الإسلام > القرآن > سور > سورة 92 الليل > الآية ٢١ من سورة الليل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة الليل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قال الله تعالى : ( ولسوف يرضى ) أي : ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات .
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك .
ولا شك أنه داخل فيها ، وأولى الأمة بعمومها ، فإن لفظها لفظ العموم ، وهو قوله تعالى : ( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة ; فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه ، ونصرة رسول الله ، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم ، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها ، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل ; ولهذا قال له عروة بن مسعود - وهو سيد ثقيف ، يوم صلح الحديبية - : أما والله لولا يد لك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك .
وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة ، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل ، فكيف بمن عداهم ؟
ولهذا قال : ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ) وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة : يا عبد الله ، هذا خير " ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، ما على من يدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد ؟
قال : " نعم ، وأرجو أن تكون منهم " .
آخر تفسير سورة " الليل " ولله الحمد والمنة
وقوله: ( وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) يقول: ولسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق الله عزّ وجلّ، يتزكى بما يثيبه الله في الآخرة عوضًا مما أتى في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربه تبارك وتعالى.
آخر تفسير سورة والليل إذا يغشى
ولسوف يرضى أي سوف يعطيه في الجنة ما يرضي وذلك أنه يعطيه أضعاف ما أنفق .
وروى أبو حيان التيمي عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رحم الله أبا بكر زوجني ابنته ، وحملني إلى دار الهجرة ، وأعتق بلالا من ماله .
ولما اشتراه أبو بكر قال له بلال : هل اشتريتني لعملك أو لعمل الله ؟
قال : بل لعمل [ ص: 80 ] الله قال : فذرني وعمل الله ، فأعتقه .
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا - رضي الله عنه - .
وقال عطاء - وروى عن ابن عباس - : إن السورة نزلت في أبي الدحداح في النخلة التي اشتراها بحائط له ، فيما ذكر الثعلبي عن عطاء .وقال القشيري عن ابن عباس : بأربعين نخلة ولم يسم الرجل .
قال عطاء : كان لرجل من الأنصار نخلة ، يسقط من بلحها في دار جار له ، فيتناوله صبيانه ، فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " تبيعها بنخلة في الجنة " ؟
فأبى فخرج فلقيه أبو الدحداح فقال : هل لك أن تبيعنيها ب ( حسنى ) : حائط له .
فقال : هي لك .
فأتى أبو الدحداح إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا رسول الله ، اشترها مني بنخلة في الجنة .
قال : " نعم ، والذي نفسي بيده " فقال : هي لك يا رسول الله ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - جار الأنصاري ، فقال : " خذها " فنزلت والليل إذا يغشى إلى آخر السورة في بستان أبي الدحداح وصاحب النخلة .
فأما من أعطى واتقى يعني أبا الدحداح .
وصدق بالحسنى أي بالثواب .
فسنيسره لليسرى : يعني الجنة .
وأما من بخل واستغنى يعني الأنصاري .
وكذب بالحسنى أي بالثواب .
فسنيسره للعسرى ، يعني جهنم .
وما يغني عنه ماله إذا تردى أي مات .
إلى قوله : لا يصلاها إلا الأشقى يعني بذلك الخزرجي وكان منافقا ، فمات على نفاقه .وسيجنبها الأتقى يعني أبا الدحداح .
الذي يؤتي ماله يتزكى في ثمن تلك النخلة .
ما لأحد عنده من نعمة تجزى يكافئه عليها يعني أبا الدحداح .
ولسوف يرضى إذا أدخله الله الجنة .
والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر - رضي الله عنه - وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن الزبير وغيرهم .
وقد ذكرنا خبرا آخر لأبي الدحداح في سورة ( البقرة ) ، عند قوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا .
والله تعالى أعلم .
{ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى } هذا الأتقى بما يعطيه الله من أنواع الكرامات والمثوبات، والحمد لله رب العالمين.
"ولسوف يرضى"، بما يعطيه الله عز وجل في الآخرة من الجنة والكرامة جزاء على ما فعل.
«ولسوف يرضى» بما يُعطاه من الثواب في الجنة والآية تشمل من فعل مثل فعله رضي الله تعالى عنه فيبعده عن النار ويثاب.
وسيُزحزَح عنها شديد التقوى، الذي يبذل ماله ابتغاء المزيد من الخير.
وليس إنفاقه ذاك مكافأة لمن أسدى إليه معروفا، لكنه يبتغي بذلك وجه ربه الأعلى ورضاه، ولسوف يعطيه الله في الجنة ما يرضى به.
وقوله - سبحانه - : ( وَلَسَوْفَ يرضى ) المقصود به الوعد الصادق لهذا التقى ، بما يزيد فى سروره ، وفى قرة عينه .أى : ولسوف نعطى هذا التقى الذى أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، من أجل الظفر برضا ربه - تعالى - لا من أجل شئ آخر .
.
لسوف نعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره .هذا ، وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت فى شأن سيدنا أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - .قال الإِمام ابن جرير ما ملخصه : وذكر أن هذه الآيات نزلت فى أبى بكر الصديق .
.
فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن ، ويشترى الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بنى ، أراك تعتق أناسا ضعفاء ، فلو أنك تعتق رجالا جلداء - أى : أشداء - يقومون معك ، ويمنعونك ، ويدفعون عنك .فقال أبو بكر : أى أبت .
.
إنما أريد ما عند الله ، فنزلت هذه الآيات .
.وقال الإِمام ابن كثير : وقد ذكر غير واحد من المفسرين ، أن هذه الآيات قد نزلت فى أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - حتى إن بعضهم حكى الإِجماع من المفسرين على ذلك ، ولا شك أنه داخل فيها ، وأولى الأمة بعمومها ، فإن لفظها لفظ العموم ، وهو قوله : ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى .
الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى .
.
.
) ولكنه مقدم الأمة ، وسابقهم فى جميع هذه الأوصاف ، وسائر الأوصاف الحميدة ، فإنه كان صديقا ، تقيا ، كريما ، جوادا ، بذالا لماله فى طاعة مولاه ، ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم .
.نسأل الله - تعالى - أن يحشرنا جميعا فى زمرة عباده الأتقياء الأنقياء .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
فيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ ﴾ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي ما لأَحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه كقولك ما في الدار أحداً إلا حماراً، وذكر الفراء فيه وجهاً آخر وهو أن يضمر الإنفاق على تقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، كقوله: ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله ﴾ .
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى بين أن هذا: الأَتقى الذي يؤتي ماله يتزكى لا يؤتيه مكافأة على هدية أو نعمة سالفة، لأن ذلك يجري مجرى أداء الدين، فلا يكون له دخل في استحقاق مزيد الثواب بل إنما يستحق الثواب إذا فعله، لأجل أن الله أمره به وحثه عليه.
المسألة الثالثة: المجسمة تمسكوا بلفظة الوجه والملحدة تمسكوا بلفظة ﴿ رَبّهِ الاعلى ﴾ وإن ذلك يقضي وجود رب آخر، وقد تقدم الكلام على كل ذلك.
المسألة الرابعة: ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الإمامة، فقال: الآية الواردة في حق علي عليه السلام: ﴿ ﴾ والآية الواردة في حق أبي بكر: ﴿ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى * وَلَسَوْفَ يرضى ﴾ فدلت الآيتان على أن كل واحد منهما إنما فعل ما فعل لوجه الله إلا أن آية علي تدل على أنه فعل ما فعل لوجه الله، وللخوف من يوم القيامة على ما قال: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ﴾ وأما آية أبي بكر فإنها دلت على أنه فعل ما فعل لمحض وجه الله من غير أن يشوبه طمع فيما يرجع إلى رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب، فكان مقام أبي بكر أعلى وأجل.
المسألة الخامسة: من الناس من قال: ابتغاء الله بمعنى ابتغاء ذاته وهي محال، فلابد وأن يكون المراد ابتغاء ثوابه وكرامته، ومن الناس من قال: لا حاجة إلى هذا الإضمار، وحقيقة هذه المسألة راجعة إلى أنه هل يمكن أن يحب العبد ذات الله، أو المراد من هذه المحبة محبة ثوابه وكرامته، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في تفسير قوله: ﴿ والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ ﴾ .
المسألة السادسة: قرأ يحيى بن وثاب: ﴿ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ ﴾ بالرفع على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حماراً وأنشد في اللغتين، قوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس أما قوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يرضى ﴾ فالمعنى أنه وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه، وهو كقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ وفيه عندي وجه آخر، وهو أن المراد أنه ما أنفق إلا لطلب رضوان الله، ولسوف يرضى الله عنه، وهذا عندي أعظم من الأول لأن رضا الله عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه، وبالجملة فلابد من حصول الأمرين على ما قال: ﴿ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾ والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وقرأ أبو الزبير: ﴿ تتلظى ﴾ فإن قلت: كيف قال: ﴿ لاَ يصلاها إِلاَّ الاشقى......
وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى (17) ﴾ ؟
وقد علم أنّ كل شقيّ يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى (17) ﴾ ؟
فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصاً بالصلي، كأن النار لم تخلق إلاّ له.
وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلاّ له.
وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضي الله عنه ﴿ يتزكى ﴾ من الزكاء.
أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يريد به رياء ولا سمعة.
أو يتفعل من الزكاة.
فإن قلت: ما محل يتزكى؟
قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلاً من ﴿ يُؤْتِى ﴾ فلا محل له؛ لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالاً من الضمير من ﴿ يُؤْتِى ﴾ فمحله النصب ﴿ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِ ﴾ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي: ما لأحد عنده نعمة إلاّ ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلاّ حماراً.
وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه ﴾ بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد ألا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي حازم: أَضْحَتْ خَلاءً قِفَاراً لاَ أَنِيسَ بِهَا ** إلاّ الْجَآذِرُ وَالظّلْمَانُ تَخْتَلِفُ وقول القائل: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ** إلاَّ الْيَعَافِيرُ وَإلاَّ الْعَيسُ ويجوز أن يكون ﴿ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِ ﴾ مفعولاً له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتي ماله إلاّ ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة ﴿ وَلَسَوْفَ يرضى (21) ﴾ موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
وعن رسول صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» .
﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ فَيَقْصِدُ بِإيتائِهِ مُجازاتَها.
﴿ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ عَنْ مَحْذُوفٍ مِثْلَ لا يُؤْتى إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ لا لِمُكافَأةِ نِعْمَةٍ.
﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضى ﴾ وعْدٌ بِالثَّوابِ الَّذِي يُرْضِيهِ.
والآياتُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ اشْتَرى بِلالًا في جَماعَةٍ تَوَلّاهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْتَقَهُمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ واللَّيْلِ أعْطاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَتّى يَرْضى وعافاهُ مِنَ العُسْرِ ويَسَّرَ لَهُ اليُسْرَ».»
