بذل المال لتولية القضاء ودفع الرشوة له

الإسلام > القضاء والشهادة > القضاء والشهادة > بذل المال لتولية القضاء ودفع الرشوة له

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

بذل المال لتولية القضاء ودفع الرشوة له - الأقوال والأدلة

بَذلُ المالِ لتَوليةِ القَضاءِ ودَفعُ الرِّشوةِ له:

اتفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ لمْ يَكنْ أَهلًا للقَضاءِ يَحرمُ عليه بَذلُ رِشوةٍ ليُنصبَ قاضيًا ولا يَنفذُ قَضائُه حينَئذٍ.

قالَ الإِمامُ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: «ولو أخَذَ القَضاءَ بالرِّشوةِ لا يَصيرُ قاضيًا بالاتفاقِ» (١).

قالَ الحَنفيةُ: «إذا أخَذَ القَضاءَ بالرِّشوةِ أيْ: بمالٍ دفَعَه لتَوليتِه؛ لمْ تَصحَّ تَوليتُه، ولا يَصيرُ قاضيًا ولو قَضى لمْ يَنفذْ» (٢).

وقالَ الإِمامُ الطَّرابلسيُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا تَحصيلُ القَضاءِ بالرِّشوةِ: قالَ في الخُلاصةِ: «ومَن أخَذَ القَضاءَ برِشوةٍ فالصَّحيحُ أنَّه لا يَصيرُ قاضيًا، ولو قَضى لا يَنفذُ حُكمُه، وبه يُفتي الإِمامُ، لو قلَّدَ برِشوةٍ أخَذَها هو أو قَومٌ عالمًا به لمْ يَجزْ تَقليدُه كقَضائِه برِشوةٍ».

وقالَ في النَّوازلِ: «مَنْ أخَذَ القَضاءَ برِشوةٍ أو بشُفعاءَ فهو كمُحكمٍ، لو رَفعَ حُكمَه إلى قاضٍ آخرَ يُمضيه لو وافقَ رَأيَه وإلا أبطَلَه، مَنْ أخَذَ برِشوةٍ لا يَنفذُ حُكمُه بلا حاجةٍ إلى نَقضِه، ومَن أخَذَ بشُفعاءَ فهو كمَن تقلَّدَه بحَقِّ القاضِي لو ارتَشى وحكَمَ نفَذَ حُكمُه فيما لمْ يَرتشِ لا فيما ارتَشى».

مِنْ المَحيطِ قالَ في نَوادرِ ابنِ رُستمَ: «نفَذَ فيهما قالَ بعضُ المَشايخِ: بطَلَ فيهما وبالأَولِ أخَذَ شَمسُ الأَئمةِ السَّرخسيُّ.

(١) «جواهر العقود» (٢/ ٢٩٠).
(٢) «تبين الحقائق» (٤/ ١٧٥، ١٧٦)، و «البحر الرائق» (٦/ ٢٨٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٣٦٣)، و «معين الحكام» (١/ ٩).

ولو ارتَشى وَلدُه أو بعضُ أَعوانِه فلو كانَ بأَمرِه ورِضاه فهو كارتِشائِه، فقَضاؤُه مَردودٌ، ولو كانَ بلا عِلمِه نفَذَ حُكمُه، وعلى المُرتشي رَدُّ ما قبَضَ.

ولو ارتَشى فقَضى، أو قَضى ثُم ارتَشى أو ارتَشى ابنُه أو مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه لمْ يَنفذُ حُكمُه؛ لأنَّه عاملٌ لنَفسِه أو لابنِه» (١).

وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ فَرحونَ رحمة الله عليه: «أمَّا تَحصيلُ القَضاءِ بالرِّشوةِ فهو أَشدُّ كَراهةً»

