الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ٤٣ من سورة المدثر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٣ من سورة المدثر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي ما عبدنا ربنا.
( قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله.
" قالوا " يعني أهل النار " لم نك من المصلين " أي المؤمنين الذين يصلون .
فـ { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ } فلا إخلاص للمعبود، [ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين.
"قالوا لم نك من المصلين"، لله.
«قالوا لم نك من المصلين».
كل نفس بما كسبت من أعمال الشر والسوء محبوسة مرهونة بكسبها، لا تُفَكُّ حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات، إلا المسلمين المخلصين أصحاب اليمين الذين فكُّوا رقابهم بالطاعة، هم في جنات لا يُدْرَك وصفها، يسأل بعضهم بعضًا عن الكافرين الذين أجرموا في حق أنفسهم: ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟
قال المجرمون: لم نكن من المصلِّين في الدنيا، ولم نكن نتصدق ونحسن للفقراء والمساكين، وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغَواية والضلالة، وكنا نكذب بيوم الحساب والجزاء، حتى جاءنا الموت، ونحن في تلك الضلالات والمنكرات.
ثم حكى - سبحانه - ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال : ( قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين .
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين .
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين .
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين .
حتى أَتَانَا اليقين ) .
أى : قال المجرمون لأصحاب اليمين : الذى أدى بنا إلى الإِلقاء فى سقر ، أننا فى الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة علينا .
قوله تعالى: ﴿ فِي جنات ﴾ أي هم في جنات لا يكتنه وصفها.
ثم قال تعالى: ﴿ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ المجرمين ﴾ وفيه وجهان الأول: أن تكون كلمة عن صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟
فإنه يقال سألته كذا، ويقال: سألته عن كذا الثاني: أن يكون المعنى أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين، فإن قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقولوا: ما سلكهم في سقر؟
قلنا: أجاب صاحب الكشاف عنه فقال: المراد من هذا أن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون قلنا لهم: ما سلككم في سقر وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟
فلما رأوهم قالوا لهم: ما سلككم فى سقر والإضمارات كثيرة في القرآن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى، لأنهم لا يتذكرون، أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيراً.
و(دبر) بمعنى أدبر، كقبل بمعنى أقبل.
ومنه صاروا كأمس الدابر.
وقيل: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه.
وقرئ ﴿ إذ أدبر ﴾ ﴿ إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر ﴾ جواب القسم أو تعليل لكلا، والقسم معترض للتوكيد.
والكبر: جمع الكبرى، جعلت ألف التأنيث كتائها، فلما جمعت فعلة على فعل: جمعت فعلى عليها، ونظير ذلك: السوافي في جمع السافياء.
والقواصع في جمع القاصعاء، كأنها جمع فاعلة، أي: لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر، ومعنى كونها إحداهنّ: أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها.
كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء و ﴿ نَذِيراً ﴾ تمييز من إحدى، على معنى: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، كما تقول: هي إحدى النساء عفافاً.
وقيل هي حال.
وقيل: هو متصل بأوّل السورة، يعني: قم نذيراً، وهو من بدع التفاسير.
وفي قراءة أبي ﴿ نذير ﴾ بالرفع خبر بعد خبر ﴿ لأن ﴾ أو بحذف المبتدأ ﴿ أَن يَتَقَدَّمَ ﴾ في موضع الرفع بالابتداء.
ولمن شاء: خبر مقدّم عليه، كقولك: لمن توضأ أن يصلي؛ ومعناه مطلق لمن شاء التقدّم أو التأخر أن يتقدّم أو يتأخر، والمراد بالتقدّم والتأخر: السبق إلى الخير والتخلف عنه: وهو كقوله: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29] ، ويجوز أن يكون ﴿ لِمَن شَآءَ ﴾ بدلاً من ﴿ لّلْبَشَرِ ﴾ على أنها منذرة للمكلفين الممكنين: الذين إن شاؤا تقدّموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ اللَّهِ مَصْدَرٌ كالشَّكِيمَةِ أُطْلِقَتْ لِلْمَفْعُولِ كالرَّهْنِ ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ: رَهِينٌ.
﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ أوِ الأطْفالُ.
﴿ فِي جَنّاتٍ ﴾ لا يُكْتَنَهُ وصْفُها وهي حالٌ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، أوْ ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أوْ يَسْألُونَ غَيْرَهم عَنْ حالِهِمْ كَقَوْلِكَ: تَداعَيْناهُ أيْ دَعَوْناهُ وقَوْلُهُ: ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ بِجَوابِهِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المَسْؤُولِينَ والمُجْرِمِينَ أجابُوا بِها.
<div class="verse-tafsir"
{قالوا لم نك مِنَ المصلين} أي لم نعتقد فرضيتها
﴿ فِي جَنّاتٍ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبِلَهُ مِنَ اسْتِثْناءِ أصْحابِ اليَمِينِ كَأنَّهُ قِيلَ ما بالُهُمْ؟
فَقِيلَ: هم في جَنّاتٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَها ولا يُدْرِكُ وصْفَها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ قُدِّمَ لِلِاعْتِناءِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقِيلَ ظَرْفٌ لِلتَّساؤُلِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَساؤُلِهِمْ أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سائِلًا ومَسْؤُولًا مَعًا بَلْ وُقُوعُ السُّؤالِ مِنهم مُجَرَّدًا عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ وإنْ وُضِعَتْ في الأصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّي ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ مَعًا بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا كَما في قَوْلِكَ تَشاتَمَ القَوْمُ أيْ شَتَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمِ الآخَرَ لَكِنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنِ المَعْنى الثّانِي ويُقْصَدُ بِها الدَّلالَةُ عَلى الأوَّلِ فَقَطْ ويَكُونُ الواقِعُ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كَما في قَوْلِكَ: تَراهُ والهِلالَ.
قالَ جارُ اللَّهِ: إذا كانَ المُتَكَلِّمُ مُفْرَدًا يَقُولُ: دَعَوْتُهُ وإذا كانَ جَماعَةً يَقُولُ: تَداعَيْناهُ، ونَظِيرُهُ رَمَيْتُهُ وتَرامَيْناهُ ورَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ ولا يَكُونُ هَذا التَّفاعُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى هَذا فالمَسْؤُولُ مَحْذُوفٌ أعْنِي المُجْرِمِينَ والتَّقْدِيرُ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ المُجْرِمِينَ عَنْهم أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ عَنْ أحْوالِهِمْ فَغُيَّرَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ يَتَساءَلُونَ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ والمَعْنى عَلى ذَلِكَ وحَذْفُ المَسْؤُولِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ بَيانٌ لِلتَّساؤُلِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارِ قَوْلٍ أوْ هو مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ أيْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ أيُّ شَيْءٍ أدْخَلَكم في سَقَرَ وقِيلَ المَسْؤُولُ غَيْرُ المُجْرِمِينَ كَجَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما ﴿ سَلَكَكُمْ ﴾ إلَخِ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِينَ عَنْهم أيْ لَمّا سَألَ أصْحابُ اليَمِينِ المَلائِكَةَ عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ قالُوا لَهم نَحْنُ سَألْنا المُجْرِمِينَ عَنْ ذَلِكَ وقُلْنا لَهم ما ﴿ سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ إلى الآخَرِ وكانَ يَكْفِيهِمْ أنْ يَقُولُوا حالُهم كَيْتَ وكَيْتَ لَكِنْ أتى بِالجَوابِ مُفَصَّلًا حَسَبَ ما سَألُوهُ لِيَكُونَ أثْبَتَ لِلصِّدْقِ وأدَلُّ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ واخْتِصارٌ.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفاعُلِ عَلى حَقِيقَتِها أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُجْرِمِينَ وما ﴿ سَلَكَكُمْ ﴾ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِ عَنْهم أيْضًا ولا يَخْفى ما في اعْتِبارِ الحِكايَةِ مِنَ التَّكَلُّفِ فَلَيْسَ ذاكَ بِالوَجْهِ وإنْ كانَ الإيجازُ نَهْجَ التَّنْزِيلِ والحَذْفُ كَثِيرًا في كَلامِهِ تَعالى الجَلِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَحْسِيرٍ وإلّا فَهم عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ ولَوْ كانُوا الأطْفالَ فِيما أظُنُّ لِانْكِشافِ الأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ.
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ يَقْرَأُ «يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يا فُلانُ ما سَلَكَكُمْ» ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ أيْضًا وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «يا أيُّها الكُفّارُ ما سَلَكَكم في سَقَرَ» .
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً يعني: اترك هذا الذي خلقته وحيداً وفوض أمره إليَّ وهو الوليد بن المغيرة خلقه الله تعالى وحيداً بغير مال ولا ولد وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: ورزقته مالاً كثيراً قال مجاهد كان له مائة ألف دينار وكان بنوه عشرة وقال بعضهم: كان ماله أربعة آلاف درهم ثم قال عز وجل: وَبَنِينَ شُهُوداً يعني: حضوراً لا يغيبون عنه في التجارة ولا غيرهم وقال بعضهم: ذرني ومن خلقت وحيداً يعني: إنه لم يكن من قريش وكان ملصقاً بهم لأنه ذكر أن أباه المغيرة تبناه بعد ما أتت ثمانية أشهر ولم يكن منه كما قال الله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) [القلم: 13] وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: غير منقطع عنه وبنين شهوداً لا يغيبون عنه ولا يحتاجون إلى التصرف وكان له عشرة من البنين وهذا قول الكلبي وغيره وقال مقاتل: سبع بنين وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً يعني: بسطت له في المال والخير بسطاً ويقال: أمهلت له إمهالاً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ يعني: يطمع أن أزيد ماله وولده.
وذلك أنه تفاخر على رسول الله وقال لي: مالاً ممدوداً ولي عشرة من البنين فلا يزال يزداد مالي وبني فنزل ثم يطمع أن أزيد يعني: أن أزيد وهو يعصيني كَلَّا يعني: وهو رد عليه يعني: لا أزيد فما أزداد ماله بعد ذلك ولا ولده ولكن أخذ في النقصان فهلك عامة ماله وولده قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يعني: مكذباً معرضاً عنها معاندا ثم قال عز وجل: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: يكلف في النار صعود جبل من صخرة ملساء في الباب الخامس تسمى سقر فإذا بلغ رأس العقبة دخل دخان في حلقة فيخرج من جوفه ما كان في جوفه من الأمعاء فإذا سقط في أسفل العقبة سقي من الحميم فإذا بلغ أعلاه انحط منه إلى أسفله من مسيرة سبعين سنة وقال مجاهد: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: مشقة من العذاب وقال الزجاج: سأحمله على مشقة من العذاب ويقال: سأكلفه الصعود على عقبة شاقة والصعود والكؤود بمعنى واحد ثم ذكر خبث أفعاله الذي يستوجب به العقوبة فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ يعني: إنه فكر في أمر محمد وقدر في أمره وقال ساحر يقول الله عز وجل: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني: فلعن كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) [الذاريات: 10] .
