الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ١ من سورة المدثر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 29 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١ من سورة المدثر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
تفسير سورة المدثر وهي مكية .
ثبت في صحيح البخاري [ من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ] عن جابر أنه كان يقول : أول شيء نزل من القرآن : ( يا أيها المدثر ) وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) كما سيأتي [ بيان ] ذلك هناك .
قال البخاري : حدثنا يحيى ، حدثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن ، قال : ( يا أيها المدثر ) قلت : يقولون : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ؟
فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك ، وقلت له مثل ما قلت لي ، فقال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت أمامي فلم أر شيئا ، ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فرأيت شيئا ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني ، وصبوا علي ماء باردا .
قال : فدثروني وصبوا علي ماء باردا قال : فنزلت ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر ) هكذا ساقه من هذا الوجه .
وقد رواه مسلم من طريق عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة قال : أخبرني جابر بن عبد الله : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي : " فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض ، فجئت إلى أهلي ، فقلت : زملوني زملوني ، فزملوني ، فأنزل الله ( يا أيها المدثر قم فأنذر ) إلى : ( فاهجر ) - قال أبو سلمة : والرجز : الأوثان - ثم حمي الوحي وتتابع " .
هذا لفظ البخاري وهذا السياق هو المحفوظ ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا ، لقوله : " فإذا الملك الذي جاءني بحراء " ، وهو جبريل حين أتاه بقوله : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) ثم إنه حصل بعد هذا فترة ، ثم نزل الملك بعد هذا .
ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا ليث ، حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول : أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ثم فتر الوحي عني فترة ، فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني [ بحراء الآن ] قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فجثت منه فرقا ، حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي فقلت لهم : زملوني زملوني ، فزملوني ، فأنزل الله : ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ) ثم حمي الوحي [ بعد ] وتتابع " .
أخرجاه من حديث الزهري ، به .
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار ، حدثنا الحسن بن بشر البجلي ، حدثنا المعافى بن عمران ، عن إبراهيم بن يزيد ، سمعت ابن أبي مليكة يقول : سمعت ابن عباس يقول : إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما ، فلما أكلوا .
قال : ما تقولون في هذا الرجل ؟
فقال بعضهم : ساحر .
وقال بعضهم ليس بساحر .
وقال بعضهم : كاهن .
وقال بعضهم : ليس بكاهن .
وقال بعضهم : شاعر .
وقال بعضهم ليس بشاعر .
وقال بعضهم : [ بل ] سحر يؤثر ، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وقنع رأسه ، وتدثر ، فأنزل الله ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر ) .
يقول جلّ ثناؤه: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) يا أيها المتدثر بثيابه عند نومه.
وذُكر أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) قال: كان متدثرا في قطيفة.
وذُكر أن هذه الآية أول شيء نـزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قيل له: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) .
كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا (1) ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنـزل الله ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ..
) إلى قوله: ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) قال: ثم تتابع الوحي.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنـزل أوّل، فقال: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) فقلت: يقولون اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنـزل أوّل؟
فقال: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ )، فقلت: يقولون: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال: لا أخبرك إلا ما حدثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: جاورت في حِراء ؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنـزل الله عليّ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ) .
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نـزل من القرآن، قال: نـزلت ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) أوّل ؛ قال: قلت: إنهم يقولون اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جاوَرْتُ بِحِراء ؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنـزلت ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) .
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه ، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحدث عن ذلك، قال: " بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: " زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنـزل الله: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر ) قال الزهري: فكان أوّل شيء أنـزل عليه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ...
حتى بلغ مَا لَمْ يَعْلَمْ .
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ )، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) قال: يأيها النائم.
حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) يقول: المتدثر في ثيابه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يا أيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به.
------------------------ الهوامش: (1) جثثت منه بالبناء للمجهول: فزعت وخفت.
سورة المدثرمكية في قول الجميع .
وهي ست وخمسون آيةبسم الله الرحمن الرحيميا أيها المدثرقوله تعالى : يا أيها المدثر أي يا ذا الذي قد تدثر بثيابه ، أي تغشى بها ونام ، وأصله المتدثر فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما .
وقرأ أبي ( المتدثر ) على الأصل .وقال مقاتل : معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة .
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله وكان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحدث - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عن فترة الوحي - قال في حديثه : " فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض " .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 57 ] " فجئثت منه فرقا ، فرجعت فقلت زملوني زملوني ، فدثروني ، فأنزل الله تعالى : يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر في رواية - قبل أن تفرض الصلاة - وهي الأوثان قال : " ثم تتابع الوحي " .
خرجه الترمذي أيضا وقال : حديث حسن صحيح .قال مسلم : وحدثنا زهير بن حرب ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا الأوزاعي قال : سمعت يحيى يقول : سألت أبا سلمة : أي القرآن أنزل قبل ؟
قال : يا أيها المدثر فقلت : أو اقرأ ؟
فقال : سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل ؟
قال : يا أيها المدثر فقلت : أو اقرأ ؟
فقال جابر : أحدثكم ما حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " جاورت بحراء شهرا ، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي ، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا ، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء - يعني جبريل - صلى الله عليه وسلم - فأخذتني رجفة شديدة ، فأتيت خديجة فقلت دثروني ، فدثروني فصبوا علي ماء ، فأنزل الله - عز وجل - : يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر " خرجه البخاري وقال فيه : " فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا ، فدثروني وصبوا علي ماء باردا فنزلت : يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر .ابن العربي : وقد قال بعض المفسرين إنه جرى على النبي - صلى الله عليه وسلم - من عقبة بن ربيعة أمر ، فرجع إلى منزله مغموما ، فقلق واضطجع ، فنزلت : يا أيها المدثر وهذا باطل .وقال القشيري أبو نصر : وقيل بلغه قول كفار مكة أنت ساحر ، فوجد من ذلك غما وحم ، فتدثر بثيابه ، فقال الله تعالى : قم فأنذر أي لا تفكر في قولهم ، وبلغهم الرسالة .وقيل : اجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل ومطعم بن عدي وقالوا : قد اجتمعت وفود العرب في أيام الحج ، وهم يتساءلون عن أمر محمد ، وقد اختلفتم [ ص: 58 ] في الإخبار عنه ; فمن قائل يقول مجنون ، وآخر يقول كاهن ، وآخر يقول شاعر ، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد ، فسموا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه ، وتسميه العرب به ، فقام منهم رجل فقال : شاعر ; فقال الوليد : سمعت كلام ابن الأبرص ، وأمية بن أبي الصلت ، وما يشبه كلام محمد كلام واحد منهما ; فقالوا : كاهن .
فقال : الكاهن يصدق ويكذب وما كذب محمد قط ; فقام آخر فقال : مجنون ; فقال الوليد : المجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط .
وانصرف الوليد إلى بيته ، فقالوا : صبأ الوليد بن المغيرة ; فدخل عليه أبو جهل وقال : ما لك يا أبا عبد شمس !
هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونكه ، زعموا أنك قد احتجت وصبأت .
فقال الوليد : ما لي إلى ذلك حاجة ، ولكني فكرت في محمد ، فقلت : ما يكون من الساحر ؟
فقيل : يفرق بين الأب وابنه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين المرأة وزوجها ، فقلت : إنه ساحر .
شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون : إن محمدا ساحر .
ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته محزونا فتدثر بقطيفة ، ونزلت : يا أيها المدثر .
وقال عكرمة : معنى يا أيها المدثر أي المدثر بالنبوة وأثقالها .
ابن العربي : وهذا مجاز بعيد ; لأنه لم يكن تنبأ بعد .
وعلى أنها أول القرآن لم يكن تمكن منها بعد أن كانت ثاني ما نزل .قوله تعالى : يا أيها المدثر : ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله ، وعبر عنه بصفته ، ولم يقل يا محمد ويا فلان ، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم في سورة ( المزمل ) .
ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي إذ نام في المسجد : " قم أبا تراب " وكان خرج مغاضبا لفاطمة - رضي الله عنها - فسقط رداؤه وأصابه ترابه ; خرجه مسلم .
ومثله قوله - عليه الصلاة والسلام - لحذيفة ليلة الخندق : " قم يا نومان " وقد تقدم .
تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه،
مكية [ ( يا أيها المدثر ) ] ، أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى ، حدثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة [ بن ] عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن ؟
قال : " يا أيها المدثر " قلت : يقولون : " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ( العلق - 1 ) ؟
فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك ، فقلت له مثل الذي قلت ، فقال جابر : لا أحدثك إلا بما حدثنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت ، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا علي ماء باردا [ قال ] فدثروني وصبوا علي ماء باردا قال فنزلت : " يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، عن عقيل قال ابن شهاب : سمعت أبا سلمة قال : أخبرني جابر بن عبد الله : أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث عن فترة الوحي : " فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فخشيت حتى هويت على الأرض ، فجئت أهلي فقلت : زملوني زملوني [ فزملوني ] فأنزل الله تعالى : " يا أيها المدثر قم فأنذر " إلى قوله : " فاهجر " قال أبو سلمة : والرجز الأوثان ، ثم حمي الوحي وتتابع " .
«يا أيها المدثر» النبي صلى الله عليه وسلم وأصله المتدثر أدغمت التاء في الدال، أي المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه.
يا أيها المتغطي بثيابه، قم مِن مضجعك، فحذِّر الناس من عذاب الله، وخُصَّ ربك وحده بالتعظيم والتوحيد والعبادة، وَطَهِّر ثيابك من النجاسات؛ فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن، ودُمْ على هَجْر الأصنام والأوثان وأعمال الشرك كلها، فلا تقربها، ولا تُعط العطيَّة؛ كي تلتمس أكثر منها، ولمرضاة ربك فاصبر على الأوامر والنواهي.
قد افتتح الله - تعالى - سورة المدثر ، بالملاطفة والمؤانسة فى النداء والخطاب ، كما افتتح سورة المزمل .
والمدثر اسم فاعل من تدثر فلان ، إذا لبس الدثار ، وهو ما كان من الثياب فوق الشعار الذى يلى البدن ، ومنه حديث : " الأنصار شعار والناس دثار " .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( ياأيها المدثر ) ملاطفة فى الخطاب من الكريم إلى الحبيب ، إذ ناداه بحاله ، وعبر عنه بصفته ، ولم يقل يا محمد ويا فلان ، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه ، كما تقدم فى سورة المزمل .
ومثله قول النبى صلى الله عليه وسلم لِعَلىٍّ إذ نام فى المسجد " قم أبا تراب " .وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة - رضى الله عنها - ، فسقط رداؤه وأصابه التراب .
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان ليلة الخندق " قم يا نومان " .
فيه مسائل: المسألة الأولى: المدثر، أصله المتدثر، وهو الذي يتدثر بثيابه لينام، أو ليستدفئ، يقال: تدثر بثوبه، والدثار اسم لما يتدثر به، ثم أدغمت التاء في الدال لتقارب مخرجهما.
المسألة الثانية: أجمعوا على أن المدثر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في أنه عليه الصلاة والسلام لم سمي مدثراً، فمنهم من أجراه على ظاهره وهو أنه كان متدثراً بثوبه، ومنهم من ترك هذا الظاهر، أما على الوجه الأول فاختلفوا في أنه لأي سبب تدثر بثوبه على وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن، روى جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام قال: كنت على جبل حراء، فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري، فلم أر شيئاً، فنظرت فوقي، فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض، فخفت ورجعت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، وصبوا علي ماء بارداً، فنزل جبريل عليه السلام بقوله: ﴿ يأَيُّهَا المدثر ﴾ .
وثانيها: أن النفر الذين آذوا رسول الله، وهم أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد، فكل واحد منا يجيب بجواب آخر، فواحد يقول: مجنون، وآخر يقول: كاهن، وآخر يقول: شاعر، فالعرب يستدلون باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فتعالوا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد، فقال واحد: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيد بن الأبرص، وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، وقال آخرون كاهن، قال الوليد: ومن الكاهن؟
قالوا: الذي يصدق تارة ويكذب أخرى، قال الوليد: ما كذب محمد قط، فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: ومن يكون المجنون؟
قالوا: مخيف الناس، فقال الوليد: ما أخيف بمحمد أحد قط، ثم قام الوليد وانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل، وقال مالك: يا أبا عبد شمس؟
هذه قريش تجمع لك شيئاً، زعموا أنك احتججت وصبأت، فقال: الوليد مالي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد.
