الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة خمس وثلاثين > اشتداد الحصار وقتل من حاميه
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ وَالْخُرُوجِ مِنْ عِنْدِهِ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَالُ، وَضَاقَ الْمَجَالُ، وَنَفَدَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَاسْتَغَاثَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَكِبَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ وَحَمَلَ مَعَهُ قِرَبًا مِنَ الْمَاءِ فَبِالْجَهْدِ حَتَّى أَوْصَلَهَا إِلَيْهِ بَعْدَ مَا نَالَهُ مِنْ جَهَلَةِ أُولَئِكَ كَلَامٌ غَلِيظٌ، وَتَنْفِيرٌ لِدَابَّتِهِ، وَإِخْرَاقٌ عَظِيمٌ بَلِيغٌ، وَكَانَ قَدْ زَجَرَهُمْ أَتَمَّ الزَّجْرِ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ لَا يَفْعَلُونَ كَفِعْلِكُمْ هَذَا بِهَذَا الرَّجُلِ، وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لِيَأْسِرُونِ فَيُطْعِمُونَ وَيَسْقُونَ. فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ حَتَّى رَمَى بِعِمَامَتِهِ فِي وَسَطِ الدَّارِ، وَجَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَاكِبَةً بَغْلَةً وَحَوْلَهَا حَشَمُهَا وَخَدَمُهَا، فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكِ؟ فَقَالَتْ: إِنْ عِنْدَهُ وَصَايَا بَنِي أُمَيَّةَ لِأَيْتَامٍ وَأَرَامِلَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُذَكِّرَهُ بِهَا.
فَكَذَّبُوهَا فِي ذَلِكَ، وَنَالَهَا مِنْهُمْ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَطَعُوا حِزَامَ الْبَغْلَةِ وَنَدَّتْ بِهَا، وَكَادَتْ أَوْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَكَادَتْ تُقْتَلُ لَوْلَا تَلَاحَقَ بِهَا النَّاسُ فَأَمْسَكُوا بِدَابَّتِهَا، وَوَقَعَ أَمْرٌ كَبِيرٌ جِدًّا، وَلَمْ يَبْقَ يَحْصُلُ لِعُثْمَانَ وَأَهْلِهِ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا مَا يُوصِلُهُ إِلَيْهِمْ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْخُفْيَةِ لَيْلًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا أَعْظَمَهُ النَّاسُ جِدًّا، وَلَزِمَ أَكْثَرُ النَّاسِ بُيُوتَهُمْ، وَجَاءَ وَقْتُ الْحَجِّ فَخَرَجَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ لَوْ أَقَمْتِ كَانَ أَصْلَحَ، لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَهَابُونَكِ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِرَأْيٍ فَيَنَالَنِي مِنْهُمْ مِنَ الْأَذِيَّةِ مَا نَالَ أُمَّ حَبِيبَةَ. فَعَزَمَتْ عَلَى الْخُرُوجِ.
وَاسْتَخْلَفَ عُثْمَانُ، صلى الله عليه وسلم، فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْحَجِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مُقَامِي عَلَى بَابِكَ أُجَاحِفُ عَنْكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ. فَعَزَمَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْحَجِّ، وَاسْتَمَرَّ الْحِصَارُ بِالدَّارِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَرَجَعَ الْبَشِيرُ مِنَ الْحَجِّ، فَأَخْبَرَ بِسَلَامَةِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَ أُولَئِكَ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَوْسِمِ عَازِمُونَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَكُفُّوكُمْ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَبَلَغَهُمْ أَيْضًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ بَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ قَدْ نَفَّذَ آخَرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ بَعَثُوا الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فِي جَيْشٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَعَثُوا مُجَاشِعًا فِي جَيْشٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمُوا عَلَى أَمْرِهِمْ وَبَالَغُوا فِيهِ وَانْتَهَزُوا الْفُرْصَةَ بِقِلَّةِ النَّاسِ وَغَيْبَتِهِمْ فِي الْحَجِّ، وَأَحَاطُوا بِالدَّارِ، وَجَدُّوا فِي الْحِصَارِ، وَأَحْرَقُوا الْبَابَ، وَتَسَوَّرُوا مِنَ الدَّارِ الْمُتَاخِمَةِ لِلدَّارِ; كَدَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهَا، وَجَاحَفَ النَّاسُ عَنْ عُثْمَانَ أَشَدَّ الْمُجَاحَفَةِ، وَاقْتَتَلُوا عَلَى الْبَابِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَبَارَزُوا وَتَرَاجَزُوا بِالشِّعْرِ فِي مُبَارَزَتِهِمْ، وَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: هَذَا يَوْمٌ طَابَ امْضِرَابُ.
وَقُتِلَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، وَآخَرُونَ مِنْ أُولَئِكَ الْفُجَّارِ، وَجُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ جِرَاحَاتٍ كَثِيرَةً، وَكَذَلِكَ جُرِحَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقُطِعَ إِحْدَى عِلْبَاوَيْهِ، فَعَاشَ أَوْقَصَ حَتَّى مَاتَ.
وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عُثْمَانَ، زِيَادُ بْنُ نُعَيْمٍ الْفِهْرِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَنِيَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْلَمِيُّ، فِي أُنَاسٍ وَقْتَ الْمَعْرَكَةِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ انْهَزَمَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ ثُمَّ تَرَاجَعُوا. وَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ ذَلِكَ عَزَمَ عَلَى النَّاسِ لِيَنْصَرِفُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَانْصَرَفُوا - كَمَا تَقَدَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أَحَدٌ سِوَى أَهْلِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ وَمِنَ الْجُدْرَانِ، وَفَزِعَ عُثْمَانُ إِلَى الصَّلَاةِ وَافْتَتَحَ سُورَةَ طه - وَكَانَ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ - فَقَرَأَهَا وَالنَّاسُ فِي غَلَبَةٍ عَظِيمَةٍ، قَدِ احْتَرَقَ الْبَابُ وَالسَّقِيفَةُ الَّتِي عِنْدَهُ، وَخَافُوا أَنْ يَصِلَ الْحَرِيقُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ فَرَغَ عُثْمَانُ مِنْ صِلَاتِهِ وَجَلَسَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفُ، وَجَعَلَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آلِ عِمْرَانَ: 173] فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ
رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْمَوْتُ الْأَسْوَدُ. فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَتْ نَفْسُهُ تَتَرَدَّدُ فِي حَلْقِهِ، فَتَرَكَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَمَسَكَ بِلِحْيَتِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَخَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ آخَرُ وَمَعَهُ سَيْفٌ فَضَرَبَهُ بِهِ فَاتَّقَاهُ بِيَدِهِ فَقَطَعَهَا. فَقِيلَ: إِنَّهُ أَبَانَهَا. وَقِيلَ: بَلْ قَطَعَهَا وَلَمْ يُبِنْهَا. إِلَّا أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَوَّلُ يَدٍ كَتَبَتِ الْمُفَصَّلَ. فَكَانَ أَوَّلُ قَطْرَةِ دَمٍ مِنْهَا سَقَطَتْ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الْبَقَرَةِ: 137].
ثُمَّ جَاءَ آخَرُ شَاهِرًا سَيْفَهُ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ لِتَمْنَعَهُ مِنْهُ، وَأَخَذَتِ السَّيْفَ فَانْتَزَعَهُ مِنْهَا فَقَطَعَ أَصَابِعَهَا، ثُمَّ إِنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُثْمَانَ وَأَرْضَاهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْغَافِقِيَّ بْنَ حَرْبٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ، وَرَفَسَ الْمُصْحَفَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ بِرِجْلِهِ، فَاسْتَدَارَ الْمُصْحَفُ ثُمَّ اسْتَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم، وَسَالَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ بِالسَّيْفِ فَمَانَعَتْهُ نَائِلَةُ، فَقَطَعَ أَصَابِعَهَا، فَوَلَّتْ فَضَرَبَ عَجِيزَتَهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لِكَبِيرَةُ الْعَجِيزَةِ. وَضَرَبَ عُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ غُلَامُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ سُودَانَ فَقَتَلَهُ، فَضَرَبَ الْغُلَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: قُتَيْرَةُ. فَقَتَلَهُ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُمْ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَصَاحَ النِّسَاءُ وَضَرَبْنَ وُجُوهَهُنَّ; فِيهِنَّ امْرَأَتَاهُ نَائِلَةُ وَأُمُّ الْبَنِينَ وَبَنَاتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ: اتْرُكُوهُ! فَتَرَكُوهُ. ثُمَّ مَالَ هَؤُلَاءِ الْفَجَرَةُ عَلَى مَا فِي الْبَيْتِ فَنَهَبُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَادَى مُنَادِيهِمْ: أَيَحِلُّ لَنَا دَمُهُ وَلَا يَحِلُّ لَنَا مَالُهُ! فَانْتَهَبُوهُ، ثُمَّ خَرَجُوا فَأَغْلَقُوا الْبَابَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَتِيلَيْنِ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى صَحْنِ الدَّارِ وَثَبَ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ عَلَى قُتَيْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَجَعَلُوا لَا يَمُرُّونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَخَذُوهُ، حَتَّى اسْتَلَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كُلْثُومٌ التُّجِيبِيُّ، مُلَاءَةَ نَائِلَةَ، فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ الْغُلَامُ أَيْضًا، ثُمَّ تَنَادَى الْقَوْمُ: أَنْ أَدْرِكُوا بَيْتَ الْمَالِ لَا تَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ. فَسَمِعَهُمْ حَفَظَةُ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالُوا: يَا قَوْمُ النَّجَاءَ النَّجَاءَ!