وقالَ أَبو العَباسِ مِنْ تَلامذةِ ابنِ سُريجٍ الشافِعيِّ في كِتابِ أَدبِ القَضاءِ: «مَنْ تَقبلَ القَضاءَ بقَبالةٍ وأُعطيَ عليه رِشوةً فوِلايتُه باطلة وقَضاؤُه مَردودٌ، وإنْ كانَ قد حكَمَ بحَقٍّ، قالَ: وإنْ أُعطيَ رِشوةً على عَزلِ قاضٍ ليُولى مَكانَه فكذلك أيضًا، وإنْ أَعطاها على عَزلِه دونَ وِلايةٍ فعُزلَ الأَولُ برِشوةٍ، ثُم استَقضى هو مَكانَه بغيرِ رِشوةٍ نُظرَ في المَعزولِ فإنْ كانَ عَدلًا فإِعطاءُ الرِّشوةِ على عَزلِه حرامٌ والمَعزولُ باقٍ على وِلايتِه إلا أنْ يَكونَ مَنْ عزَلَه قد تابَ برَدِّ الرِّشوةِ قبلَ عَزلِه، وقَضاءُ المُستخلَفِ أيضًا باطلٌ إلا أنْ يَكونَ المُستخلَفُ أيضًا قد تابَ قبلَ الوِلايةِ فيَصحُّ قَضاؤُه، فإنْ كانَ المَعزولُ جائرًا لمْ يَبطلْ قَضاءُ المُستخلَفِ. قالَ المُؤلِّفُ أَبو العَباسِ: قلْتُ: هذا تَخريجٌ على مَذهبِ الشافِعيِّ والحَنفيِّ -رحمهما الله-». انتهى (٢).

(١) «معين الحكام» (١/ ٩).
(٢) «تبصرة الحكام» (١/ ١٣)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٧٣، ٧٤)، و «منح الجليل» (٨/ ٢٦٩).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو كانَ يَستحقُّ الباذلُ للرِّشوةِ أو المالِ مُستحقًا للقَضاءِ، لكنَّه لا يَستطيعُ أنْ يَحصلَ على مَنصبِ القاضِي إلا بدَفعِ الرِّشوةِ، هل يَجوزُ له بَذلُ المالِ لتَحصيلِ القَضاءِ أم يَحرمُ مُطلقًا؟

فنصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الجُملةِ عندَهم على تَفصيلٍ يَأتي بَيانُه- إلى أنَّه يَجوزُ بَذلُ المالِ والرِّشوةِ إذا تعيَّنَ للقَضاءِ ولمْ يَستطعْ أنْ يَتولى إلا برِشوةٍ.

قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: «لمْ أَرَ حُكمَ ما إذا تعيَّنَ -أي تعيَّنَ عليه القَضاءُ- ولمْ يُولَّ إلا بمالٍ، هل يَحلُّ بَذلُه؟ وكذا لمْ أَرَ حُكمَ جَوازِ عَزلِه، ويَنبغي أنْ يَحلَّ بَذلُه للمالِ كما حلَّ طَلبُه، وأنْ يَحرمَ عَزلُه حيثُ تعيَّنَ، وألَّا يَصحَّ عَزلُه» (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ عابدِين بعدَما نقَلَ كَلامَ ابنِ نُجيمٍ رحمة الله عليه: «قالَ في النَّهرِ: هذا ظاهرٌ في صِحةِ تَوليتِه، وإِطلاقُ المُصنِّفِ يَعني قَولَه: «ولو أخَذَ القَضاءَ بالرِّشوةِ لا يَصيرُ قاضيًا» يَردُّه، وأمَّا عَدمُ صِحةِ عَزلِه فمَمنوعٌ» (٢).

وأمَّا المالِكيةُ فيَرى الإِمامُ الدِّرديرُ رحمة الله عليه أنَّه يَجوزُ بَذلُ المالِ في طَلبِ القَضاءِ في ثَلاثةِ أَحوالٍ:

الأَولُ: أنْ يَكونَ مُتعينًا عليه.

(١) «البحر الرائق» (٦/ ٢٩٧، ٢٩٨).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٣٦٦).

الثَّاني: أنْ يَخافَ فِتنةً على نَفسِه أو مالِه أو وَلدِه، وإنْ لمْ يَنفردْ بشُروطِ القَضاءِ إنْ لمْ يَتولَّ.

الثالثُ: أنْ يَخافَ ضَياعَ الحَقِّ على أَربابِه بسَببِ تَوليةِ غيرِه -بأنْ كانَ مِمَّنْ تَحرمُ وِلايتُه- فإنْ لمْ يَقبلْ تَضيعُ حُقوقُ الناسِ فيَلزمُه.

قالَ الدِّرديرُ: «ولا يَضرُّه بَذلُ مالٍ في طَلبِه حينَئذٍ؛ لأنَّه لأَمرٍ مُتعيِّنٍ عليه».

قالَ الإِمامُ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (ولا يَضرُّه بَذلُ مالٍ في طَلبِه حينَئذٍ) أيْ: حينَ إذْ تعيَّنَ عليه أو خافَ الفِتنةَ أو ضياعَ الحَقِّ إنْ لمْ يَتولَّ، وفي بن قالَ الشَّيخُ المِسناويُّ: قالَ ابنُ مَرزوقٍ: يَجبُ عليه الطَّلبُ إنْ لمْ يَكنْ بمالٍ، وأفرَطَ قَومٌ كعج ومَن تبِعَه فقالوا: «ولو بمالٍ». وفي ح ما نَصَّه: انظرْ إذا قيلَ يَلزمُه الطَّلبُ فطلَبَ فمُنعَ مِنْ التَّوليةِ إلا ببَذلِ مالٍ فهل يَجوزُ له بَذلُ ذلك؟ والظاهرُ أنَّه لا يَجوزُ له؛ لأنَّهم قالوا: إنَّما يَلزمُه القَبولُ إذا تعيَّنَ عليه إنْ كانَ يُعانُ على الحَقِّ، وبَذلُ المالِ في القَضاءِ مِنْ الباطلِ الذي لمْ يُعنْ على تَركِه فيَحرمُ حينَئذٍ» (١).

وقالَ الشافِعيةُ: «إنْ توقَّفَ طَلبُه للقَضاءِ على بَذلِ مالٍ وكانَ واجبًا عليه لزِمَه أنْ يَبذلَ المالَ ليُصبحَ قاضيًا كما يَلزمُه شِراءُ الرَّقبةِ للكَفارةِ والطَّعامِ في المَجاعةِ.

ومَن استُحبَّ له وِلايةُ القَضاءِ إذا دُعيَ إليه فهل يُستحبُّ له طَلبُه وبَذلُ العِوضِ منه لذلك؟ فيه قَولانِ:

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٦).

فمنهم مَنْ قالَ: يُستحبُّ له طَلبُه؛ لقَولِه تَعالى إِخبارًا عن يُوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥] الآيةُ، فطلَبَ الاستِئمانَ.

ويَجوزُ له بَذلُ العِوضِ؛ ذلك لأنَّه يَتوصلُ به إلى مَطلوبِه.

ومنهم مَنْ قالَ: لا يُستحبُّ له ذلك، ولا يَجوزُ له بَذلُ العِوضِ؛ لمَا رُويَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ: «يا عبدَ الرَّحمنِ! لا تَسألِ الإِمارةَ؛ فإنَّك إنْ أُعطيتَها عن مَسألةٍ؛ وُكلْتَ إليها، وإنْ أُعطيتَها عن غيرِ مَسألةٍ؛ أُعنْتَ عليها».

ورَوى أَنسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ طلَبَ القَضاءَ فاستَعانَ عليه وُكلَ إليه، ومَن لمْ يَطلبِ القَضاءَ ولمْ يَستعنْ عليه .. أنزَلَ اللهُ تَعالى إليه مَلكًا ليُسددَه».

ومَن قالَ بالأَولِ حمَلَ الخبَرَ على مَنْ طلَبَ ذلك مَحبةً للرِّياسةِ، فأمَّا إذا طلَبَ ذلك للقُربةِ أو لحُصولِ كِفايتِه فلا بَأسَ عليه بذلك» (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فذَهُبوا إلى أنَّه يَحرمُ بَذلُ المالِ في تَوليةِ القَضاءِ مُطلقًا، ويَحرمُ على مَنْ بُذلَ له المالُ في القَضاءِ أَخذُه وهو مِنْ أَكلِ أَموالِ الناسِ بالباطلِ (٢).

(١) «البيان» (١٣/ ١١، ١٢)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٣٨)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٨٤، ٢٨٦)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٧٣، ٧٤).
(٢) «كشاف القناع» (٦/ ٣٦٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٦٤)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٤٥٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٨ - مسألة؛ قال: (ولا ينقض من حكم غيره إذا رفع إليه، إلا ما خالف نص كتاب، أو سنة، أو إجم

١٨٦٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَنْقُضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ، إلَّا مَا خالَفَ نصَّ كِتَابٍ، أوْ سُنَّةٍ، أوْ إِجْمَاعًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 320 - 324

ارجع إلى القضاء والشهادة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 16 ربيع الآخر
أحدب متناقص اليوم 17.4 / 29.5
الإضاءة 92%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
سبحان الله