{وَلَسَوْفَ يرضى} موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه وهو كقوله تعالى لنبيه عليه السلام ولسوف يعطيك ربك فترضى
سورة الضحى مكية وهى إحدى عشر آية
بسم الله الرحمن الرحيم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَسَوْفَ يَرْضى ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْأتْقى المُحَدَّثِ عَنْهُ وهو وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها؛ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلرَّبِّ تَعالى حَيْثُ قالَ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ الجُمْلَةَ عَلى رُجُوعِهِ لِلْأتْقى وفِيهِ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ ما أنْفَقَ إلّا لِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى ولِسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهَذا عِنْدِي أعْظَمُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ عَبْدِهِ أكْمَلُ لِلْعَبْدِ مِن رِضاهُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِالجُمْلَةِ فَلا بُدَّ مِن حُصُولِ الأمْرَيْنِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ انْتَهى.
والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، وقَدْ قُرِئَ: «ولَسَوْفَ يَرْضى» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإرْضاءِ وما أشارَ إلَيْهِ في مَعْنى ﴿ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ كَما سَمِعْتَ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ كَلامٌ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ثم قال عز وجل: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى يعني: علينا بيان الهدى، ويقال: علينا التوفيق للهدى من كان أهلاً لذلك وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى يعني: الدنيا والآخرة لله تعالى، يعطي منها من يشاء ويقال: معناه إلى الله تعالى ثواب الدنيا والآخرة.
ويقال: وإن لنا للاخرة والاولى، يعني: لله تعالى نفاذ الأمر في الدنيا والآخرة، يعطي في الدنيا المغفرة، والتوفيق للطاعة، وفي الآخرة الحسنة والثواب.
ثم قال: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى يعني: خوفتكم بالقرآن ناراً تلظى، يعني: تثقل على أهلها، وتغيظ على أهلها، وتزفر عليهم.
قوله عز وجل: لاَ يَصْلاها يعني: لا يدخل في النار إِلَّا الْأَشْقَى يعني: الذي ختم له بالشقاوة الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني: كذب بالتوحيد، وتولى عن الإيمان، وعن طاعة الله تعالى، وأخذ في طاعة الشيطان.
ثم قال: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى يعني: يباعد عنها الأتقى، يعني: المتقي الذي يتقي الشرك وهو الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى يعني: يعطي من ماله حق الله تعالى يَتَزَكَّى يعني: يريد به وجه الله تعالى.
ثم قال: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى يعني: لا يفعل ذلك مجازاة لأحد إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ولكن يفعل ذلك وجه ربه الأعلى، يفعل ذلك طلب رضاء الله تعالى الأعلى، يعني: الله العلي الكبير، الرفيع فوق خلقه، بالقهر والغلبة.
وَلَسَوْفَ يَرْضى يعني: سوف يعطي الله من الثواب، حتى يرضى بذلك.
وقال مقاتل: مر أبو بكر على بلال، وسيده أمية بن خلف يعذبه، فاشتراه وأعتقه، فكره أبو قحافة عتقه، فقال لأبي بكر: أما علمت أن مولى القوم من أنفسهم، فإذا أعتقت فأعتق من له منظرة وقوة، فنزل وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى يعني: لا يعقل لطلب المجازاة، ولكن إنما يعطي ما له ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى بثواب الله تعالى، والله أعلم بالصواب.
نصيبك مما تجمع الدهر كله ...
رداءان تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطُ «١»
ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعاً، أي: تعريفَهم بالسُّبل كلِّها، وليستْ هذه الهدايةُ بالإرشَادِ إلى الإيمان، ولو كانَ ذلِك لَمْ يُوجَدْ كافرٌ، قال البخاريُّ: «تَلَظَّى» : تُوَهَّجٌ وقال الثعلبيَّ: تَتَوقَّدُ، وتتوهَّج، انتهى.
لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)
وقوله سبحانه: لاَ يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى المعنى: لا يصْلاَها صَلْيَ خُلُودٍ، ومن هنا ضَلَّتْ المُرْجِئَةُ لأنها أخَذَتْ نَفْيَ الصَّلْيِ مُطْلَقاً، ولم يَخْتَلِفْ أَهلُ التأويلِ أن المرادَ بالأتْقَى إلى آخر السورة/ أبو بكرٍ الصديقِ، ثم هي تَتَنَاولُ كلَّ مَنْ دَخَلَ في هذِه الصفاتِ، وباقي الآيةِ بيِّنٌ، ثم وَعَدَه تعالى بالرِّضَى في الآخرةِ وهذه [عِدَةٌ] لأبي بكرٍ- رضي الله عنه-.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ ﴿ وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى ﴾ أيْ: فَلْيُطْلَبا مِنّا ﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ أيْ: تُوقَدُ وتَتَوَهَّجُ ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ ﴿ الَّذِي كَذَّبَ ﴾ الرَّسُولَ ﴿ وَتَوَلّى ﴾ عَنِ الإيمانِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ الأشْقى ﴾ بِمَعْنى الشَّقِيِّ.
والعَرَبُ تَضَعُ " أفْعَلَ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ " .
قالَ طُرْفَةُ: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها زَعَمَ أهْلُ الإرْجاءِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ [الأمْرُ] كَما ظَنُّوا.
هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ.
فَلَوْ كانَ [كُلُّ] مَن لا يُشْرِكُ لا يُعَذَّبُ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ فائِدَةٌ [وَكانَ " ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ " كَلامًا لا مَعْنى لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيُجَنَّبُها ﴾ أيْ: يُبْعَدُ عَنْها، فَيُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ ﴿ الأتْقى ﴾ يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى ﴾ أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، ولا يَطْلُبُ الرِّياءَ، ولا السُّمْعَةَ ﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا اشْتَرى بِلالًا بَعْدَ أنْ كانَ يُعَذَّبُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ ﴿ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ﴾ أيْ: إلّا طَلَبًا لِثَوابِ رَبِّهِ.
قالَ الفَرّاءُ: و " إلّا " بِمَعْنى " لَكِنْ " ونَصْبُ " ابْتِغاءَ " عَلى إضْمارِ إنْفاقِهِ.
فالمَعْنى: وما يُنْفِقُ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضى ﴾ أيْ: بِما يُعْطى في الجَنَّةِ مِنَ الثَّوابِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ اللَيْلِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وقِيلَ هي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ فِيها مَدَّنِيٌّ وعَدَدُها عِشْرُونَ آيَةً بِإجْماعٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللَيْلِ إذا يَغْشى ﴾ ﴿ والنَهارِ إذا تَجَلّى ﴾ ﴿ وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ ﴿ وَصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ ﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى ﴾ ﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ﴾ ﴿ وَما يُغْنِي عنهُ مالُهُ إذا تَرَدّى ﴾ ﴿ إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ﴾ ﴿ وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى ﴾ ﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى ﴾ ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى ﴾ ﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ ﴿ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ﴾ ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضى ﴾ أقْسَمَ اللهُ بِاللَيْلِ إذا غَشى الأرْضَ وجَمِيعَ ما فِيها، وبِالنَهارِ إذا تَجَلّى أيْ ظَهَرَ وضَوى الآفاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَجَلّى السُرى مِن وجْهِهِ عن صَبِيحَةٍ عَلى السَيْرِ مِشْراقٌ كَرِيمٌ شُجُونُها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" كَما قالَتِ العَرَبُ: "سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ: "سُبْحانَ ما سَبَّحْتَ لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، وهو مَذْهَبُ الزَجّاجِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الصَحابَةِ: "وَما خَلَقَ الذَكَرَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَمِعَها مِنَ النَبِيِّ - وعَلْقَمَةُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "والذَكَرِ والأُنْثى"، وسَقَطَ عِنْدَهم "وَما خَلَقَ"، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَلَفِ مَن قَرَأ "وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى" بِخَفْضِ "الذَكَرِ" عَلى البَدَلِ مِن "ما" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وما خَلَقَ اللهُ وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمَن ذَكَرَ" تَشْهَدُ لِهَذِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ هُنا بِالذَكَرَ والأُنْثى آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو عامٌّ.
و"السَعْيُ": العَمَلُ، فَأخْبَرَ تَعالى مُقْسِمًا أنَّ أعْمالَ العِبادِ شَتّى، أيْ مُفْتَرِقَةً جِدًّا، بَعْضُها في رِضى اللهِ تَعالى وبَعْضُها في سُخْطِهِ.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى الساعِينَ، فَذَكَرَ أنَّ مَن أعْطى -وَظاهِرُ ذَلِكَ إعْطاءُ المالِ، وهي أيْضًا تَتَناوَلُ إعْطاءَ الحَقِّ في كُلِّ شَيْءٍ، قَوْلٍ أو فِعْلٍ، وكَذَلِكَ البُخْلُ المَذْكُورُ بَعْدُ، يَكُونُ بِالإيمانِ وغَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي حَقُّ الشَرِيعَةِ أنْ لا يَبْخَلَ بِها.
ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ ضَعْفَةَ العَبِيدِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، وكانَ يُنْفِقُ في رِضى رَسُولِ اللهِ مالَهُ، وكانَ الكَفّارُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ إنَّ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أوفى: هَذِهِ السُورَةُ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أبِي سُفْيانَ وهو يُعَذِّبُ بِلالًا، فاشْتَراهُ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي الدَحْداحِ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ «أنَّ نَخْلَةً لِبَعْضِ المُنافِقِينَ كانَتْ مُطِلَّةً عَلى دارِ امْرَأةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَها أيْتامٌ، فَكانَ الثَمَرُ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ فَيَأْكُلُونَهُ فَمَنَعَهُمُ المُنافِقُ مِن ذَلِكَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : بِعْنِيها بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: لا أفْعَلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا الدَحْداحِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ واشْتَرى مِنهُ النَخْلَةَ بِحائِطٍ لَهُ، وجاءَ إلى النَبِيِّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أنا أشْتَرِي النَخْلَةَ في الجَنَّةِ بِهَذِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ يَمُرُّ عَلى الحائِطِ الَّذِي أعْطى أبُو الدَحْداحِ، وقَدْ تَعَلَّقَتْ أقْناؤُهُ ويَقُولُ: "وَكَمْ قِنْوٍ تَعَلَّقَ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ،» وفي البُخارِيِّ أنَّ هَذا اللَفْظَ كانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُهُ في الأقْناءِ الَّتِي كانَ أبُو الدَحْداحِ يُعَلِّقُها في المَسْجِدِ صَدَقَةً، وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: بَعْضُ السُورَةِ مَدَنِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الحُسْنى" في هَذِهِ السُورَةِ- فَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ وغَيْرُهُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: هي الخَلَفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ، وذَلِكَ نَصٌّ في حَدِيثِ المَلَكَيْنِ، إذْ يَقُولُ أحَدُهُما: «اللهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.» وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الحُسْنى: الأجْرُ والثَوابُ مُجْمَلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ مَعْناهُ: سَيَظْهَرُ تَيْسِيرُنا بِما يَتَدَرَّجُ فِيهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وخَتْمُ تَيْسِيرِهِ قَدْ كانَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أزَلًا، و"اليُسْرى": الحالُ الحَسَنَةُ المَرْضِيَّةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، و"العُسْرى" الحالُ السَيِّئَةُ في الدُنْيا والآخِرَةِ ولا بُدَّ ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" في المالِ خاصَّةً جَعَلَ "اسْتَغْنى" في المالِ أيْضًا لِتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَن جَعَلَ "بَخِلَ" عامًّا في جَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ نَبْذُلَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ قالَ: "اسْتَغْنى" عَنِ اللهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ بِزَعْمِهِ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ غَناءِ مالِهِ عنهُ وقْتَ تَرَدِّيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإعْطاءَ والبُخْلَ المَذْكُورَيْنِ إنَّما هُما في المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَرَدّى"- فَقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ، أيْ سَقَطَ مِن حافاتِها، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَرَدّى" مَعْناهُ: هَلَكَ مِنَ الرَدى، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِداءِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ: وخُطّا بِأطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعِي ∗∗∗ ورُدّا عَلى عَيْنِي فَضْلُ رِدائِيا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَلَيْهِ هُدى الناسِ جَمِيعًا، أيْ تَعْرِيفُهم بِالسُبُلِ كُلِّها، ومَنحِهِمُ الإدْراكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ﴾ ، ثُمَّ كُلُّ أحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَسَّبُ ما قُدِّرَ لَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهِدايَةُ بِالإرْشادِ إلى الإيمانِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الآخِرَةَ والأُولى أيُّ الدارَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ إمّا مُخاطَبَةً مِنهُ سُبْحانَهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَلَظّى" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وإدْغامِ الراءِ فِيها، وقَرَأها كَذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تَتَلَظّى" بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وطَلْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى ﴾ ، أيْ: لا يَصْلاها صُلِيَّ خُلُودٍ، ومِن هُنا ضَلَّتِ المُرْجِئَةُ لِأنَّها أخَذَتْ نَفْيَ الصُلِيِّ مُطْلَقًا في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ.