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة ليدبروا أمر محمد وقالوا: هذه أيام الموسم والناس مجتمعون وقد فشا قول هذا الرجل في الناس وهم سائلون عنه فماذا تجيبون وتردون عليهم فقالوا نقول إنه مجنون وقال بعضهم: إنهم يأتونه ويكلمونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم فقالوا: نقول شاعر قال بعضهم: هم العرب وقد رأوا الشعراء وقوله: لا يشبه الشعر فيكذبونكم قالوا: نقول كاهن قال بعضهم: إنهم لقوا الكهان وإذا سمعوا قوله وهو يستثني في كلامه المستقبل فيكذبونكم ففكر الوليد بن المغيرة ثم أدبر عنهم ثم رجع إليهم وقال: فكرت في أمره فإذا هو ساحر يفرق بين المرء وزوجه وأقربائه فاجتمع رأيهم على أن يقولوا: ساحر فقتل كيف قدر يعني: كيف قدر بمحمد بالسحر ثم قتل يعني لعن مرة أخرى أي: اللعنة على أثر اللعنة كيف قدر هذا التقدير الذي قال للكفرة إنه ساحر ثُمَّ نَظَرَ يعني: ثم نظر في أمر محمد ثُمَّ عَبَسَ يعني: عبس وجهه أي: كلح وتغير لون وجهه وقال الزجاج: ثم عبس وجهه وَبَسَرَ أي: نظر بكراهة شديدة ثُمَّ أَدْبَرَ يعني: أعرض عن الإيمان وَاسْتَكْبَرَ يعني: تكبر عن الإيمان ثم قال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يعني: تأثره من صاحب اليمامة يعني: يرويه عن مسيلمة الكذاب ويقال: معناه: ما هذا الذي يقول: إلا سحر يرويه عن جابر ويسار ويقال عن أهل بابل: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ يعني: ما هذا القرآن إلا قول الآدمي قال الله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ يعني: سأدخله سقر قال مقاتل: يعني: الباب الخامس وقال الكلبي: هو اسم من أسماء النار وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ تعظيماً لأمرها ثم بين قال: لاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ يعني: لا تبقي لحماً إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقاً جديداً، ويقال: لا تبقى ولا تذر يعني: لا تميت ولا تحيي، ويقال: لا تبقى اللحم ولا العظم ولا الجلد إلا أحرقته ولا تذر لحماً ولا عظماً ولا جلداً أي: تدعه محرقاً بل تجده خلقاً جديدا ثم قال عز وجل: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يعني: حراقة للأجساد شواهة للوجوه نزاعة للأعضاء وأصله في اللغة التسويد ويقال: لاحته الشمس إذا غيرته وذلك أن الشيء إذا كان فيه دسومة فإذا أحرق اسود ثم قال: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ يعني: على النار تسعة عشر من الملائكة مسلطون من رؤساء الخزنة وأما الزبانية فلا يحصى عددهم كما قال في سياق الآية: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
وإنما أراد تسعة عشر ملكاً ومعهم ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف ويخرج لهب النار من أفواههم فنزعت عنهم الرأفة غضاب على أهلها يدفع أحدهم سبعين ألفاً فلما نزلت هذه الآية قال الوليد بن المغيرة لعنه الله: أنا أكفيكم خمسة وكل ابن لي يكفي واحداً منهم وسائر أهل مكة يكفي أربعة منهم وقال رجل من المشركين وكان له قوة وأنا أكفيكموهم وحدي أدفع عشرة بمنكبي هذا وتسعة بمنكبي الأيسر فألقيهم في النار حتى يحترقوا وتجوزون حتى تدخلون الجنة فنزلت هذه الآية وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً يعني: ما سلطنا أعوان النار إلا ملائكة زبانية غلاظ شداد لا يغلبهم أحد وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ يعني: ما ذكرنا قلة عددهم وهم تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بلية لهم لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وذلك أن أهل الكتاب وجدوا في كتابهم أن مالكاً رئيسهم وثمانية عشر من الرؤساء فبين لهم أنما يقوله النبيّ يقوله: بالوحي وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً يعني: تصديقاً وعلماً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: يعلموا أنه حق وعدتهم كذلك وَالْمُؤْمِنُونَ أيضاً لا يشكون في ذلك وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: المنافقين وَالْكافِرُونَ يعني: المشركين مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يعني: بذكر خزنة جهنم تسعة عشر يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ يعني: يخذله ولا يؤمن به أمناً له وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يوفقه لذلك وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ يعني: من يعلم قوة جنود ربك وكثرتها إلا هو يعني: الله تعالى ويقال: وما يعلم يعني: لا يعلم عدد جموع ربك إلا الله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ يعني: الدلائل والحجج في القرآن ويقال: ما هي يعني: القرآن ويقال: وما هي يعني: سقر إلا ذكرى للبشر يعني: عظه للخلق ثم أقسم الله تعالى لأجل سقر.
<div class="verse-tafsir"
وأنَّ الخبرَ إنما هُو عَنْ بَعْضِ القدرةِ لاَ عَنْ كُلِّها، ت: صوابُه أنْ يقولَ عَنْ بَعْضِ المقدوراتِ لاَ عَنْ كُلِّها وهذا هو مُرَادُه، ألاَ تَرَاهُ قال في قوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥] قال: يعني بشيءٍ مِنْ مَعْلُومَاتِه لأنّ علمَه تعالى لاَ يَتَجَزَّأُ، فافْهم رَاشِداً، والسموات كُلُّها عامرةٌ بأَنواعٍ من الملائِكَةِ كلُّهم في عبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ وخُشُوعٍ دائمٍ، لا فَتْرَةَ في شيءٍ من ذلك، ولا دَقِيقَةً واحدة، قال مجاهد: والضميرُ في قوله: وَما هِيَ للنارِ المذكورةِ، أي: يُذَكَّرُ بهَا البشرُ فَيَخَافُونَها، فيطيعونَ اللَّه «١» ، وقال بعضهم: قوله:
وَما هِيَ يرادُ بها الحالُ والمخَاطبةُ والنِّذَارَةُ، وأقْسَمَ تعالى بالقَمَرِ وما بَعدَه تَنْبيهاً عَلَى النَّظَرِ في ذلكَ والفكرِ المؤدِّي إلى تعظيمهِ تعالَى وتحصيلِ معرفتِه تعالى مالك الكلّ وقوام الوجود، ونور السموات والأرضِ، لاَ إله إلاَّ هو العزيزُ القهارُ، وأدْبَرَ الليلُ معناه ولّى، وأسْفَرَ الصبح أضَاءَ وانتشرَ ضوؤه، قال ابن زيد وغيره: الضميرُ في قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ لجهنمَ، ويحتملُ أنْ يكُونَ الضميرُ للنِّذَارَةِ وأمْرِ الآخرة فهو للحالِ والقِصَّة «٢» ، - ص-: والكُبَرُ جَمْعُ كُبْرى، وفي ع «٣» : جَمْعُ كبيرةٍ ولَعَلَّه وَهْمٌ من الناسِخ، انتهى.
وقوله سبحانه: نَذِيراً لِلْبَشَرِ قال الحسن: لا نَذِيرَ أدْهَى مِنَ النارِ «٤» ، وقال ابن زيد: نَذِيراً لِلْبَشَرِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٥» .
وقوله سبحانه: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ قال الحسن: هو وعيد نحو قوله: فَمَنْ/ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٦» [الكهف: ٢٩] ، ثم قوَّى سبحانه هذا المعنى بقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ: إذ لزم بهذا القول أنَّ المُقَصِّرَ مرتهن بسوءِ عمله، وقال الضَّحَّاكُ: المعنى: كل نفس حَقَّتْ عليها كلمة العذاب، ولا يرتهن تعالى أحدا
سُورَةُ المُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ آيَةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً ﴾ .
فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ شَهْرًا، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي نَزَلْتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أمامِي، وخَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا هو في الهَواءِ "يَعْنِي: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ" فَأقْبَلْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ » قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا رَأى جِبْرِيلَ وقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ إلى خَدِيجَةَ، ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ "المُتَدَثِّرُ" بِإظْهارِ التّاءِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ "المُدَثِّرُ" بِحَذْفِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: وأصْلُ "المُدَّثِّرِ" المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ، كَما ذَكَرْنا في المُتَزَمِّلِ، وهَذا في قَوْلِ الجُمْهُورِ مِنَ التَّدْثِيرِ بِالثِّيابِ.
وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ، وأثْقالِها.
قالَ عِكْرِمَةُ: دُثِّرْتَ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ كَفّارَ مَكَّةَ العَذابَ إنْ لَمْ يُوَحِّدُوا ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ أيْ: عَظِّمْهُ عَمّا يَقُولُ عَبَدَةُ الأوْثانِ ﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرٍ.
قالَ غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ: وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا تَكُنْ ثِيابُكَ مِن مَكْسَبٍ غَيْرِ طاهِرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذَّنْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ أيْ: نَفْسَهُ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
قالَ: المَعْنى: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَكَنّى عَنِ الجِسْمِ بِالثِّيابِ، لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.
قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ وذَكَرَتْ إبِلًا: رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبَهًا إلّا النَّعامَ المُنَفَّرا أيْ: رَكِبُوها، فَرَمَوْها بِأنْفُسِهِمْ.
والعَرَبُ تَقُولُ لِلْعَفافِ: إزارٌ، لِأنَّ العَفِيفَ كَأنَّهُ اسْتَتَرَ لَمّا عَفَّ.
والرّابِعُ: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: خُلُقَكَ فَحَسِّنْ، قالَهُ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ.
والسّادِسُ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ وشَمِّرْ، قالَهُ طاوُوسٌ.
والسّابِعُ: قَلَبَكَ فَطَهِّرْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ.
فَإنْ يَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ ∗∗∗ فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ أيْ: قَلْبِي مِن قَلْبِكِ.
والثّامِنُ: اغْسِلْ ثِيابَكَ بِالماءِ، ونَقِّها، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ إلّا أبا بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "والرُّجْزَ" بِضَمِّ الرّاءِ.
والباقُونَ بِكَسْرِها.
ولَمْ يَخْتَلِفُوا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الحَسَنِ بِالضَّمِّ، وقالَ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وقالَ قَتادَةُ: صَنَمانِ: إسافٌ، ونائِلَةُ.
ومَن كَسَرَ، فالرِّجْزُ: العَذابُ.
فالمَعْنى: ذُو العَذابِ فاهْجُرْ.
وَفِي مَعْنى "الرِّجْزِ" لِلْمُفَسِّرِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأصْنامُ، والأوْثانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الإثْمُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الذَّنْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْزُ في اللُّغَةِ: العَذابُ.
ومَعْنى الآيَةِ: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلى عَذابِ اللَّهِ.
والسّادِسُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أعْطِ لِرَبِّكَ وأرِدْ بِهِ اللَّهَ، فَأدَّبَهُ بِأشْرَفِ الآدابِ.
ومَعْنى "لا تَمْنُنْ" لا تُعْطِ شَيْئًا مِن مالِكَ لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ، وهَذا الأدَبُ لِلنَّبِيِّ خاصَّةً، ولَيْسَ عَلى أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ إثْمٌ أنْ يَهْدِيَ هَدِيَّةً يَرْجُو بِها ثَوابًا أكْثَرَ مِنها.
والثّانِي: لا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ تَسْتَكْثِرُهُ عَلى رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: لا تَضْعُفْ عَنِ الخَيْرِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: لا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِالنُّبُوَّةِ لِتَأْخُذَ عَلَيْها مِنهم أجْرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَلِرَبِّكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأجْلِ رَبِّكَ.
والثّانِي: لِثَوابِ رَبِّكَ.
والثّالِثُ: لِأمْرِ رَبِّكَ.
والرّابِعُ: لِوَعْدِ رَبِّكَ ﴿ فاصْبِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ.
والثّانِي: عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ.
وهَلْ هَذِهِ النَّفْخَةُ هي الأُولى أوِ الثّانِيَةُ؟
فِيهِ قَوْلانِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ أيْ: يَعْسُرُ الأمْرُ فِيهِ ﴿ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ غَيْرُ هَيِّنٍ ﴿ ذَرْنِي ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [المُزَّمِّلِ: ١١] ﴿ وَمَن خَلَقْتُ ﴾ أيْ: ومَن خَلَقْتُهُ ﴿ وَحِيدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: خَلَقْتُهُ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يَشْرَكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «جاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النَّبِيِّ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ، فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرَّضُ لِما قِبَلَهُ، فَقالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا.
قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ؟
فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمُ بِالأشْعارِ مِنِّي، فَواللَّهِ ما يُشْبِهُها الَّذِي يَقُولُ، واللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ حَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً، وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلُهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُو ولا يُعْلى.
قالَ: لا يَرْضى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ فِيهِ.
فَقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ: يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا.
.
.
﴾ الآياتُ كُلُّها.» وقالَ مُجاهِدٌ: «قالَ الوَلِيدُ لِقُرَيْشٍ: إنَّ لِي إلَيْكم حاجَةً فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، فَقالَ: إنَّكم ذَوُو أحْسابٍ وأحْلامٍ، وإنَّ العَرَبَ يَأْتُونَكُمْ، ويَنْطَلِقُونَ مِن عِنْدِكم عَلى أمْرٍ مُخْتَلِفٍ، فَأجْمِعُوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ.
ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟
قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ شاعِرٌ، فَعَبَسَ عِنْدَها، وقالَ: قَدْ سَمِعْنا الشِّعْرَ فَما يُشْبِهُ قَوْلُهُ الشِّعْرَ.
فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ كاهِنٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ يُحَدِّثُ بِما يُحَدِّثُ بِهِ الكَهَنَةُ، قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ مَجْنُونًا.
فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ ساحِرٌ.
قالَ: وما السّاحِرُ؟
قالُوا: بَشَرٌ يُحَبِّبُونَ بَيْنَ المُتَباغِضِينَ، ويُبَغِّضُونَ بَيْنَ المُتَحابِّينَ، قالَ: فَهو ساحِرٌ، فَخَرَجُوا لا يَلْقى أحَدٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ إلّا قالَ: يا ساحِرُ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ » وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ولا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ في مَعْنى المَمْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: كَثِيرًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: دائِمًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مِقْدارِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
والثّانِي: ألْفُ دِينارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: نَرى أنَّ المَمْدُودَ: جُعِلَ غايَةً لِلْعَدَدِ، لِأنَّ "ألْفٌ" غايَةٌ لِلْعَدَدِ يَرْجِعُ في أوَّلِ العَدَدِ مِنَ الألْفِ.
