تفسير الآية ١٤ من سورة العلق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 96 العلق > الآية ١٤ من سورة العلق

أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 43 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة العلق من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة العلق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال "ألم يعلم بأن الله يرى" أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه وسيجازيه على فعله أتم الجزاء.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) يقول تعالى ذكره: ألم يعلم أبو جهل إذ ينهى محمدا عن عبادة ربه، والصلاة له، بأن الله يراه فيخاف سطوته وعقابه.

وقيل: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت إن كان على الهدى، فكررت أرأيت مرات ثلاثًا على البدل.

والمعنى: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، وهو مكذب متول عن ربه، ألم يعلم بأن الله يراه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم يقول : ويله ألم يعلم أبو جهل بأن الله يرى ; أي يراه ويعلم فعله ; فهو تقرير وتوبيخ .

وقيل : كل واحد من أرأيت بدل من الأول .

و ألم يعلم بأن الله يرى الخبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } ما يعمل ويفعل؟.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ألم يعلم"، يعني أبا جهل، "بأن الله يرى"، ذلك فيجازيه به.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم يعلم بأن الله يرى» ما صدر منه، أي يعلمه فيجازيه عليه، أي اعجب منه يا مخاطب من حيث نهيه عن الصلاة ومن حيث أن المنهي على الهدى آمر بالتقوى ومن حيث أن الناهي مكذب متولٍ عن الإيمان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أرأيت أعجب مِن طغيان هذا الرجل (وهو أبو جهل) الذي ينهى عبدًا لنا إذا صلَّى لربه (وهو محمد صلى الله عليه وسلم)؟

أرأيت إن كان المنهي عن الصلاة على الهدى فكيف ينهاه؟

أو إن كان آمرًا غيره بالتقوى أينهاه عن ذلك؟

أرأيت إن كذَّب هذا الناهي بما يُدعى إليه، وأعرض عنه، ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يفعل؟

ليس الأمر كما يزعم أبو جهل، لئن لم يرجع هذا عن شقاقه وأذاه لنأخذنَّ بمقدَّم رأسه أخذًا عنيفًا، ويُطرح في النار، ناصيته ناصية كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها.

فليُحْضِر هذا الطاغية أهل ناديه الذين يستنصر بهم، سندعو ملائكة العذاب.

ليس الأمر على ما يظن أبو جهل، إنه لن ينالك -أيها الرسول- بسوء، فلا تطعه فيما دعاك إليه مِن تَرْك الصلاة، واسجد لربك واقترب منه بالتحبب إليه بطاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فأين جواب الشرط - أى فى قوله - تعالى - : ( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى ) ؟

قلت : هو محذوف تقديره : إن كان على الهدى ، ألم يعلم بأن الله يرى ، وإنما حذف لدلالة ذكره فى جواب الشرط الثانى .فإن قلت : فكيف صح أن يكون " ألم يعلم " جوابا للشرط؟

قلت : كما صح فى قولك : إن أكرمتك أتكرمنى؟

وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟

..

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود من الآية التهديد بالحشر والنشر، والمعنى أنه تعالى عالم بجميع المعلومات حكيم لا يهمل، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فلابد وأن يوصل جزاء كل أحد إليه بتمامه فيكون هذا تخويفاً شديداً للعصاة، وترغيباً عظيماً لأهل الطاعة.

المسألة الثانية: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى من طاعة الله فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد، ولا يرد عليه المنع من الصلاة في الدار المغصوبة والأوقات المكروهة، لأن المنهي عنه غير الصلاة وهو المعصية، ولا يرد المولى بمنع عبده عن قيام الليل وصوم التطوع وزوجته عن الاعتكاف، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضاً لعبادة ربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم.

محل ﴿ باسم رَبّكَ ﴾ النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ خَلَقَ ﴾ فلم يذكر له مفعولاً، ثم قال: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ ؟

قلت: هو على وجهين: إما أن لا يقدّر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه.

وإما أن يقدّر ويراد خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض.

وقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض.

ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿ الرحمن عَلَّمَ القرءان خَلَقَ الإنسان ﴾ [الرحمن: 1- 2- 3] فقيل: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ مبهماً، ثم فسره بقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تفخيماً لخلق الإنسان.

ودلالة على عجيب فطرته.

فإن قلت: لم قال ﴿ مِنْ عَلَقٍ ﴾ على الجمع، وإنما خلق من علقة، كقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ ؟

[غافر: 67] قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2] .

﴿ الأكرم ﴾ الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، حيث قال: الأكرم ﴿ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم (4) عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلاّ هو، وما دوّنت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلاّ بالكتابة؛ ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا؛ ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ودليل إلاّ أمر القلم والخط، لكفى به.