و"الأشْقى" هُنا-: الكافِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِي كَذَبَ"، والعَرَبُ تَجْعَلُ "أفْعَلُ" في مَوْضِعِ "فاعِلٍ" مُبالَغَةً، كَما قالَ طَرَفَةُ: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِـ "الأتْقى" إلى آخِرِ السُورَةِ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ في هَذِهِ الصِفاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَتَزَكّى" مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُ ويَتَنَمّى، وظاهِرُ هَذا الإتْيانِ أنَّهُ في المَندُوباتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ ﴾ الآيَةُ...مَعْناهُ: ولَيْسَ إعْطاؤُهُ لِيَجْزِيَ نِعَمًا قَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْهِ، بَلْ هو مُبْتَدِئٌ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ في سَبَبِ هَذا أنَّ قُرَيْشًا قالُوا -لَمّا أعْتَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِلالًا - كانَتْ لِبِلالٍ يَدٌ عِنْدَهُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: ولَيْسَ يُعْطِي لِيُثابَ نِعَمًا يَجْزِي بِها يَوْمًا ويَنْتَظِرُ ثَوابَها، وحَوَّمَ في هَذا المَعْنى وحَلَّقَ بِتَطْوِيلٍ غَيْرِ مُغْنٍ، ويَتَّجِهُ المَعْنى الَّذِي أرادَ بِأيْسَرَ مِن قَوْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ إعْطاءٌ لِيَقَعَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ الأحَدِ جَزاءٌ بَعْدُ، هو لِمُجَرَّدِ ثَوابِ اللهِ تَعالى وجَزائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا ابْتِغاءَ" نُصِبَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والِابْتِغاءُ: الطَلَبُ، ثُمَّ وعَدَهُ تَعالى بِالرِضا في الآخِرَةِ، وهَذِهِ عِدَةٌ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَرَأ "يُرْضى" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشْبِهُ الرِضا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ الآيَة.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [اللَيْلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
يجوز أن تكون الفاء لمجرد التفريع الذِكري إذا كان فعل: «أنذرتكم» مستعملاً في ماضيه حقيقةً وكان المراد الإِنذار الذي اشتمل عليه قوله: ﴿ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ﴾ إلى قوله: ﴿ تردى ﴾ [الليل: 8 11].
وهذه الفاء يشبه معناها معنى فاء الفصيحة لأنها تدلّ على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها وهو تفريع إنذار مفصَّللٍ على إنذارٍ مجمل.
ويجوز أن تكون الفاء للتفريع المعنوي فيكون فعلُ «أنذرتكم» مراداً به الحال وإنما صيغ في صيغة المضي لتقريب زمان الماضي من الحال كما في: قد قَامت الصلاة، وقولهم: عزمت عليك إلاّ ما فعلت كذا، أي أعزم عليك، ومثل ما في صيغ العقود: كبعتُ، وهو تفريع على جملة: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ [الليل: 12] والمعنى: هديكم فأنذرتكم إبلاغاً في الهدى.
وتنكير ﴿ ناراً ﴾ للتهويل، وجملة ﴿ تلظى ﴾ نعت.
وتلظى: تلتهب من شدة الاشتعال.
وهو مشتق من اللّظى مصدر: لَظَيَتْ النار كرَضيتْ إذا التهبت، وأصل ﴿ تلظى ﴾ تتلظى بتاءين حذفت إحداهما للاختصار.
وجملة ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى ﴾ صفة ثانية أو حال من ﴿ ناراً ﴾ بعد أن وصفت.
وهذه نار خاصة أعدت للكافرين فهي التي في قوله: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾ [البقرة: 24] والقرينة على ذلك قوله: ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ الآية.
وذكر القرطبي أن أبا إسحاق الزجاج قال: هذه الآية التي من أجلها قال أهلُ الإِرجاء بالإِرجاء فزعموا: أن لا يدخل النار إلا كافر، وليس الأمر كما ظنوا: هذه نار موصوفة بعينها لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى، ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اه.
والمعنى: لا يصلاها إلا أنتم.
وقد أتبع ﴿ الأشقى ﴾ بصفة ﴿ الذي كذب وتولى ﴾ لزيادة التنصيص على أنهم المقصود بذلك فإنهم يعلمون أنهم كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وتولوا، أي أعرضوا عن القرآن، وقد انحصر ذلك الوصف فيهم يومئذ فقد كان الناس في زمن ظهور الإسلام أحد فريقين: إما كافر وإما مؤمن تقي، ولم يكن الذين أسلموا يغشون الكبائر لأنهم أقبلوا على الإِسلام بشراشرهم، ولذلك عطف ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ الخ تصريحاً بمفهوم القصر وتكميلاً للمقابلة.
و ﴿ الأشقى ﴾ و ﴿ الأتقى ﴾ مراد بهما: الشديد الشقاء والشديد التقوى ومثله كثير في الكلام.
وذكر القرطبي: أن مالكاً قال: صلّى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب فقرأ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ فلما بلغ: ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ وقع عليه البكاء فلم يقدر يتعدّاها من البكاء فتركها وقرأ سورة أخرى».
ووصف ﴿ الأشقى ﴾ بصلة ﴿ الذي كذب وتولى ﴾ ، ووصف ﴿ الأتقى ﴾ بصلة ﴿ الذي يؤتى ماله يتزكى ﴾ للإِيذان بأن للصلة تسبباً في الحكم.
وبين ﴿ الأشقى ﴾ و ﴿ الأتقى ﴾ محسن الجناس المضارع.
وجملة ﴿ يتزكى ﴾ حال في ضمير ﴿ يؤتي ﴾ ، وفائدة الحال التنبيه على أنه يؤتي ماله لقصد النفع والزيادة من الثواب تعريضاً بالمشركين الذي يؤتون المال للفخر والرياء والمفاسد والفجور.
والتزكي: تكلف الزكاء، وهو النماء من الخير.
والمَال: اسم جنس لما يختص به أحد الناس من أشياء ينتفع بذاتها أو بخراجها وغلتها مثل الأنعام والأرضين والآبار الخاصة والأشجار المختص به أربابها.
ويطلق عند بعض العرب مثل أهل يثرب على النخيل.
وليس في إضافة اسم الجنس ما يفيد العموم، فلا تدل الآية على أنه آتى جميع ماله.
وقوله: ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ الآية اتفق أهل التأويل على أن أول مقصود بهذه الصلة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمَّا أعتق بلالاً قال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده.
وهو قول من بهتانهم (يعللون به أنفسهم كراهية لأن يكون أبو بكر فعل ذلك محبة للمسلمين)، فأنزل الله تكذيبهم بقوله: ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ مراداً به بعض من شمله عموم ﴿ الذي يؤتي ماله يتزكى ﴾ ، وهذا شبيه بذكر بعض أفراد العام وهو لا يخصص للعموم ولكن هذه لما كانت حالة غير كثيرة في أسباب إيتاء المال تعين أن المراد بها حالة خاصة معروفة بخلاف نحو قوله: ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى ﴾ [البقرة: 177]، وقوله: ﴿ إنما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ﴾ [الإنسان: 9].
و ﴿ عنده ﴾ ظرف مكان وهو مستعمل هنا مجازاً في تمكن المعنى من المضاف إليه عنه كتمكن الكائن في المكان القريب، قال الحارث بن حِلِّزَة: من لنا عِندَه من الخير آيا *** ت ثلاث في كلهن القضاء و ﴿ من نعمة ﴾ اسم ﴿ ما ﴾ النافية جر ب ﴿ من ﴾ الزائدة التي تزاد في النفي لتأكيد النفي، والاستثناء في ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه ﴾ مُنقطع، أي لكن ابتغاء لوجه الله.
والابتغاء: الطلب بجد لأنه أبلغ من البغي.
والوجه مستعمل مراداً به الذات كقوله تعالى: ﴿ ويبقى وجه ربك ﴾ [الرحمن: 27].
ومعنى ابتغاء الذات ابتغاء رضا الله.
وقوله: ﴿ ولسوف يرضى ﴾ وعد بالثواب الجزيل الذي يرضى صاحبه.
وهذا تتميم لقوله: ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ لأن ذلك ما أفاد إلا أنه ناج من عذاب النار لاقتضاء المقام الاقتصار على ذلك لقصد المقابلة مع قوله: ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى ﴾ فتمم هنا بذكر ما أعد له من الخيرات.
وحرف «سَوف» لتحقيق الوعد في المستقبل كقوله: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ [يوسف: 98] أي يتغلغل رضاه في أزمنة المستقبل المديد.
واللام لام الابتداء لتأكيد الخبر.
وهذه من جوامع الكلم لأنها يندرج تحتها كل ما يرغب فيه الراغبون.
وبهذه السورة انتهت سورة وسط المفصّل.
﴿ إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ نُبَيِّنَ سُبُلَ الهُدى والضَّلالَةِ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلَيْنا ثَوابُ هُداهُ الَّذِي هَدَيْنا.
﴿ وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.
الثّانِي: مَلَكَ الدُّنْيا ومَلَكَ الآخِرَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: اللَّهُ المُجازِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ تَتَغَيَّظُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: تَشْتَعِلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: تَتَوَهَّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأنْشَدَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَأنَّ المِلْحَ خالَطَهُ إذا ما تَلَظّى كالعَقِيقَةِ في الظِّلالِ ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى ﴾ أيِ الشِّقِّيُ.
﴿ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبَ بِكِتابِ اللَّهِ وتَوَلّى عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: كَذَّبَ الرَّسُولَ وتَوَلّى عَنْ طاعَتِهِ.
﴿ وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ﴾ ﴿ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما لِأحَدٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن نِعْمَةٍ يُجازِيهِ بِها إلّا أنْ يَفْعَلَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ فَيَسْتَحِقَّ عَلَيْها الجَزاءَ والثَّوابَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: وما لِبِلالٍ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حِينَ اشْتَراهُ فَأعْتَقَهُ مِنَ الرِّقِّ وخَلَّصَهُ مِنَ العَذابِ نِعْمَةٌ سَلَفَتْ جازاهُ عَلَيْها بِذَلِكَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وعِتْقِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَرْضى بِما أُعْطِيهِ لِسِعَتِهِ.
