الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وخمسين > قصة مقتله
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة إحدى وخمسين
فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الْمُغِيرَةِ قَامَ حُجْرٌ يَوْمًا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ وَصَاحَ بِهِ، وَذَمَّهُ بِتَأْخِيرِهِ الْعَطَاءِ عَنِ النَّاسِ، وَقَامَ مَعَهُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ لِقِيَامِهِ، يُصَدِّقُونَهُ وَيُشَنِّعُونَ عَلَى الْمُغِيرَةِ، وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَصْرَ الْإِمَارَةِ، وَدَخَلَ مَعَهُ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَشَارُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بِأَنْ يَرُدَّ حُجْرًا عَمَّا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى السُّلْطَانِ وَشَقِّ الْعَصَا وَالْقِيَامِ عَلَى الْأَمِيرِ وَذَمَرَوهُ وَحَثُّوهُ عَلَى التَّنْكِيلِ بِهِ، فَصَفَحَ عَنْهُ وَحَلُمَ.
وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ يَسْتَمِدُّهُ بِمَالٍ يَبْعَثُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَبَعَثَ عِيرًا تَحْمِلُ مَالًا فَاعْتَرَضَ لَهَا حُجْرٌ، فَأَمَسَكَ بِزِمَامِ أَوَّلِهَا، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى يُوَفِّيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقَالَ شَبَابُ ثَقِيفٍ لِلْمُغِيرَةِ: أَلَّا نَأْتِيكَ بِرَأْسِهِ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ بِحُجْرٍ. فَتَرَكَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ ذَلِكَ عَزَلَ الْمُغِيرَةَ وَوَلَّى زِيَادًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَعْزِلِ الْمُغِيرَةَ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، صلى الله عليه وسلم، وَجُمِعَتِ الْكُوفَةُ مَعَ الْبَصْرَةِ لِزِيَادٍ دَخَلَهَا، وَقَدِ الْتَفَّ عَلَى حُجْرٍ جَمَاعَاتٌ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ يُقَوُّونَهُ وَيَشُدُّونَ أَمْرَهُ عَلَى يَدِهِ، وَيَسُبُّونَ مُعَاوِيَةَ وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا زِيَادٌ بِالْكُوفَةِ، ذَكَرَ فِي آخِرِهَا فَضْلَ عُثْمَانَ، وَذَمَّ مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ.
فَقَامَ حُجْرٌ كَمَا كَانَ يَقُومُ فِي أَيَّامِ الْمُغِيرَةِ، وَتَكَلَّمَ بِنَحْوٍ مِمَّا قَالَ لِلْمُغِيرَةِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ زِيَادٌ، ثُمَّ رَكِبَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حُجْرًا مَعَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ لِئَلَّا يُحْدِثُ حَدَثًا، فَقَالَ: إِنِّي مَرِيضٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَمَرِيضُ الدِّينِ وَالْقَلْبِ وَالْعَقْلِ وَاللَّهِ لَئِنْ أَحْدَثْتَ شَيْئًا لَأَسْعَيَنَّ فِي قَتْلِكَ ثُمَّ سَارَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فَبَلَغَهُ أَنَّ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ أَنْكَرُوا عَلَى نَائِبِهِ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَحَصَبُوهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَرَكِبَ زِيَادٌ إِلَى الْكُوفَةِ فَنَزَلَ الْقَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ قَبَاءُ سُنْدُسٍ، وَمِطْرَفُ خَزٍّ أَحْمَرُ، قَدْ فَرَقَ شَعْرَهُ، وَحُجْرٌ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ أَكْثَرَ مَا كَانُوا يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ مَنْ لَبِسَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ،
وَجَلَسُوا حَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْحَدِيدِ وَالسِّلَاحِ، فَخَطَبَ زِيَادٌ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ غِبَّ الْبَغْيِ وَالْغَيِّ وَخِيمٌ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ جَمُّوا فَأَشِرُوا وَأَمِنُونِي فَاجْتَرَءُوا عَلَيَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمَّ تَسْتَقِيمُوا لِأُدَاوِيَنَّكُمْ بِدَوَائِكُمْ. ثُمَّ قَالَ: مَا أَنَا بِشَيْءٍ إِنْ لَمْ أَمْنَعْ سَاحَةَ الْكُوفَةِ مِنْ حُجْرٍ، وَأَدَعْهُ نَكَالًا لِمَنْ بَعْدَهُ، وَيْلُ أُمِّكُ يَا حُجْرُ، سَقَطَ بِكَ الْعَشَاءُ عَلَى سِرْحَانٍ. ثُمَّ قَالَ:
أَبْلِغْ نُصَيْحَةَ أَنَّ رَاعِيَ إِبْلِهَا … سَقَطَ الْعَشَاءُ بِهِ عَلَى سِرْحَانِ
وَجَعَلَ زِيَادٌ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ حُجْرٌ: كَذَبْتَ. فَسَكَتَ زِيَادٌ وَنَظَرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ زِيَادٌ: إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. يَعْنِي كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَ حُجْرٌ كَفًّا مِنْ حَصًا فَحَصَبَهُ، وَقَالَ: كَذَبْتَ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ. فَانْحَدَرَ زِيَادٌ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْقَصْرَ، وَاسْتَحْضَرَ حُجْرًا، وَيُقَالُ: إِنْ زِيَادًا لَمَّا خَطَبَ طَوَّلَ الْخُطْبَةَ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ حُجْرٌ: الصَّلَاةَ. فَمَضَى فِي خِطْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الصَّلَاةَ. فَمَضَى فِي خِطْبَتِهِ فَلَمَّا خَشِيَ حُجْرٌ فَوْتَ الصَّلَاةِ عَمِدَ إِلَى كَفٍّ مِنْ حَصَا، وَثَارَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَثَارَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زِيَادٌ نَزَلَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ،
فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صِلَاتِهِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَمْرِهِ وَكَثَّرَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنْ شُدَّهُ فِي الْحَدِيدِ وَاحْمِلْهُ إِلَيَّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ زِيَادٌ وَالِيَ الشُّرْطَةِ، وَهُوَ شَدَّادُ بْنُ الْهَيْثَمِ وَمَعَهُ أَعْوَانُهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَطْلُبُكَ.
فَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ إِلَى زِيَادٍ، وَقَامَ دُونَهُ أَصْحَابُهُ، فَرَجَعَ الْوَالِي إِلَى زِيَادٍ فَأَعْلَمَهُ، فَاسْتَنْهَضَ زِيَادٌ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْقَبَائِلِ، فَرَكِبُوا مَعَ الْوَالِي إِلَى حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالْحِجَارَةِ وَالْعِصِيِّ، فَعَجَزُوا عَنْهُ، فَنَدَبَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَأَمْهَلَهُ ثَلَاثًا، وَجَهَّزَ مَعَهُ جَيْشًا، فَرَكِبُوا فِي طَلَبِهِ وَلَمْ يَزَالُوا حَتَّى أَحْضَرُوهُ إِلَى زِيَادٍ، وَمَا أَغْنَى عَنْهُ قَوْمُهُ وَلَا مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَنْصُرُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَيَّدَهُ زِيَادٌ وَسَجَنَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَّ الْخَلِيفَةَ، وَأَنَّهُ حَارَبَ الْأَمِيرَ، وَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا فِي آلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ; أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَإِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ وَمُوسَى بَنُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فِي سَبْعِينَ رَجُلًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كُتِبَتْ شَهَادَةُ شُرَيْحٍ الْقَاضِي فِيهِمْ، وَإِنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ لِزِيَادٍ: إِنَّهُ كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا.
ثُمَّ بَعَثَ زِيَادٌ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ مَعَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَكَثِيرِ بْنِ شِهَابٍ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ مَعَ حُجْرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ جَبَلَةَ الْكِنْدِيِّ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ قِيلَ: عِشْرُونَ رَجُلًا. وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. مِنْهُمُ; الْأَرْقَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ، وَشَرِيكُ بْنُ شَدَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَصَيْفِيُّ بْنُ فَسِيلٍ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ضُبَيْعَةَ بْنِ حَرْمَلَةَ الْعَبْسِيُّ، وَكَرِيمُ بْنُ عَفِيفٍ الْخَثْعَمِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عَوْفٍ الْبَجَلِيُّ، وَوَرْقَاءُ بْنُ سُمَيٍّ الْبَجَلِيُّ، وَكِدَامُ بْنُ حَيَّانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنَزِيَّانُ مِنْ بَنَى تَمِيمٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ شِهَابٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوِيَّةَ السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ أَيْضًا.
فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ وَصَلُوا مَعَهُ، فَسَارُوا بِهِمْ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ إِنَّ زِيَادًا أَتْبَعَهُمْ بِرَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ; عُتْبَةَ بْنِ الْأَخْنَسِ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَسَعْدِ بْنِ نَمِرَانَ الْهَمْدَانِيِّ، فَكَمَلُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَيُقَالُ: إِنَّ حُجْرًا لَمَّا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ رَكِبَ فَتَلَقَّاهُمْ إِلَى مَرْجِ عَذْرَاءَ. وَيُقَالُ: بَلْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَلَقَّاهُمْ إِلَى عَذْرَاءَ تَحْتَ الثَّنِيَّةِ; ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ فَقُتِلُوا هُنَاكَ، وَكَانَ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، وَهُمْ; هُدْبَةُ بْنُ فَيَّاضٍ الْقُضَاعِيُّ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيُّ، وَأَبُو شَرِيفٍ الْبَدِّيُّ، فَجَاءُوا إِلَيْهِمْ عَشَاءً فَبَاتَ حُجْرٌ وَأَصْحَابُهُ يَصِلُونَ طُولَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا صَلَّوُا الصُّبْحَ قَتَلُوهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ رَدَّهُمْ، فَقُتِلُوا بِعَذْرَاءَ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدِ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِيهِمْ حِينَ وَصَلُوا إِلَى مَرْجِ عَذْرَاءَ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ حُبِسُوا بِهَا.
فَمِنْ مُشِيرٍ بِقَتْلِهِمْ، وَمِنْ مُشِيرٍ بِتَفْرِيقِهِمْ فِي الْبِلَادِ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ كِتَابًا آخَرَ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِمْ إِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فِي مُلْكِ الْعِرَاقِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَاسْتَوْهَبَ مِنْهُ الْأُمَرَاءُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، حَتَّى اسْتَوْهَبُوا مِنْهُ سِتَّةً، وَقَتَلَ مِنْهُمْ سِتَّةً، أَوَّلُهُمْ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَرَجَعَ آخَرُ، فَعَفَا عَنْهُ مُعَاوِيَةُ، وَبَعَثَ بِآخَرَ نَالَ مِنْ عُثْمَانَ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَارَ فِي الْحُكْمِ، وَمَدَحَ عَلِيًّا، فَبَعَثَ بِهِ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ، وَقَالَ لَهُ: لَمْ تَبْعَثْ إِلَيَّ فِيهِمْ أَرْدَى مِنْ هَذَا. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى زِيَادٍ دَفَنَهُ فِي قُسِّ النَّاطِفِ حَيًّا، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنَزِيُّ.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِعَذْرَاءَ; حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَشَرِيكُ بْنُ شَدَّادٍ،
وَصَيْفِيُّ بْنُ فَسِيلٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الْعَبْسِيُّ، وَمُحْرِزُ بْنُ شِهَابٍ الْمِنْقَرِيُّ السَّعْدِيُّ، وَكِدَامُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنَزِيُّ الْمَبْعُوثُ إِلَى زِيَادٍ الْمَدْفُونُ فِي قُسِّ النَّاطِفِ، فَلَمَّا قُتِلُوا صُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَدُفِنُوا. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ مَدْفُونُونَ بِمَسْجِدِ الْقَصَبِ، - وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ مَدْفُونُونَ بِمَسْجِدِ السَّبْعَةِ خَارِجَ بَابِ تُومَاءَ - وَإِنَّمَا نُسِبَتِ السَّبْعَةُ إِلَيْهِمْ; لِأَنَّهُمْ سَبْعَةٌ - فِي شَرْقِيَّهِ، وَقِيلَ: هُمْ فِي غَرْبِيِّ مَسْجِدِ الْقَصَبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مَدْفُونُونَ بِعَذْرَاءَ مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ رضي الله عنه.
وَيُذْكَرُ أَنَّ حُجْرًا لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ قَالَ: دَعُونِي حَتَّى أَتَوَضَّأَ. فَقَالُوا: تَوَضَّأْ. فَقَالَ: دَعَونِي حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. فَصَلَّاهُمَا وَخَفَّفَ فِيهِمَا. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهُمَا، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ. لَطَوَّلْتُهُمَا. ثُمَّ قَالَ: قَدْ تَقَدَّمَ لَهُمَا صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ قَدَّمُوهُ لِلْقَتْلِ وَقَدْ حُفِرَتْ قُبُورُهُمْ وَنُشِرَتْ أَكْفَانُهُمْ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ السَّيَّافُ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ قُلْتَ: لَسْتُ بِجَازِعٍ مِنَ الْقَتْلِ. فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَجْزَعُ وَأَنَا أَرَى قَبْرًا مَحْفُورًا وَكَفَنًا مَنْشُورًا وَسَيْفًا مَشْهُورًا.
فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا. ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْأَعْوَرُ هُدْبَةُ بْنُ فَيَّاضٍ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ لَهُ: امْدُدْ عُنُقَكَ. فَقَالَ: لَا أُعِينُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِي. فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ. وَكَانَ قَدْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي قُيُودِهِ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: بَلْ غَسَّلُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ: أَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ فِي قُيُودِهِ؟! قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: حَجَّهُمْ وَاللَّهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا إِنَّمَا هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّ حُجْرًا إِنَّمَا قُتِلَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْحَسَنُ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَرَحِمَ اللَّهُ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ.
وَرُوِّينَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْتَلِ حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَتْ لَهُ: أَيْنَ ذَهَبَ عَنْكَ حِلْمُكَ يَا مُعَاوِيَةَ حِينَ قَتَلْتَ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ؟ فَقَالَ لَهَا: فَقَدْتُهُ حِينَ غَابَ عَنِّي مِنْ قَوْمِي مِثْلُكِ يَا أُمَّاهُ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: فَكَيْفَ بِرِّي بِكِ يَا أُمَّهْ؟ فَقَالَتْ: إِنَّكَ بِي لَبَارٌّ. فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا عِنْدَ اللَّهِ، وَغَدًا لِي وَلِحُجْرٍ مَوْقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وفِي
رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوتُ جَعْلَ يُغَرْغِرُ بِرُوحِهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ يَوْمِي بِكَ يَا حُجْرُ بْنَ عَدِيٍّ لَطَوِيلٌ. قَالَهَا ثَلَاثًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ»: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حُجْرًا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَخِيهِ هَانِئِ بْنِ عَدِيٍّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالِيًا عَلَى الْكُوفَةِ دَعَا بِحُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنِّي أَعْرِفُكَ، وَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكَ عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتَ - يَعْنِي مِنْ حُبِّ عَلِيٍّ - وَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُقْطِرَ لِي مِنْ دَمِكَ قَطْرَةً فَأَسْتَفْرِغَهُ كُلَّهُ، امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ مَنْزِلُكَ، وَهَذَا سَرِيرِي فَهُوَ مَجْلِسُكَ، وَحَوَائِجُكَ مَقْضِيَّةٌ لَدَيَّ، فَاكْفِنِي نَفْسَكَ فَإِنِّي أَعْرِفُ عِجْلَتَكَ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ وَهَذِهِ السَّفِلَةَ وَهَؤُلَاءِ السُّفَهَاءَ أَنْ يَسْتَنَزِلُّوكَ عَنْ رَأْيِكَ. فَقَالَ حُجْرٌ: قَدْ فَهِمْتُ.