ولبعضهم في صفة القلم: وَرَوَاقِمُ رُقْشٍ كَمِثْلِ أَرَاقِم ** قُطْفِ الْخُطَا نَيَّالَةٍ أَقْصَى المُدَى سُودِ الْقَوَائِمِ مَا يَجِدُّ مِسِيرُهَا ** إلاَّ إذَا لَعِبَتْ بِهَا بِيضُ المُدَى وقرأ ابن الزبير: ﴿ علم الخط بالقلم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ﴾ والشَّرْطِيَّةُ مَفْعُولُهُ الثّانِي وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي الواقِعِ مَوْقِعَ القَسِيمِ لَهُ.

والمَعْنى أخْبِرْنِي عَمَّنْ يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ، أوْ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَعْتَقِدُهُ، أوْ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الصَّوابِ كَما تَقُولُ، ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ مِن هُداهُ وضَلالِهِ.

وقِيلَ: المَعْنى أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي والمَنهِيَّ عَلى الهُدى آمِرًا بِالتَّقْوى، والنّاهِي مُكَذِّبٌ مَتُوَلٍّ فَما أعْجَبُ مِن ذا؟

وقِيلَ: الخِطابُ في الثّانِيَةِ مَعَ الكافِرِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَهُ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَ صَلاتُهُ هُدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ، ولَعَلَّهُ ذَكَرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى في التَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ في النَّهْيِ لِأنَّ النَّهْيَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالتَّقْوى، فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ دَعْوَةٌ بِالفِعْلِ أوْ لِأنَّ نَهْيَ العَبْدِ إذا صَلّى يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَها ولِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِها مَحْصُورَةٌ في تَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِالعِبادَةِ وغَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى} ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب حاله وهذا وعيد وقوله الذى ينهى مع الجملة الشرطية مفعولا أَرَأَيْتَ وجواب الشرط

محذوف تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني وهذا كقولك ان أكرمتك أتكرمنى وأرأيت الثانية مكررة زائدة للتوكيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ ﴿ أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ المَوْصُولِ ولِلثّانِي والثّالِثِ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ أوِ اسْمُ إشارَةٍ يُشارُ بِهِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلثّالِثِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ﴾ والأوَّلانِ مُتَوَجِّهانِ إلَيْهِ أيْضًا وهو مُقَدَّرٌ عِنْدَهُما، وتُرِكَ إظْهارُهُ اخْتِصارًا ونَظِيرُ ذَلِكَ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ وفَدْتَ عَلَيْهِ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنِ اسْتَخْبَرْتَهُ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنْ تَوَسَّلْتَ إلَيْهِ، أما يُوجِبُ حَقِّي ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الجُمَلَ لا يَصِحُّ إضْمارُها وإنَّما هو مِنَ الطَّلَبِ المَعْنَوِيِّ والحَذْفِ في غَيْرِ التَّنازُعِ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «ألَمْ يَعْلَمْ» عَلَيْهِ ويُقَدَّرْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الصِّناعَةُ، وقِيلَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ: ( أرَأيْتَ ) مُرادًا بِهِ ما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُقَدَّرُ كَذَلِكَ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا نَظِيرُ ما مَرَّ آنِفًا، والضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في كانَ وما بَعْدُ مِنَ الأفْعالِ لِلنّاهِي والمُرادُ مِن: «أرَأيْتَ» أخْبِرْنِي؛ فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْعِلْمِ أُجْرِيَ الِاسْتِفْهامُ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها والِاسْتِفْهامُ الواقِعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي هو مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ هُنا، وهَذا الإجْراءُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأئِمَّةِ يَكُونُ مَعَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ والرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ولِلنُّحاةِ فِيهِ قَوْلانِ، والخِطابُ في الكُلِّ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةٌ.

وقِيلَ: لِلْإنْسانِ كالخِطابِ في ﴿ إلى رَبِّكَ ﴾ .

وتَنْوِينُ «عَبْدًا» عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ لِلتَّنْكِيرِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالظَّرْفِ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِها وفُصِلَ بَيْنَ الجُمَلِ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّشْنِيعِ والوَعِيدِ حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَقْصُودَةٌ عَلى حِيالِها فَشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلى النّاهِي أوَّلًا بِنَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ أوْ أيُّها الإنْسانُ عَمَّنْ يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرى ويَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ.

وشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ عَلى زَعْمِهِ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ أنَّهُ أمَرَ بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، فَقالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ إنْ كانَ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ كانَ أمْرًا بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى كَما يَزْعُمُ.

وشَنَّعَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ ثالِثًا بِذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما يَقُولُهُ تَعالى مُكَذِّبًا بِحَقِّيَّةِ الصَّلاةِ مُتَوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ إنْ كَذَّبَ بِحَقِّيَّةِ ما نَهى عَنْهُ وأعْرَضَ عَنْ فِعْلِهِ عَلى ما نَقُولُهُ نَحْنُ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى شَنَّعَ وأوْعَدَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّاهِي الزَّعْمِيِّ أوِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ وأوْعَدَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الزَّعْمِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ عَزَّ وجَلَّ وأوْعَدَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الحَقِيقِيِّ وهَذا كالتَّرَقِّي في التَّشْنِيعِ.

والجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ تَقْيِيدِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِما ذَكَرْنا حَيْثُ قالُوا: إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ أمْرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَزْعُمُ أوْ كانَ مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ ومُتَوَلِّيًا عَنِ الصَّوابِ كَما نَقُولُ، وذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ تَكْرارٌ لِلْأوَّلِ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى الهُدى، وأُوضِحَ بِأنَّ إدْخالَ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ لِإرْخاءِ العِنانِ صُورَةً والتَّهَكُّمِ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَكُونُ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى والأمْرِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ هُدًى البَتَّةَ، وفي الثّانِي لِذَلِكَ والتَّهَكُّمِ عَلى عَكْسِ الأوَّلِ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ.

وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى بَصَرِيَّةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، وفي الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ قَلْبِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ والمَفْعُولُ الثّانِي سَدَّ مَسَدَّهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها وهو في الأخِيرَةِ ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ إلَخْ.

لِمَذْكُورٍ وفِيما قَبْلَها مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، ولَمْ تُعْطَفِ الأخِيرَةُ عَلى ما قَبْلَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها بِالوُقُوعِ في نَفْسِ الأمْرِ وبِاسْتِتْباعِ الوَعِيدِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الجَوابُ، وأمّا قَبْلَها فَأمْرُ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ إلّا لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وهو السِّرُّ في تَجْرِيدِهِ عَنِ الجَوابِ والإحالَةِ بِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَهُ، والخِطابُ في الكُلِّ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والتَّنْوِينُ في «عَبْدًا» لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي إنْ كانَ عَلى الهُدى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إلَخْ ما ذُكِرَ آنِفًا ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ فَيُجازِيهِ بِها حَتّى اجْتَرَأ عَلى ما فَعَلَ.

وقِيلَ: إنَّ «أرَأيْتَ» في الجُمَلِ الثَّلاثِ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأُولى المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ إذْ عُلِمَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ.

و«أرَأيْتَ» الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، و«أرَأيْتَ» الثّالِثَةُ ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّها تُقابِلُ الأُولى لِلتَّقابُلِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كَذَّبَ ﴾ إلَخْ.

وفي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مِن دُونِ العَطْفِ تَرْشِيحٌ لِلْكَلامِ المُبَكِّتِ وتَنْبِيهٌ عَلى حَقِّيَّةِ الشَّرْطِ، ولِهَذا صَرَّحَ بِجَوابِهِ لِيَتَمَحَّضَ وعِيدًا والخِطابُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِذا قِيلَ: «عَبْدًا» ولَمْ يَقُلْ: نَبِيًّا مُجْتَبًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنْ حالِ هَذا الَّذِي يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المُجْتَبى عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَزْعُمُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَما تَقُولُ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ إلَخْ.

وقِيلَ: ( أرَأيْتَ ) في الجُمْلَتَيْنِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ تَكْرارٌ لِلْأُولى والشَّرْطِيَّتانِ بِجَوابِهِما سادَّتانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْأُولى، و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: أوَإنْ كَذَّبَ إلَخْ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسِيمٍ لِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ.

والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ، وأُورِدَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في تَجْوِيزِ الإتْيانِ بِالِاسْتِفْهامِ في جَزاءِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ الفاءِ وإنْ صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ بَحْثًا لِأنَّ ظاهِرَ نَقْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ في المُفَصَّلِ ونَقْلِ غَيْرِهِ وُجُوبُ الفاءِ إذا كانَ الجَزاءُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَلى ما في الكَشْفِ مِنَ الإنْشاءِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِغَيْرِ فاءٍ لا أعْلَمُ أحَدًا أجازَهُ بَلْ نَصُّوا عَلى وُجُوبِ الفاءِ في كُلِّ ما اقْتَضى طَلَبًا بِوَجْهٍ ما، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ شِعْرٍ.

وقالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: إنَّ جَعْلَ: هَلْ يَهْلَكُ جَزاءً مُشْكِلٌ لِعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِالفاءِ، والِاقْتِرانُ بِها في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ.

واعْتُرِضَ أيْضًا جَعْلُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ «أرَأيْتَ» بِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ كَما في الإرْشادِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ جَعْلَ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ والجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُما لِدَلالَتِهِما عَلى ذَلِكَ جُعِلا كَأنَّهُما كَذَلِكَ لِسَدِّهِما مَسَدَّ المَفْعُولِ والجَوابُ وبِما ذُكِرَ صَرَّحَ الرَّضِيُّ والدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ في بابِ اسْمِ الإشارَةِ فَما قِيلَ مِن أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِ «أرَأيْتَ» لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً مُخالِفٌ لِما صَرَّحُوا بِأنَّهُ مُخْتارُ سِيبَوَيْهِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلُوا فِيما ذُكِرَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا لِلْكافِرِ النّاهِي لِأنَّ السِّياقَ مُقْتَضٍ لِخُرُوجِ النّاهِي والمَنهِيِّ عَنْ مَوْرِدِ الخِطابِ.

واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ جَعْلَهُ لِلنَّبِيِّ وجَوَّزَ غَيْرُهُ جَعْلَهُ لِلْكافِرِ.

والمُرادُ تَصْوِيرُ الحالِ بِعُنْوانٍ كُلِّيٍّ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: الضَّمِيرانِ في «إنْ كانَ، وأمَرَ» لِلْعَبْدِ المُصَلِّي، والضَّمائِرُ في «كَذَّبَ وتَوَلّى، ويَعْلَمْ» لِلَّذِي يَنْهى.

وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي، والمَنهِيُّ عَلى الهُدى وآمِرٌ بِالتَّقْوى والنّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَما أعْجَبَ مِن ذا.

والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: فَما أعْجَبَ مِن ذا بِقَرِينَةِ ( أرَأيْتَ ) فَإنَّهُ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ، والرُّؤْيَةُ فِيهِ قِيلَ عِلْمِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ نَحْوَ هَذا الجَوابِ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ، وأوْ تَقْسِيمِيَّةٌ بِمَعْنى الواوِ.

وقِيلَ: الخِطابُ في ( أرَأيْتَ ) الثّانِيَةِ لِلْكافِرِ وفي الثّانِيَةِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو عَزَّ وجَلَّ كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هَدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ؟

وأخْبِرْنِي أيُّها الرَّسُولُ إنْ كانَ النّاهِي مُكَذِّبًا بِالحَقِّ مُتَوَلِّيًا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيهِ.

وسَكَتَ هَذا القائِلُ عَنِ الخِطابِ في ( أرَأيْتَ ) الأوَّلِ فَقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالخِطابِ في الثّالِثِ.

وقَوْلُهُ: أتَنْهاهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِرَأيْتَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ أوْ كَما في سابِقِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ النَّهْيَ عَلى ما قِيلَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِها وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا بِأنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى لَكِنَّهُ حُذِفَ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في الثّانِيَةِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى دَعْوَةٌ قَوْلِيَّةٌ، والصَّلاةُ دَعْوَةٌ فِعْلِيَّةٌ، والفِعْلُ أقْوى مِنَ القَوْلِ.

وإنَّما كانَتْ دَعْوَةً وأمْرًا لِأنَّ المُقْتَدى بِهِ إذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: افْعَلُوا هَذا.

وقِيلَ: المَذْكُورُ أوَّلًا لَيْسَ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ بَلِ النَّهْيَ حِينَ الصَّلاةِ وهو مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ لَها أوْ لِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِ الصَّلاةِ لِما انْحَصَرَتْ في تَكْمِيلِ نَفْسِ المُصَلِّي بِالعِبادَةِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ فَنَهْيُهُ في تِلْكَ الحالَةِ يَكُونُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ مَعًا فَلِذا ذُكِرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ انْتَهى.

فَلا تَغْفُلْ.

وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الخِطابِ في الكُلِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ في بَيانِ مَعْنى ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الرَّأْيَ الصّائِبَ والِاهْتِداءَ والأمْرَ بِالتَّقْوى أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؟

كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العَلِيَّةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الرَّدِيَّةِ.

واعْتَبَرَ عِصامُ الدِّينَ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَوْبِيخًا عَلى تَفْوِيتِ ما يَنْفَعُ وما بَعْدَها تَوْبِيخًا عَلى كَسْبِ ما يَضُرُّ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( أرَأيْتَ الَّذِي ) إلَخِ اسْتِشْهادٌ لِطُغْيانِ الإنْسانِ أنْ رَآهُ مُسْتَغْنِيًا والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الإبْصارِ؛ أيْ: أشاهَدْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وعَرَفْتَ طُغْيانَ الإنْسانِ المُسْتَغْنِي وأنَّهُ لا يَكْفِي بِكُفْرانِهِ ويَتَجاوَزُ إلى تَكْلِيفِ العَبْدِ الَّذِي أُرْسِلَ لِلْمَنعِ عَنِ الكُفْرانِ بِالكُفْرانِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ عَلى فَوْتِ ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ بِفَوْتِ الهُدى والأمْرِ بِالتَّقْوى، يَعْنِي: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ فَوْزٍ إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ بِما كَسَبَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ والبُعْدِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ؛ أيْ: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ عُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ ﴾ إلَخْ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى كَسْبِ حالِ الشَّقِيِّ وفَوْتِ حالِ السَّعِيدِ انْتَهى.

وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، واللَّهُ تَعالى بِمُرادِهِ أعْلَمُ.

ثُمَّ إنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَكِنَّ كُلَّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ ومَنَعَ مِنها فَهو شَرِيكُهُ في الوَعِيدِ ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ المَنعُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها بَلْ عَنْ وصْفِها المُقارِنِ وأشْهَدَ الِاحْتِياطُ تَحاشِيَ بَعْضِهِمْ عَنِ النَّهْيِ مُطْلَقًا.

فَرُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ألا تَنْهاهُمْ؟

فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ وعِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ ﴿ عَبْدًا إذا صَلّى ﴾ وفي رِوايَةٍ: لا أُحِبُّ أنْ أنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، ولَكِنْ أُحَدِّثُهم بِما رَأيْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».

وقَدْ سَلَكَ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا يُوسُفَ قالَ لَهُ: أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟

فَقالَ: يَقُولُ: رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ.

ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ، ويُقاسُ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ النَّهْيُ عَنْ غَيْرِها مِن أنْواعِ العِبادَةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ النَّهْيِ القالِيِّ والنَّهْيِ الحالِيِّ، ومِنهُ أنْ يَشْغَلَ المَرْءُ المَرْءَ عَنْ ذَلِكَ وقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: كَلَّا يعني: حقاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى يعني: الكافر ليعصي الله.

ويقال: يرفع منزلة نفسه أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى يعني: إن رأى نفسه مستغنياً عن الله تعالى، مثل أبي جهل وأصحابه، ومثل فرعون حيث ادعى الربوبية.

قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا أبو جعفر بن عوف، عن الأعمش، عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود-  : منهومان لا يشبعان، طالب العلم وطالب الدنيا، ولا يستويان أما طالب العلم، فيزداد رضا الله وأما طالب الدنيا، فيزداد في الطغيان ثم قال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.

ثم قال: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى يعني: المرجع إلى الله تعالى يوم القيامة، ويقال: معناه رجوع الخلائق كلهم بعد الموت إلى الله تعالى، فيحاسبون ويجازون، فريق في الجنة، وفريق فى السعير.

قوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى وذلك أن النبيّ  ، كان إذا صلى في المسجد، رفع صوته بالقراءة، فلغطوا ورموه بالحجارة، فخفض صوته في الصلاتين الظهر والعصر، إذا حضروا.

وأما صلاة المغرب، اشتغلوا بالعشاء وصلاة العشاء ناموا، وصلاة الفجر لم يقوموا، فرفع في هذا، فصار سنة إلى اليوم فنزل أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ويقال: إن أبا جهل بن هشام قال: لئن رأيت محمداً  يصلي، لأطانّ عنقه فنزل أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى يعني: ألم تر أن هذا الكافر، ينهى عبد الله عن الصلاة، وهو محمد  .

ثم قال: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى يعني: محمدا  ، إن كان على الإسلام أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى يعني: التوحيد.

ثم قال: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني: إِنْ كَذَّبَ بالتوحيد وَتَوَلَّى عن الإسلام أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى أفعاله فيجازيه، وهذا جواب لجميع ما تقدم من قوله أَرَأَيْتَ ويقال في الآية إضمار وهو قوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى يعني: بهذا الذي يصنع، ويؤذي محمدا  ، أليس هو على ضلالة، أليس هو قد نهى عن الصلاة والخيرات أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى يعني: أرأيت أيها الناهي، إن كان المصلي على الهدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى يعني: بالتوحيد، واجتناب المعاصي، فينهاه عن ذلك.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ العَلَقِ وَتُسَمّى: سُورَةَ القَلَمِ، وسُورَةَ العَلَقِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَهِيَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.

وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في أوَّلِ الوَحْيِ خَمْسُ آياتٍ مِنها، ثُمَّ نَزَلَ باقِيها في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في الحَرْفَيْنِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ والباءُ زائِدَةٌ.

وَقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: اذْكُرِ اسْمَهُ مُسْتَفْتِحًا بِهِ قِراءَتَكَ.

وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ الخالِقُ دُونَ أصْنامِهِمْ.

والإنْسانُ هاهُنا: ابْنُ آدَمَ.

والعَلَقُ: جَمْعُ عَلَقَةٍ، وقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ " الحَجِّ " قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَ الإنْسانُ في مَعْنى الجَمْعِ جَمَعَ العَلَقَ مَعَ مُشاكَلَةِ رُؤُوسِ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الأكْرَمُ: الَّذِي لا يُوازِيهِ كَرَمٌ، ولا يُعادِلُهُ في الكَرَمِ نَظِيرٌ.

وقَدْ يَكُونُ الأكْرَمُ بِمَعْنى الكَرِيمِ، كَما جاءَ الأعَزُّ والأطْوَلُ بِمَعْنى العَزِيزِ والطَّوِيلِ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَرِيمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ مِنَ الخَطِّ، والصَّنائِعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة مستأنفة للتهديد والوعيد على التكذيب والتولي، أي إذا كذب بما يُدعى إليه وتولى أتظنه غيرَ عالم بأن الله مطلع عليه.

فالمفعول الأول ل«رأيتَ» محذوف وهو ضمير عائد إلى ﴿ الذي ينهى ﴾ [العلق: 9] والتقدير: أرأيتَه إن كذب...

إلى آخره.