فقلت: إنه ساحر، لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه وبين الأخوين، وبين المرأة وزوجها، ثم إنهم أجمعوا على تلقيب محمد عليه الصلاة والسلام بهذا اللقب، ثم إنهم خرجوا فصرخوا بمكة والناس مجتمعون، فقالوا: إن محمداً لساحر، فوقعت الضجة في الناس أن محمداً ساحر، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه، ورجع إلى بيته محزوناً فتدثر بثوبه، فأنزل الله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ .
وثالثها: أنه عليه الصلاة والسلام كان نائماً متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل عليه السلام وأيقظه، وقال: ﴿ يأَيُّهَا المدثر قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ كأنه قال: له اترك التدثر بالثياب والنوم، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله له.
القول الثاني: أنه ليس المراد من المدثر، المتدثر بالثياب، وعلى هذا الاحتمال فيه وجوه: أحدها: أن المراد كونه متدثراً بدثار النبوة والرسالة من قولهم: ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم، ويقال: تلبس فلان بأمر كذا، فالمراد يأيها المدثر بدثار النبوة قم فأنذر.
وثانيها: أن المتدثر بالثوب يكون كالمختفي فيه، وأنه عليه الصلاة والسلام في جبل حراء كان كالمختفي من الناس، فكأنه قيل: يا أيها المتدثر بدثار الخمول والاختفاء، قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحق.
وثالثها: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك.
المسألة الثالثة: عن عكرمة أنه قرئ على لفظ اسم المفعول من دثره، كأنه قيل له: دثرت هذا الأمر وعصيت به، وقد سبق نظيره في المزمل.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ ( المُدَّثِّرِ ) مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِإجْماعٍ وفي التَّحْرِيرِ قالَ مُقاتِلٌ ( إلّا ) آيَةً وهي ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً ﴾ إلَخِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُشْعِرُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ مَدَنِيٌّ بِما فِيهِ وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ في العِراقِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ وخَمْسٌ وخَمْسُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ عَلى ما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وهي مُتَواخِيَةٌ مَعَ السُّورَةِ قَبْلَها في الِافْتِتاحِ بِنِداءِ النَّبِيِّ وصَدْرُ كِلَيْهِما نازِلٌ عَلى المَشْهُورِ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ وبُدِئَتْ تِلْكَ بِالأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ وهو عِبادَةٌ خاصَّةٌ وهَذِهِ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وفِيهِ مِن تَكْمِيلِ الغَيْرِ ما فِيهِ.
ورَوى أُمِّيَّةُ الأزْدِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وهو مِن عُلَماءِ التّابِعِينَ بِالقُرْآنِ أنَّ المُدَّثِّرَ نَزَلَتْ عَقِبَ المُزَّمِّلِ وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِن أسْبابِ وضْعِها بَعْدَها والظّاهِرُ ضَعْفُ هَذا القَوْلِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ، قُلْتُ: يَقُولُونَ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ ( إلّا ) ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَجَئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي فَنَزَلَتْ يا ﴿ أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ » [اَلْمُدَّثِّرِ: 1- 3] وفِي رِوايَةٍ «فَجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿ فاهْجُرْ ﴾ » فَإنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ ولَوْ كانَتْ يا ﴿ أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ هي النّازِلَةُ قَبْلُ فِيها لَذَكَرْتُ نَعَمْ ظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي أنَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ نَزَلَ قَبْلَ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ والمَرْوِيُّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ أنَّ ذاكَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِن قُرْآنٍ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ الأُمَّةِ حَتّى قالَ بَعْضُهم هو الصَّحِيحُ، ولِصِحَّةِ الخَبَرَيْنِ احْتاجُوا لِلْجَوابِ فَنَقَلَ في الإتْقانِ خَمْسَةَ أجْوِبَةٍ: الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ في حَدِيثِ جابِرٍ كانَ عَنْ نُزُولِ سُورَةٍ كامِلَةٍ فَبَيَّنَ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بِكَمالِها قَبْلَ تَمامِ سُورَةِ ( اقْرَأْ ) فَإنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنها صَدْرُها.
الثّانِي: أنَّ مُرادَ جابِرٍ بِالأوَّلِيَّةِ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِما بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ لا أوَّلِيَّةً مُطْلَقَةً.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ لِلنُّبُوَّةِ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ وأوَّلُ ما نَزَلَ لِلرِّسالَةِ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ أوَّلُ ما نَزَلَ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ وهو ما وقَعَ مِنَ التَّدَثُّرِ النّاشِئِ عَنِ الرُّعْبِ وأمّا اقْرَأْ فَنَزَلَتِ ابْتِداءً بِغَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ.
الخامِسُ: أنَّ جابِرَ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ بِاجْتِهادِهِ ولَيْسَ هو مِن رِوايَتِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُ هَذِهِ الأجْوِبَةِ الأوَّلُ والأخِيرُ انْتَهى وفِيهِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ أصْلُهُ المُتَدَثِّرُ فَأُدْغِمَ وهو عَلى الأصْلِ في حَرْفِ أُبِيٍّ مَن تَدَثَّرَ لَبِسَ الدِّثارَ بِكَسْرِ الدّالِ وهو ما فَوْقَ القَمِيصِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ ويُسَمّى شِعارًا لِاتِّصالِهِ بِالبَشَرَةِ والشَّعْرِ.
ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اَلْأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ» والتَّرْكِيبُ عَلى ما قِيلَ دائِرٌ مَعَ مَعْنى السَّتْرِ عَلى سَبِيلِ الشُّمُولِ كَأنَ الدِّثارَ سِتْرٌ بالِغٌ مَكْشُوفٌ نُودِيَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن صِفَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها تَأْنِيسًا لَهُ ومُلاطَفَةً كَما سَمِعْتَ في ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ وتَدَثُّرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما سَمِعْتَ آنِفًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا فَلَمّا أكَلُوا قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟
فاخْتَلَفُوا ثُمَّ اجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ أيْ كَما يَفْعَلُ المَغْمُومُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿ ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ .
وقِيلَ المُرادُ بِالمُدَّثِّرِ المُتَدَثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ والكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ عَلى مَعْنى المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنِ بِآثارِها، وقِيلَ أُطْلِقَ ﴿ المُدَّثِّرُ ﴾ وأُرِيدَ بِهِ الغائِبُ عَنِ النَّظَرِ عَلى الِاسْتِعارَةِ والتَّشْبِيهِ فَهو نِداءٌ لَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ في غارِ حِراءَ.
وقِيلَ: الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالمُدَّثِّرِ وكَذا بِالمُزَّمِّلِ الكِنايَةُ عَنِ المُسْتَرِيحِ الفارِغِ لِأنَّهُ في أوَّلِ البِعْثَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ مَضى زَمَنُ الرّاحَةِ وجاءَتْكَ المَتاعِبُ مِنَ التَّكالِيفِ وهِدايَةُ النّاسِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ وأمْرَ التَّلْطِيفِ عَلى حالِهِ.
وقالَ بَعْضُ السّادَةِ أيْ يا أيُّها السّاتِرُ لِلْحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِدِثارِ الصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ أوْ يا أيُّها الغائِبُ عَنْ أنْظارِ الخَلِيقَةِ فَلا يَعْرِفُكَ سِوى اللَّهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ، والكُلُّ إشارَةٌ إلى ما قالُوا في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أنَّها حَقِيقَةُ الحَقائِقِ الَّتِي لا يَقِفُ عَلى كُنْهِها أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ وعَلى لِسانِها قالَ مَن قالَ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي وأنَّها التَّعَيُّنُ الأوَّلُ وخازِنُ السِّرِّ المُقْفَلِ وأنَّها وأنَّها إلى أُمُورٍ هَيْهاتَ أنْ يَكُونَ لِلْعَقْلِ إلَيْها مُنْتَهى.
