الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة خمس وثلاثين > تعليقات على مقتله وقصة سهم بن خنبس
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَمْ يَصْدُقُوا فِيمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ قَصْدَهُمْ قِيَامُ الْحَقِّ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ادَّعَوْا أَنَّهُمْ إِنَّمَا قَامُوا لِأَجْلِهِ، وَكَذَبُوا إِنَّمَا قَصْدُهُمُ الدُّنْيَا. فَانْهَزَمُوا وَجَاءَ الْخَوَارِجُ فَأَخَذُوا مَالَ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ فِيهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سَهْمِ بْنِ خَنْبَسٍ أَبِي خَنْبَشٍ أَوْ خُنَيْسٍ الْأَزْدِيِّ - وَكَانَ قَدْ شَهِدَ الدَّارَ - وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الرَّحْبِيِّ، عَنْهُ وَكَانَ قَدِ اسْتَدْعَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى دَيْرِ سَمْعَانَ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ وَفْدَ الْأَشْقِيَاءِ وَهُمْ وَفْدُ مِصْرَ كَانُوا قَدْ قَدِمُوا عَلَى عُثْمَانَ فَأَجَازَهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، ثُمَّ كَرُّوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَافَقُوا عُثْمَانَ قَدْ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ أَوِ الظُّهْرِ، فَحَصَبُوهُ بِالْحَصَا وَالنِّعَالِ وَالْخِفَافِ، فَانْصَرَفَ إِلَى الدَّارِ وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالزُّبَيْرُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَطَلْحَةُ وَمَرْوَانُ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ فِي أُنَاسٍ، وَأَطَافَ وَفْدُ مِصْرَ بِدَارِهِ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُشِيرُ بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ; إِمَّا أَنْ تُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فَتَحْرُمَ عَلَيْهِمْ دِمَاؤُنَا، وَإِمَّا أَنْ نَرْكَبَ مَعَكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَإِمَّا أَنْ نَخْرُجَ فَنَضْرِبَ بِالسَّيْفِ إِلَى أَنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ
الْإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ فَتَحْرُمُ دِمَاؤُنَا فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَا حَلَالًا الْآنَ وَحَالَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا الذَّهَابُ إِلَى الشَّامِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ بَيْنِهِمْ خَائِفًا فَيَرَانِي أَهْلُ الشَّامِ وَتَسْمَعُ الْأَعْدَاءُ مِنَ الْكُفَّارِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقِتَالُ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ يُهَرَاقُ بِسَبَبِي مِحْجَمَةُ دَمٍ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْنَا مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَتَيَانِي اللَّيْلَةَ
فَقَالَا لِي: صُمْ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّكَ تُفْطِرُ عِنْدَنَا. وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، وَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَى مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ سَالِمًا مَسْلُومًا مِنْهُ. فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ خَرَجْنَا لَمْ نَأْمَنْ مِنْهُمْ عَلَيْنَا، فَائْذَنْ لَنَا أَنْ نَكُونَ فِي بَيْتٍ مِنَ الدَّارِ تَكُونُ لَنَا فِيهِ جَمَاعَةٌ وَمَنَعَةٌ. ثُمَّ أَمَرَ بِبَابِ الدَّارِ فَفُتِحَ، وَدَعَا بِالْمُصْحَفِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ امْرَأَتَاهُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةُ وَابْنَةُ شَيْبَةَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: دَعْهَا يَا ابْنَ أَخِي فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَتَلَهَّفُ لَهَا بِأَدْنَى مِنْ هَذَا. فَاسْتَحْيَى فَخَرَجَ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: قَدْ أَشْعَرْتُهُ لَكُمْ.
وَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا امْتُعِطَ مِنْ لِحْيَتِهِ فَأَعْطَاهُ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ رُومَانُ بْنُ سُودَانَ، رَجُلٌ أَزْرَقُ قَصِيرٌ مُخَدَّدٌ، عِدَادُهُ مِنْ مُرَادٍ مَعَهُ جُرْزٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَاسْتَقْبَلَهُ فَقَالَ: عَلَى أَيِّ مِلَّةٍ أَنْتَ يَا نَعْثَلُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: لَسْتُ بِنَعْثَلٍ وَلَكِنِّي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَنَا عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَقَالَ: كَذَبْتَ. وَضَرَبَهُ بِالْجُرْزِ عَلَى صُدْغِهِ الْأَيْسَرِ فَقَتَلَهُ فَخَرَّ، فَأَدْخَلَتْهُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ثِيَابِهَا - وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً ضَلِيعَةً - فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، وَأَلْقَتْ بِنْتَ شَيْبَةَ نَفْسَهَا عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ
جَسَدِهِ وَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ بِالسَّيْفِ مُصْلَتًا فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْطَعَنَّ أَنْفَهُ. فَعَالَجَ الْمَرْأَةَ عَنْهُ، فَغَلَبَتْهُ، فَكَشَفَ عَنْهَا دِرْعَهَا مِنْ خَلْفِهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَتْنِهَا، فَلَمَّا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَدْخَلَ السَّيْفَ بَيْنَ قُرْطِهَا وَمَنْكِبِهَا، فَقَبَضَتْ عَلَى السَّيْفِ فَقَطَعَ أَنَامِلَهَا، فَقَالَتْ يَا رَبَاحُ - لِغُلَامِ عُثْمَانَ أَسْوَدَ - يَا غُلَامُ ادْفَعْ عَنِّي هَذَا الرَّجُلَ. فَمَشَى إِلَيْهِ الْغُلَامُ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْبَيْتِ يُقَاتِلُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقُتِلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ وَجُرِحَ مَرْوَانُ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْنَا قُلْنَا: إِنْ تَرَكْتُمْ صَاحِبَكُمْ حَتَّى يُصْبِحَ مَثَّلُوا بِهِ.
فَاحْتَمَلْنَاهُ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَغَشِيَنَا سَوَادٌ مِنْ خَلْفِنَا فَهِبْنَاهُمْ وَكِدْنَا أَنْ نَتَفَرَّقَ عَنْهُ، فَنَادَى مُنَادِيهِمْ: أَنْ لَا رَوْعَ عَلَيْكُمْ، اثْبُتُوا إِنَّمَا جِئْنَا لِنَشْهَدَهُ مَعَكُمْ - وَكَانَ أَبُو خُنَيْسٍ يَقُولُ: هُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ - فَدَفَنَّاهُ ثُمَّ هَرَبْنَا إِلَى الشَّامِ مِنْ لَيْلَتِنَا، فَلَقِينَا الْجَيْشَ بِوَادِي الْقُرَى عَلَيْهِمْ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ.
وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ الْفَظِيعُ الشَّنِيعُ أُسْقِطَ فِي أَيْدِي النَّاسِ،
فَأَعْظَمُوهُ جِدًّا، وَنَدِمَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى مَا صَنَعُوا، وَأَشْبَهُوا مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِمَّنْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا خَبَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 149]
وَلَمَّا بَلَغَ الزُّبَيْرَ مَقْتَلُ عُثْمَانَ - وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ - قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ تَرَحَّمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ قَتَلُوهُ نَدِمُوا فَقَالَ: تَبًّا لَهُمْ. ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: 48، 49]. وَبَلَغَ عَلِيًّا قَتْلُهُ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ بِنَدَمِ الَّذِينَ قَتَلُوهُ فَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ الْآيَةَ [الْحَشْرِ: 16].
وَلَمَّا بَلَغَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَتْلُ عُثْمَانَ اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَتَلَا فِي حَقِّ الَّذِينَ قَتَلُوهُ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الْكَهْفِ: 103، 104]. ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ أَنْدِمْهُمْ ثُمَّ خُذْهُمْ. وَقَدْ أَقْسَمَ بَعْضُ السَّلَفِ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَّا مَقْتُولًا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؛ لِوُجُوهٍ مِنْهَا، دَعْوَةُ سَعْدٍ الْمُسْتَجَابَةُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى جُنَّ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: الَّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ عَتَّابٍ التُّجِيبِيُّ، وَكَانَتِ امْرَأَةُ مَنْظُورِ بْنِ سَيَّارٍ الْفَزَارِيِّ تَقُولُ: خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ وَمَا عَلِمْنَا لِعُثْمَانَ بِقَتْلٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ سَمِعْنَا رَجُلًا يُغَنِّي تَحْتَ اللَّيْلِ:
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ … قَتِيلُ التُّجِيبِيِّ الَّذِي جَاءَ مِنْ مِصْرِ وَلَمَّا رَجَعَ الْحَجِيجُ وَجَدُوا عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ قُتِلَ وَبَايَعَ النَّاسُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، صلى الله عليه وسلم. وَلَمَّا بَلَغَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، رَجَعْنَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَمْنَ بِهَا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا سَيَأْتِي.