وجواب ﴿ إن كذب وتولى ﴾ هو ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ كذا قدر صاحب «الكشاف»، ولم يعتبر وجوب اقتران جملة جواب الشرط بالفاء إذا كانت الجملة استفهامية.

وصرح الرضي باختيار عدم اشتراط الاقتران بالفاء ونظَّره بقوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ [الأنعام: 47] فأما قول جمهور النحاة والزمخشري في «المفصَّل» فهو وجوب الاقتران بالفاء، وعلى قولهم يتعين تقدير جَواب الشرط بما يدل عليه: ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ والتقدير: إن كذب وتولى فالله عالم به، كناية عن توعده، وتكون جملة: ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ مستأنفة لإِنكار جهل المكذب بأن الله سيعاقبه، والشرطُ وجوابه سادّان مسدّ المفعول الثاني.

وكني بأن الله يرى عن الوعيد بالعقاب.

وضمن فعل ﴿ يعلم ﴾ معنى يوقنْ فلذلك عُدي بالباء.

وعلق فعل ﴿ أرأيت ﴾ هنا عن العمل لوجود الاستفهام في قوله: ﴿ ألم يعلم ﴾ .

والاستفهام إنكاري، أي كان حقه أن يعلم ذلك ويقي نفسه العقاب.

وفي قوله: ﴿ إن كذب وتولى ﴾ إيذان للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن أبا جهل سيكذبه حين يدعوه إلى الإِسلام وسيتولى، ووعْد بأن الله ينتصف له منه.

وضمير ﴿ كذب وتولى ﴾ عائد إلى ﴿ الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ [العلق: 9، 10]، وقرينة المقام ترجِّع الضمائر إلى مراجعها المختلفة.

وحذف مفعول ﴿ كذب ﴾ لدلالة ما قبله عليه.

والتقدير: إن كذبه، أي العبدَ الذي صلى، وبذلك انتظمت الجمل الثلاث في نسبة معانيها إلى الذي ينهَى عبداً إذا صلى وإلى العبد الذي صلى، واندفعت عنك ترددات عرضت في التفاسير.

وحُذف مفعول ﴿ يرى ﴾ ليعمّ كل موجود، والمراد بالرؤية المسندة إلى الله تعالى تعلق علمه بالمحسوسات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ العَلَقِ قَوْلُهُ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ  أوَّلَ ما أتاهُ بِنَمَطٍ فَغَطَّهُ فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّهُ ثُمَّ قالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ فَغَطَّهُ غَطًّا شَدِيدًا ثُمَّ قالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ » أيِ اسْتَفْتِحْ قِراءَتَكَ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وإنَّما قالَ الَّذِي خَلَقَ لِأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَعْبُدُ آلِهَةً لَيْسَ فِيهِمْ خالِقٌ غَيْرُهُ تَعالى، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ لِيَزُولَ عَنْهُ الِالتِباسُ.

«رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ بَعْدَها ﴿ ن والقَلَمِ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ والضُّحى ﴾ » .

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ يُرِيدُ بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ كُلِّهِمْ، خُلِقُوا مِن عَلَقٍ بَعْدَ النُّطْفَةِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، والعَلَقَةُ قِطْعَةٌ مِن دَمٍ رَطْبٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعْلَقُ لِرُطُوبَتِها بِما تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَإذا جَفَّتْ لَمْ تَكُنْ عَلَقَةً، قالَ الشّاعِرُ تَرَكْناهُ يَخِرُّ عَلى يَدَيْهِ يَمُجُّ عَلَيْهِما عَلَقَ الوَتِينِ وَيَحْتَمِلُ مُرادُهُ بِذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُبَيِّنَ قَدْرَ نِعْمَتِهِ عَلى الإنْسانِ بِأنَّ خَلَقَهُ مِن عَلَقَةٍ مَهِيئَةٍ حَتّى صارَ بَشَرًا سَوِيًّا وعاقِلًا مُتَمَيِّزًا.

الثّانِي: أنَّهُ كَما نُقِلَ الإنْسانُ مِن حالٍ إلى حالٍ حَتّى اسْتَكْمَلَ، كَذَلِكَ نَقْلُكَ مِنَ الجَهالَةِ إلى النُّبُوَّةِ حَتّى تَسْتَكْمِلَ مَحَلَّها.

﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ أيِ الكَرِيمُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: اقْرَأْ بِأنَّ رَبَّكَ هو الأكْرَمُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما تَقَدَّمَ مِن نِعَمِهِ دَلَّ بِها عَلى نِعْمَةِ كَرَمِهِ.

قالَ إبْراهِيمُ بْنُ عِيسى اليَشْكَرِيُّ: مِن كَرَمِهِ أنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ وهو يَعْبُدُ غَيْرَهُ.

﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ عَلِّمِ الكاتِبَ أنْ يَكْتُبَ بِالقَلَمِ، وسُمِّيَ قَلَمًا لَأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ يُقْطَعُ، ومِنهُ تَقْلِيمُ الظُّفْرِ.

وَرَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةَ أشْياءَ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ لِسائِرِ الخَلْقِ: كُنْ، فَكانَ، القَلَمَ والعَرْشَ وجَنَّةَ عَدْنٍ وآدَمَ.

وَفِيمَن عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

الثّانِي: إدْرِيسُ وهو أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ كُلَّ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ لِأنَّهُ ما عَلِمَ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ، وجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في خَلْقِهِ وبَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في تَعْلِيمِهِ اسْتِكْمالًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِ.

﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: عَلَّمَهُ كُلَّ صُنْعِهِ عَلِمَها فَتَعَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلَّمَهُ مِن حالِهِ في ابْتِداءِ خَلْقِهِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى خَلْقِهِ وأنْ يَنْقُلَهُ مِن بَعْدُ عَلى إرادَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ الناهي: أبا جهل.

﴿ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ أي انه يرى ذلك فيجازيه (١) (١) وهذا جواب لجميع ما تقدم من قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ قاله السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 494.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى * أَوْ أَمَرَ بالتقوى ﴾ أرأيت في الموضوع الذي قبله والذي بعده بمعنى: أخبرني؛ فكأنه سؤال يفتقر إلى جواب وفيها معنى التعجيب والتوقيف والخطاب فيها يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل مخاطب من غير تعيين، وهي تتعدى إلى مفعولين وجاءت بعدها إن الشرطة في موضعين وهما قوله: ﴿ إِن كَانَ على الهدى ﴾ وقوله: ﴿ إِن كَذَّبَ وتولى ﴾ فيحتاج إلى كلام في مفعولي أرأيت في المواضع الثلاثة، وفي جواب الشرطين وفي الضمائر المتصلة بهذه الأفعال، وهي إن كان على الهدى، وأمر بالتقوى وكذب وتولى، على من تعود هذه الضمائر؟

فقال الزمخشري: إن قوله الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأولى وأن الجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد فهو زائدة لا تحتاج إلى مفعول وإن قوله: ألم يعلم بأن الله يرى هو جواب قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للذي نهى عن الصلاة وهو أبو جهل، وكذلك الضمير في قوله إن كذب وتولى وتقديره الكلام على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبداً إذا صلى، إن كان هذا الناهي على الهدى أو كذب وتولى؟

ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله من هداه وضلاله وتكذيبه ونهيه عن الصلاة وغير ذلك؟

فمقصود الآية تهديد له وزجر وإعلام بأن الله يراه.

وخالفه ابن عطية في الضمائر فقال: إن الضمير في قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: إن كذب وتولى للذي نهى عن الصلاة، وخالفه أيضاً في جعله أرأيت الثانية مكررة للتأكيد وقال: إنها في المواضع الثلاثة توقيف وأن جوابه في المواضع الثلاثة قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى ﴾ يصلح مع كل مع واحد منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اختصاراً.

وخالفهما أيضاً الغزنوي في الجواب فقال: إن جواب قوله: إن كان على الهدى محذوف فقال: إن تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس هو على الحق واتباعه واجب، والضمير على هذا يعود على العبد الذي صلى وفاقاً لابن عطية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن هذه السورة أول سورة نزلت على رسول الله  ، وأول وحي أوحي إليه.

وقيل: غير هذه هي الأولى.

ثم الإشكال أنه أمره بأن يقرأ باسم ربك الذي خلق، وحق هذا ونحوه إذا قيل له: اقرأ، أو افعل: ألا يقول مثل ما قيل له: اقرأ أو افعل؛ لأنه أمر في الظاهر إنما يكون عليه الائتمار بذلك، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، و [، ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ  ﴾ ] وكذلك على هذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ...

 ﴾ وأمثال ذلك، يجب ألا يقول هو مثل ما قيل: له: ﴿ قُلْ ﴾ ، أو: ﴿ ٱقْرَأْ ﴾ ، ولكن يقول: "يا أيها الكافرون"، ويقول: "هو الله أحد"، "أعوذ برب الفلق"، "أعذوب برب الناس"، هذا هو وجه الكلام ومعناه.

وجوابه أنه يحتمل وجوها: أحدها: [أنه] أريد بهذا أن يكون قرآنا يقرأ هكذا في حق القراءة يبقى، ويثبت في المصاحف إلى آخر الدهر؛ ليعلم كيف قيل لرسول الله؟

وكيف أوحي إليه؟

وأنه لم يترك مما قيل له حرفا واحدا؛ ليكون حجة لرسالته وآية لنبوته، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون كذلك على خلاف المفهوم من كلام الناس؛ لئلا يكون المفهوم من وحي السماء والمنزل منها كخطاب بعض بعضا، ولكن خلاف [المفهوم] منه.

والثاني: أن يكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، خطاب جبريل -  - رسول الله  به، وأمره أن يقرأ، ثم يأمر رسول الله  غيره بذلك، وذلك الغير يقول لآخر كذلك؛ فيكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ يحتمل أن يريد به [أي]: افتتح القراءة باسم ربك على ما جعل افتتاح كل شيء باسم الرب -  - لينال بركة ذلك فيه.