والثّالِثُ: أرْبَعَةُ آلافٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ بُسْتانٌ كانَ لَهُ بِالطّائِفِ لا يَنْقَطِعُ خَيْرُهُ شِتاءً ولا صَيْفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ أيْ: حَضَرُوا مَعَهُ لا يَحْتاجُونَ إلى التَّصَرُّفِ والسَّفَرِ فَيَغِيبُوا عَنْهُ.
وفي عَدَدِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَشْرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: ثَلاثَةَ عَشَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: اثْنا عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: سَبْعَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ ﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ أيْ: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ، وطُولَ العُمُرِ، "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ.،قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنْ أزِيدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا أفْعَلُ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ المالَ والوَلَدَ حَتّى ماتَ فَقِيرًا "إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا" أيْ: مُعانِدًا.
وَفِي المُرادِ بِالآياتِ هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ سَأحْمِلُهُ عَلى مَشَقَّةٍ مِنَ العَذابِ.
وقالَ غَيْرُهُ: سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ لا راحَةَ لَهُ مِنها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "الصَّعُودُ": العَقَبَةُ الشّاقَّةُ، وكَذَلِكَ "الكَؤُودُ" .
وفي حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ: جَبَلٌ مِن نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْها ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ.
يَصْعَدُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا.» وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ أنَّهُ جَبَلٌ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ في النّارِ، يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها حَتّى إذا بَلَغَ أعْلاها أُحْدِرَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَذَلِكَ دَأْبُهُ أبَدًا، يَجْذِبُ مِن أمامِهِ سَلاسِلَ الحَدِيدِ، ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، فَيَصْعَدُها في أرْبَعِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ فَكَّرَ ﴾ أيْ: تَفَكَّرَ ماذا يَقُولُ في القُرْآنِ ﴿ وَقَدَّرَ ﴾ القَوْلَ في نَفْسِهِ ﴿ فَقُتِلَ ﴾ أيْ: لُعِنَ ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ أيْ: لُعِنَ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ.
وقِيلَ: "كَيْفَ" ها هُنا بِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
وإنَّما كُرِّرَ تَأْكِيدًا ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ في طَلَبِ ما يَدْفَعُ بِهِ القُرْآنَ، ويَرُدُّهُ، ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: كَرَّهَ وجْهَهُ وقَطَّبَ.
يُقالُ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ، أيْ: قَبَضَهُ.
وأنْشَدُوا لِتَوْبَةَ: وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها قالَ المُفَسِّرُونَ: كَرَّهَ وجَّهَهُ، ونَظَرَ بِكَراهِيَةٍ شَدِيدَةٍ، كالمُهْتَمِّ المُتَفَكِّرِ في الشَّيْءِ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿ واسْتَكْبَرَ ﴾ أيْ: تَكَبَّرَ حِينَ دُعِيَ إلَيْهِ "فَقالَ: ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ: ما هَذا القُرْآنُ ﴿ إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ أيْ: يُرْوى عَنِ السَّحَرَةِ ﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ أيْ: مِن كَلامِ الإنْسِ، ولَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ أيْ: سَأُدْخِلُهُ النّارَ.
وقَدْ ذُكِرَ "سَقَرُ" في سُورَةِ [القَمَرِ: ٤٨] ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ لِعِظَمِ شَأْنِها ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ أيْ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا إلّا أكَلَتْهُ، ولا تَذَرُهم إذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ لَوّاحَةٌ ﴾ أيْ: مُغَيِّرَةٌ.
يُقالُ: لاحَتْهُ الشَّمْسُ، أيْ: غَيَّرَتْهُ.
وأنْشَدُوا: يا ابْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "لَوّاحَةً" بِالنَّصْبِ.
وفي البَشَرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ بَشْرَةٍ، وهي جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الإنْسُ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ وهم خُزّانُها، مالِكٌ ومَعَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، أعْيُنُهم كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأنْيابُهم كالصَّياصِي يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَسَعُ كَفُّ أحَدِهِمْ مِثْلَ رَبِيعَةَ ومُضَرَ.
قَدْ نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّحْمَةُ.
فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو جَهْلٍ: يُخَوِّفُكم مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ، أما لَهُ مِنَ الجُنُودِ إلّا هَؤُلاءِ!
أيَعْجَزُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشَ بِواحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ!
فَقالَ أبُو الأشَدَّيْنِ - قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ: أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ.
وقالَ غَيْرُهُ: كَلِدَةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أنا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكم فَأرْفَعُ عَشْرَةً بِمَنكِبِي الأيْمَنِ، وتِسْعَةً بِمَنكِبِي الأيْسَرِ، فَنَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ لا أدَمِيِّيِنَ، فَمَن يُطِيقُهم ومَن يَغْلِبُهُمْ؟!
﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ﴾ في هَذِهِ القِلَّةِ ﴿ إلا فِتْنَةً ﴾ أيْ: ضَلالَةً ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حَتّى قالُوا ما قالُوا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، لِأنَّ عِدَّتَهم في التَّوْراةِ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿ إيمانًا ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا بِمُحَمَّدٍ إذْ وجَدُوا ما يُخْبِرُهم مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ﴿ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: ولا يَشُكُّ هَؤُلاءِ في عَدَدِ الخَزَنَةِ ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النِّفاقُ، ذَكَرَهُ الأكْثَرُونَ، والثّانِي: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ: وزَعَمَ أنَّهم يَهُودُ أهْلِ المَدِينَةِ، وعِنْدَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الخِلافُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
وقالَ: لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ.
وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ.
فَأمّا "الكافِرُونَ" فَهم مُشْرِكُو العَرَبِ، "ماذا أرادَ اللَّهُ" أيْ: أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ؟، "بِهَذا" الحَدِيثِ والخَبَرِ "مَثَلًا" والمَثَلُ يَكُونُ بِمَعْنى الحَدِيثِ نَفْسِهِ.
ومَعْنى الكَلامِ: يَقُولُونَ: ما هَذا مِنَ الحَدِيثِ "كَذَلِكَ" أيْ: كَما أضَلَّ مَن أنْكَرَ عَدَدَ الخَزَنَةِ، وهَدى مَن صَدَّقَ "يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ" وأُنْزِلَ في قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: أما لِمُحَمَّدٍ مِنَ الجُنُودِ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ: "وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكِ إلّا هُوَ" يَعْنِي: مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ.
وذَلِكَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ مِنَ الأعْوانِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في وجْهِ الحِكْمَةِ في كَوْنِهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا مُحْتَمَلًا، فَقالَ: التِّسْعَةَ عَشَرَ: عَدَدٌ يَجْمَعُ أكْثَرَ القَلِيلِ، وأقَلَّ الكَثِيرِ، لِأنَّ الآحادَ أقَلُّ الأعْدادِ، وأكْثَرُها تِسْعَةٌ، وما سِوى الآحادِ كَثِيرٌ.
وأقَلُّ الكَثِيرِ: عَشْرَةٌ، فَوَقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى عَدَدٍ يَجْمَعُ أقَلَّ الكَثِيرِ، وأكْثَرَ القَلِيلِ.
ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ النّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما هي إلا ذِكْرى ﴾ أيْ: ما النّارُ في الدُّنْيا إلّا مُذَكِّرَةٌ لِنارِ الآخِرَةِ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: حَقًّا ﴿ والقَمَرِ.
﴾ ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "إذا أدْبَرَ" وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ "إذْ" بِسُكُونِ الذّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَها "أدْبَرَ" بِسُكُونِ الدّالِ، وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها.
وهَلْ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
يُقالُ: دَبَرَ اللَّيْلُ، وأدْبَرَ.
ودَبَرَ الصَّيْفُ وأدْبَرَ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والأخْفَشِ، وثَعْلَبٍ.
والثّانِي: أنَّ "دَبَرَ" بِمَعْنى خَلَفَ، و"أدْبَرَ" بِمَعْنى ولّى.
يُقالُ: دَبَرَنِي فُلانٌ: جاءَ خَلْفِي، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا أسْفَرَ ﴾ أيْ: أضاءَ وتَبَيَّنَ "إنَّها" يَعْنِي سَقَرَ "لَإحْدى الكُبَرِ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكُبَرُ، جَمْعُ كُبْرى،مِثْلُ الأُوَلِ، والأُولى، والصُّغَرِ والصُّغْرى.
وهَذا كَما يُقالُ: إنَّها لَإحْدى العَظائِمِ.
قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما أنْذَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أوْهى مِنها.
وَقالَ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: أرادَ بِالكُبَرِ: دَرَكاتِ جَهَنَّمَ السَّبْعَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ "نَذِيرًا" عَلى الحالِ.
والمَعْنى: إنَّها لَكَبِيرَةٌ في حالَةِ الإنْذارِ.
وذُكِّرَ "النَّذِيرُ"، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى العَذابِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَنصُوبًا مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنى: قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِمَن شاءَ مِنكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْبَشَرِ ﴾ "أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ" فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَتَقَدَّمَ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الخَيْرِ، أوْ يَتَأخَّرَ إلى الشَّرِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
والرّابِعُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الإيمانِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْهُ.
والمَعْنى: أنَّ الإنْذارَ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ أقَرَّ أوْ كَفَرَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ كَلا والقَمَرِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ ﴿ والصُبْحِ إذا أسْفَرَ ﴾ ﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ ﴾ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ﴾ ، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ.
قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.
وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ: وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ".
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ: يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ: إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا..
∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ.
وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ ؟
وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ <div class="verse-tafsir"
﴿ كلاّ ﴾ .
﴿ لِلْبَشَرِ ﴾ حرف ردع وإبطال.
والغالب أن يقع بعد كلام من متكلم واحد أوْ من متكلم وسامععٍ مثل قوله تعالى: ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمُدْرَكون قال كلا إن معي ربي سيهدين ﴾ [الشعراء: 61، 62] فيفيد الردع عما تضمنه الكلام المحكي قبله.
ومنه قوله تعالى: ﴿ كلا سنكتب ما يقول ﴾ في سورة مريم (79)، ويجوز تقديمه على الكلام إذا أريد التعجيلُ بالردع والتشويقُ إلى سماع ما بعده، وهو هنا محتمل لأن يكون إبطالاً لما قبله من قولهم: فإذا أراد الله بهذا مثلاً، فيكون ما بينهما اعتراضاً ويكون قوله والقمرِ } ابتداء كلام فيحسن الوقف على ﴿ كلاّ ﴾ .
ويحتمل أن يكون حرف إبطال مقدماً على الكلام الذي بعده من قوله: ﴿ إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر ﴾ تقديم اهتمام لإِبطال ما يجيء بعده من مضمون قوله: ﴿ نذيراً للبشر، ﴾ أي من حقهم أن ينتذروا بها فلم ينتذر أكثرهم على نحو معنى قوله: ﴿ وأنَّى له الذكرى ﴾ [الفجر: 23] فيحسن أن توصل في القراءة بما بعدها.
الواو المفتتح بها هذه الجملة واو القسم، وهذا القسم يجوز أن يكون تذييلاً لما قبله مؤكِّداً لما أفادته ﴿ كَلاّ ﴾ من الإِنكار والإِبطال لمقالتهم في شأن عدة خزنة النار، فتكون جملة ﴿ إِنها لإِحدى الكبر ﴾ تعليلاً للإِنكار الذي أفادته ﴿ كَلاّ ﴾ ويكون ضمير ﴿ إنها ﴾ عائداً إلى ﴿ سقَر ﴾ [المدثر: 26]، أي هي جديرة بأن يتذكر بها فلذلك كان من لم يتذكر بها حقيقاً بالإِنكار عليه وردعه.
وجملة القسم على هذا الوجه معترضة بين الجملة وتعليلها، ويحتمل أن يكون القسم صدراً للكلام الذي بعده وجملة ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ جواب القسم والضمير راجع إلى ﴿ سقَر، أي أن سقر لأعظم الأهوال، فلا تجزي في معاد ضمير إنها ﴾ جميع الاحتمالات التي جرت في ضمير ﴿ وما هي إلاّ ذكرى ﴾ [المدثر: 31].
وهذه ثلاثة أيمان لزيادة التأكيد فإن التأكيد اللفظي إذا أكد بالتكرار يكرر ثلاث مرات غالباً، أقسم بمخلوق عظيم، وبحالين عظيمين من آثار قدرة الله تعالى.
ومناسبة القَسَم ب ﴿ القمر والليل إذ أدبر والصبحُ إذا أسفر ﴾ أن هذه الثلاثة تظهر بها أنوار في خلال الظلام فناسبت حالي الهدى والضلال من قوله: ﴿ كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ [المدثر: 31] ومن قوله: ﴿ وما هي إلاّ ذكرى للبشر ﴾ [المدثر: 31] ففي هذا القسَم تلويح إلى تمثيل حال الفريقين من الناس عند نزول القرآن بحال اختراق النور في الظلمة.