أعْيا الوَرى فَهم مَعْناهُ فَلَيْسَ يَرى ∗∗∗ في القُرْبِ والبُعْدِ مِنهُ غَيْرُ مُنْفَحِمِ كالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلْعَيْنَيْنِ مِن بُعْدٍ ∗∗∗ صَغِيرَةً وتَكِلُ الطَّرْفَ مِن أمَمِ وكَيْفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيا حَقِيقَتَهُ ∗∗∗ قَوْمٌ نِيامٌ تَسَلُوا عَنْهُ بِالحُلْمِ فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أنَّهُ بَشَرٌ ∗∗∗ وأنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ المُدَثِّرُ بِتَخْفِيفِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الثّاءِ المَكْسُورَةِ عَلى زِنَةِ الفاعِلِ وعَنْهُ أيْضًا المُدَثِّرُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ مِن دَثَّرَهُ وقالَ دَثَّرْتَ هَذا الأمْرَ وعَصَبَ بِكَ أيْ شَدَّ والمَعْنى أنَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالعَظائِمُ بِهِ مَنُوطَةٌ وأُمُورُ حَلِّها وعَقْدِها بِهِ مَرْبُوطَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ يا مَن تُوقَفُ أُمُورُ النّاسِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ وسِيلَتُهم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
أصله المُتَدَثِّر، وهو الذي يتدثر ثيابه، لينام أو ليستدفئ، يقال: تدثر بثوبه، والدِّثار: اسم لما يتدثر به، ثم أدغمت التاء في الدال، لتقارب [مخرجيهما] (١) (٢) قال ابن عباس: يريد (٣) - كان يتدثر فرقًا (٤) (٥) - (٦) قال المفسرون (٧) - بالوحي أتاه (٨) - على سرير بين السماء والأرض (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قال ابن عباس: قم نذيرًا للبشر (١٤) (١) في (أ): مخرجيها: وغير واضحة في (ع)، ولعل الصواب ما أثبته.
(٢) انظر: مادة: دثر في: "تهذيب اللغة" 14/ 88، ولعله نقله عن الأزهري بتصرف، وانظر أيضًا: "الصحاح" 2/ 655، و"لسان العرب" 4/ 276، و"المصباح المنير" 1/ 225.
(٣) في (ع): بياض.
(٤) فرقًا: خوفًا وفزعًا، وسبق بيان ذلك في أول سورة المزمل.
(٥) قوله: من جبريل: بياض في (ع).
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٧) ممن ساق هذه الرواية من المفسرين: عبد الرزاق في تفسيره: 2/ 327، والثعلبي، وعزاها إلى جابر بن عبد الله، و"الكشف والبيان" 12/ 24/ ب، و205/ أ.
وانظر رواية جابر في: "صحيح البخاري" 3/ 328، ح 4954 التفسير: باب 96، ومسلم: 1/ 144 ح 257: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي، والنسائي في == "المجتبى" 5/ 428 ح 3325، وفي التفسير 2/ 476 ح 651، و"مسند الإمام أحمد" 3/ 306، ونص الرواية عن جابر كما جاء في الصحيح: عن يحيى بن أبي كثير، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ ، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾.
فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله ما عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله - - قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصُبُّوا علي ماء باردًا، قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾.
و"زاد المسير" 8/ 120، و"المحرر الوجيز" 5/ 392، وانظر: "أسباب النزول" 330.
(٨) بياض في (ع).
(٩) بياض في (ع).
(١٠) مغشيًّا: غشي عليه غَشية وغشيا وغشيانًا: أغمي، فهو مَغْشي عليه.
"لسان العرب" 15/ 127، مادة: (غشا).
(١١) ساقطة من: (أ).
(١٢) القطيفة: دثار مُخمل، والجمع قَطائف وقُطف.
انظر: مادة: (قطف): "الصحاح" 4/ 1417، و"المصباح المنير" 2/ 615.
(١٣) متقنع: المقنع: المغطي رأسه.
"لسان العرب" 8/ 301، مادة: (قنع).
(١٤) "التفسير الكبير" 30/ 190.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها المُتَغَشِّي بثيابه (وهو النبي ).
<div class="verse-tafsir" id="91.BP6ZM"