الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وخمسين > روايات أخرى في مقتله
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة إحدى وخمسين
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَتَاهُ الشِّيعَةُ فَقَالُوا: مَا قَالُ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالُوا: مَا نَصَحَ لَكَ. وَسَارَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ شَيْخُنَا. وَإِذَا جَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ مَشَوْا مَعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ نَائِبُ زِيَادٍ عَلَى الْكُوفَةِ، يَقُولُ: مَا هَذِهِ الْجَمَاعَةُ وَقَدْ أَعْطَيْتَ الْأَمِيرَ مَا قَدْ عَلِمْتَ؟ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: إِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، إِلَيْكَ وَرَاءَكَ أَوْسَعَ لَكَ. فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ إِلَى زِيَادٍ: إِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ بِالْكُوفَةِ فَالْعَجَلَ.
فَأَعْجَلَ زِيَادٌ السَّيْرَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ بَعَثَ إِلَيْهِ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، وَخَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِيَنْهَوْهُ عَنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، فَأَتَوْهُ فَجَعَلُوا يُحَدِّثُونَهُ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، بَلْ جَعَلَ يَقُولُ: يَا غُلَامُ، اعْلِفِ الْبَكْرَ. لِبَكْرٍ مَرْبُوطٍ فِي الدَّارِ. فَقَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: أَمْجَنُونٌ أَنْتَ؟ نُكَلِّمُكَ وَأَنْتَ تَقُولُ: يَا غُلَامُ، اعْلِفِ الْبَكْرَ! ثُمَّ قَالَ عَدِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا الْبَائِسَ بَلَغَ بِهِ الضَّعْفُ كُلَّ مَا أَرَى.
ثُمَّ نَهَضُوا فَأَخْبَرُوا زِيَادًا بِبَعْضِ الْخَبَرِ وَكَتَمُوهُ بَعْضًا، وَحَسَّنُوا أَمْرَهُ وَسَأَلُوهُ الرِّفْقَ بِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، بَلْ بَعَثَ إِلَيْهِ الشُّرَطَ وَالْبُخَارِيَّةَ، فَأَتَى بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: زِيَادٌ: وَيْلَكَ مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي عَلَى بَيْعَتِي لِمُعَاوِيَةَ. فَجَمَعَ زِيَادٌ سَبْعِينَ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا شَهَادَتَكُمْ عَلَى حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ. فَفَعَلُوا ثُمَّ أَوْفَدَهُمْ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَائِشَةَ، فَأَرْسَلَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ تَسْأَلُهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ قَرَأَ كِتَابَ زِيَادٍ، وَشَهِدَ الشُّهُودُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اخْرُجُوا بِهِمْ إِلَى عَذْرَاءَ، فَاقْتُلُوهُمْ هُنَاكَ.
فَذَهَبُوا بِهِمْ، ثُمَّ قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ مُعَاوِيَةَ بِالتَّخْلِيَةِ عَنْهُمْ، وَأَنْ يُطْلِقُوهُمْ كُلَّهُمْ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعَةً فَأَطْلَقُوا السَّبْعَةَ الْبَاقِينَ، وَلَكِنْ كَانَ حُجْرٌ فِيمَنْ قُتِلَ، وَكَانَ قَدْ سَأَلَهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَطَوَّلَ فِيهِمَا، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَأَخَفُّ صَلَاةٍ صَلَّيْتُهَا. وَجَاءَ رَسُولُ عَائِشَةَ بَعْدَ مَا فُرِغَ مِنْ شَأْنِهِمْ، فَلَمَّا حَجَّ مُعَاوِيَةُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: أَيْنَ عَزَبَ عَنْكَ حِلْمُكَ حِينَ قَتَلْتَ حُجْرًا؟ فَقَالَ: حِينَ غَابَ عَنِّي مِثْلُكِ مِنْ قَوْمِي.
وَيُرْوَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ أَقَتَلْتَ حُجْرَ بْنَ الْأَدْبَرِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَتْلُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ مَعَهُ مِائَةَ أَلْفٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَالُونَ مِنْ عُثْمَانَ، وَيَقُولُونَ فِيهِ مَقَالَةَ الْجَوْرِ، وَيَنْتَقِدُونَ عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَيُسَارِعُونَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَيُبَالِغُونَ فِي ذَلِكَ، وَيَتَوَلَّوْنَ شِيعَةَ عَلِيٍّ، وَيَتَشَدَّدُونَ فِي الدِّينِ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا أُخِذَ فِي قُيُودِهِ سَائِرًا مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ، تَلَقَّتْهُ بَنَاتُهُ فِي الطَّرِيقِ وَهُنَّ يَبْكِينَ، فَمَالَ نَحْوَهُنَّ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: إِنِ الَّذِي يُطْعِمُكُنَّ وَيَسْقِيكُنَّ وَيَكْسُوكُنَّ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ بَاقٍ لَكُنَّ بَعْدِي، فَعَلَيْكُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَالصَّبْرِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ أَبَدًا، فَاتَّقِينَ اللَّهَ وَاصْبِرْنَ، فَإِنِّي لَأَرْجُو مِنْ رَبِّي، صلى الله عليه وسلم، فِي وَجْهِي هَذَا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ; إِمَّا الشَّهَادَةَ وَهِيَ السَّعَادَةُ الْكُبْرَى، وَإِمَّا الِانْصِرَافَ إِلَيْكُنَّ فِي عَافِيَةٍ، وَإِنِّي لَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ الَّذِي كَانَ يَكْفِينِي مُؤْنَتَكُنَّ أَنْ لَا يُضَيِّعَكُنَّ وَأَنْ يَحْفَظَنِي فَيْكُنَّ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَرَّ بِقَوْمِهِ فَجَعَلُوا يَدْعُونَ اللَّهَ لَهُ بِالْعَافِيَةِ، فَأَتَوْا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ مَرْجَ عَذْرَاءَ فَقُتِلُوا وَدَفَنُوهُمْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، رضي الله عنه وَعَفَا عَنْهُمْ.
وَقَدْ قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُتَشَيِّعَاتِ تَرْثِي حُجْرًا، وَهِيَ هِنْدُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ مَخْرَمَةَ - الْأَنْصَارِيَّةُ - وَيُقَالُ: إِنَّهَا لِهِنْدٍ أُخْتِ حُجْرٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ -:
تَرَفَّعْ أَيُّهَا الْقَمَرُ الْمُنِيرُ … تَبَصَّرْ هَلْ تَرَى حُجْرًا يَسِيرُ يَسِيرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ حَرْبٍ … لِيَقْتُلَهُ كَمَا زَعَمَ الْأَمِيرُ يَرَى قَتْلَ الْخِيَارِ عَلَيْهِ حَقًّا … لَهُ مِنْ شَرِّ أُمَّتِهِ وَزِيرُ أَلَّا يَا لَيْتَ حُجْرًا مَاتَ مَوْتًا … وَلَمْ يُنْحَرْ كَمَا نُحِرَ الْبَعِيرُ تَجَبَّرَتِ الْجَبَابِرُ بَعْدَ حُجْرٍ … وَطَابَ لَهَا الْخَوَرْنَقُ وَالسَّدِيرُ وَأَصْبَحَتِ الْبِلَادُ لَهُ مُحُولًا … كَأَنْ لَمْ يُحْيِهَا مُزْنٌ مَطِيرُ أَلَّا يَا حُجْرُ حُجْرَ بَنِي عَدِيٍّ … تَلَقَّتْكَ السَّلَامَةُ وَالسُّرُورُ أَخَافُ عَلَيْكَ مَا أَرْدَى عَدِيٍّا … وَشَيْخًا فِي دِمَشْقَ لَهُ زَئِيرُ فَإِنْ تَهْلِكْ فَكُلُّ زَعِيمِ قَوْمٍ … مِنَ الدُّنْيَا إِلَى هُلْكٍ يَصِيرُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ لَهُ مَرَاثِيَ كَثِيرَةً.