وإدبار الليل: اقتراب تقضيه عند الفجر، وإسفار الصبح: ابتداء ظهور ضوء الفجر.
وكل من ﴿ إذْ ﴾ و ﴿ إذَا ﴾ واقعان اسمي زمان منتصبان على الحال من الليل ومن الصبح، أي أُقسم به في هذه الحالة العجيبة الدالة على النظام المحكم المتشابه لمحو الله ظلمات الكفر بنور الإِسلام قال تعالى: ﴿ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴾ [إبراهيم: 1].
وقد أجريت جملة ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ مجرى المثل.
ومعنى ﴿ إحدى ﴾ أنها المتوحدة المتميزة من بين الكبر في العظم لا نظيرة لها كما يقال: هو أحدَ الرجال لا يراد: أنه واحد منهم، بل يراد: أنه متوحد فيهم بارز ظاهر، كما تقدم في قوله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ [المدثر: 11]، وفي المثل «هذه إحدى حُظَيَّات لقمان».
وقرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف ﴿ إذْ أدبر ﴾ بسكون ذال ﴿ إذ ﴾ وبفتح همزة ﴿ أدبر ﴾ وإسكان داله، أقسم بالليل في حالة إدباره التي مضت وهي حالة متجددة تَمضي وتَحْضُر وتُستْقبل، فأي زمن اعتبر معها فهي حقيقة بأن يُقسم بكونها فيه، ولذلك أقسم بالصبح إذَا أسفر مع اسم الزمن المستقبل.
وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والكسائيّ وأبو جعفر ﴿ إِذَا دَبَر ﴾ بفتح الذال المعجمة من ﴿ إذا ﴾ بعدها ألف، وبفتح الدّال المهملة من دَبَر على أنه فعل مضي مجرد، يقال: دَبَر، بمعنى: أدبر، ومنه وصفه بالدّابر في قولهم: أمسسِ الدّابرِ، كما يقال: قبل بمعنَى أقبل، فيكون القسم بالحالة المستقبلة من إدبار الليل بعد نزول الآية، على وزان ﴿ إذَا أسفر ﴾ في قراءة الجميع، وكل ذلك مستقيم فقد حصل في قراءة نافع وموافقيه تفنن في القسم.
و ﴿ الكُبَر ﴾ : جمع الكبرى في نوعها، جمعوه هذا الجمع على غير قياسسِ بابه لأن فُعْلى حقها أن تجمع جمع سلامة على كبريات، وأما بنية فُعل فإنها جمع تكسير لفُعْلة كغُرفة وغُرف، لكنهم حملوا المؤنث بالألف على المؤنث بالهاء لأنهم تأولوه بمنزلة اسم للمصيبة العظيمة ولم يعتبروه الخصلة الموصوفة بالكِبر، أي أُنثى الأكبر فلذلك جعلوا ألف التأنيث التي فيه بمنزلة هاء التأنيث فجمعوه كجمع المؤنث بالهاء من وزن فعلة ولم يفعلوا ذلك في إخواته مثل عظمى.
وانتصب ﴿ نذيراً ﴾ على الحال من ضمير ﴿ إِنها ﴾ ، أي إنها لعُظمَى العظائم في حال إنذارها للبشر وكفى بها نذيراً.
والنذير: المُنذر، وأصله وصف بالمصدر لأن ﴿ نذيراً ﴾ جاء في المصادر كما جاء النكير، والمصدر إذا وصف به أو أخبر به يلزم الإِفرادَ والتذكيرَ، وقد كثر الوصف ب (النذير) حتى صار بمنزلة الاسم للمُنذر.
وقوله: ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ بدل مفصل من مجمل من قوله ﴿ للبشر ﴾ ، وأعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كقوله تعالى: ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ﴾ [الأعراف: 75]، وقوله: ﴿ إن هو إلاّ ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ [التكوير: 27، 28] وقوله تعالى: ﴿ تكون لنا عيداً لأوَّلنا وآخِرِنا ﴾ [المائدة: 114].
والمعنى: إنها نذير لمن شاء أن يتقدم إلى الإِيمان والخير لينتذر بها، ولمن شاء أن يتأخر عن الإيمان والخير فلا يرعوي بنذارتها لأن التقدّم مشي إلى جهة الإمام فكأنَّ المخاطب يمشي إلى جهة الداعي إلى الإِيمان وهو كناية عن قبول ما يدعو إليه، وبعكسه التأخر، فحذف متعلق ﴿ يتقدم ويتأخّر ﴾ لظهوره من السياق.
ويجوز أن يقدر: لمن شاء أن يتقدم إليها، أي إلى سَقَر بالإِقدام على الأعمال التي تُقدمه إليها، أو يتأخر عنها بتجنب ما من شأنه أن يقربه منها.
وتعليق ﴿ نذيراً ﴾ بفعل المشيئة إنذار لمن لا يتذكر بأن عدم تذكره ناشئ عن عدم مشيئته فتبعتُه عليه لتفريطه على نحو قول المثل «يَداك أوكَتا وفُوك نفخ»، وقد تقدم في سورة المزمل (19) قوله: ﴿ إنَّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً وفي ضمير منكم ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن مقتضى الظاهر أن يقال: لمن شاء منهم، أي من البشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ «أنَّ النَّبِيَّ نَعَتَ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ فَقالَ: كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ، وكَأنَّ افْواهَهُمُ الصَّياصِي، يَجُرُّونَ شُعُورَهم، لَأحَدُهم مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ، يَسُوقُ أحَدُهُمُ الأُمَّةَ وعَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ فَيَرْمِي بِهِمْ في النّارِ، ويَرْمِي الجَبَلَ عَلَيْهِمْ» .
﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَسْتَيْقِنُوا عَدَدَ الخَزَنَةِ لِمُوافَقَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِيَسْتَيْقِنُوا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ لِما جاءَ بِهِ مِن مُوافَقَةِ عِدَّةِ الخَزَنَةِ.
﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ﴾ بِذَلِكَ، قالَهُ جُرَيْجٌ.
﴿ وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وما نارُ جَهَنَّمَ إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: وما هَذِهِ النّارُ في الدُّنْيا إلّا تَذْكِرَةً لِنارِ الآخِرَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: وما هَذِهِ السُّورَةُ إلّا تَذْكِرَةً لِلنّاسِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ كَلا والقَمَرِ ﴾ الواوُ في (والقَمَرِ) واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ أقْسَمَ بِما بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذْ ولّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: إذْ أقْبَلَ عِنْدَ إدْبارِ النَّهارِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ إذا دَبَرَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
واخْتُلِفَ في أدْبَرَ ودَبَرَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفانِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَبَرَ إذا خَلَّفْتَهُ خَلْفَكَ، وأدْبَرَ إذا ولّى أمامَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ دَبَرَ إذا جاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ وعَلى دُبُرٍ، وأدْبَرَ إذا ولّى مُدْبِرًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ ﴾ يَعْنِي أضاءَ وهَذا قَسَمٌ ثالِثٌ.
﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ أنَّ تَكْذِيبَهم بِمُحَمَّدٍ لَإحْدى الكُبَرِ، أيِ الكَبِيرَةُ مِنَ الكَبائِرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أيْ أنَّ هَذِهِ النّارَ لَإحْدى الكُبَرِ، أيْ لَإحْدى الدَّواهِي.
الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَإحْدى الكُبَرِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، والكُبَرُ هي العَظائِمُ والعُقُوباتُ والشَّدائِدُ، قالَ الرّاجِزُ يا ابْنَ المُغَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرْ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ.
﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُحَمَّدًا نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ حِينَ قالَهُ لَهُ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّ النّارَ نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ، قالَ الحَسَنُ: واَللَّهِ ما أنْذَرَ الخَلائِقَ قَطُّ بِشَيْءٍ أدْهى مِنها.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ القُرْآنَ نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ لِما تَضَمَّنُهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَتَقَدَّمَ في طاعَةِ اللَّهِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنْ يَتَقَدَّمَ في الخَيْرِ أوْ يَتَأخَّرَ في الشَّرِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّالِثُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَكْثِرَ أوْ يُقَصِّرَ، وهَذا وعِيدٌ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: هو الوليد بن المغيرة أخرجه الله من بطن أمه وحيداً لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد والثروة والنماء ﴿ كلاّ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: كفوراً بآيات الله جحوداً بها ﴿ إنه فكر وقدر ﴾ قال: ذكر لنا أنه قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله فيه ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ إلى قوله: ﴿ وبسر ﴾ قال: كلح.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: الوليد بن المغيرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة ﴿ وحيداً ﴾ قال: خلقته وحده لا مال له ولا ولد ﴿ وجعلت له مالاً مدوداً ﴾ قال: ألف دينار ﴿ وبنين ﴾ قال: كانوا عشرة ﴿ شهوداً ﴾ قال: لا يغيبون ﴿ ومهدت له تمهيداً ﴾ قال: بسطت له من المال والولد ﴿ ثم يطمع أن أزيد كلا ﴾ قال: فما زال يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: معانداً عنها مجانباً لها ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: الوليد بن المغيرة ﴿ وبنين شهوداً ﴾ قال: كانوا ثلاثة عشر ﴿ ثم يطمع أن أزيد كلا ﴾ قال: فلم يولد له بعد يومئذ ولم يزدد له من المال إلا ما كان ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: مشاقاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ الآيات، قال: هو الوليد بن المغيرة بن هشام المخزومي وكان له ثلاثة عشر ولداً كلهم رب بيت، فلما نزلت ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ لم يزل في إدبار من الدنيا في نفسه وماله وولده حتى أخرجه من الدنيا.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: ألف دينار.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: ألف ألف.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدينوري في المجالسة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: غلة شهر بشهر.
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن سالم في قوله: ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: الأرض.
وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوه لك، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله.
قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً.
قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له.
قال: وماذا أقول؟
فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده مني، ولا بشاعر الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله: الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلوا وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.
قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.
قال: فدعني حتى أفكر.
ففكر.
فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية وعبد الرزاق وابن المنذر عن عكرمة مرسلاً.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جمع الوليد بن المغيرة قريشاً فقال: ما تقولون في هذا الرجل، فقال بعضهم: هو شاعر، وقال بعضهم: هو كاهن، فقال الوليد: سمعت قول شاعر وسمعت قول الكهنة، فما هو مثله.
قالوا: فما تقول أنت؟
قال: فنظر ساعة ﴿ ثم فكر وقدر فقتل كيف قدر ﴾ إلى قوله: ﴿ سحر يؤثر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله: لمن كلام الله فلما سمع النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأن قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: والله أنا أكفيكم شأنه.
فانطلق حتى دخل عليه بيته.
فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟
فقال: ألست أكثرهم مالاً وولداً فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه.
فقال الوليد: تحدث بهذا عشيرتي فوالله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة وما قوله: إلا سحر يؤثر فأنزل الله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وهناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ عنيداً ﴾ قال: جحوداً.
وأخرج أحمد وابن المنذر والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً ثم يهوي وهو كذلك فيه أبداً» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن أبي سعيد قال: إن ﴿ صعوداً ﴾ صخرة في جهنم إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت واقتحامها ﴿ فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ﴾ [ البلد: 14] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صعود صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه.
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قي قوله: ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: جبل في النار.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ صعوداً ﴾ قال: جبلاً في جهنم.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: صخرة ملساء في جهنم يكلفون الصعود عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ عبس وبسر ﴾ قال: قبض ما بين عينيه وكلح.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ إن هذا إلا سحر يؤثر ﴾ قال: يأثره عن غيره.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: ﴿ سقر ﴾ أسفل الجحيم، نار فيها شجرة الزقوم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال: لا تحيي ولا تميت.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ لا تبقي ﴾ إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئاً، وإذا بدلوا جلداً جديداً لم تذر أن تباردهم سبيل العذاب الأول.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ تأكله كله، فإذا تبدى خلقه لم تذره حتى تقوم عليه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن بريد ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال: تأكل اللحم والعظم والعرق والمخ ولا تذره على ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: حراقة للجلد.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: تلوح الجلد فتحرقه فيتغير لونه فيصر أسود من الليل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي رزين ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: تلوح جلده حتى تدعه أشد سواداً من الليل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عليّ عن ابن عباس ﴿ لواحة ﴾ محرقة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن جابر قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟
قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما نزلت ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال رجل من قريش يدعى أبا الأشدين: يا معشر قريش لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة وبمنكبي الأيسر التسعة، فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما سمع أبو جهل ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم، فأوحى الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿ أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال: ذكر لنا أن أبا جهل حين أنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش ما يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا واحداً من خزنة النار وأنتم ألدهم؟.