الثّانِي: يَرْضى بِما أُعْطِيهِ لِقَناعَتِهِ، لِأنَّ مَن قَنَعَ بِغَيْرِ عَطاءٍ كانَ أطْوَعَ لِلَّهِ.
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ب ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ ونحوها.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس: «أن رجلاً كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل من نخلته، فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرج الثمرة من فيه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب ولقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة.
فقال له: أعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة.
فقال له الرجل: لقد أعطيت وإن لي لنخلاً كثيراً وما فيه نخل أعجب إلي ثمرة منها.
ثم ذهب الرجل ولقي رجلاً كان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب النخلة، فأتى رسول الله: فقال أعطني ما أعطيت الرجل إن أنا أخذتها.
قال: نعم، فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة ولكليهما نخل فقال له صاحب النخلة: أشعرت أن محمداً أعطاني بنخلتي المائلة إلى دار فلان نخلة في الجنة، فقلت: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها، فقال له الآخر: أتريد بيعها؟
فقال: لا إلا أن أعطي بها ما أريد، ولا أظن أعطى.
قال: فكم تؤمل فيها؟
قال: أربعين نخلة، فقال له الرجل: لقد جئت بأمر عظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة.
ثم سكت عنه فقال: أنا أعطيك أربعين نخلة فقال له: أشهد إن كنت صادقاً.
فأشهد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة، فمكث ساعة ثم قال: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق.
فقال له الرجل: ولست بأحق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة.
فقال له: أعطيك على أن تعطيني كما أريد تعطينيها على ساق.
فسكت عنه ثم قال: هي لك على ساق.
قال: ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله إن النخلة قد صارت لي فهي لك.
فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدار فقال: النخلة لك ولعيالك.
فأنزل الله: ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ » إلى آخر السورة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إني لأقول هذه السورة نزلت في السماحة والبخل ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال: إذا أظلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال: إذا أقبل فغطى كل شيء.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة أنه قدم الشام فجلس إلى أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء ممن أنت؟
قال: من أهل الكوفة.
قال: كيف سمعت عبد الله يقرأ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال: علقمة: ﴿ والذكر والأنثى ﴾ فقال أبو الدرداء: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا.
وهؤلاء يريدوني على أني أقرؤها: ﴿ خلق الذكر والأنثى ﴾ والله لا أتابعهم.
وأخرج البخاري في تاريخ بغداد من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت إلا ثمانية عشر حرفاً أخذها من قراءة عبد الله بن مسعود وقال ابن عباس ما يسرني أني تركت هذه الحروف ولو ملئت لي الدنيا ذهبة حمراء منها حرف في البقرة: ﴿ من بقلها وقثائها وثومها ﴾ .
بالثاء وفي الأعراف: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم قبلك من رسلنا ولنسألن المرسلين ﴾ وفي براءة ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ .
وفي إبراهيم: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وفي الأنبياء: ﴿ وكنا لحكمهم شاهدين ﴾ ، وفيها: ﴿ وهم من كل جدث ينسلون ﴾ وفي الحج ﴿ يأتون من كل فج سحيق ﴾ وفي الشعراء: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الجاهلين ﴾ ، وفي النمل: ﴿ اعبد رب هذه البلدة التي حرمها ﴾ وفي الصافات: ﴿ فلما سلما وتله للجبين ﴾ وفي الفتح: ﴿ وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ﴾ بالتاء وفي النجم: ﴿ ولقد جاء من ربكم الهدى ﴾ وفيها: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ وفي الحديد: ﴿ لكي يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء ﴾ وفي ن: ﴿ لولا أن تداركته نعمة من ربه ﴾ على التأنيث وفي إذا الشمس كوّرت: ﴿ وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت ﴾ وفيها: ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ وفي الليل: ﴿ والذكر والأنثى ﴾ قال: هو قسم فلا تقطعوه.
وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق قال؛ في قراءة عبد الله: ﴿ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرؤها ﴿ وما خلق الذكر والأنثى ﴾ يقول: والذي خلق الذكر والأنثى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ إن سعيكم ﴾ قال: السعي العمل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: وقع القسم هاهنا ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ يقول: مختلف.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود أن أبا بكر الصديق اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله، فأنزل الله: ﴿ والليل إذا يغشى إن سعيكم لشتى ﴾ سعي أبي بكر وأمية وأبي إلى قوله: ﴿ وكذب بالحسنى ﴾ قال: لا إله إلا الله إلى قوله: ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ قال: النار.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأما من أعطى ﴾ من الفضل ﴿ واتقى ﴾ قال: اتقى ربه ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: صدق بالخلف من الله ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ قال: الخير من الله ﴿ وأما من بخل واستغنى ﴾ قال: بخل بماله واستغنى عن ربه ﴿ وكذب بالحسنى ﴾ قال: بالخلف من الله ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ قال: للشر من الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأما من أعطى ﴾ قال: أعطى حق الله عليه ﴿ واتقى ﴾ محارم الله ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: بموعود الله على نفسه ﴿ وأما من بخل ﴾ قال: بحق الله عليه ﴿ واستغنى ﴾ في نفسه عن ربه ﴿ وكذب بالحسنى ﴾ قال: بموعود الله الذي وعد.
وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: أيقن بالخلف.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ يقول صدق بلا إله ألا الله ﴿ وأما من بخل واستغنى ﴾ يقول: من أغناه الله فبخل بالزكاة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: بلا إله إلا الله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ قال: بالجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ قال: الجنة.
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإِسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك.
قال: أي أبت إنما أريد ما عند الله.
قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر في طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ﴾ قال: أبو بكر الصديق ﴿ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا، يا رسول الله أفلا نتكل؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ إلى قوله: ﴿ للعسرى ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ [ القمر: 49] قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر نيسره لليسرى ونيسره للعسرى» .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إذا تردّى ﴾ قال: إذا تردى ودخل في النار نزلت في أبي جهل.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول عدي بن زيد: خطفته منية فتردى ** وهو في الملك يأمل التعميرا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ إذا تردى ﴾ قال: في النار.
وأخرج ابن أبي شيبة ﴿ وما يغني عنه ماله إذا تردى ﴾ قال: في النار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا تردى ﴾ قال: إذا مات وفي قوله: ﴿ ناراً تلظى ﴾ قال: توهج.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ يقول: على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.
وأخرج سعيد بن منصور والفراء والبيهقي في سننه بسند صحيح عن عبيد بن عمير أنه قرأ: ﴿ فأنذرتكم ناراً تتلظى ﴾ بالتاءين.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: لتدخلن الجنة إلا من يأبى.
قالوا ومن يأبى أن يدخل الجنة؟
فقرأ ﴿ الذي كذب وتولى ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول: ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ﴾ يقول: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتولى عنه.
وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شرد البعير على أهله» .
وأخرج أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى.
قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟
قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إلا شقيّ.
قيل: ومن الشقي؟
قال: الذي لا يعمل لله بطاعة ولا يترك لله معصية» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها وزنيرة وأم عيسى وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج أحمد ومسلم وابن حبان والطبراني وابن مردويه عن جابر بن عبد الله: «أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله أفي أي شيء نعمل؟
أفي شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلام أم في شيء نستقبل فيه العمل؟
قال: بل في شيء ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام.
قال سراقة: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ إلى قوله: ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ » .
وأخرج ابن قانع وابن شاهين وعبدان كلهم في الصحابة عن بشير بن كعب الأسلمي «أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم العمل قال: فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، فاعملوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ﴾ » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك، فقال: يا أبت إنما أريد وجه الله، فنزلت هذه الآية فيه: ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ إلى قوله: ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ﴾ .
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن عديّ وابن مردويه وابن عساكر من وجه آخر عن عامر بن الزبير عن أبيه قال: نزلت هذه الآية ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ﴾ في أبي بكر الصديق.
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال: نزلت ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ في أبي بكر أعتق ناساً لم يلتمس منهم جزاء ولا شكوراً ستة أو سبعة منهم بلال وعامر بن فهيرة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ قال: هو أبو بكر الصديق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ يقول: ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم إنما عطيته لله.
﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ﴾ (أي إلا طلب ثواب الله) (١) قال أبو عبيدة: "إلا ابتغاء" (٢) (٣) قال الفراء: وهذا على اختلاف ما قبل "إلا" ومَا بعدها، والعرب تقول: مَا في الدار أحد إلا أكلبًا وأحمرةً، وهذا كقوله: ﴿ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ كقول (٤) ..
..
وما بالرَّبعِ من أحدِ إلا الأواريَّ (٥) وهي لغة أهل الحجاز (٦) وذكر الفراء وجهًا آخر، وهو: أن يضمر الإنفاق على تقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، وهذا كقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ (٧) ومعنى ﴿ الْأَعْلَى ﴾ : الأجل بصفاته التي لا يوارى فيها، فهو الأقدر، الأغلب الأظهر بالحجة والقوة (٨) ثم وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: قوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ قال ابن عباس: يعطيه الله في الجنة حتى يرضى (٩) (١٠) ﴿ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ (١١) (١) ما بين القوسين من قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337.
(٢) في (أ): (ابتغاء)، وغير واضحة في (ع)، وأئبت ما غلب على ظني صحته.
والله أعلم.
(٣) "مجاز القرآن" 2/ 30 بنحوه.
(٤) في (ع): (وكقول).
(٥) لم يذكر الفراء قول النابعة بل استشهد بقول عامر بن ثابت جران العود: وبلدة ليس بها أنيس ...
إلا اليعافير وإلا العيس واستشهد ببيت النابغة عند تفسيره الآية 14 من سورة النساء، وآية 98 من سورة يونس: "معاني القرآن" 1/ 288، 480 من مطلع قصيدة يقول فيها: يا دارَ مَيَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ ...
أقوتْ وطالَ عليها سَالفُ الأبَدِ ثم يقول: وَقَفْتُ فيها أصَيْلانا أسائِلها ...
عَيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْع من أحَدِ إلا الأوَارِيّ لأيا ما أبينها ...
والنُؤىُ كالحْوضِ بالمظلُومَة الجَلدِ "ديوانه" ص 30، المؤسسة العربية.
كما ورد في "الأصول في النحو" للسراج 1/ 292.
موضع الشاهد "الأواري" استثناه من "الناس" على البدل، وأصله من الاستثناء المنقطع، فأوجب نصبه على لغة الحجاز، وقد جمع فيها ثلاثة أحرف للنفي: إن، ولا، وما، ومعنى البيت: وصف أنه مَرَّ بالدار عشيًا قصيرًا، فوقف فيها وسألها عن أهلها، وأصيلان: تصغير أصيل، وهو بالعشي، وعيت جوابًا: أعيت بالجواب، فلم تجبني، والربع: منزل القوم، والأواري: محابس الخيل، والنؤْيُ: حاجز من تراب يوضع فوق الخباء لئلا يدخل السيل، والمظلومة: الأرض التي لم تمطر فجاءها السيل فملأها، والجَلَدٌ: الأرض الصلبة، واللأى البطء.
"شرح أبيات معاني القرآن" ص 117 ش 245 - 246.
(٦) "معاني القرآن" 3/ 273 بتصرف.
(٧) "معاني القرآن" 3/ 273 بتصرف.
(٨) هذا قصر من الواحدي للآية على بعض معانيها، وما ذكره حق، ولكنه أغفل بناء على مذهبه الأشعري ما دلت عليه الآية من إثبات العلو لله تعالى؛ أي علو الذات، كما دلت النصوص المتواترة على ذلك، فهو تعالى فوق خلقه على العرش استوى.
والذي ينبغي عليه في الإيمان بأسماء الله وصفاته لتسلم عقيدته يلزمه أمران: أحدهما: إثبات تلك الصفات؛ لأنها وردت في الكتاب والسنة، فقد صار مصدرهما الوحي، لأن هذا الإثبات لها هو لازم الإيمان.
والثاني: هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى ليس له شبيه ولا مثيل فيما يتصف به من تلك الصفات، وهذا أيضًا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، وأن الانطلاق من هاتين القاعدتين في باب الأسماء والصفات، هو المسلك الصحيح، والمنهج السليم، وبه يتحقق الاتباع الكامل، والانقياد الحق، والاستجابة الواعية لما قاله الله تعالى، أو نطق به النبي - - وإن أي مساس بهاتين القاعدين يوصل إلى انحراف خطير في فهم أخطر قضية من قضايا الاعتقاد في باب أسماء الله وصفاته.
نقلًا عن: علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين د.
رضا نعسان ص 11.
وعليه فتفسير الأعلى من هذه السورة على ضوء الكتاب والسنة على هذا النحو الآتي: قال تعالى: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ ، وقوله: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ ، وذلك دال على أن جميع معاني العلو ثابتة لله من كل وجه، فله علو الذات، فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى، أي علا وارتفع، وله علو القدر، وهو علو صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق؛ بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ، وبذلك يعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته، وله علو القهر فإنه الواحد القهار الذي قهر بعزته وعلوه الخلق كلهم، وذلك لكمال اقتداره ونفوذ مشيئه، وشدة افتقار المخلوقات كلها له من كل وجه.
== "شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة" ص 78 - 80.
وانظر: "الحق الواضح" ص 26، و"شرح القصيدة النونية" للهراس 2/ 68.
مما سبق شرحه، وبالمقابلة مع قول الإمام الواحدي يدل على أن الواحدي أثبت علو القدر فقط، والذي ينبغي عليه إثبات العلو بأنواعه الثلاثة.
والله أعلم.
(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.
وقد ورد بمثله من غير عزو في: "معالم التنزيل " 4/ 497، و"لباب التأويل" 4/ 385.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يتزكى ﴾ من أداء الزكاة أو من الزكاة، أي يصير زكياً عند الله، أو يتطهر من ذنوبة، وهذا الفعل بدل من يؤتى ماله أو حال من الضمير ﴿ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى ﴾ أي لا يفعل الخير جزاء على نعمة أنعم بها عليه أحد فيما تقدم، بل يفعله ابتداء خالصاً لوجه الله، وقيل: المعنى لا يقصد جزاء من أحد في المستقبل على ما يفعل، والأول أظهر ويؤيده ما روي أن سبب الآية أن أبا بكر الصديق لما أعتق بلالاً قالت قريش: كان لبلال عنده يد متقدمة فنفى الله قولهم.
﴿ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ ﴾ استثناء منقطع ﴿ وَلَسَوْفَ يرضى ﴾ وعد بأن يرضيه في الآخرة.
القراءات: ﴿ ناراً تلظى ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.
الوقوف: ﴿ يغشى ﴾ ه لا ﴿ تجلى ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه لا ﴿ لشتى ﴾ ه ط ﴿ واتقى ﴾ ه لا ﴿ بالحسنى ﴾ ه لا ﴿ لليسرى ﴾ ه ط ﴿ واستغنى ﴾ ه لا ﴿ بالحسنى ﴾ ه لا ﴿ للعسرى ﴾ ط ﴿ تردّى ﴾ ه ط ﴿ للهدى ﴾ ه ز للعطف مع رعاية جانب " أنّ " والوصل أجوز لإتمام الكلام ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ تلظى ﴾ ه ج لأن ما بعده صفة أو استئناف ﴿ الأشقى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ط ﴿ الأتقى ﴾ ه لا ﴿ يتزكى ﴾ ه ج لأن ما بعده استئناف أو حال ﴿ تجزى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ يرضى ﴾ ه.
التفسير: هذه السورة نزلت باتفاق كثير من المفسرين في أبي بكر وفي أبي سفيان ابن حرب أو أمية بن خلف، إلا أن المعنى على العموم لقوله ﴿ إن سعيكم لشتى فأنذرتكم ﴾ ومفعول ﴿ يغشى ﴾ محذوف وهو إما الشمس كقوله ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ أو النهار أ كل شيء يمكن تواريه بالظلام.
أقسم بالليل والنهار اللذين بتعاقبهما يتم أمر المعاش والراحة مع أنهما آيتان في أنفسهما.
ومعنى ﴿ تجلى ﴾ ظهر بزوال ظلمة الليل وتبين بطلوع الشمس ثم بذاته الذي خلق كل شيء ذي روح لأن الروح إما ذكر أو أنثى، والخنثى المشكل معين في علم الله وإن كان مبهماً في علمنا ولهذا قال الفقهاء: لو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكراً ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلاً حنث.
وقيل: هما آدم وحواء ﴿ شتى ﴾ جمع شتيت وهو المتفرق المختلف.
ثم بين اختلاف الأعمال في ذاتها وفيما يرجع إليها في العاقبة من الثواب والعقاب أو التوفيق والخذلان.
"عن علي رضي الله عنه أنه قال: خرجنا مع رسول الله في جنازة فقعد رسول الله وقعدنا حوله فقال ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار.
فقلنا: يا رسول الله أفلا نتكل؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ ﴿ فأمّا من أعطى ﴾ " يعني حقوق ما له ﴿ واتقى ﴾ المحارم ﴿ وصدّق ﴾ بالخصلة الحسنى وهي الإيمان أو كلمة الشهادة أو بالملة الحسنى أوبالمثوبة ﴿ فسنيسره ﴾ فسنهيئه للطريق اليسرى.
يقال يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها.
ومعنى استغنى أنه رغب عما عند الله كأنه مستغن، أو استغنى باللذات العاجلة عن الآجلة.
والتحقيق فيه أن الأعمال الفاضلة إذا واظب المكلف عليها حصلت في نفسه ملكة نورانية تسهل عليه سلوك سبيل الخيرات حتى يصير التكليف طبعاً.
والتعب راحة والتكليف عادة، ولأن هذه الملكة تحصل بالتدريج فلا جرم أدخل الفاء في ﴿ فسنيسره ﴾ ومن فسر اليسرى بالجنة فمعنى الاستقبال عنده واضح.
والرذائل بالضد حتى تصير النفس من الكسل بحيث لا تواتي صاحبها إلا في مواجب الكسل وجذب الراحات العاجلة كقوله ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ ويقرب مما ذكرنا قول القفال: كل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة فإن ذلك من اليسرى وذلك وصف كل الطاعات، وكل ما أدّت عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى وذلك وصف كل المعاصي، ومن جملة اليسرى الجنة ومن جملة العسرى النار.
استدل بعض الأشاعرة بقوله ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ على أنه قد يخلق القبائح في المكلف ويقوي دواعيه على فعلها.
والمعتزلة عبروا عن هذا التيسير بالخذلان وعن الأول بمنح الألطاف والتوفيق.
ثم وبخ هذا الكافر بقوله ﴿ وما يغني عنه ماله ﴾ وهو استفهام في معنى النفي أي لا ينفعه ماله الذي بخل به ﴿ إذا تردّى ﴾ أي مات من الردى وهو الهلاك.
ويجوز أن يكون من قولهم " تردّى من الجبل" أي تردّى من الحفرة في القبر أو في قعر جهنم.
استدل المعتزلة بقوله ﴿ إن علينا للهدى ﴾ على أنه أزاح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في سعته وطاقته، وعلى أنه يجب على الله الهداية، وعلى أن العبد لو لم يكن مستقلاً بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة.
وأجوبة أهل السنة عن المسائل الثلاث معلومة.
ونقل الواحدي عن الفراء وجهاً آخر وهو أن المراد إن علينا للهدى والإضلال فاقتصر كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وأكدوا ذلك بما روي عن ابن عباس في رواية عطاء أن معنى الآية أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي.
ثم بين بقوله ﴿ وإن لنا للآخرة والأولى ﴾ أن لله كل ما في الدنيا والآخرة فلا يضره عصيان العاصين ولا ينفعه طاعة المطيعين، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم.
ويمكن أن يراد أن سعادة الدارين تتعلق بمشيئته وإرادته فيعطي الهداية من يشاء ويمنعها من يشاء.
والأول أوفق للمعتزلة والثاني للأشاعرة.
ثم ذكر نتيجة المواعظ المذكورة قائلاً ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ يعني إذا عرفتم هذه البيانات الوافية والتقريرات الشافية فقد صح إني أنذرتكم، ويجوز أن يراد بالمضيّ تحقق الوقوع.
والمعنى على الاستقبال أي إذا تقررت مراتب النفوس الإنسانية وعرفتم درجاتها ودركاتها فإني أنذرتكم ناراً تلظى تتلهب وتتوقد وأصله تتلظى حذف إحدى التاءين.
ثم إن كان المراد بالأشقى هو أبو سفيان أو أمية وبالأتقى هو أبو بكر فلا إشكال وتتناول الآية غيرهما من الأشقياء والأتقياء بالتبعية إذ لا عبرة بخصوص السبب، وإن كان المراد أعم فإن أريد بهم الشقي والتقي فلا إشكال أيضاً، وإن أريد حقيقة أفعل التفضيل فإما أن يراد نار مخصوصة بدلالة التنكير، وإما أن يراد بالأشقى الكافر على الإطلاق لأنه أشقى من الفاسق.
وأما الكلام في الأتقى فنقول: إنه لا يلزم من تخصيصه بالذكر نفي ما عداه.
قال جار الله: هذا الكلام وارد على سبيل المبالغة فجعل الأشقى مختصاً بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له، وجعل الأتقى مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له.
وقوله ﴿ يتزكى ﴾ أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً، أو هو من الزكاة لا محل له لأنه بدل من ﴿ يؤتى ﴾ والصلة لا محل لها لأنها كبعض الكلمة، أو هو منصوب المحل على الحال.
قال بعض المفسرين: إن بلالاً كان يعذب في الله وهو يقول أحد أحد، فسمع بذلك أبو بكر فحمل رطلاً من ذهب فابتاعه به فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده فنزل ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء ﴾ قال أكثر النحويين: هذا الاستثناء منقطع لأن الابتغاء ليس من جنس النعمة.
وقال الفراء: وهو مفعول له من ﴿ يؤتى ﴾ على المعنى أي لا ينفق ماله إلا ابتغاء رضوان الله لا لمكافأة نعمة ﴿ ولسوف يرضى ﴾ عن الله أو يرضى الله عنه فيكون راضياً مرضياً.
واعلم أن بعض الشيعة زعموا أن السورة نزلت في عليّ لقوله ﴿ يتزكى ﴾ لأنه قال في موضع آخر ﴿ ويؤتون الزكاة وهم راكعون ﴾ وقال بعض أهل السنة: إنها تدل على أفضلية أبي بكر لأنه قال في وصف عليّ وسائر أهل البيت م ﴿ ويطعمون الطعام ﴾ إلى قوله ﴿ إنا نخاف ﴾ وذكر في صفة أبي بكر أنه لا ينفق إلا لوجه الله من غير شائبة رغبة أو رهبة، وهذا المقام أعلى وأجل.
وعندي أن أمثال هذه الدلائل لا تصلح لترجيح أكابر الصحابة بعضهم على بعض، وأن نزول هذه السورة في الشخص الفلاني مبني على الرواية فلا سبيل للاستدلال إليه، وإليه المرجع والمآب والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ ﴾ : هذا يخرج على وجوه: أحدهما: جائز أن يكون قوله: ﴿ عَلَيْنَا ﴾ ، أي: لنا، وذلك جائز في اللغة جار؛ كقوله - -: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ ، أي: للنصب، وكقوله - -: ﴿ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ ، و ﴿ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ ، أي: لنا محاسبتهم، وقوله - -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، أي: لله قصد السبيل، وكقوله - -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ ، أي: لربهم، كما قال: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ونحو ذلك كثير أن يكون "علينا" بمعنى "لنا"؛ فيصير كأنه قال: إن لنا للهدى؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ ، ويكون فيه إخبار أن الهدى له والدين الخالص له، وأما سائر الأديان - فلما هي سبل الشيطان - ليست لله .
على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والوجهان الآخران يخرجان على حقيقة "على"، لكن أحدهما يخرج ذكر الهدى على إرادة البيان وتبيين الطريق، والآخر على إرادة حقيقة الهدى، الذي هو ضد الكفر ومقابله.
فأما على إرادة البيان؛ فكأنه قال: إن علينا غاية البيان في حق الحكمة والعدل فيما يمتحنن، حتى إن كان التقصير والتفريط فإنما يكون من قبل أنفسهم، لا من قبل الله ، أي: يبين لهم كل شيء غاية البيان ونهايته؛ لتزول الشبهة عنهم، والله أعلم.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يقول: إن علينا هداية من استهدانا واجتهد ي طلبها؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ .
ووجه آخر: إن علينا إنجاز ما وعدنا على الهدى لمن اهتدى واختاره يخرج تأويل الآية على إرادة البيان من الوجوه التي ذكرنا.
وأما على إرادة حقيقة الهدى الذي هو مقابل الكفر؛ فكأنه قال: إن علينا التوفيق والمعونة والعصمة في حق الإحسان والإفضال، لا على أن ذلك عليه لهم.
وفي حرف ابن مسعود - -: "إن علينا بيان ما للآخرة والأولى؛ كى لا يزول عن قصد الطريق؛ فيهلك نفسه في كل مضيق".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ ﴾ : فهو يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم: إنكم تعلمون أن لنا الآخرة والأولى، وليس لما تعبدون من الأصنام والأوثان [لا آخرة ولا أولى]، فكيف صرفتم عبادتكم عمن له الآخرة والأولى إلى من ليس له [الآخرة والأولى]، على علم منكم بذلك؟
يسفههم في اختيارهم عبادة الأصنام على عبادة الله .
والثاني: يقول - والله أعلم -: إن لنا الآخرة والأولى؛ فما بالكم تبخلون بالإنفاق على أنفسكم، وما يرجع منفعته إليكم، بما ليس لكم في الحقيقة، وإنما هو الله ؟!
وهذا التأويل صلة قوله - -: ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ...
﴾ الاية [الليل: 8]، والأول يكون صلة قوله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ ﴾ ؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ ﴾ ، أي: نارا تتوقد، وتتلهب، أو تتشعب، وعلى ما ذكر من صفتها.
ثم ذلك الإنذار يكون للفريقين: لأهل التوحيد، ولأهل الشرك جميعا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَصْلَٰهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ .
قالت المعتزلة: هذا ليس على حقيقة التكذيب؛ ولكن على التقصير والتفريط في أمر الله ، والوقوع في مناهيه،؛ فيصرفون الآية إلى أصحاب الكبائر بارتكابهم الكبيرة يصيرون مكذبين ومتولين؛ لأنهم في ابتداء اعتقادهم التوحيد والإيمان اعتقدوا وفاء كل ما وقع به الأمر، ووفاء كل ما يليق به، والاتهاء عن جميع ما لا يليق به، فإذا ترك ذلك صار مكذبا لما اعتقد في الأصل وفاء ذلك.
لكن عندنا لا يصير بترك الوفاء مكذبا؛ لكن يصير مخالفا لما وعد واعتقد.
واستدلت المرجئة الذين لا يرون العذاب إلا أهل الشرك والكفر بهذه الآية يقولون: إنه لا يصلاها إلا الذي كذب وتولى، والمسلم وإن ارتكب الكبيرة أو الصغيرة فهو ليس بمكذب ولا متولٍّ.
ولكن تأويل الآية عندنا في الكفرة، ليست في أهل التوحيد والإيمان.
ثم يحتمل قوله: ﴿ لاَ يَصْلَٰهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ في باب ودرك دون درك وباب، فإن لكل فريق دركا، قال الله - -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ ، وهذا كما قال: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ؛ فيكون الضريع الذي ذكر في باب ودرك منها، والغسلين في باب آخر، فجائز على هذا ألا يصلى ذلك الدرك إلا الأشقى، فأما يجوز أن يكون لصاحب الكبيرة درك خاص.
وأما ما ذكروا أن أصحاب الكبائر قد أوعدوا وخوفوا بمواعيد شديدة، فلسنا ننكر المواعيد لهم، وأنهم يعذبون، ولكن نقول: لا يكونون في الدركات التي فيها الكفار إن أدخلوا في النار.
وجائز - أيضا - أن يعذبوا بعذاب سوى العذاب الذي ذكر بالنار والتظلي.
وعندنا: هم في مشيئة الله - - إن شاء عذبهم وإن شاء تجاوز عنهم، وخلى عنهم سبيلهم، وأما النار التي ذكر بصفة التلظي فهي للكفار، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴾ : أخبر أنه يجنب النار عن الأتقى ويقيه عنها.
ثم فيه دلالة أنه إنما يجنبها ويقيها بالأعمال التي يعملها؛ فدل أن لله - - في أفعالهم صنعا، حيث أضاف الوقاية إليه والتجنب عنها، وهوة كقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
أي: ما لأحد عند الله من نعمة يجزى بها ولا بد [أن] يستحق الثواب بها، لكن إذا أدى نعمة من نعم الله - - التي أعطاها إياه لغيره؛ ابتغاء وجهه، وطلب رضاه - يجزيه بفضله؛ كأنه كانت له عنده نعمة يجزى بها.
والثاني: يحتمل أن هذا صلة قوله: ﴿ يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴾ ، أي: يتصدق ويتزكى؛ لابتغاء وجه الله - - على من ليس عنده نعمة ويد يجازيه بها وينفق عليه جزاء لصنيع قد سبق منه في حقه؛ كأنه يقول: لا يعطي الزكاة أحداً عن مجازاة [لما] سبق منه إليه من نعمة؛ إنما أعطاها له لا مجازاة، ولكن لله خالصا.
وفيه دليل ألا يعطي الرجل زكاة ماله من عنده له نعمة أو منة؛ لأنه يخرج ذلك مخرج الإعطاء ببدل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ﴾ ، أي: يرضى بالذي يجزى به، ويساق إليه من الثواب.
وحرف الـ"سوف" والـ "عسى" من الله واجب؛ كأنه يقول: يعطيه حتى يرضى.
وقال بعضهم: نزلت هذه الآية - وهي قوله عز وجل: ﴿ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ ﴾ - في أبي بكر الصديق، .
وقال بعضهم: هذه الآية نزلت في أبي الدحداح - - طلب النبي منه نخلة - إلى آخر القصة.
وقال بعض أهل الأدب: تردى في النار، أي: سقط، ويقال: تردى: تفعل، من الردى، وهو الهلاك، [و] ﴿ إِذَا تَجَلَّىٰ ﴾ : إذا بدا، واليسرى من التيسير، والعسرى من التعسير، والله أعلم.
ولسوف يرضى بما يعطيه الله من الجزاء الكريم.
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ يبتدئ في هذه السورة بأن يقسم بالليل، وهو الظلمة، لأنها الأنسب بما ختمت به السورة السابقة من الدمدمة وإطباق العذاب، ولأنها أليق بما عليه سعي أغلب الناس الذي سيذكر في قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ والتعبير في الغشيان بالمضارع لما سبق من عروض الظلمة لأصل النور الذي هو أكمل مظاهر الوجود، حتى عبر به عن الوجود نفسه، أما (تجلي النهار) فهو لازم له، لهذا عبر عنه بالماضي، كما سبق بيانه.
﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ الذي خلف الذكر والأنثى هو الله سبحانه، وعبر عنه بما إلفاتًا لنظر المخاطبين إليه من حيث هو سبب موجود فقط، حتى لا يبادر منكر الألوهية إلى الانصراف عن الخطاب بمجرد الشعور بأن المتكلم يذكر له من صفات الله العلية ما لا يعتقده -كما أشرنا إليه في تفسير السورة السابقة- وإنما أقسم بذاته بهذا العنوان لما فيه من الأشعار بصفة العلم المحيط بدقائق المادة وما فيها، والإشارة إلى الإبداع في الصنع، إذ لا يعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى في الحيوان يحصل بمحض الاتفاق من طبيعة لا شعور لها بما تفعل كما يزعم بعض الجاحدين، فإن الأجزاء الأصلية في المادة متساوية النسب إلى كون الذكر أو كون الأنثى.
فتكوين الولد من عناصر واحدة -تارة ذكرًا وتارة أنثى- دليل على أن واضع هذا النظام عالم بما يفعل محكم فيما يضع ويصنع!
﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ : هذا هو جواب القسم.
يؤكد بالقسم السابق ما تضمنه هذا الخبر من أن سعي الناس مختلف مفترق في صفته ونوعه، فمنه الحسن، ومنه القبيح، ومنه المفيد، ومنه الضار، ومنه ما ينقيه الإخلاص، ومنه ما يعكره الرياء وطلب المكافأة عليه من الناس ولو بحسن الثناء على فاعله، ومنه الإعطاء، ومنه المنع، ومنه التكذيب بالحسنى، ومنه التصديق بها، ومنه التقوى ومن الفجور، ومفترق في عاقبته، فمنه ما يشقى به الساعي، ومنه ما يسعد به، ثم فصل ذلك التفرق في النوع والعاقبة بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾ إلخ.
فإن خطر لك سؤال: كيف يقسم سبحانه على أن سعي الناس شيء مختلف، مع أن هذه القضية بديهية، لأن جميع من يفهم الخطاب يعلم أن مساعي الناس وأعمالهم مختلفة متنوعة إلى هذه الأنواع التي ذكرت، ومثل هذا الخبر البديهي لا يحتاج إلى تأكيد، بل الإخبار به غير مفيد، فإني أجيبك أولًا بأن المقسم عليه هو الإجمال والتفصيل معًا.
ولا شك في إن الوعد على الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى بالتيسير لليسرى، والوعيد على البخل والاستغناء والتكذيب بالحسنى بالتيسير للعسرى، يحتاج إلى تأكيد، فيكون التأكيد لمجموع الأخبار لا للأول منها فقط، وثانيًا بما أشرنا إليه في بيان معنى (شتى) من أن الافتراق واقع في أنواع الأفعال وصفاتها، وواقع في عاقبتها وما يعود منها على فاعلها.
ولما كان فعلة الشر إنما اختاروا طريقه لاعتقادهم أن إتيانه أفضل عائدة عليهم من تجنبه، وأنه لا يفضي بهم إلى ما يكرهون، كانوا كأنهم اعتقدوا بوحدة العاقبة في سعيهم وسعي مخالفيهم من أهل الخير، فاحتاج الأمر إلى أن يؤكد لهم الخبر بأن السعي مختلف في الغاية والعاقبة، كما هو مختلف في الصفة والنوع، وهذا هو الذي يشعر به وصل التفصيل بالفاء، فإن التفصيل سيق لبيان عاقبة كل قبيل من السعي، فوصله بالفاء يفيد أنه كان شيئًا داخلًا فيما سبقه.
ثم كيف تزعم بداهة الخبر باختلاف الأعمال في الصفة، مع أن البخيل مثلًا إنما يمسك الفضل من ماله ولا ينفقه في أعمال البر، وهو يعتقد أنه لم يمنع حقًا، وأنه وَفَّي حق الحق، لأن في توفير المال صون النفس عن الحاجة وتمتيعها بالكرامة وعلو المنزلة، وهو أمر مطلوب لأهل العقل، فهو -باعتقاده هذا- قد أدخل عمله في جنس أعمال المقتصدين وأهل الوقار والكرامة، وكذلك الحاسد مثلًا يرى ما يصنعه في طلب الوسائل لإزالة نعمة محسودة من باب السعي في إزالة المنكر والدفاع عن حق للنفس أو للعامة، وهو بهذه العقيدة يدرج عمله في أعمال المجاهدين في إنكار المنكر وحمل الناس على المعروف.
وهكذا يمكنك أن تخلص بنظرك في باطن كل مقترف لرذيلة فنجده يمثلها بمثال الفضيلة، فقد اختلط عليه وصف مساعيه بوصف مساعي غيره.
وأنت ترى اغلب الناس على هذه الحال، فكانوا في أشد الحاجة إلى تأكيد الخبر بان الأعمال والمساعي شتى مختلفة كل الاختلاف، أو منزلين منزلة من يحتاج إلى ذلك لتلبيسهم على أنفسهم.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ أعطي المال لسد حاجة المسكين، أو إغاثة المعدم الكريم، أو للإغاثة على النفع العميم.
(واتقي) أي خاف من الشر وإيصال الأذى إلى الناس، فحمى نفسه من ذلك، أو كره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فوقي نفسه من ارتكاب شيء منها، (وصدق بالحسنى) أي بالخصلة التي هي أحسن من غيرها، أي صدق بثبوت الفضيلة والعمل الطيب، وبالفرق بين الفضيلة والرذيلة وبين العمل الطيب والخبيث، واعتقد بأن هناك خيرًا وشرًا، وأن من مزايا الإنسان أن يفعل الخير ويتجنب الشر.
فان التصديق بذلك هو مصدر الصالحات بلا ريب، وهو مقدم في الترتيب الوجودي على بذل المال في سبيل الحق والرحمة، وعلى اتقاء المفاسد والخطايا، ولكنه قدم هذين في الذكر عليه للاهتمام بهما، ولأنهما الدليلان على تحققه حقيقة، ولأنهما ثمرته الدانية.
وكثير من الناس يظن نفسه مصدقًا بفضل الخير على الشر، وأن الخير أولي بالإنسان، ولكن هذا التصديق قد يكون سرابًا في النفس خيله الوهم وصوره التقليد الأعمى، ثم لا يصدر عنه الأثر الذي يليق به، بل تجد صاحبه رديء الملكة، قسي القلب، بعيدًا عن الحق، قريبًا من الباطل، بخيلًا في الخير، مسرفًا في الشر، ولا تجد له مع ذلك كلامًا إلا في الفضيلة وحسن جزائها، والرذيلة وسوء عاقبتها.
فهو -كما يقول بعض الأدباء: "يحسن وصف الفضيلة وحروفها تئن من لوكها بفمه وجزها بسن قلمه!".
فالتصديق بالحسن لا يعد تصديقًا، ولا ينظر الله إليه، ولا يجود كرمه بالوعد عليه إلا إذا صدر عنه أثره الذي لا ينفك عنه، وهو بذل المال واتقاء مفاسد الأعمال.
ومن فعل ذلك يسره الله لليسرى أي هيأة لأيسر الخطتين وأسهلهما في أصل الفطرة، وهي خطة تكميل النفس وإنمائها بالكمال إلى أن تبلغ المقام الذي تجد فيه سعادتها، وإنما كانت هذه الخطة هي اليسرى والأسهل لتوفر الدواعي إليها وكثرة البواعث عليها، فان الإنسان إنما يمتاز عن غيره من سائر الحيوان الأعجم بالتفكير في الأعمال، وتقدير ثمراتها، ووزن نتائجها.
وحاجة كل إنسان إلى أن يعنيه غيره ظاهرة كذلك بسذاجة الفطرة، فإحساسه بحاجة غيره واندفاعه إلى سدها، مما تنبه إليه الفطرة، فأولى أن تنبهه الفطرة إلى أن لا يلحق الأذى بمن لم يؤذه، وأن لا يأتي من القبائح شيئًا لظهور ضررها بالناس..
فهو مدفوع إلى ذلك كله بأصل فطرته الإنسانية، لكنه يحتاج -في الاستقامة على هذه الطريقة- إلى صحة عقل ينظر بنفسه فيما يختار، ويميز بنظره فيما يسمح بين ما ينبغي أن يتبع وما يجب أن يدفع، فإذا حصَّل الشخص ذلك وظهرت آثاره في أعماله، سهل الله ما هو مسوق إليه بأصل فطرته، وهو تكميل نفسه لتسعد بمزاياها في الدنيا والآخرة، وذلك لجري سنة الله في خلقه بأن كل عمل من أعمال العاقل يفتح له باب بصيرة في نوع ذلك العمل، ويكون مبدأ عادة للنفس تأنس بملابستها.
ففاعل الخير للخير يذوق لذته، ويجد حلاوته، فتزيد فيه رغبته وتشتد إليه عزيمته، وهذا هو التيسير الإلهي!
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ أي إن من امسك ماله أو أنفقه في شهواته ولذاته ولم ينفقه في الطرق التي بيناها، فإنه يعد باخلًا على خلاف ما يعتقد كثير من الناس من أن البخيل هو الذي لا يتمتع بماله في التلذذ بمأكله ومشربه وملبسه، فهذا بمجرده لا يعد بخلًا، لا شرعًا ولا في اصطلاح علماء تهذيب الأخلاق، وإنما البخيل هو الذي لا يبذل ماله في سبيل الخير -خصت أو عمت- وإن أنفق جميع أمواله في لذاته ولذات أمثاله، أو هو الذي لا يعطي الحق فيما يطالبه به الحق ومنفعة العامة، والمرحمة للخاصة من أعظم أنواع الحق، (واستغني) أي عد نفسه غنيًا عن الناس بما لديه من المال، فلا يري له حاجة إليهم، فلذلك لا يجد المرحمة في قلبه لضعفائهم فيبذل ماله لدفع ضرورتهم، ولا يحس بأنه عضو من جماعتهم فينفق من ماله فيما يعود بالمنفعة عليهم، ولا يبالي بما يصيبهم من فساد أو سلامة فهو لا يتقي شرًا يفعله فيهم، فيكون شريرًا فاحشًا، فمعنى (استغنى) يقابل معنى (اتقى) في جميع مشتملاته.
وأمثال هؤلاء المستغنين -الذين لا يحسون بوجود الناس إلا عند حاجتهم إليهم- كثيرون فيما بيننا، بل هم الأكثر، بل لا تكاد تجد بين المسلمين سواهم.
فإن الكلمة العامة في أفواه جميعهم: "نحن ما لنا" و "أنا مالي" و "دع الخلق للخالق"، ونحو ذلك مما يطول سرده، (وكذب بالحسنى) أي كذب بثبوت الفضيلة، وبأنها أصل من أصول الإنسانية، وركن من أركان وجودها، فلا يعرف إلا ما يلذ له ويمنعه في حاضره، ولا يبالي بما عدا ذلك، ضر غيره أو نفعه.
وهذا التكذيب هو الأصل في البخل والاستغناء بمعناهما السابق، لان من صدق بالحسنى -ذلك الضرب من التصديق الذي سبق بيانه- لا يمكن أن يبخل ولا أن يستغني بالمعنى الذي سبق ذكره.
ويدخل في المكذبين بالحسنى أولئك الذين يتكلمون بها تقليدا لغيرهم ولكن لا يظهر أثرها في أعمالهم، فهم مكذبون رغم أنوفهم، والله يعدهم مكذبين مهما لبسوا على أنفسهم، وهذا هو السر في تقديم ذكر البخل والاستغناء على التكذيب بالحسنى، لأنهما أثرها وثمرتها، فإذا ظهرا في عمل الإنسان ثبت تكذيبه بالحسنى، ومن كانت حاله هذه فقد مرنت نفسه على الشر، وتعودت على الخبث، واستشري فيها الفساد، فيسهل الله له -على حسب ما جرت به سنته سبحانه- تلك الخطة العسرى، وهي الخطة التي يحط فيها الإنسان من نفسه، ويغض من حقها، وينزل بها إلى حضيض البهيمية، ويغمسها في أوحال الخطيئة.
وهي أعسر الخطتين على الإنسان لأنه لا يجد معينًا عليها لا من فطرته ولا من الناس.
ولو اتفق أن جماعة أو قومًا فسدت أخلاقهم جميعًا، ووجد كل منهم فيمن حوله من يعينه على الشر، سلط الله عليهم من غيرهم من ينزل العقاب بهم جميعًا، فيسلبهم ما آتاهم الله من نعمه، ويضعهم تحت نير المذلة، كما نشاهده ويقع تحت نظرنا كل يوم، فلا ريب إن هذه الخطة هي أعسر الخطتين، ولكن كاسب الشر معان عليها لتعود نفسه على مقارفة ما هو منها بسبيل.
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾ ما استفهامية: أي وماذا يفيده ماله إذا تردى وهلك، سواء كان بالموت الذي يدركه عند أجله فهو يقبل على عذاب أليم، أو تردى في مغبات بخله وسيئات أعماله بأن حل الانتقام به في الحياة الدنيا، فإنه لا يجد من الناس منجدًا ولا من رحمة الله مغيثًا..
فماذا يفيده ماله؟
ولما كان هنا موضع أن يقول قائل: كيف يخلق الله الناس ويكلهم إلى أهوائهم، ثم يعاقبهم على ما تجرهم إليه؟
أو أن يقول إذا كان الله هو واهب تلك القوى والآلات البدنية فكل ما كان من متناولها وانساقت إليه فهي مسيرة إليه بمقتضى غريزتها، فكيف يؤاخذ الله على فعل فاعل أطلق الله له الإرادة في عمله وأعطاه القدرة عليه؟..
لما كان ذلك مما يقال في جميع الأزمان، قال الله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ .
أي إننا خلقنا الإنسان وجعلنا من جوهر إنسانيته العقل والاختيار، وألهمناه التمييز بالعقل بين الحق والباطل وبين الخير والشر، ثم بعثنا له من كملة أفراده الأنبياء، وشرعنا لهم الأحكام، وبينا لهم العقائد تعليمًا له وإرشادًا.
فهذا هو ما يقتضيه خلق الإنسان من حيث هو إنسان.
ثم بعد ذلك هو مختار: فإما أن يسلك مسلك الخير فيسلم ويسعد، وإما أن يذهب مذهب الشر فيعطب ويشقى.
ومن هذا نفهم معنى (علينا)، فليس فيه أن ذلك واجب عليه كما يظنه بعض السفهاء، بل معناه أننا حيث أردنا أن نخلق الإنسان نوعًا ممتازًا عن سائر أنواع الحيوان، كان لا بد في إرادتنا هذه أن نخلق الإنسان نوعًا ممتازًا عن سائر أنواع الحيوان، كان لا بد في إرادتنا هذه أن نضع في جوهره ما يميزه وهو العقل، وأن نضع له شريعة تعليمية حتى يعد بذلك نوعًا ممتازًا عن غيره من الأنواع.
﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ﴾ أي نحن المالكون الحياة الدنيا، وهي الأولى، والحياة الآخرة.
وإنما قدم الآخرة في الذكر-مع أنها الآخرة في الوجود- ليبادر إلى تأكيد وجودها.
وإذا كان ملك الحياتين لله كان هديه هو الذي يجب اتباعه فيهما، لأن المالك لأمر عالم بوجوه التصرف فيه.
فما مكنك منه بهداه، وأرشدك إليه من ذلك فلا تحد عنه.
ولهذا المعنى تراه رتب على القضيتين (إن علينا للهدى) (وإن لنا للآخرة والأولى) قوله ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ﴾ : أي لرحمتنا بكم، وعلمنا الكامل بمصالحكم، أسدينا إليكم الهدى، فأنذرتكم نارًا تلتهب.
وتلك النار أعدت في الآخرة لمن سيذكره الله بعد، وهي نار يجب علينا الإيمان بها، ولكن لا ينبغي لنا البحث في حقيقتها لأنها من أمور الآخرة التي استأثر الله بعلم حقائقها.
وإنما هي عذاب أليم لمن يصلاها.
(لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى).
يصلاها: يعذب فيها.
والأشقى: من هو أشد شقاء من غيره.
ومن كذب: من وقع منه تكذيب ما.
وتولى: أعرض عن وجهة الحق وانصرف ولم يعد إليها بالتوبة والندم.
(وسيجنبها الأتقى): أي أن أشد الناس تقوى هو الذي لا يدخل هذه النار بالمرة، ولا يمسه لهبها.
واعلم أن الناس أقسام: منهم الأبرار الذين منحهم الله من قوة العقل وصفاء اليقين ما بعد بهم عن الفواحش ظاهرها وباطنها، ودفعهم إلى محاسن الأعمال جليلها وصغيرها، فلم يقارفوا خطيئة، ولم يقصروا في خير.
ومنهم الذين يلون هؤلاء، وهم من تغلبهم الشهوة أحيانًا فيقعون في الذنب، أو يقصرون في الواجب، ثم يثوب إليهم رشدهم فيتوبون ويندمون.
وهذان القسمان يدخلان في الأتقى، وهم الذين ذكرهم الله في سورة آل عمران في قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ﴾ إلخ.
ومنهم من يخلط بين الخير والشر فيعتقد بالله مثلًا ويقترف بعض السيئات لكنه يصر عليها ولا يتوب عنها، فهذا الإصرار منه يدل على أنه غير مصدق حق التصديق بما جاء فيها من الوعيد كما يرشد إليه العقل.
لأن البديهة تأبى أن يصدق الشخص بسوء عاقبة أمر تمام التصديق ثم يصر على إتيانه دون أسف ولا ندم.
وكما تدل عليه السنة، فقد ورد في الصحيح:"لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن".
ومعناه أن صورة الوعيد، وصورة الأمر الإلهي تذهب عن ذهن المخالف، ويوجد عنده ضروب أخرى من الصور تقاوم أثر هذه في النفس وتغلب عليها.
فهذا الفاسق المصر يدخل في الأشقى، وهو صنف من أصنافه، لأنه كذب ضربًا ما من التكذيب وتولى فلم يرجع بالتوبة.
ومنهم الكافرون الجاحدون، وهم صنف آخر من الأشقى.
فالنار التي وصفها الله يدخلها الفاسقون من المؤمنين تحت عنوان مكذبين متولين ضربًا من التكذيب والتولي، تغليظًا عليهم، ولكنهم لا يخلدون فيها.
ويدخلها الكافرون الجاحدون وهم فيها خالدون، وينجو منها الأتقى بصنفيه: الأبرار والخالطين التائبين.
وإنما صح دخول المصر في الأشقى لأن الخالط التائب له شقاء، وكفى بالندم ومحاسبة النفس شقاء عظيمًا لمن يعرف قدره.
وصح دخول الخالطين التائبين في قسم الأتقى لأنهم أعظم تقوى من المصرين.
وفي المصرين على بعض السيئات شيء من التقوى يصدهم عن بعضها كما هو ظاهر.
فالخالط التائب والمؤمن المصر على خطيئة -إذا لم تحط به خطيئاته- كل منهما يشارك صاحبه ويفارقه، وبذلك أكسب كل صاحبه وصفه: الخالط التائب له شقاء بالندم والأسف فيشارك المصر في ضرب من الشقاء، ويكون المصر أشقى منه.
والمصر فيه شيء من التقوى بالإيمان فيشارك التائب في التقوى، ولكن التائب أتقى منه.
وما أجمل ما قاله الإمام الغزالي في مثل هذا!
وإنا نأتي بعبارته قال:"كل علم يراد ليكون باعثًا على عمل فلا يقع التفصي عن عهدته ما لم يصر باعثًا عليه.
فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثًا على تركها.
فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان.
وهو المراد بقوله :"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
"وما أراد به نفي الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة: كالعلم بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله، فإن ذلك لا ينافيه الزنا والمعاصي.
وإنما أراد به نفي الإيمان بكون الزنا مبعدًا عن الله تعالى موجبًا للمقت.
كما إذا قال الطبيب: هذا سم فلا تتناوله.
فإذا تناوله، يقال تناوله وهو غير مؤمن، لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود الطبيب وكونه طبيبًا وغير مصدق به، بل المراد أنه غير مصدق بقوله إنه سم مهلك.
فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلًا".
"فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان، وليس الإيمان بابًا واحدًا، بل هو نيف وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
ومثاله قول القائل: الإنسان ليس موجودًا بل هو نيف وسبعون موجودًا: أعلاها القلب والروح، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب، مقلوم الأظافر، نقي البشرة من الخبث، حتى يتميز عن البهائم المرسلة الملوثة بأرواثها، المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظلافها".
"وهذا مثال مطابق.
فالإيمان كالإنسان، وفقد شهادة التوحيد يوجب البطلان بالكلية، كفقد الروح.
والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة، هو كإنسان مقطوع الأطراف، مفقوء العينين، فاقد لجميع أعضائه الباطنة والظاهرة لا أصل الروح".
"وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فتزايله الروح الضعيفة المنفردة التي تخلف عنها الأعضاء التي تمدها وتقويها، فكذلك من ليس له إلا أصل الإيمان، وهو مقصر في الأعمال، قريب من أن تقتلع شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده.
فكل إيمان لم يثبت في اليقين أصله، ولم تنتشر في الأعمال فروعه لم يثبت على عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة".
أفلا يجدر بمثل هذا أن يدخل في الأشقى الذي كذب وتولى هذا النوع من التكذيب والتولي؟
ثم ذكر الأتقى بأفضل مزاياه فقال: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ : الأتقى بقسميه-سواء كان محسنًا بارًا، أو كان ظالمًا لنفسه تائبًا- يعطي من ماله في سبيل الله ومرحمة الفقراء لا لغرض آخر سوى أنه يريد أن يتزكى، وأن تنمو نفسه وتتدرج في قوتها الروحية حتى تبلغ أشدها في الحياة الروحانية فتستوي على عرش الإنسانية تستخدم قواها الجسدانية فيما خلقت لأجله.
فهو لا ينفق شيئًا من ماله رئاء الناس يطلب به مدحتهم-اللهم إلا أن تكون هفوة من غير الأبرار- وينفق من ماله، وليس لأحد عنده يد سابقة يحب أن يجازيه بها، أي ينفق من ماله على شخص، وليس لذلك الشخص عنده نعمة يريد مكافأته عليها.
أما إعطاء المال على وجه المكافأة، فهو ضرب من المعاملة والتجارة الدنيوية لا يتفاضل به الناس في الخير؛ وإنما يريد المحسن والخالط بما ينفق وجه ربه الأعلى.
أي يرغب مرضاته.
والعبارة معروفة في تخاطب العرب، يقال: فعلت كذا ابتغي وجه فلان، أي لم يحملني على الفعل إلا إجلاله وقصد مرضاته وخيفة الوقوع فيما يغضبه، ولذلك أتبع الآية بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ : أي سوف يرضى الله عن ذلك الأتقى الطالب بصنعه رضاه.
يجوز للتقي أن يعطي من ماله لمكافأة نعمة عليه لأحد من الناس، لكن ذلك لا يكون أثرًا من آثار التقوى.
بل الذي يعد من آثار التقوى، هو بذل المال في سبيل الخير، كما قدمنا.
وقد يعرض لبعض الأفراد من قسم الأتقى أن يرائي في إنفاق ما ينفق من ماله لكنه يرجع فيندم ويتوب، والتوبة تعود على العمل بالإخلاص، وتبعث على العود إلى الإنفاق مع خلوص النية فيه لله تعالى، فيصدق عليه أنه يؤتي ماله يتزكى إلخ.
والاستثناء في قوله ﴿ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ﴾ ، منقطع كما ترى.
والتعبير بسوف لإفادة أن الرضا يحتاج إلى بذل كثير، ولا يكفي القليل من المال لأن يبلغ العبد درجة الرضا الإلهي.
وبتفسير الأتقى والأشقى على النحو الذي سمعته تبطل تلك الإشكالات التي أوردها المفسرون في الحصر.
وما أشكل عليهم إلا تقيدهم بالعادة في استعمال ألفاظ كذب وتولى، وتحكيمهم عاداتهم واصطلاحاتهم التي وضعوها من عند أنفسهم لأنفسهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
ثم إنهم يوردون ههنا أسبابًا للنزول، وأن الآيات نزلت في سيدنا أبي بكر الصديق لأنه اشترى من أرقاء المسلمين ضعفاء وأعتقهم من ماله لا يبتغي في ذلك إلا وجه الله.
ورووا غير ذلك وقالوا إن الأشقى هو أمية بن خلف.
وقيل غير ذلك، ومتى وجد شيء من ذلك في الصحيح لم يمنعنا من التصديق به مانع، ولكن معنى الآيات لا يزال عامًا -كما رأيت- والله أعلم.