والثاني: أن يكون ما ذكر على اثر اسم ربه، وهو تفسير اسم ربه؛ حيث قال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ؛ فيكون هذا تفسيرا لما ذكر من اسم ربه.

أو يكون قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ كما يقال: "أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت"، وذلك الاسم مكتوم بين أسمائه.

ثم قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ يخرج إضافته إليه مخرج التعظيم لرسول الله  ، وخصوصيته له؛ على ما ذكرنا إن إضافة خاصية الأشياء إلى الله -  - تخرج مخرج تعظيم ذلك الخاص، من ذلك قوله: [ ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ  ﴾ ] و ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، ونحو ذلك من إافة خاصية الأشياء إليه؛ وإضاضفة كلية الاشياء إلى الله -  - تخرج مخرج تعظيم الرب والمحمدة له، نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

ثم لا يجوز إضافة الخاص الذي لا خصوصية ظهرت له إلى الله -  - لا يجوز أن يقال: يا رب زيد، ويا رب عمرو، ونحو ذلك؛ إنما يجوز ذلك فيمن ظهرت له خصوصية [و] فضل من الأنبياء والرسل والملائكة، عليهم السلام، والبقاع والأمكنة التي ظهرت لها خصوصية وفضل؛ ليكون ذلك تعظيما لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ : العلق: الدم الجامد، [ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ] أراد به كل إنسان، و ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ كذلك؛ ليعلم أن الاسم الفرد [إذا دخله] لام التعريف أريد به العموم، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ .

ثم في الآية دلالة على إبطال قول من يدعي طهارة النطفة؛ بعلة أن الإنسان خلق منها؛ فإنه أخبر أنه خلق الإنسان من علق، نسب خلق الإنسان إليه، ولا شك أن العلق نجس، ثم أخبر أنه خلق الإنسان منه؛ فعلى ذلك جائز أن تكون النطفة التي منها يخلق الإنسان نجسة، وذلك غير مستحيل.

ثم أضاف [خلقه مرة أخرى إلى] الأحوال التي قلب منها، حيث قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وأضاف هاهنا إلى حالة واحدة، وهي العلقة التي ذكر، وإن لم يكن الإنسان في الحقيقة مخلوقا من العلقة والنطفة والتراب الذي ذكر؛ لأن هذه [الأسماء] أسامي هذه الأشياء باعتبار خاصيات فيها، وتلك الخاصيات تنعدم باعتراض حال أخرى عليها، وإنما يخلق الإنسان من المضغة وإنما خلق الإنسان منه، ونسبه إلى ما ذكر؛ لما أن الإنسان هو المقصود من [خلق ذلك، وهو النهاية التي ينتهي إليها، فذكر بالذي ينتهي إليه من] الغاية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ : ذكر ﴿ ٱلأَكْرَمُ ﴾ ؛ ليعلم أن اختياره واصطفاءه لرسالته ونبوته، وتعليم القرآن ابتداء إحسان من [إليه] وتفضل عليه، لا بحق له عليه؛ إذا ذكر في موضع المنة والفضل والكرم؛ إذ الأكرم هو الوصف لغاية الكرم؛ كلأعلم وصف بإحاطة العلم وكماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .

جعل الله -  - القلم سببا به يحفظ، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يحخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم، لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم.

ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ ، أي: علم الخط والكتابة بالقلم.

وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة -  م -: (علم الخط بالقلم).

ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه.

وكذلك قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم.

ويحتمل إضافته إليه؛ للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، [والله أعلم].

ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته، لا لرسول الله  ؛ لأنه علم أياه بلا كناية ولا خط؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ، ثم في تعليم رسول الله  بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا كتابة، ولا خط يخطه.

ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يحتلم رسول الله  ؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ  ﴾ .

ويحتمل [قوله]: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ : كل إنسان؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً  ﴾ .

وقوله - عز جل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ : طغى بالغنى، أي: تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية، وعلى هذا ما روي في الخبر [من] التعوذ من غنى يطغي، وفقر ينسي؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار، والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي: هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم، أعني: ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ ، ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل -: أبي جهل لعنه الله - ولكن كل كافر يطغى؛ إن رأى نفسه غنية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ : أي: المرجع كذا قال أبو عبيد.

وقال غيره: الرجوع.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ ، أي: المرجع للكل إلى ما أعد لهم: أعد للكافر النار، وللمؤمن الجنة؛ على ما ذكر في الآية.

وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴾ ، أريد به إنسان دون إنسان؛ إذ لم يطغ كل إنسان، ولا يخلف يقع في خبر الله  ؛ فكأن المراد منه: البعض؛ ليعلم أن الفهم بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منهز وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم يعلم ناهي هذا العبد عن الصلاة أنّ الله يرى ما يصنع، لا يخفى عليه منه شيء؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.OQnDB"

مزيد من التفاسير لسورة العلق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله