمُ ﴾ على أربعة أقوال: الأول أنها زائدة، الثاني أنها غير زائدة والمعنى بأيكم الفتنة، فأوقع المفتون موقع الفتنة كقولهم: ماله معقول أي عقل، الثالث أن الباء بمعنى في والمعنى في أي فريق منكم المفتون واستحسن ابن عطية هذا، الرابع: أن المعنى بأيكم فتنة المفتون ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله - عز وجل -: ﴿ نۤ ﴾ ]، اختلف في تأويل نون: فمنهم من يقول: هو الحوت؛ كقوله: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً  ﴾ فنسبه إلى النون وهو الحوت؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ  ﴾ .

ومنهم من يقول: "النون" هو الدواة، فتأويل هذا على جهة الموافقة؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر به، فلم يبق [هاهنا سوى] الدواة؛ فحمله على الدواة؛ لأجل الموافقة، لا أن يكون فيه معنى يدل على إرادة الدواة منه، والله أعلم.

ومنهم من يقول: هي فارسية معربة "أنون كن"، أي: اصنع ما شئت، يقال هذا عند الإياس: أن المرء إذا أيس عن آخر قال له: اصنع ما شئت إذن.

ومنهم من يقول: هو من الحروف المقطعة، ويشبه أن يكون كذلك؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر على آثره، وإنما يكتب بالقلم ويسطر الحروف المعجمة، فأخبر -  - عظيم صنيعه ولطفه بإنشائه هذه الحروف وخلقه القلم وما يسطر عليه؛ حيث يوصل بها إلى معرفة الحكمة وكل ما يكون به المصلحة من الدين والدنيا، بل جعل قوام الدين والدنيا بها.

ومنهم من يجعل كل حرف من الحروف المعجمة اسما من أسماء الله  ، أو افتتاح اسم من أسمائه، وكذلك يروى عن بعض الصحابة -  م - أنه قال ذلك.

فإن كان النون اسما من أسماء الله  ، فالقسم به قسم بالله  ، وإن كان على غيره من الوجوه التي ذكرناها، فالقسم جار بما به قوام سائر الخلق ومصالحهم، وقد ذكرنا أن القسم لتأكيد ما يقصد من الأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ .

فموضع القسم هذا أقسم بما ذكر ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ : [ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون؛ وهذا] يحتمل أوجهاً: أحدها: أي: نعمة ربك حفظتك عن الجنون؛ فنفى عنه الجنون بقوله: ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون، وهذا كما يقال: ما أنت بحمد الله بمجنون، يراد به نفي الجنون.

والثاني: أنك لست ممن خدعته النعمة واغتر بها حتى شغلته عن العمل بما له وعليه، والمجنون في النعمة هو الذي غرته النعم وألهته عن التزود للمعاد.

أو ما أنت بغافل عن نعمة [السيد، وهو الرب  -] بل تذكرها وتشكر الله  عليها، والمجنون من غفل عن النعمة وأعرض عن شكرها.

ثم الكفرة كانوا ينسبونه إلى الجنون: إما لما كان يغشى؛ لثقل الوحي، فكانوا ينسبونه لهذا، وإما لما رأوا أنه خاطر بنفسه وروحه حيث خالف أهل الأرض، وفيها الجبابرة والفراعنة، وانتصب لمعاداتهم، ومن قام بخلاف من لا طاقة له معه وانتصب لمعاداته، فذلك منه في الشاهد جنون، فأجاب الله  للفريقين جميعاً: أما للأول بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ  ﴾ .

أي: كيف تنسبونه إلى الجنون وعند الإفاقة من تلك الغشية يأتيهم بحكمة وموعظة يعجز حكماء الجن والإنس عن إتيان مثله، وليس ذلك من علم المجانين، ولا مما يمكن تحصيله في حال الجنون؛ لأن المجنون إذا أفاق من غشيته، تكلم بكلام لا يعبأ بمثله، ولا يكترث له.

وأجاب لمن كان نسبه إلى الجنون؛ لما خاطر بروحه ونفسه بقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ  ﴾ ، فأخبر أن الذي حمله على المخاطرة بروحه وجسده هو أنه مأمور بالتبليغ والنذارة، فهو يقوم بما أمر، وإن أدى ذلك إلى إتلاف النفس، ثم - بحمد الله  - لم يتهيأ للفراعنة أن يقتلوه ولا تمكنوا من المكر به، بل أظفره الله  عليهم حتى قتلهم ورد كيدهم في نحورهم؛ فصار الوجه الذي استدلوا به على جنونه آية رسالته ودلالة نبوته، والله الهادي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ .

قال الحسن: أي: لا يمن عليك المنة التي تؤذيك، ولكن يمن عليك منة رحمة وكرامة، والمن المؤذي كما ذكر - عز وجل -: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ، فليس لأحد عليك منة تؤذيك.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير مقطوع، أي: إن أجرك غير مقدر بالأعمال حتى يجري بقدر الأعمال، فإذا انقطعت الأعمال انقطع الأجر وانقرض، بل يتتابع عليك ويدر، يقال في الكلام: مننت الحبل، أي: قطعته.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير محسوب، أي: لا نحسب عليك النعم؛ فتفنى بفناء الحساب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .

خلقه العظيم: هو القرآن، ومعناه ما أدبه القرآن؛ وذلك كقوله: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\]؛ وكقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، فأخذه بالعفو وأمره بالعرف، وإعراضه عن الجاهلين، ودفعه السيئة بالتي هي أحسن، وخفضه الجناح للمؤمنين - من أعظم الخُلُق.

وتخلق بهذا كله بما أدبه القرآن، والله أعلم.

وقال بعضهم: الخلق العظيم: هو الإسلام، والإسلام هو الاستسلام والانقياد لأمر الله  ، وقد استسلم لذلك، وسلم الناس من لسانه ويده، ومن كل أنواع الأذى، وذلك من أعظم الخلق.

والأصل أن رسول الله  كلف معاملة أعداء الله  ومعاملة أولياء الله وأنصاره، وكلف أن يرفض الدنيا ويتزهد فيها، وكلف معاملة الصغير والكبير والعالم والجاهل والجن والإنس، وكلف معاملة نسائه، ومن كلف المعاملة مع هؤلاء، لم يقم بها إلا بخلق عظيم، ورزقه الله  خلقاً عظيماً حتى احتمل المعاملة، وقام معهم بحسن العشرة، وحتى عوتب على عظيم خلقه بقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، فالذي حمله على هذه المشقة والكلفة العظيمة حسن خلقه وفضل شفقته ورحمته، فعظم خلقه أن خلقه جاوز قوى نفسه حتى ضعفت نفسه عن احتماله وكادت تهلك فيه، وغيره من الخلائق تقصر أخلاقهم عن قوى أنفسهم، وأنفسهم: تحتمل أضعاف ما هم عليه من الخلق وتضيق أخلاقهم عن ذلك، فهذا الذي ذكرنا هو النهاية في العظم، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن ربك -أيها الرسول- يعلم من انحرف عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين إليها، فيعلم أنهم من ضلّوا عنها، وأنك من اهتديت إليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.OAe9R"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر