تفسير الآية ٥ من سورة المزمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 73 المزمل > الآية ٥ من سورة المزمل

إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًۭا ثَقِيلًا ٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 28 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥ من سورة المزمل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة المزمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) قال الحسن وقتادة : أي العمل به .

وقيل : ثقيل وقت نزوله ; من عظمته .

كما قال زيد بن ثابت : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي ، فكادت ترض فخذي .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، هل تحس بالوحي ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسمع صلاصيل ، ثم أسكت عند ذلك ، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيض " ، تفرد به أحمد .

وفي أول صحيح البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يأتيك الوحي ؟

فقال : " أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول " .

قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا هذا لفظه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، أخبرنا عبد الرحمن ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : إن كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته ، فتضرب بجرانها .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ; أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته ، وضعت جرانها ، فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه .

وهذا مرسل .

الجران : هو باطن العنق .

واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معا ، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ) فقال بعضهم: عُنى به إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا العمل به.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ) قال: العمل به، قال: إن الرجل لَيَهُذُّ (1) ‌السورة، ولكنّ العمل به ثقيل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ) ثقيل والله فرائضه وحدوده.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ( ثَقِيلا ) قال: ثقيل والله فرائضه وحدوده.

وقال آخرون: بل عني بذلك أن القول عينه ثقيل محمله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه " أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يسرَّى عنه " .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ) قال: هو والله ثقيل مبارك القرآن، كما ثقل في الدنيا ثَقُل في الموازين يوم القيامة.

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله وصفه بأنه قول ثقيل، فهو كما وصفه به ثقيل محمله ثقيل العمل بحدوده وفرائضه.

------------------------ الهوامش: (1) ‌الهذ: سرعة القراءة.

وهو يهذ القرآن هذًا: إذا أسرع فيع وتابعه.

وهذا الحديث سرده (التاج)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلاقوله تعالى : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا هو متصل بما فرض من قيام الليل ، أي سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولا ثقيلا يثقل حمله ; لأن الليل للمنام ، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل شديد على النفس ومجاهدة للشيطان ، فهو أمر يثقل على العبد .وقيل : إنا سنوحي إليك القرآن ، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه .قال قتادة : ثقيل والله فرائضه وحدوده .

مجاهد : حلاله وحرامه .

الحسن : العمل به .أبو العالية : ثقيلا بالوعد والوعيد والحلال والحرام .

محمد بن كعب : ثقيلا على المنافقين .

وقيل : على الكفار ; لما فيه من الاحتجاج عليهم ، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم ، والكشف عما حرفه أهل الكتاب .السدي : ثقيل بمعنى كريم ; مأخوذ من قولهم : فلان ثقيل علي ، أي يكرم علي .الفراء : ( ثقيلا ) رزينا ليس بالخفيف السفساف لأنه كلام ربنا .

وقال الحسين بن الفضل : ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ، ونفس مزينة بالتوحيد .وقال ابن زيد : هو والله ثقيل مبارك ، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة .وقيل : ( ثقيلا ) أي ثابتا كثبوت الثقيل في محله ، ويكون معناه أنه ثابت الإعجاز ، لا يزول إعجازه أبدا .

وقيل : هو القرآن نفسه ; كما جاء في الخبر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها - يعني صدرها - على الأرض ، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه .وفي الموطأ وغيره أنه - عليه السلام - سئل : كيف يأتيك الوحي ؟

فقال : " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول " .

قالت عائشة - رضي الله عنها - : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا .قال ابن العربي : وهذا أولى ; لأنه الحقيقة ، وقد جاء : وما جعل عليكم في الدين من حرج .

وقال - عليه السلام - : بعثت بالحنيفية السمحة .

وقيل : القول في هذه السورة : هو قول لا إله إلا الله ; إذ في الخبر : خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان ; ذكره القشيري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا } أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل، أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : شديدا .

قال الحسن : إن الرجل ليهذ السورة ولكن العمل بها ثقيل .

وقال قتادة : ثقيل والله فرائضه وحدوده .

وقال مقاتل : ثقيل لما فيه من الأمر والنهي والحدود .

وقال أبو العالية : ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام .

وقال محمد بن كعب : ثقيل على المنافقين .

وقال الحسين بن الفضل : قولا خفيفا على اللسان ثقيلا في الميزان .

قال الفراء : ثقيل ليس بخفيف السفساف لأنه كلام ربنا .

وقال ابن زيد : هو والله ثقيل مبارك ، كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن هشام بن عروة عن [ أبيه ] عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - [ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ] فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أحيانا يأتيني [ في ] مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول " .

قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشاتي الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا سنلقي عليك قولا» قرآنا «ثقيلا» مهيبا أو شديدا لما فيه من التكاليف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا سننزل عليك -أيها النبي- قرآنًا عظيمًا مشتملا على الأوامر والنواهي والأحكام الشرعية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) تعليل للأمر بقيام الليل ، وهو كلام معترض بين قوله - سبحانه - ( قُمِ الليل .

.

) وبين قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِنَّ نَاشِئَةَ الليل .

.

.

) .والمراد بالقول الثقيل : القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم .ويشهد لثقل القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة ، منها : ما رواه الإِمام البخارى من أن السيدة عائشة قالت : ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحى ، فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا .ومنها قوله صلى الله عليه وسلم " ما من مرة يوحَى إلى ، إلا ظننت أن نفسى تفيض " - أى : تخرج .

.ونمها قول زيد بن ثابت : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ من القرآن - وفخذه على فخذى فكادت تُرَض فخذى - أى : تتكسر .

.ومنها ما رواه هشام بن عروة عن أبيه ، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى عليه وهو على ناقته ، وضعت جرانها - أى باطن عنقها - فما تستطيع أن تتحرك ، حتى يُسَرَّى عنه .أى : قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه متعبدا لربك ، متقربا إليه بألوان الطاعات ، فإنا سنلقى عليك قولا ثقيلا ، وهذا القول هو القرآن الكريم ، الثقيل فى وزنه وفى ميزان الحق ، وفى أثره فى القلوب ، وفيما اشتمل عليه من تكاليف ، وصدق الله إذا يقول : ( لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله .

.

.

) قال الجمل : قوله : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) أى : كلاما عظيما جليلا ذا خطر وعظمة ، لأنه كلام رب العالمين ، وكل شئ له خطر ومقدار فهو ثقيل .أو هو ثقيل لما فيه من التكاليف ، والوعد والوعيد ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام .قال قتادة : ثقيل والله فى فرائضه وحدوده .

.

وقال محمد بن كعب : ثقيل على المنافقين ، لأنه يهتك أسرارهم .

.

وقال السدى : ثقيلا بمعنى كريم ، مأخوذ من قولهم : فلان ثقل علىَّ ، أى كرم على .

.

وقال ابن المبارك : هو والله ثقيل مبارك ، كما ثقل فى الدنيا ، ثقل فى الميزان يوم القيامة .وقيل : ثقيلا بمعنى أن العقل الواحد لا يفى بإدراك فوائده ومعانيه ، فالمتكلمون غاصوا فى بحار معقولانه ، والفقهاء بحثوا فى أحكامه .

.

والأولى أن جميع هذه المعانى فيه .وقيل : المراد بالقول الوحى ، كما فى الخبر ، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى إليه ، وهو على ناقته وضعت جرانها - أى : وضعت صدرها على الأرض - فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه .

.ويبدو لنا أن وصف القرآن بالثقل وصف حقيقى ، لما ثبت من ثقله على النبى صلى الله عليه وسلم وقت نزوله عليه .

.