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ فقال: ما تقولون أتسعة عشر ملكاً أو تسعة عشر ألفاً؟
قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، فقال: ومن أين علمت ذلك؟
قلنا: لأن الله يقول: ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: صدقت هم تسعة عشر ملكاً بيد كل ملك منهم مرزبة من حديد له شعبتان فيضرب بها الضربة يهوي بها في جهنم سبعين ألفاً بين منكبي كل ملك منهم مسيرة كذا وكذا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال: جعلوا فتنة.
قال: قال أبو الأشدين الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: قال أبو الأشدين: خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم.
قال: وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف خزان جهنم فقال: «كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشفارهم لهم مثل قوة الثقلين، يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم، على رقبته جبل، حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل عليهم» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ أنهم يجدون عدتهم في كتابهم تسعة عشر ﴿ ويزداد الذين آمنوا إيماناً ﴾ فيؤمنوا بما في كتابهم من عدتهم فيزدادوا بذلك إيماناً.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: يستيقن أهل الكتاب حين وافق عدد خزنة النار ما في كتابهم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: يجدونه مكتوباً عندهم عدة خزنة النار.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً ﴾ قال: صدق القرآن الكتب التي خلت قبله التوراة والإِنجيل أن خزنة جهنم تسعة عشر ﴿ وليقول الذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: الذين في قلوبهم النفاق والله أعلم.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ قال: من كثرتهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق ابن جريج عن رجل عن عروة بن الزبير أنه سأل عبدالله بن عمرو بن العاص أي الخلق أعظم؟
قال: الملائكة.
قال: من ماذا خلقت؟
قال: من نور الذراعين والصدر.
قال: فبسط الذراعين.
فقال: كونوا ألفي ألفين.
قيل لابن جريج: ما ألفي ألفين؟
قال: ما لا يحصى كثرته.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة الإِسراء قال: «فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك يقال له اسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك منهم جنده مائة ألف، وتلا هذه الآية ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ » .
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وما هي إلا ذكرى للبشر ﴾ قال: النار.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة مثله.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿ والليل إذا دبر ﴾ فجعل الألف مع إذا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن الزبير أنه كان يقرأ: ﴿ والليل إذا دبر ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه قرأها: ﴿ دبر ﴾ مثل قراءة ابن عباس.
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنه قرأها: ﴿ إذ ﴾ بغير ألف ﴿ أدبر ﴾ بألف.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال: إنها في حرف أبي وابن مسعود ﴿ إذا أدبر ﴾ يعني بألفين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ قال: دبوره ظلامه.
وأخرج مسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ فسكت عني حتى إذا كان من آخر الليل وسمع الأذان الأول ناداني: يا مجاهد هذا حين دبر الليل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والصبح إذا أسفر ﴾ قال: إذا أضاء ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ قال: النار.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ قال: النار.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر ﴾ قال: هي جهنم.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل عن حذيفة قال: ما من صباح ولا مساء إلا ومنادٍ ينادي: يا أيها الناس الرحيل الرحيل، وإن تصديق ذلك في كتاب الله ﴿ إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم ﴾ قال: الموت ﴿ أو يتأخر ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم ﴾ قال: في طاعة الله ﴿ أو يتأخر ﴾ قال: في معصية الله.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً ﴾ سبب الآية أنه لما نزل ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ [المدثر: 30] قال أبو جهل: أيعجز عشرة منكم عن واحد من هؤلاء التسعة عشرة أن يبطشوا به، فنزلت الآية ومعناها أنهم ملائكة لا طاقة لكم بهم، ورُوي أن الواحد منهم يرمي بالجبل على الكفار ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي جعلناهم هذا العدد ليفتتن الكفار بذلك ويطمعوا أن يغلبوهم ويقولون ما قالوا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ أن ما قاله محمد صلى الله عليه وسلم حق، فإن قيل: كيف نفى عنهم الشك بعد أن وصفهم باليقين والمعنى واحد، وهو تكرار؟
فالجواب: أنه لما وصفهم باليقين نفى عنهم أن يشكوا فيما يستقبل بعد يقينهم الحاصل الآن، فكأنه وصفهم باليقين في الحال والاستقبال، وقال الزمخشري: ذلك مبالغة وتأكيد ﴿ وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ المرض عبارة عن الشك، وأكثر ما يطلق الذين في قلوبهم مرض على المنافقين.؟
فإن قيل: هذه السورة مكية ولم يكن حينئذ منافقون وإنما حدث المنافقون بالمدينة، فالجواب من وجهين؛ أحدهما أن معناه يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب، والآخر أن يريد من كان بمكة من أهل الشك.
وقولهم: ماذا أراد الله بهذا مثلاً: استبعاد لأن يكون هذا من عند الله ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ يحتمل القصد بهذا وجهين؛ أحدهما وصف جنود الله بالكثرة أي: هم من كثرتهم لا يعلمهم إلا الله، والآخر رفع اعتراض الكفار على التسعة عشر أي لا يعلم أعداد جنود الله إلا هو؛ لأن منهم عدداً قليلاً ومنهم عدداً كثيراً حسبما أراد الله ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ ﴾ الضمير لجهنم أو للآيات المتقدمة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ﴾ : ﴿ نُقِرَ ﴾ : أي: نفخ، و ﴿ ٱلنَّاقُورِ ﴾ : الصوور، وهي كلمة كتب الأولين ذكرها هنا، ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .
فجائز أن يحمل هذا كله على التحقيق؛ فتتحقق الصيحة والزجرة والنقرة، ثم تعقبها الساعة.
وجائز أن يكون هذا على التمثيل؛ فيكون فيه إخبار عن سهولة ذلك الأمر وهونهه على الله ؛ لأن اللمحة والزجرة والنفخة والنقرة أمر سهل، لا يشتد على أحد.
أو يكون على تقصير الوقت على الذين ينفخ فيهم الروح، أي: الأرواح ترد عليهم في قدر النفخة، والزجرة، والصيحة؛ خلافا لأمر النشأة الأولى؛ لأنه في النشأة الأولى إنما نفخ فيه الروح بعد كونه نطفة في بطن أمه أربعين يوما، ثم علقة، ثم مضغة كذلك القدر من المدة، ثم نفسخ فيه الروح بعد مدد وأوقات، وفي النشأة الأخرى ينفخ [الروح] بالقصر من المدة، وذلك قدر النفخة والزجرة والصيحة واللمحة، والله أعلم.
وإنما قلنا بأن التأويل قد يتوجه إلى التمثيل دون التحقيق، وإن ذكر في بعض الأحاديث تثبيت الصور والناقور؛ لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد يوجب علم العمل، ولا يجوب علم الشهادة، وفي تحقيق الصور والناقور ليس إلا الشهادة؛ لذلك لم يحصل الأمر على التحقيق والقطع لئلا نقطع الحكم على الشهادة.
ثم قد ذكرنا أن قوله: "إذا" جواب سؤال واقع عن تبيين وقت؛ كأنه قيل له: فاصبر إلى أن ينقر في الناقور.
أو يكون جوابا لقوله: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ ، أي: أنذرهم عما يحل بأهل الشر من العذاب بنقر الناقور.
أو يكون جوابا لقوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ إذا نقر في الناقور.
أو كان السؤال واقعا عن أمر، لم يشر إلى ذلك الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ ذلك اليوم يوم رحمة للمؤمنين؛ إذ في ذلك اليوم يكرمون، وينالون عظيم الدرجات من ربهم، ولكن الله - عز وجل - ذكر ذلك اليوم في غير آي من كتابه، والأحوال لتي تكون فيه، وإن كانت تلك الأحوال تنزل على غير المؤمنين، فمرة سما: واقعة، ومرة، قارعة، ومرة: حاقة، وإنما يقع العذاب على الكفرة، ويحق عليهم؛ فذلك سماه: عسيرا، وإن كان هو عسيرا على فريق، يسيرا على غيرهم.
وجائز أن يكون عسيرا على الخلائق أجمع، بعض هول ذلك اليوم يشمل الفرق كلها، كما قال: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ ﴾ ، ثم إن المؤمنين تفرج عنهم الأهوال بما يأتيهم من البشارات والكرامات عن الله ، ويبقى عسره على أصحاب النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ .
ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، والأصل أن الأنباء التي ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة فيها إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم، وذلك أن فرعون كل نبي كان واحدا، وكان من سواه يصدر عن رأيه، وينتهي إلى تدبيره؛ فكان يستغني عن مخاطبة من سواه، وقد كثرت فراعنة نبينا محمد ، فكا نكل واحد منهم يدعي الرياسة لنفسه، ويمتنع عن متابعة غيره، والصدور عن رأيه والانقياد له، منهم أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم أبو لبه، وغيرهم؛ فكان رسول الله يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه، ومن احتاج إلى مخاطبة أقوام، وإجابة كل واحد بحاليه، كان الأمر عليه أصعب من الذي احتاج إلى مخاطبة واحد؛ ففي هذا أن المحنة على رسولنا - عليه الصلاة والسلام - كانت أكبر مما امتحن بها من تقدمه من الرسل، عليهم السلام.
ثم قوله: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ فيه أن رسول الله كان يمنعه عن شيء حتى يقول له: ﴿ ذَرْنِي ﴾ ، ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على الابتداء من جهة إظهار القوة؛ يقول الرجل الآخر: "خل بين وبين فلان"، و"دعني وإياه" من غير أن يكون سبق منه المنع؛ فيريد به إظهار القوة من نفسه: أنه كافيه، وقادر على دفع شره عن نفسه؛ فيكون في قوله: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ دعاء من الله إياه إلى ألا يتعرض له، ولا يجازيه بصنيعه؛ فإن الله يكفيكه، ويدفع عنك شره.
أو يكون فيه نهي عن أبن يدعو عليه بالهلاك والثبور، ويصبره [إلى] أن يأتيه أمر الله ؛ فيكون [في] هذا مسلاة لرسول الله ، وذلك أن المتنازعين إذا تنازعا في شيء، وحدث بينهما شر، فانتصب ثالث في نصر أحدهما خلف الأمر على المنصور، ويفرح لذلك، ويسلو به، فإذا كان الله هو الذي يقوم بنصر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ويكفيه عن عدوه، كان ذلك أكثر في التسلي والتفرج؛ فيكون في هذا تمكين من الصبر الذي دعي إليه بقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ، وبقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ...
﴾ الآية [القلم: 48].
ثم قوله: ﴿ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: خلقته وحدي، ولم يكن لي في الخلق ناصر ومعين ولا مشير.
وجائز أن يكون معناه: أي: خلقته وحيدا، لا ما لله، ولا ولد؛ فيكون في هذا [وعيد و]تخويف لذلك اللعين، أي: كيف لا يخاف أن يعاد إلى الحالة التي كان عليها يوم خلق بلا مال ولا ناصر؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
وقوله - -: ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ﴾ : قيل: ﴿ مَالاً مَّمْدُوداً ﴾ ، أي: مالا لا ينقطع، بل يكون له مدد.
وذكر عن مجاهد أنه قال: كان ذلك ألف دينار.
وقال السدي: ﴿ مَالاً مَّمْدُوداً ﴾ ثلاثة عشر ألفاً.
وقيل: أراد به ما جعل له من الضياع بالطائق، تثمر في السنة مرتين.
ولكن عندنا المال الممدود هو المتتابع الذي لا ينقطع مدده، والذي لا ينقطع مدده لا يقع تحت الإحصاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَنِينَ شُهُوداً ﴾ : أي: حضورا، لا يغيبون، ويكون فيه وجهان من الحكمة: أحدهما: أن ماله قد كثر؛ حتى لم يحتج إلى تفريق أولاده في الجمع والاكتساب؛ بل كان يأتيه سمحا، لا يحتاج إلى تكلف أسباب الجمع.
والثاني: أن غاية ما يراد ويتمنى ويلتمس من البنين هو أن يستأنس بالنظر إليهم، ويستعين بهم، ويستنصر إذا احتاج إلى ذلك؛ ففيه أنه قد نال مناه، ووصل إليه ما ترغب إليه النفوس من كثرة الأموال والأولاد؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ﴾ ، أي: بسطت له في الدنيا بسطا.
وقيل: التمهيد: هو التمكين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ ﴾ .
فجائز أن يكون طمعه منصرفا إلى الزيادة في الآخرة؛ كقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، فحسبوا أنهم إذ ساووا أهل الإيمان في الدنيا يساوونهم في الآخرة لو كانت الآخرة حقا؛ فكذلك هذا اللعين حسب أن يبسط عليه نعيم الآخرة كما بسط عليه نعيم الدنيا؛ فكان قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردا عليه.
فإن كان على هذا، ففيه أعظم الدلالة على إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر أن ليس له نصيب في الآخرة؛ وإنما يحرم النصيب إذا ختم على الكفر كما قال، فكان.وهذا إخبار منه عن أمر الغيب، فصدق خبره، وخرج الأمر حقا كما قال؛ فثبت أنه بالله علمه.
وجائز أن يكون طمعه الزيادة في الدنيا؛ فقطع عليه طمعه بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ .
وذكر أن ماله بعد نزول هذه الآية أخذ في الانتقاص إلى أن أهلكه الله ، ولم يزد شيئاً؛ فيكون في هذا - أيضا - ما في الأول من إثبات الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ : في هذا تصبير لرسول الله ؛ لأن الله أكثر نعمه عليه، ثم ذلك المعلون مع كثرة نعم الله عليه وإحسانه إليه، عاند، ولم يطعه في أوامره؛ فكيف ترجو أنت منه في معاملته إياك مع معاملتك إياه بما يخالف مراده وهواه؟
فيكون فيه ما يدعوه إلى الصبر.
والعناد: هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق؛ فيكون قوله: ﴿ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ : أنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات الله، وخالف أمر رسوله، واستكبر.
والمكابر هو الذي يكابر عقله، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال أو بالأفعال.
ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ ﴾ إبطال قول من قال: إن الله لا يفعل بعباده إلا ما هو الأصلح لهم؛ لأن قوله: ﴿ أَنْ أَزِيدَ ﴾ لا يخلوا إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط الله - - عندهم أن يزيده، وفي قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ قطع طمعه للزيادة؛ فيصير بحرمان الزيادة عنه جائزاً؛ فكيف حصل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم.
وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح؛ فكيف جعل الحرمان - أيضا - علما لنوبته، وكان عليه أن يحرمه طعلى زعمكم.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود - -: (ثم يطمع أن يزيد).
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ : جائز أن يكون على تحقيق الصعود، وهو العقبة التي يشتد الصعود عليها؛ كما ذكره بعض أهل التأويل، فيكلف الصعود عليها.
وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود في الشاهد مما يشق على المرء، والهبوط مما يسهل على المرء الانحدار عنه.
فإن كان على هذا، ففيه أن يصيبه في الآخرة مما يشتد ويشق على نفسه تحمل ذلك.
ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ : إن في هذا وعيدا من الله بأن يصليه سقر، وسيرهقه صعودا، فأراد الله أن يصدق خبره، وينجز وعده، أو أراد أن يكذب خبره، ويخالف وعده؟
فإن قلتم بالثاني، فقد نسبتموه إلى الكذب، وإلى خلف الوعد؛ ومَن هذا وصْفُه فهو سفيه جاهل، لا يصلح أن يكون إلها.
وإن قلتم: بلى، أراد أن يصدق خبره، وينجز وعده، قلنا لكم: أراد أن ينجز وعده مع دوامهم على الكفر، أو عند انقلاعهم عنه؟
فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر، فهذا منه جور؛ لأنه يصليهم سقر بشيء لا إرادة لهم فيه.
وإن سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر واستقروا عليه، فقد لزمكم أن تقولوا: إن الله أراد من كل أحد ما علم أنه يختاره، ويكون منه.
ويقال لهم: إن الله يقول: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ﴾ ، ولو كان الأمر على ما زعمتم: أنه يريد من كل كافر أن يسلم، ويؤمن به، ويريد الكافر أن يكفر به، ويعاديه، فإذن قد أراد أن يكون له ولي من الذل؛ لأنه يريد أن يواليه مع اختيار الكافر في معاداته، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴾ .
قال الفقيه [- رحمه الله -]: إن فراعنة رسول الله اعتقدوا معاندة الحق، واعتقدوا صد الناس عن سبيل الله وأن يطفئوا نوره، فأرادوا أن يجمعوا على أمر ينسبونه إلى رسول الله على وجه ينفقون عن أنفسهم سمة الجهل وتهمة الكذب في ذلك، على ما ذكروا أن الوليد جمع أصحابه، فقال: إن هذه أيام الموسم، وإن الناس سائلوكم عن هذا الرجل؛ فماذا تقولون؟
فقال بعضهم: نقول: هو شاعر؛ قال: إنهم قد سمعوا الشعر، وما قوله بقول شعر.
وقال بعضهم: نقول: هو كاهن؛ فقال: إن الكهانة معروفة عند العرب، وإذا سمعوا قوله عرفوا أنه ليس بكاهن؛ فيكذبونكم.
وقال بعضهم: نقول: هو كذاب؛ فقال: إنا اختبرناه فما أخذنا عليه كذبة قط.
فقال بعضهم: نقول: هو مجنون.
فقال: إذا نظروا إليه علموا أنه ليس بمجنون، فأعيا عليهم، ففكر في نفسه وقدر، فقال: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ : ما هذا الذي أتى به إلا سحر يؤثره عن غيره - أي: يرويه - فاتفقت كلمتهم على تسميته: ساحرا، وقالوا: الساحر يفرق بين اثنين، وقد وجد منه التفريق بين الآباء والأولاد وبين ذوي الأرحام؛ رجاء أن يصلوا إلى مرادهم من صد الناس عن سبيل الله وإطفاء نوره؛ مكرا منهم، وهو كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
ووجه رجوع المكر إلى أنفسهم ذكروا فيه أوجها: أحدها: رجوع المكر إلى أنفسهم: أن الله أظهر سوء صنيعهم برسول الله ، وجعله آية تتلى إلى يوم القيامة؛ فيكون فيه ظهور كذبهم، وإلحاق العار بهم إلى يوم التناد، وتوارد اللعن.
والثاني: أن الكبراء إذا اجتمعوا في مكان للتدبير، اتصل بهم أوساطهم واختلط بهم صغارهم فيقع لجملتهم العلم بالذي وقع عليه التدبير واتفقت عليه الكلمة، وإذا وقفوا على تدبيرهم جملة، انتشر علم ذلك في الآفاق، فيقف الناس على كذبهم وافتعالهم، فيتحقق عند ذلك جهلهم بحال رسول الله ، ويصير كذبهم شائعا في الخلق ظاهرا من الوجه الذي أرادوا نفي سمة الجهل عن أنفسهم؛ ويتحقق عند الناس كذبهم؛ فلا يركنوا إلى قولهم ولا يتلفتوا إلى إخبارهم عن حاله؛ إذ قد تبين جهلهم بحاله؛ فيكون ذلك سببا لترغيب الناس إلى الإسلام ودعائهم إليه، لا أن يكون سببا للصد عن سبيل الله؛ فصار المكر راجعا إليهم.
ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ ﴾ ، أي: فكر في الأمر الذي أراد إحكامه، أو فكر في الكلمات التي ألقوها فيما بينهم، أيها أليق برسول الله فينسب إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّرَ ﴾ يخرج على هذا أيضا.
وقوله: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ، قيل: لعن، واللعن هو الإبعاد عن رحمة الله ، وقد ظهر الإبعاد؛ لأن مادة ماله قد انقطعت في الدنيا، وأخذ ما كان اجتمع عنده في الانتقاص إلى أن أهلكه الله ، ثم ساقه إلى النار خالدا فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ، أي: كيف لم يستح عن تقديره الذي قدر من تسميته رسول الله : ساحرا، وقد علم أنه في إنشاء ذلك الاسم كاذب؟
أو كيف اجترأ على الله ، وتجاسر وهو يعلم أنه رسول حق، فعاند آياته، واجترأ على ذلك، ولم يخف نقمة الله ؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ فلعنه مرتين، وقد ظهر أثر اللعن فيه في الدنيا والآخرة جميعا؛ لأن الله فضحه بما أظهر كذبه للخلائق، فبقي ذلك العار إلى آخر الأبد وأبعده من رحمته؛ حيث أخذ ماله في الانتقاص، وانقطعت مادة ماله، فهذا أثر اللعن في الدنيا، ووعد أن يصليه سقر، وأن سيرهقه صعودا، وذلك خزيه ولعنه في الآخرة، فظهرت، إحدى اللعنتين في الدنيا وتلحقه الثانية في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ جائز أن يكون نظر في كلمات القوم التي ألقوها فيما بينهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾ جائز أن يكون الذي حمله على العبوس والبسور هو ما ألقوا إليه المختلف من الكلمات، فعبس وجهه عليهم؛ لما في اختلافهم ظهور كذبهم.
أو يكون الذي دخل عليه من شدة الغيظ في أمر رسول الله أهمه وأحزنه، حتى أثر ذلك في وجهه، فعبس لذلك وجهه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ ﴾ : يحتمل أن يكون أدبر عن أولئك القوم الذين اجتمعوا للتدبير، واستكبر عليهم.
أو أدبر عن طاعة الله ، واستكبر على رسوله؛ حيث أعرض عنه، ولم يجبه إلى ما دعاه إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ : أي: هذا الذي أتى به محمد مما يؤثر من أفعال السحر.
أو هذا الذي يخبر أنه أتى به من عند الله هو سحر يؤثر عمن تقدمه، ولكن قال هذا على علم منه أنه ليس بسحر.
قال الفقيه - رحمه الله -: ولو كان الذي أتى به محمد سحرا كما قرفوه به، فهو لا يخرج من أن يكون حجة له في صدق مقالته وإثبات رسالته؛ لأنه لا وجه لمعرفة السحر من طريق الرأي والتدبير، وإنما سبيل الوصول إليه الإتقان والتلقن عن الغير، وقد علما أن رسول الله لم يلقنْه أحد، ولا يوجد منه الاختلاف إلى من عنده علم ذلك، فوقع لهم الإيقان: أنه بالله علم لا بأحد من الخلائق؛ فيصير الذي قرفوه به من أعظم الحجة، ولكن الله طهره عن السحر، ونزهه عن ذلك، وأمره بمعاداة السحرة حتى قال رسول الله : "اقتلوا كل ساحر وساحرة" ، وقال: "توبة الساحر ضربة بالسيف" ثم الأصل أن الساحر يفرق بين الاثنين، ويعمل سحره في التفريق على وجه لا يوقف على سبب التفريق، وكان سبب تفريق رسول الله ظاهرا؛ لأنه كان يأتيهم بالحجج؛ فيعلم من أمعن النظر فيها صدّقه فيما يدعي من الرسالة فيؤمن به، ومن ترك النظر فيها، ولم يعط من نفسه النصفة ترك الإيمان به؛ فبطل أن يكون تفريقه كتفريق السحر.
وأن كلاًّ منهم لو تفكر فيما جاء به محمد ، وأمعن النظر فيه، حمله ذلك على الإيمان به، والتصديق لرسالته؛ فيصير الذي جاء به محمد سبب [الاجتماع والألفة]، لا أن يكون سبب التفريق بين الأحبة.
ثم الأصل أن الساحر بغيته وقصده من سحره نيل الجاه عند العظماء والرؤساء واستفادة السعة في الدنيا، ورسول الله ، لم يكن يطلب بما أتى به الجاه عند الرؤساء، بل عاداهم، وأظهر الخلاف لهم، فدعا الخلق إلى الزهادة في الدنيا لا إلى الاستكثار منها، فكيف يجوز أن ينسب إلى السحر، وقد أتى بما يضاد فعل السحرة؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ ﴾ : قد علم أنه ليس بقول البشر؛ لما عجز البشر عن إتيان مثله، وقال: ﴿ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ ؛ فثبت أنه على العلم منه بأنها آيات عاند.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ .
السقر: لون من العذاب.
وقيل: السقر: هي الدركة الخامسة.
وقيل: السقر: من أبواب جهنم، ومعناه: سأدخله جهنم من باب السقر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ : يحتمل: أي: لا تبقي [له] حياة يتلذذ بها، ولا تذره يهلك فيستريح، بل يبقى أبدا في الهلاك، كما قال : ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ ﴾ .
ويحتمل: لا تبقي له جلدا ولا لحما و لا عظما، بل تنضج جلده وتأكل لحمه، وتسكر عظمه، ولا تذره على تلك الحال كسير العظم، مأكول اللحم، نضيح الجلد، بل يعاد جلده ولحمه وعظمه فتحرقها كذلك أبدا، ولا تُبقي له روحا ولا تذره فيهرب منها؛ فيتخلص من عذابها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ : قيل: فيه بوجوه: قيل: ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ ، أي: محرقة للجلد، فالبشر: الجلد، فجائز أن خص الجلد بالتلويح؛ لأن الجلد من الإنسان هو الظاهر؛ فيكون ظاهر الإحراق مؤثراً فيه؛ فخصه بالذكر لهذا؛ كما سمي الإنسان: إنسانا؛ لظهوره لكل من هو من أهل الروية، وسمي الجن جنا: لاستتاره عنم ليس من جنسه، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ .
وقيل: ﴿ لَوَّاحَةٌ ﴾ ، أي: ظاهرة للبشر؛ كقوله : ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴾ ، أي: [تظهر لهم] وتلوح، فينظرون إليها، ويتيقنون بالعذاب.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَوَّاحَةٌ ﴾ ؛ لأن النار تأكل جلودهم ولحومهم؛ فتظهر عظامهم وتلوح عند ذلك، ثم تبدل جلودا ولحوما، [أبدا] على هذا مدار أمرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ : روي عن ابن عباس - - أنهم خزنة جنهم مع كل واحد من الأعوان ما لا يحصى، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد والنيران، والآخر هو الخازن الأكبر، وهو مالك يأمرهم بما أمر هو به.
ويحتمل: أن يكون في السقر تسعة عشر دركا، وقد سلط على كل درك ملك؛ وذلك لأن جهنم ذات حد في نفسها؛ لأن الله وعد أن يملأها من الجنة والناس، ولو لم ترجع إلى حد، لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكر.
ويحتمل: أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب، قد وكل كل واحد منهم أن يعذب بنوع من ذلك، والأصل: أنه الله حكيم بعلم أن في كل فعل من أفعاله حكمة عجيبة، ولكن لا كل حكمة يوصل إليها بالعقل، وينتهى إلى معرفتها بالتدبير؛ ألا ترى أن الله جعل في الماء معنى يحيا به كل شيء، ولو أراد أحد أن يتكلف استخراج المعنى الذي به صلح أن يكون طبيعة موافقاً لإحياء كل شيء لا يمكنه ذلك، وجعل في الطعام ما يعذي وينمي، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي يقع به الاغتذاء والإنماء لم يتدارك؛ وكذلك جعل في العدد الذين سماهم حكمة، ولكنا لا نصل إلى تعرفتها بعقولنا وتدبرنا.
وزعمت الباطنية أن في ذكر الأعداد التي عليها تركيب العالم تعريف الأعداد المجعولة في الروحانيات.
فيقال لهم: من جعل الأعداد التي عليها تركيب العالم أولى بأن يتعرف بها الأعداد المجعولة في الروحانيات من أن تجعل الأعداد التي في الروحانيات [علماً لاستدراك] المجعولة في الجسدانيات؟
ثم يسألون عن الأعداد المجعولة في الروحانيات لأي معنى جعلت؟
وأي حكمة فيها؟
فليس جوابهم بعد هذا إلا العجز والاعتراف بالجهل، فليقروا بالجهل من الابتداء من غير أن يتكلفوا استخراج ما يوجب عن حقيقة كان فيه ظهور عجهزهم، والله أعلم.
والأصل عندنا ما ذكرنا: أن أهل التوحيد اعتقدوا أن الله حيكم، وأنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة؛ لأن الذي يحمل الإنسان على الخروج عن حد الحكمة في الشاهد أحد معان ثلاثة: إما الجهل.
وإما العجز.
وإما الحاجة.
والله عالم لا يجهل، وقوي لا يلحقه عجز عن وفاء ما وعد، وغني لا تمسه حاجة؛ فانتفت عنه الأسباب التي لديها يقع الخروج عن حد الحكمة، فثبت أنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة، لكنهم إذا لم يعرفوا الحكمة بعقولهم، ولم يتداركوها بتدبيرهم، ظنوا أنه لا حكمة فيه، وأنكروا أن يضاف ذلك إلى الله ، فأهل الدهر أنكروا البعث، وأنكروا الصانع؛ لما رأوا أشياء في الشاهد هي في الظاهر خارجة مخرج العبث؛ وفعل الحكمة لا يخرج مخرج العبث، فنفوا بهذا أن يكون للأشياء صانع، ومن بني بناء، ثم نقضه، ثم أعاده إلى الحالة التي كان عليها قبل النقض، لم يكن حكيما، بل كان جاهلا سفيها، فقاسوا أمر البعث على ذلك، وظنوا أنه خارج مخرج العبث؛ إذ ليس فيه إلا الإعادة إلى الحالة التي كان عليها قبل الموت.
وما ذكرنا من الاعتبار هو الذي حمل الثنوية على القول بإلهين اثنين: أنهم رأوا في الشاهد خيرا وشرا، وصلاحا وفسادا، وظلمة ونورا، ولا يجوز أن يكون جوهر الظلمة والنور واحدا، ولا يجوز - أيضا - أن يكون فعل الحكيم يخرج على الاختلاف والتناقض، فقد بنوا بهذا أن خالق الشر والخير مختلف.
وبهذا أنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد؛ لأن الفعل يكون مرة خيرا ومرة شرا، ومرة صلاحا ومرة فسادا، ولا يجوز أن يكون الشر مضافا إلى الله ، ولا أن يكون الفساد منسوبا إليه؛ فأنكروا أن يكون لله - - في أفعال العباد صنع.
وأهل التوحيد سلموا الأمر إلى الله ، وفوضوا العلم إليه في كل ما جاء عنه - جل وعز - وإن لم يتداركوا ما فيه من الحكمة بعقولهم؛ لوجودهم أشياء هي خارجة أن يتداركوها بعقولهم، ويقفوا عليها بعلومهم، كا ذكرنا من مر الماء: أنه قد جعل فيه معنى، ذلك المعنى يحيي الاشياء، ولو أرادوا أن يعرفوا ذلك المعنى بالعقول والآراء، لم يمكنهم ذلك؛ وكذلك في هذا الطعام، وفي الأشياء المشروبة موجود، ثم لم يجد بهذا إنكار المياه وسائر الأطعمة والأشربة؛ فكذلك لا يجب إنكار العدد الذين سماهم الله من الملائكة، ولا إنكار البعث، ولا إنكار كل شيء لم يقفوا على حكمته بعقولهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ : فلقائل أن يقول في هذا: إنه لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة، لم يوجد فيها إنسي ولا جني، فكيف قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ﴾ ، وهو لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة.
[والجواب: أن تأويله:] أي: ما جعلنا على أصحاب النار إلا ملائكة يعذبون أهلها بها، لا أن يكون الملائكة تمسهم النار، ويتأذون بها.
وي هذا دلالة على أن من قرأ مكان قوله : ﴿ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ ﴾ : "أصحاب النار" في صلاته لا تفسد؛ لأنه ليس في نسبة أصحاب الجنة [إلى] أصحاب النار إيجاب عذاب عليهم؛ كما لم يكن في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ إيجاب عذاب على الملائكة واستحقاقهم، والله أعلم.
وإنما خصهم بذلك - والله أعلم - لأنهم خلقوا يسخطون ويغضبون لله ، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لم يميلوا إلى أحد، ولم يرحموا بما رأوا عليه من العذاب في معصية الله وخلافهن ليسوا على طباع الإنس والجن أن قلوبهم ربما تميل وترحم من لا يستحق الرحمة.
وذكر أهل التأويل أن قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ رد على أولئك الكفرة الذين قالوا: "إنا لنكفي هؤلاء العدة - حين سمعوا ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ - فنغلب عليهم، ونخرج من النار"، فأخبر أنهم ليسوا برجال أمثالكم، إنما هم ملائكة، ووصف الملائكة، وقد روى في الأخبار من هول خلقهم، وعظمهم، وشدة بأسهم وبطشهم، وأن لهب النيران يخرج من أفواههم، وأن بنيتهم لا تحتمل الحرق والآلام، ولي يسعلى ما عليه بنية البشر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : الفتنة: قد يتكلم بها على وجهين: فتذكر الفتنة ويراد بها المحنة التي فيها الشدة.
وتذكر ويرادج بها العذاب.
فإن كان يراد بها العذاب، فمعناه: أنه جعل العدد الذي ذكر فتنة للكفرة؛ وهو كقوله: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ، أي: يعذبون.
وإن كان يراد بها المحنة، فتخرج على وجوه: أحدها: أي: ما جعلنا ذكر عددهم إلا لافتتان الذين كفروا، أي: من علم الله منه أنه يكفر بآيات الله ، جعل ذلك سببا لفتنته إذا كان في علم الله أنه ممن يبتغي الفتنة، فأما من علم أنه ينظر في آيات الله مسترشدا، فلم يزده ذلك إلا إيمانا وتصديقا]؛ إذ علموا أن لله أن يمتحنهم بأنواع المحن، فآمنوا به، وسلموا ذلك لله ؛ فيكون في جعل عدتهم تسعة عشر شدة على الكفرة، إذ كان سبب كفرهم؛ فلذلك سمى المحنة على هذا الوجه فتنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بمعنى: على الذين كفروا.
ثم جائز أن يكون ذلك على حدوث الكفر، وهو في قوم قد آمنوا به، فلما سمعوا هذا زعموا أن لا حكمة في هذا العدد، وليس هذا العدد بأولى [من] أن يجعلوا أصحاب النار من العشرين أو من الثمانية عشرة، فكفروا به؛ وهو كقول موسى - -: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ ﴾ ، وذلك على حدوث إضلال لهم لم يكن من السامري موجود، لا أن الإضلال متقدم بغيرها.
وجائز أن تكون فتنتهم هي أنهم ازدادوا بذكر هذا العدد كفرا إلى كفرهم؛ لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء، ولم ينظروا إليه بعين التبجيل والتعظيم، فازدادوا بذلك كفرا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً ﴾ : الاستيقان والزياة واحد؛ لأن في الاستيقان زيادة إيمان، وفي الزيادة استيقان، فمعناه: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب [و] الذين آمنوا.
ووجه استيقانهم: أنهم يجدون هذا العدد موافقا للعدد الذي في كتابهم؛ فيحملهم ذلك على الاستيقان أنه من عند الله .
ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب الذي ليم يؤمنوا إذا وجدوا ذلك موافقا لما في كتبهم؛ فيستيقنون: أنه إنما يخبر عن الله ، ويرتفع عنهم الارتياب؛ ليكون أدعى لهم إلى الإيمان به، إن أراد منهم الإيمان، وأقرب إلى إلزام الحجة عليهم، إن لم يرد منهم الإيمان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً ﴾ ، أي: [أي:]تصديقا على ما سبق منهم من التصديق بالجملة، وكذلك روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - في قوله : ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وفي كل موضع ذكر فيه الزيادة في الإيمان: أن معنى الزيادة فيه: أنهم زادوا بالتفسير تصديقا على تصديقهم بالجملة؛ لأنهم إذا وحدوا الله ، وآمنوا به، فقد أقروا بأن له الخلق الأمر كله، وفي الإقرار بأن له الخلق إيمانٌ بالرسل وتصديق منه إياهم بجميع ما أنزل عليهم من الكتب عن الله ؛ فصار بإيمانه معتقداً بكل الرسل على الإشارة إليه، فإذا آمن بالرسول والكتاب المنزل إليه، فقد أتى بزياة تصديق على ما وجد منه من التصديق بالجملة.
وجائز أن تكون الزيادة منصرفة إلى الثبات والاستقامة؛ لأن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت؛ إذ المؤمن في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، وإذا اجتنب الكفر، فقد أتى بضده، وهو الإيمان؛ فثبت أن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت، وإذا كان كذلك، استقام صرف الزيادة إلى الثبات والقرار عليه، فإن شئت فسم الدوام على الإيمان: زيادة، وإن شئت فسمه: إيمانا، وإن شئت فسمه: ثباتا، وفي الكتاب ما يطلق جواز هذا كله؛ قال الله : ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ فندبهم إلى الإيمان بعدما آمنوا، وما ذلك إلا الثبات على ما هم عليه، وقال: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ وهو الإيمان، وقال في آية أخرى: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ فجعل دوامهم على الإيمان واستقامتهم عليه إيمانا.
وقال : ﴿ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ قال أبو داود: إيماناً مع إيمانهم فاطلق فيه اسم الزيادة، واسم الثبات، واسم الإيمان.
وإن كانت الزياة منصرفة إلى الأعمال، فهو عندنا على الزياة من جهة الفضيلة والكمال، لا إلى الزيادة في عينه؛ لأن الشيء إذا استحق الزيادة بغيره فاستحقاقه يقع من جهة الفضيلة والكمال؛ ألا ترى إلى قول رسول الله : "صلاة في مسجدي هذا تعادل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" ومعلوم أنه لم يرد به التفاضل من جهة العدد؛ إذ هو يأتي بأعين الأفعال التي يلزمه إتيانها في غير ذلك؛ فكانت الزيادة منصرفة إلى الكمال والفضل، لا إلى الزيادة من جهة العدد.
وكذلك قال: "صلاة في جماعة تفضل على صلاة المرء وحده بخمس وعشرين درجة" ، ولم يرد به الزيادة من جهة العدد؛ وإنما أريد به الزيادة من جهة الفضل والشرف والكمال، وكذلك الزيادة التي تقع للإيمان من الأعمال الصالحة، إنما هي من جهة الفضيلة والشرف؛ إذ الأعمال ليست من جنس الإيمان؛ إذ الإيمان هو التصديق، وذلك غير موجود في الأفعال؛ فثبت أن زيادته من الوجه الذي ذكرنا دون غيره.
وقوله - -: ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ : في هذا الفصل كلام بيننا وبين المعتزلة، فهم يزعمون أن تلك العدة - وهي عدة الملائكة - جعلت محنة لأهل الإسلام، وأهل الكتاب، وأهل الكفر، وللذين في قلوبهم مرض؛ ليؤمنوا بها، ويستسلموا لها لا ليكفر بها من كفر، ويقول: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ ؟
ولكن لما وجد منهم ذلك القول نسب الجعل إليه، لا أن خلقوا لذلك الوجه؛ وهو كقوله : ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ نسب إليهما الالتقاط وإن كان الالتقاط لغير ذلك الوجه، وكذلك قال: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، ومعلوم أن الإملاء لم يكن لازدياد الإثم، ولكن هم لما ازدادوا إثما، نسب الإملاء إليه، وإن لم يكن الإملاء لذلك الوجه، وكذلك يقال في الكلام السائر: لدوا للموت وابنوا للخراب ولا أحد يبني للخراب؛ ولكن مصيره لما كان إلى الخراب نسب البناء إليه، وإن لم يكن البناء لذلك الوجه ويقال: يسرق السارق لتقطع يده، ومعلوم أنه ليس يسرق للقطع، ولكن بسرقته إذن لزمه القطع ولأجلها ما قطع، نسب الفعل إليه، وإن كانت السرقة لغير ذلك الوجه؛ فكذلك العدة التي ذكرت في الآية جعلت الفتنة بجهة واحدة، وهي التي ذكرناها، لكنه لما وجد من الكفرة ما ذكرنا نسب الخلق إلى ذلك الوجه، لا أن كان الجعل لذلك.
ولكنا نقول: لو كان الأمر على ما زعموان أدى ذلك إلى إسقاط الربوبية؛ إذ في الحكمة: من عمل عملا يريد غير الذي يكون، أوجب ذلك بالعواقب، أو جعل عابثا في فعله، ومن هذا وصفه، لم يصلح أن يكون إلها، بل يكون جاهلا سفيها؛ ألا ترى أن من بنى شيئا يعلم أنه لا يكون - كان ذلك منه عبثا، وإذا كان غير الذي يريده كان جاهلا به.
فإذا ثبت هذا فنقول: لو أراد الله من الكافر غير الذي كان منه، لكان فعله خارجا مخرج الخطأ، أو العبث؛ فثبت أن الله - عز وجل - شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم؛ فإذا علم عبده أنه يؤثر الضلال على الهدى، فقد شاء له الضلال، وإذا علم أنه يؤثر فعل الخير، شاء له ذلك، ووفقه له، وهداه إليه.
والجواب عن قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ، فمعناه: ليكون لهم في علم الله عدوا وحزنا، لا أن كان الالتقاط منهم لذلك الوجه؛ بل لو علموا أنه يصير لهم عدوا وحزنا لم يلتقطوه، ولكنهم جهلوا ما ينتهي إليه العاقبة؛ فالتقطوه؛ رجاء أن ينتفعوا به.
ولا يجوز أن تخفى على الله عواقب الأشياء؛ فيكون فعله في الابتداء لغير ذلك الوجه.
وقولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب فهذا يتكلم به في موضع التذكير والدعاء؛ لئلا يحرص المرء في بناء الأبنية، بل يزهد عنه، ولا يجوز أن يخفى على الله أمر؛ فيخرج الأمر فيه مخرج التذكير؛ فثبت أنه على التحقيق، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ : فالمثل يذكر معنى البيان؛ كقول القائل: "أمثل لك صورة كذا" يريد أن أبين لك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، فهذا كله تفسير قوله : ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً...
﴾ الآية، أي: يضل به من كان في عمله أنه يختار الضلال، واختياره الضلال هو أن ينظر في آيات الله بعين الاستهزاء والاستخفاف، ومن كان نظره في آيات الله ما ذكرنا، أضله الله ، وزاده غواية، ومن نظر في [آيات الله] بعين الاستهزاء والاسترشاد، واستقبلها بالتبجيل والتعظيم لها، وفقه الله ، ومن عليه بالهداية؛ وهو كقوله : ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ وغير ذلك، والله الموفق.
وقالت المعتزلة: قوله: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: يسميه: ضالا، أو يحكم عليه بالضلال إذا ضل، لا أن يكون الله - - يضله، ويشاء ضلالته.
فيقال لهم: إذا كان الله يريد أن يؤمن به، وذلك إرادته في كل أحد عندكم فتسميته أياه: ضالا، وحكمه بالضلال وهو يريد أ، يهتدي - جور منه، وفيه تحقيق كذبه، جل الله عن أن يلحقه وصف الجور في فعله، أو ينسب إلى الكذب.
وقال أبو بكر الأصم: تأويله: أن الله - - ينصب طريقا، مَن سلكه أفضى به إلى الهداية، ومن زاغ عنه صار إلى الضلال، ولا يتهيأ لأحد من الخلائق أن ينصب مثله.
فنقول: لو كان التأويل على ما زعم لكان حقه أن يقال: "كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء"؛ فلما قال: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ، و"مَنْ" يعبر به عن الأشخاص العقلاء [لا] عن الطريق التي لا يعقل، ثبت أن الذي قاله ليس بشيء يعتمد عليه.
[ثم] الأصل أن قوله: ﴿ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ من صفات الربوبية، وفيه امتحداح الرب - - بالفعل لما يريد، فلو لم يكن مريدا منهم ما قد كان، ولم يرد كون ما علم أنه يكون، سقط الامتداح، وخرج عن أن يكون من صفات الربوبية؛ فثبت أن الله شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : فالجنود هو اسم للجماعة التي ينتقم بها، وينتصر بها.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ منصرفاً إلى الملائكة، التي هي أصحاب النار، ليس ما جعله من خزنة النار عدداً قليلاً؛ لقلة جنوده، ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: [لا يعلم] مقادير قواهم وأحوالهم إلا الله؛ فمعناه: لا يعلم جنود ربك، أي: لا يعلم قوة هؤلاء الجنود وبطشهم وهيبتهم إلا هو.
ثم يجوز أن يكونوا سلطوا على تعذيب أهل النار؛ على جهة الامتحان للملائكة؛ كما امتحن بعضهم بإيصال التحف والكرامات إلى أهل الجنة، وكما امتحن بعضهم في الدنيا يقبض الأرواج، وبعضهم باستنزال الأمطار، وغير ذلك.
وجائز أن يكون تسليطهم على أهل النار على جهة الثواب والجزاء لهم؛ لأنهم يتلذذون بما يعذبون أهل النار، وينتقمون من أعداء الله ؛ لأن المرء في الشاهد إذا وصل إلى الانتقام من عدوه، تلذذ به وتنعم.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: وما يعلم كثرة جنود ربك إلا هو.
ويحتمل: وما يعلم السبب الذي به يجعل الجنود، ويصلحون للانتقام إلا هو؛ إذ هو القادر على أن يجعل أضعف شيء من خلقه جند ينتقم به من أعدائه، كما في قصة البعوض في زمن نمرود، وغير ذلك من إرسال الطير إلى أصحاب الفيل، وإمطار الحجارة على قوم لوط، ونحو ذلك.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ ، أي: لا يعلم ما الذي يتخذ الله جنداً للانتقام من الأعداء إلا هو؛ ألا ترى أن الله - - انتقم من بعض الأعداء بالغرق، وهم قوم فرعون وقوم نوح - - وأهلك بعضا منهم بالرياح، واتخذها جنودا عليهم، وأهلك بعضهم بالخسف؛ فيكون في هذا إيجاب المراقبة من حلول النقمة والسخطة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ ﴾ : جائز أن يكون منصرفا إلى السقر أنها ذكرى للبشر، أي: موعظة وتذكيرا لهم ما إليه مرجع إمورهم.
وجائز أن يكون منصرفا إلى عدة الملائكة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ ﴾ : قيل: حقّاً.
وقيل: هو على الردع والتنبيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ ﴾ .
فهذا في موضع القسم؛ وقد ذكرنا أن القسم؛ لتأكيد ما قصد إليه بالذكر، وإدبار الليل بمجيء النهار، فجائز أن يكون ذكر آخر الليل يقتضي ذكر أوله، وذكر أول النهار يقتضي ذكر النهار كله؛ فيكون القسم بهما قسما بالليل كله، والنهار كله.
ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة، وكذلك النهار إذا أقبل عمل في دفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة لطيفة ما لو اجتهد المرء في جميع عمره - وإن طال - على عد تلك الأشياء؛ ليحيط علما بجملتها، لم يتمكن منه، وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا، ولإقبال النهار من الأمر ما ذكرنا، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا، ولو أريد معرفة ما فيهما من الحكمة: أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل سترا عن درك أعين الأشياء، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر؟
لم يقدر عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء؛ فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل، وإن كان فيها ما لا يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء.
وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد، وأن الخلائق بجمتلهم تحت سلطانه وتدبيره، يحكم فيهم ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين وقع عليهما الذكر، وهما إدبار الليل، وإسفار الصبح؛ فيكون فيهما ما في الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْفَرَ ﴾ ، أي: أضاء، وانتشر.
وقوله: ﴿ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: ذهب.
وحكي عن الكسائي أنه قال: إن "دبر" لغة قرشية، يقولون: ذهب كالأمس الدابر، أي: الذاهب، فيقولون: دبر في الأيام والشهور والسنين، ولا يقولون في غير ذلك: لا يقولون: دبر الرجل، ودبر الأمر؛ ولكن يقال: أدبر.
وفي حرف ابن مسعود (إذا دبر)، وفي الحروف ﴿ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ ، والمعروف ﴿ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ كما قلنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ ﴾ قيل: يعني: السقر.
ثم عذاب أهل النار ألوان، وفي جهنم دركات، والسقر: إحدى دركاتها؛ إذ هي لون من ألوان العذاب؛ فصارت هي من إحدى الكبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ﴾ .
فمنهم من صرف النذارة إلى السقر، ومنهم من صرفها إلى رسول الله ، وهو كقوله : ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، فمنهم من قرأ (لتنذر) بالتاء، وصرف النذارة إلى النبي .
ومنهم من قرأ بالياء، وصرفها إلى القرآن.
ثم الأصل أن ما خرج مخرج الأفعال مضافاً إلى الأشياء اللاتي ليست لهن أفعال، فهو يقتضي أمرين: أحدهما: ذكر الأحوال التي تقع لديها مما لو لم يكن ذلك سبباً لم تحدث تلك الأحوال من غير أن يكون علة لها؛ فنسبت إليها إذا صارت سبباً؛ لحدوث تلك الأحوال، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وحياة الدنيا لا تغر أحدا، ولكنهم اغتروا بزينتها، فنسب إليها الغرور لما كانت سببا لتغريرهم.
والثاني: أنها أنشئت على هيئة لو كانت من أهل التغرير، لكانت تغر، فنسب إ ليها الغرور لذلك.
وقال في قصة إبراهيم - - ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، والأصنام ليست ممن ينسب إليها الإضلال؛ لأنه لا فعل لها، ولكن عبادها لما ضلوا بها، نسب الإضلال إليها، وهي - أيضا - على صورة لو كانت لها أفعال لكان يقع منها الإضلال؛ فنسب إليها الإضلال؛ للوجهين اللذين ذكرناهما؛ فكذلك النذارة إضيفت إلى النار هاهنا؛ لأنه عند ذكرها تقع النذارة؛ فأضيفت إليها لذلك.
أو خلقها على هيئة لو كانت من أهل النذارة، لكانت نذيرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ : قيل: هو على التهديد كقوله: ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ، وذلك إنما يكون على إثر المبالغة في العظات، وتذكير عواقب الأمور، وقد بالغ [في] ذلك في هذه السورة وبين عواقب أمور العباد.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ قيل: أن يتقدم إلى طاعة الله، أو يتأخر إلى معصية الله .
والأصل: أن المرء جبل على حب المنافع لنفسه والخيرات، وعلى بغض الشر والمضار، ومن أحب شيئا طلبه، ومن أبغض شيئا اجتنبه، وهرب منه، وإذا طلب [شيئاً] تقدم إليه، وإذا هرب من شيء تأخر عنه؛ فكنى عن الطلب بالتقدم وعن الهروب بالتأخر؛ فقيل في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ يَتَقَدَّمَ ﴾ أي: [إلى] طاعة الله، تجدي إليه المنافع في الآخرة، وتجلب إليه المحاسن أو يتأخر عن طاعته؛ إذ في الإعراض عن طاعته إيقاع النفس في المهالك وأنواع الشدائد.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ ، معناه، يتقدم، ويتأخر بتخليق الله فعل التقدم والتأخير منه؛ فيكون فعلا له وكسبا؛ لوجوده في حيز قدرته، وخلقا لله ؛ فيكون مثل قولنا، لا حجة علينا، في إضافته التقدم والتأخر إلينا، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
فيجيبهم الكفار قائلين: لم نكن من الذين يؤدون الصلاة الواجبة في الحياة الدنيا.
<div class="verse-tafsir" id="91.ezyZV"