وهذا لا يمنع أن ثقله يشمل ما اندرج فيه من علوم نافعة ، ومن هدايات سامية ، ومن أحكام حكيمة ، ومن آداب قويمة ، ومن تكاليف جليلة الشأن .وعبر - سبحانه - عن إيحائه بالقرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإِلقاء للإِشعار بأنه يلقى إليه على غير ترقب منه صلى الله عليه وسلم ، بل ينزل إليه فى الوقت الذى يريده سبحانه - وللإِشارة من أول الأمر إلى ما يوحى إليه شئ عظيم وشديد الوقع على النفس .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ذكروا في تفسير الثقيل وجوهاً أحدها: وهو المختار عندي أن المراد من كونه ثقيلاً عظم قدره وجلالة خطره، وكل شيء نفس وعظم خطره، فهو ثقل وثقيل وثاقل، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ يعني كلاماً عظيماً، ووجه النظم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال: إنما أمرتك بصلاة الليل لأنا سنلقي عليك قولاً عظيماً، فلابد وأن تسعى في صيرورة نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، ولا يحصل ذلك الاستعداد إلا بصلاة الليل، فإن الإنسان في الليلة الظلماء إذا اشتغل بعبادة الله تعالى وأقبل على ذكره والثناء عليه، والتضرع بين يديه، ولم يكن هناك شيء من الشواغل الحسية والعوائق الجسمانية استعدت النفس هنالك لإشراق جلال الله فيها، وتهيأت للتجرد التام، والانكشاف الأعظم بحسب الطاقة البشرية، فلما كان لصلاة الليل أثر في صيرورة النفس مستعدة لهذا المعنى لا جرم قال: إني إنما أمرتك بصلاة الليل لأنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً، فصير نفسك مستعدة لقبول ذلك المعنى، وتمام هذا المعنى ما قال عليه الصلاة والسلام: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها».

وثانيها: قالوا: المراد بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين عامة، وعلى رسول الله خاصة، لأنه يتحملها بنفسه ويبلغها إلى أمته، وحاصله أن ثقله راجع إلى ثقل العمل به، فإنه لا معنى للتكليف إلا إلزام ما في فعله كلفة ومشقة.

وثالثها: روى عن الحسن: أنه ثقيل في الميزان يوم القيامة، وهو إشارة إلى كثرة منافعه وكثرة الثواب في العمل به.

ورابعها: المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يثقل عند نزول الوحي إليه، روي أن الوحي نزل عليه وهو على ناقته فثقل عليها، حتى وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك، وعن ابن عباس: كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد وجهه، وعن عائشة رضي الله عنها: رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليرفض عرقاً.

وخامسها: قال الفراء: ﴿ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ أي ليس بالخفيف ولا بالسفساف، لأنه كلام ربنا تبارك وتعالى.

وسادسها: قال الزجاج: معناه أنه قول متين في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رزين وهذا قول له وزن إذا كنت تستجيده وتعلم أنه وقع موقع الحكمة والبيان.

وسابعها: قال أبو علي الفارسي: إنه ثقيل على المنافقين، من حيث إنه يهتك أسرارهم، ومن حيث إنه يبطل أديانهم وأقوالهم.

وثامنها: أن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه ولا يزول، فجعل الثقيل كناية عن بقاء القرآن على وجه الدهر كما قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ .

وتاسعها: أنه ثقيل بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء أقبلوا على البحث عن أحكامه، وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه فوائد ما وصل إليها المتقدمون، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله، فصار كالحمل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله.

وعاشرها: أنه ثقيل لكونه مشتملاً على المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والفرق بين هذه الأقسام مما لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون، المحيطون بجميع العلوم العقلية والحكمية، فلما كان كذلك لا جرم كانت الإحاطة به ثقيلة على أكثر الخلق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذه الآية اعتراض، ويعني بالقول الثقيل: القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، وخاصة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته؛ فهي أثقل عليه وأبهظ له وأراد بهذا الاعتراض: أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأنّ الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد له جلده.

وعن عائشة رضي اللَّه عنها: رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليرفضُّ عرقاً.

وعن الحسن: ثقيل في الميزان.

وقيل: ثقيل على المنافقين.

وقيل: كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ الِاسْتِثْناءُ مِنَ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَلِيلًا وقِلَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، والتَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ والزّائِدِ عَلَيْهِ كالثُّلُثَيْنِ والنّاقِصِ عَنْهُ كالثُّلُثِ، أوْ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلَ والِاسْتِثْناءُ مِنهُ والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ كالثُّلُثِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأقَلِّ مِنهُ كالرُّبُعِ، والأكْثَرِ مِنهُ كالنِّصْفِ أوْ لِلنِّصْفِ والتَّخْيِيرُ بَيْنَ أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِنهُ عَلى البَتِّ وأنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ مِنَ الأقَلِّ والأكْثَرِ، أوِ الِاسْتِثْناءُ مِن إعْدادِ اللَّيْلِ فَإنَّهُ عامٌّ والتَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ والنّاقِصِ عَنْهُ والزّائِدِ عَلَيْهِ.

﴿ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ اقْرَأْهُ عَلى تُؤَدَةٍ وتَبْيِينِ حُرُوفٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن عَدِّها مِن قَوْلِهِ: ثَغْرٌ رَتَّلَ ورَتَّلَ إذا كانَ مُفَلَّجًا.

﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ثَقِيلٌ عَلى المُكَلَّفِينَ سِيَّما عَلى الرَّسُولِ  إذْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَتَحَمَّلَها ويُحَمِّلَها أُمَّتَهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ يَسْهُلُ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ بِالتَّهَجُّدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُشْقٍ مُضادٌّ لِلطَّبْعِ مُخالِفٌ لِلنَّفْسِ، أوْ رَصِينٌ لِرَزانَةِ لَفْظِهِ ومَتانَةِ مَعْناهُ، أوْ ثَقِيلٌ عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ، أوْ ثَقِيلٌ في المِيزانِ أوْ عَلى الكُفّارِ والفُجّارِ، أوْ ثَقِيلٌ تَلَقِّيهِ لِقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «رَأيْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لَيَرْفَضُّ عَرَقًا.» وَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ والجُمْلَةُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِلتَّعْلِيلِ مُسْتَأْنَفٌ، فَإنَّ التَّهَجُّدَ يُعِدُّ لِلنَّفْسِ ما بِهِ تُعالِجُ ثِقَلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ} سننزل عليك {قَوْلاً ثَقِيلاً} أي القرآن لما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين أو ثقيلاً على المنافقين أو كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف الخفيف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ ﴾ أيْ سَنُوحِي إلَيْكَ وإيثارُ الإلْقاءِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ فَإنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ثَقِيلٌ عَلى المُكَلَّفِينَ سِيَّما عَلى الرَّسُولِ  فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِتَحَمُّلِها وتَحْمِيلِها لِلْأُمَّةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الأمْرِ بِالقِيامِ وتَعْلِيلِهِ الآتِي لِتَسْهِيلِ ما كَلَّفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ القِيامِ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ سَيَرِدُ عَلَيْكَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها سَهْلٌ فَلا تُبالِ بِهَذِهِ المَشَقَّةِ وتَمَرَّنَ بِها لِما بَعْدَها وأدْخَلَ بَعْضُهم في الِاعْتِراضِ جُمْلَةَ ﴿ ورَتِّلِ ﴾ إلَخِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ وقِيلَ مَعْنى كَوْنِهِ ﴿ ثَقِيلا ﴾ أنَّهُ رَصِينٌ لِإحْكامِ مَبانِيهِ ومَتانَةِ مَعانِيهِ والمُرادُ أنَّهُ راجِحٌ عَلى ما عَداهُ لَفْظًا ومَعْنى لَكِنْ تُجُوِّزَ بِالثَّقِيلِ عَنِ الرّاجِحِ لِأنَّ الرّاجِحَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ المُرادُ كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسافِ وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهُ ثَقِيلٌ عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ، فالثَّقِيلُ مَجازٌ عَنِ الشّاقِّ وقِيلَ ثَقِيلٌ في المِيزانِ والثِّقْلُ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ عَنْ كَثْرَةِ ثَوابِ قارِئِهِ وقالَ أبُو =العَلِيَّةِ والقُرْطُبِيُّ ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ وقِيلَ ثَقِيلٌ تَلَقِّيهِ يَعْنِي يَثْقُلُ عَلَيْهِ  والوَحْيُ بِهِ بِواسِطَةِ المَلَكِ فَإنَّهُ كانَ يُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْحاءٍ مِنها أنْ لا يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ ويُخاطِبُهُ بَلْ يُعْرَضُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالغَشْيِ لِشِدَّةِ انْجِذابِ رُوحِهِ الشَّرِيفَةِ لِلْمَلَأِ ( الأعْلى بِحَيْثُ يَسْمَعُ ما يُوحِي بِهِ إلَيْهِ ويُشاهِدُهُ ويُحِسُّهُ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ مَن مَعَهُ وفي هَذِهِ الحالَةِ كانَ يُحِسُّ في بَدَنِهِ ثِقَلًا حَتّى كادَتْ فَخِذُهُ  أنْ تَرُضَّ فَخِذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وقَدْ كانَتْ عَلَيْها وهو يُوحى إلَيْهِ وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ نَصْرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جُرّانَها فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرّى عَنْهُ وتَلَتْ ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ » .

ورَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ عَنْها أنَّها قالَتْ ولَقَدْ «رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ ثَقِيلا ﴾ صِفَةً لِمَصْدَرٍ حُذِفَ فَأُقِيمَ مَقامَهُ وانْتَصَبَ انْتِصابَهُ أيْ إلْقاءً ثَقِيلًا ولَيْسَ صِفَةً قَوْلًا وقِيلَ ذَلِكَ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ.

وقِيلَ ثِقَلُهُ بِاعْتِبارِ ثِقَلِ حُرُوفِهِ حَقِيقَةً في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ في اللَّوْحِ أعْظَمُ مِن جَبَلِ قافٍ، وأنَّ المَلائِكَةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى الحَرْفِ أنْ يُقِلُّوهُ ما أطاقُوهُ حَتّى يَأْتِيَ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَلَكُ اللَّوْحِ فَيَرْفَعُهُ ويُقِلُّهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُوَّتِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ طَوَّقَهُ ذَلِكَ وهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ عَنِ الصّادِقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أظُنُّ وُجُودَهُ.

والجُمْلَةُ قِيلَ عَلى مُعْظَمِ هَذِهِ الأوْجُهِ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ فَإنَّ التَّهَجُّدَ يُعَدُّ النَّفْسَ لِأنْ تُعالِجُ ثِقَلَهُ فَتَأمَّلْ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ سُورَةٌ خَفِيفَةٌ لِما أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى فِيها القُرْآنَ كُلَّهُ ﴿ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ وهَذا مِن بابِ الِاحْتِياطِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعليل للأَمر بقيام الليل وقع اعتراضاً بين جملة ﴿ قم الليل ﴾ [المزمل: 2] وجملة ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطْأً ﴾ [المزمل: 6]، وهو جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لحكمة الأمر بقيام الليل بأنها تهيئةُ نفس النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل شدة الوحي، وفي هذا إيماء إلى أن الله يَسَّر عليه ذلك كما قال تعالى: ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ [القيامة: 17]، فتلك مناسبة وقوع هذه الجملة عقب جملة ﴿ قم الليل إلاّ قليلاً ﴾ [المزمل: 2] فهذا إشعار بأن نزول هذه الآية كان في أول عهد النبي صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن فلما قال له: ﴿ ورتل القرءان ترتيلا ﴾ [المزمل: 4] أعقب ببيان علة الأمر بترتيل القرآن.

والقول الثقيل هو القرآن وإلقاؤه عليه: إبلاغه له بطريق الوحي بواسطة الملَك.

وحقيقة الإِلقاء: رمي الشيء من اليد إلى الأرض وطرحه، ويقال: شيء لَقى، أي مطروح، استعير الإِلقاء للإِبلاغ دفعة على غير ترقب.

والثقل الموصوف به القول ثقل مجازي لا محالة، مستعار لصعوبة حفظه لاشتماله على معان ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه فيكون حفظ ذلك القول عسيراً على الرسول الأمّي تنوء الطاقة عن تلقّيه.

وأشعر قوله: ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ أن ثقله متعلق ابتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم لقوله قبله: ﴿ إنا سنلقي عليك ﴾ وهو ثقل مجازي في جميع اعتباراته وهو ثقيل صعب تلقيه ممن أنزل عليه.

قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربَّد له جِلده " (أي تغير بمثل القشعريرة) وقالت عائشة: «رأتُهُ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفَضُّ عرقاً».

ويستعار ثقل القول لاشتماله على معان وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه.

قال الفراء: «ثقيلاً ليس بالكلام السفساف».

وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإِحاطة به فكم غاصت فيه أفهام العلماء من فقهاء ومتكلمين وبلغاء ولغويين وحكماء فشابه الشيء الثقيل في أنه لا يقوى الواحد على الاستقلال بمعانيه.

وتأكيد هذا الخبر بحرف التأكيد للاهتمام به وإشعار الرسول صلى الله عليه وسلم بتأكيد قربه واستمراره، ليكون وروده أسهل عليه من ورود الأمر المفاجئ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) قال قتادة: تثقل والله فرائضه وحدوده (٧) وقال مقاتل: يثقل لما فيه من الأمر والنهي (٨) (٩) (وعلى هذا القول سمي ثقيلاً؛ لأن الحلال والحرام، والصلاة، والصيام، وجميع ما أمر الله أن يعمل به، ونهى عنه، لا يؤديه أحد إلا بتكلف (ما يثقل) (١٠) (١١) (١٢) وروي عن الحسن (أيضًا) (١٣) (١٤) ونحو هذا قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا، ثقل في الموازين يوم القيامة (١٥) وذهب قوم من المفسرين (١٦)  - كان يثقل عليه الوحي عند نزوله، حتى روي (أن الوحي نزل عليه وهو على ناقته فثقل عليها حتى وضعت جرانها (١٧) (١٨) وقال الفراء: ﴿ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ أي ليس بالخفيف، ولا السَّفْساف (١٩) (٢٠) وذكر الزجاج هذا القول فقال: ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون معناه: أنه قول له وزْنٌ في صِحَّتِه، وبيانه، ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصينٌ (٢١) (٢٢) وقال غيرهما (٢٣) (٢٤) (٢٥) قال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون المراد به ثقيل على من (عانده) (٢٦) (٢٧) (١) ساقط من (ع).

(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٤) غير مقروء في النسختين (٥) الهذُّ: سرعة القطع، تقول: تهذ القرآن هذًّا، فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر.

انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 5/ 525، وانظر: "معجم مقاييس اللغة" 6/ 8 مادة: (هذَّ)، و"المصباح المنير" 1/ 783 مادة: (هذَّ).

(٦) ورد قول الحسن في "جامع البيان" 29/ 127 بنحوه، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 199/ ب بنحوه، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"أحكام القرآن" لابن العربي: 4/ 1876، و"المحرر الوجيز" 5/ 387 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 113، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 32 بمعناه، و"البحر المحيط" 8/ 362، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464، و"الدر المنثور" 8/ 315 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 316.

(٧) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 324، و"جامع البيان" 29/ 127، و"بحر العلوم" 3/ 416، و"الكشف والبيان" حـ: 12: 199/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"زاد المسير" 8/ 113 بمعناه، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464، و"الدر المنثور" 8/ 315 وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن نصر، و"فتح القدير" 5/ 316.

(٨) بياض في (ع).

(٩) "تفسير مقاتل" 213/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 408.

(١٠) ساقطة من (أ).

(١١) ساقطة من النسختين، وما أثبته من "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240، وبها يستقيم المعنى، والله أعلم.

(١٢) ما بين القوسين من قول الزجاج، نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف: 5/ 240.

(١٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٤) "التفسير الكبير" 30/ 174، و"الدر المنثور" 8/ 315 وعزاه إلى ابن نصر، وابن المنذر.

(١٥) "جامع البيان" 29/ 127، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"زاد المسير" 8/ 113، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464.

(١٦) منهم: هشام بن عروة عن أبيه، وابن زيد، وعائشة، وابن الزبير.

انظر أقوالهم في "جامع البيان" 29/ 127، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 200/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"زاد المسير" 8/ 113، و"لباب التأويل" 4/ 322، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464.

(١٧) الجران: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره.

"المصباح المنير" 1/ 119.

(١٨) الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 505، كتاب التفسير: تفسير سورة المزمل، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -  ا- أن النبي -  - كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك.

وتلت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)﴾ قال عنه: حديث صحيح، ووافقه الذهبي في التلخيص.

كما أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 6/ 118 مختصرًا.

ورواه ابن جرير الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي -  - الحديث.

"جامع البيان" 29/ 127، قال عنه ابن كثير: وهو مرسل.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464.

وانظر: "الدر المنثور" 8/ 316 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر.

(١٩) السَّفْساف: الرديء من كل شيء، والأمر الحقير، وكل عمل دون الأحكام سفساف، وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل، والتراب إذا أثير.

"لسان العرب" 9/ 155 مادة: (سفف).

(٢٠) في (ع): تبارك وتعالى، بدلاً من: تعالى وجل ذكره.

(٢١) الرصين: المحكم الثابت.

"لسان العرب" 13/ 181 مادة: (رصن).

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240 برواية: "له وزن" بدلاً من: "لذو وزن".

(٢٣) أي الأزهري، وانظر قوله في "تهذيب اللغة" 9/ 79 مادة: (ثقل)، وينتهي قوله بـ: "فهو ثقل وثقيل".

وفي "التفسير الكبير" 3/ 174 أورد قول الأزهري بغير عزو.

(٢٤) في (أ): خضير.

(٢٥) "التفسير الكبير" 30/ 174، و"البحر المحيط" 8/ 362.

(٢٦) ساقطة من (ع).

(٢٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ هذه الآية اعتراض بين أية قيام الليل، والقول الثقيل هو القرآن.

واختلف في وصفه بالثقل على خمسة أقوال؛ أحدها: أنه سمى ثقيلاً لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقاه من الشدة عند نزول الوحي عليه، حتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وقد كان يثقل جسمه عليه الصلاة والسلام بذلك حتى إنه إذا أُوحي إليه وهو على ناقته بركت به، وأوحي إليه وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فكادت أن ترض فخذ زيد، والثقل على هذا حقيقة، الثاني أنه قيل على الكفار بإعجازه ووعيده، الثالث أن ثقيل في الميزان، الرابع أنه كلام له وزن ورجحان، الخامس أنه ثقيل لما تضمن من التكاليف والأوامر والنواهي، وهذا اختيار ابن عطية.

وعلى هذا يناسب الاعتراض بهذه الآية، قيام الليل لمشقته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا سنلقي عليك -أيها الرسول- القرآن، وهو قول ثقيل؛ لما فيه من الفرائض والحدود والأحكام والآداب وغيرها.

<div class="verse-tafsir" id="91.DJKNP"

مزيد من التفاسير لسورة المزمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله