«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٢٦

الحديث رقم ١٢٢٦ من كتاب «كتاب السهو» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا صلى خمسا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٢٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟. قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ.»

بَابٌ: إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ

إسناد حديث البخاري رقم ١٢٢٦

١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٢٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ: حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَذَفَ الِاسْتِثْنَاءَ لِوُضُوحِهِ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ:)؛ أَيِ انْتَظَرْنَا، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ: وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ. وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي قِصَّةِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَبْلَ السَّلَامِ سَهْوًا، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَتَيْنِ سَجْدَتَا الصَّلَاةِ، أَوِ الْمُرَادَ بِالتَّسْلِيمِ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ ذَلِكَ وَبُعْدُهُ.

قَوْلُهُ: (كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ السَّهْوِ، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْإِتْيَانَ بِسَجْدَةٍ زَائِدَةٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، وَأَنَّهُ يُكَبِّرُ لَهُمَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ السُّجُودِ. وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَكَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عَقِبَ حَدِيثِ اللَّيْثِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِيهِمَا وَالْجَهْرِ بِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً فَاصِلَةً، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالسَّجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِي فَاتَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُلُوسُ وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَوْ سَهَا الْمُصَلِّي عَنْهُ عَلَى انْفِرَادِهِ سَجَدَ لِأَجْلِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ سَجَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرَ سَجْدَتَيْنِ، وَتُعَقِّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لِتَرْكِ مَا ذُكِرَ، وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَيَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ السُّجُودَ مَكَانَ مَا نُسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ. نَعَمْ، حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ دَالٌّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَالِسٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: سَجَدَ؛ أَيْ أَنْشَأَ السُّجُودَ جَالِسًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَلَّمَ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْآتِيَةِ: وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي كَوْنِ جَمِيعِهِ كَذَلِكَ، نَعَمْ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَمِيعَهُ بَعْدَ السَّلَامِ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مُسْتَنَدِهِمْ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِزِيَادَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ خَاصٌّ بِالسَّهْوِ، فَلَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ شَيْءٍ مِمَّا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ لَا يَسْجُدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَنَاسٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا الْإِمَامُ، وَإِنْ لَمْ يَسْهُ الْمَأْمُومُ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنِ اسْتَثْنَى غَيْرَهُ مَا إِذَا ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ وَتَحَقَّقَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَسْهُ فِيمَا سَجَدَ لَهُ وَفِي تَصْوِيرِهَا عُسْرٌ، وَمَا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ مُحْدِثٌ، وَنَقَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ اسْتَثْنَى الْمَسْبُوقَ أَيْضًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا تَشَهُّدَ بَعْدَهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا، وَأَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ مَنْ سَهَا عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَتَّى قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ لَا يَرْجِعُ، فَقَدْ سَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُصَلِّي الرُّجُوعَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِالرُّكْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ، وَأَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ جَائِزَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ، وَأَنَّ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ آخِرُ الصَّلَاةِ، فَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ سَاهِيًا أَعَادَ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ.

٢ - بَاب إِذَا صَلَّى خَمْسًا

١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا صَلَّى خَمْسًا) قِيلَ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ السَّهْوُ بِالنُّقْصَانِ أَوِ الزِّيَادَةِ، فَفِي الْأَوَّلِ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ الْمَاضِيَةِ، وَفِي الزِّيَادَةِ يَسْجُدُ بَعْدَهُ، وَبِالتَّفْرِقَةِ هَكَذَا، قَالَ مَالِكٌ، وَالْمُزَنِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبْرَيْنِ، قَالَ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ، لِأَنَّهُ فِي النَّقْصِ جَبْرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَفِي الزِّيَادَةِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ فَيَكُونَ خَارِجَهَا. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ وَادِّعَاءِ النَّسْخِ، وَيَتَرَجَّحُ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ بِالْمُنَاسَبَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةً، وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا كَانَتْ عِلَّةً، فَيَعُمُّ الْحُكْمُ جَمِيعَ مَحَالِّهَا، فَلَا تُخَصَّصُ إِلَّا بِنَصٍّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ كَوْنَ السُّجُودِ فِي الزِّيَادَةِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ فَقَطْ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ جَبْرٌ أَيْضًا لِمَا وَقَعَ مِنَ الْخَلَلِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فَهُوَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا سَمَّى النَّبِيُّ سُجُودَ السَّهْوِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعيْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَرْجِعْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إِلَى فَرْقٍ صَحِيحٍ.

وَأَيْضًا فَقِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ وَقَعَ السُّجُودُ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَهِيَ عَنْ نُقْصَانٍ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: أَقْوَى الْمَذَاهِبِ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ ثُمَّ أَحْمَدَ، فَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ طَرِيقُ أَحْمَدَ أَقْوَى، لِأَنَّهُ قَالَ: يُسْتَعْمَلُ كُلُّ حَدِيثٍ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، قَالَ: وَلَوْلَا مَا رُوِيَ عن النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ لَرَأَيْتُهُ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، فَيَفْعَلُهُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَحَرَّرَ مَذْهَبَهُ مِنْ قَوْلَيْ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ فِيمَا يَظْهَرُ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَجَرَى عَلَى ظَاهِرِيَّتِهِ، فَقَالَ: لَا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ النَّبِيُّ فِيهَا فَقَطْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَاعْتَمَدَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ حِينَ سَأَلُوهُ: هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ لِتَعَذُّرِهِ قَبْلَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالسَّهْوِ، وَإِنَّمَا تَابَعَهُ الصَّحَابَةُ لِتَجْوِيزِهِمُ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ كَانَ زَمَانَ تَوَقُّعِ النَّسْخِ.

وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. وَبِهِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيَّةُ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى حَالَتَيْنِ. وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ طَرِيقَةَ التَّخْيِيرِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ. وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ. وَكَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ فِي النِّهَايَةِ الْخِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ عَنِ الْمَذْهَبِ، وَاسْتَبْعَدَ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ، وَكَذَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ الْخِلَافَ فِي مَذْهَبِهِمْ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ كُلِّهِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَالْخِلَافَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْقُدُورِيُّ: لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْخِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُقْنِعِ مَنْ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَيَتَدَارَكُهُ

مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْآرَاءِ فِي الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَا حُجَّةَ لِلْعِرَاقِيِّينَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوهُ، فَقَالُوا: إِنْ جَلَسَ الْمُصَلِّي فِي الرَّابِعَةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ أَضَافَ إِلَى الْخَامِسَةِ سَادِسَةً، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَلَمْ يُنْقَلْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِضَافَةٌ سَادِسَةٌ وَلَا إِعَادَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا عِنْدَهُمْ. قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُخَالِفَ السُّنَّةَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَكَمِ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ)؛ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا) كَذَا جَزَمَ بِهِ الْحَكَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَفِيهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَدْرِي: زَادَ أَوْ نَقَصَ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: لَا. فَتَبَيَّنَ أَنَّ سُؤَالَهُمْ لِذَلِكَ كَانَ بَعْدَ اسْتِفْسَارِهِ لَهُمْ عَنْ مُسَارَرَتِهِمْ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهِمْ مَعَهُ ، وَقَوْلُهُمْ: هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ. يُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الْمَاضِيَةَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ بِلَفْظِ: هَلْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ.

(تَنْبِيهٌ): رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: إِنَّ النَّبِيَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْكَلَامِ قَوْلَهُ: وَمَا ذَاكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَهَذَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ قَوْلَهُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. فَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَهَا فِيهِ، فَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلُ، وَرِوَايَةُ مَنْصُورٍ أَرْجَحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ) يَأْتِي فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ: وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. وَفِيهِ الزِّيَادَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا، وَهِيَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَأَيُّكُمْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ. زَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ: فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالتَّحَرِّي، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ لَا عَلَى الْأَغْلَبِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ فَلَا تَسْقُطُ إِلَّا بِيَقِينٍ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: التَّحَرِّي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ. وَرَوَى سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ. انْتَهَى. وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ نَحْوَهُ، وَلَفْظُهُ: قَوْلُهُ فَلْيَتَحَرَّ؛ أَيْ فِي الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَقَصَهُ فَلْيُتِمَّهُ، فَيَكُونُ التَّحَرِّي أَنْ يُعِيدَ مَا شَكَّ فِيهِ، وَيَبْنِيَ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، إِلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ تَخْتَلِفُ.

وَقِيلَ: التَّحَرِّي الْأَخْذُ بِغَالِبِ الظَّنِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي عِنْدَ مُسْلِمٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: الْبِنَاءُ غَيْرُ التَّحَرِّي، فَالْبِنَاءُ أَنْ يَشُكَّ فِي الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ مَثَلًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْغِيَ الشَّكَّ، وَالتَّحَرِّي أَنْ يَشُكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَدْرِي مَا صَلَّى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّحَرِّي لِمَنِ اعْتَرَاهُ الشَّكُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَيَبْنِي عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ: التَّحَرِّي يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ فَهُوَ الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ دَائِمًا. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ: حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَذَفَ الِاسْتِثْنَاءَ لِوُضُوحِهِ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ:)؛ أَيِ انْتَظَرْنَا، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ: وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ. وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي قِصَّةِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَبْلَ السَّلَامِ سَهْوًا، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَتَيْنِ سَجْدَتَا الصَّلَاةِ، أَوِ الْمُرَادَ بِالتَّسْلِيمِ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ ذَلِكَ وَبُعْدُهُ.

قَوْلُهُ: (كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ السَّهْوِ، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْإِتْيَانَ بِسَجْدَةٍ زَائِدَةٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، وَأَنَّهُ يُكَبِّرُ لَهُمَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ السُّجُودِ. وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَكَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عَقِبَ حَدِيثِ اللَّيْثِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِيهِمَا وَالْجَهْرِ بِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً فَاصِلَةً، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالسَّجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِي فَاتَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُلُوسُ وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَوْ سَهَا الْمُصَلِّي عَنْهُ عَلَى انْفِرَادِهِ سَجَدَ لِأَجْلِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ سَجَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرَ سَجْدَتَيْنِ، وَتُعَقِّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لِتَرْكِ مَا ذُكِرَ، وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَيَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ السُّجُودَ مَكَانَ مَا نُسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ. نَعَمْ، حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ دَالٌّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَالِسٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: سَجَدَ؛ أَيْ أَنْشَأَ السُّجُودَ جَالِسًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَلَّمَ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْآتِيَةِ: وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي كَوْنِ جَمِيعِهِ كَذَلِكَ، نَعَمْ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَمِيعَهُ بَعْدَ السَّلَامِ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مُسْتَنَدِهِمْ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِزِيَادَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ خَاصٌّ بِالسَّهْوِ، فَلَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ شَيْءٍ مِمَّا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ لَا يَسْجُدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَنَاسٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا الْإِمَامُ، وَإِنْ لَمْ يَسْهُ الْمَأْمُومُ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنِ اسْتَثْنَى غَيْرَهُ مَا إِذَا ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ وَتَحَقَّقَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَسْهُ فِيمَا سَجَدَ لَهُ وَفِي تَصْوِيرِهَا عُسْرٌ، وَمَا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ مُحْدِثٌ، وَنَقَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ اسْتَثْنَى الْمَسْبُوقَ أَيْضًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا تَشَهُّدَ بَعْدَهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا، وَأَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ مَنْ سَهَا عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَتَّى قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ لَا يَرْجِعُ، فَقَدْ سَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُصَلِّي الرُّجُوعَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِالرُّكْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ، وَأَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ جَائِزَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ، وَأَنَّ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ آخِرُ الصَّلَاةِ، فَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ سَاهِيًا أَعَادَ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ.

٢ - بَاب إِذَا صَلَّى خَمْسًا

١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا صَلَّى خَمْسًا) قِيلَ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ السَّهْوُ بِالنُّقْصَانِ أَوِ الزِّيَادَةِ، فَفِي الْأَوَّلِ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ الْمَاضِيَةِ، وَفِي الزِّيَادَةِ يَسْجُدُ بَعْدَهُ، وَبِالتَّفْرِقَةِ هَكَذَا، قَالَ مَالِكٌ، وَالْمُزَنِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبْرَيْنِ، قَالَ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ، لِأَنَّهُ فِي النَّقْصِ جَبْرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَفِي الزِّيَادَةِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ فَيَكُونَ خَارِجَهَا. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ وَادِّعَاءِ النَّسْخِ، وَيَتَرَجَّحُ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ بِالْمُنَاسَبَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةً، وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا كَانَتْ عِلَّةً، فَيَعُمُّ الْحُكْمُ جَمِيعَ مَحَالِّهَا، فَلَا تُخَصَّصُ إِلَّا بِنَصٍّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ كَوْنَ السُّجُودِ فِي الزِّيَادَةِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ فَقَطْ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ جَبْرٌ أَيْضًا لِمَا وَقَعَ مِنَ الْخَلَلِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فَهُوَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا سَمَّى النَّبِيُّ سُجُودَ السَّهْوِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعيْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَرْجِعْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إِلَى فَرْقٍ صَحِيحٍ.

وَأَيْضًا فَقِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ وَقَعَ السُّجُودُ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَهِيَ عَنْ نُقْصَانٍ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: أَقْوَى الْمَذَاهِبِ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ ثُمَّ أَحْمَدَ، فَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ طَرِيقُ أَحْمَدَ أَقْوَى، لِأَنَّهُ قَالَ: يُسْتَعْمَلُ كُلُّ حَدِيثٍ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، قَالَ: وَلَوْلَا مَا رُوِيَ عن النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ لَرَأَيْتُهُ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، فَيَفْعَلُهُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَحَرَّرَ مَذْهَبَهُ مِنْ قَوْلَيْ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ فِيمَا يَظْهَرُ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَجَرَى عَلَى ظَاهِرِيَّتِهِ، فَقَالَ: لَا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ النَّبِيُّ فِيهَا فَقَطْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَاعْتَمَدَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ حِينَ سَأَلُوهُ: هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ لِتَعَذُّرِهِ قَبْلَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالسَّهْوِ، وَإِنَّمَا تَابَعَهُ الصَّحَابَةُ لِتَجْوِيزِهِمُ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ كَانَ زَمَانَ تَوَقُّعِ النَّسْخِ.

وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. وَبِهِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيَّةُ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى حَالَتَيْنِ. وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ طَرِيقَةَ التَّخْيِيرِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ. وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ. وَكَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ فِي النِّهَايَةِ الْخِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ عَنِ الْمَذْهَبِ، وَاسْتَبْعَدَ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ، وَكَذَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ الْخِلَافَ فِي مَذْهَبِهِمْ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ كُلِّهِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَالْخِلَافَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْقُدُورِيُّ: لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْخِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُقْنِعِ مَنْ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَيَتَدَارَكُهُ

مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْآرَاءِ فِي الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَا حُجَّةَ لِلْعِرَاقِيِّينَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوهُ، فَقَالُوا: إِنْ جَلَسَ الْمُصَلِّي فِي الرَّابِعَةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ أَضَافَ إِلَى الْخَامِسَةِ سَادِسَةً، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَلَمْ يُنْقَلْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِضَافَةٌ سَادِسَةٌ وَلَا إِعَادَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا عِنْدَهُمْ. قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُخَالِفَ السُّنَّةَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَكَمِ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ)؛ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا) كَذَا جَزَمَ بِهِ الْحَكَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَفِيهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَدْرِي: زَادَ أَوْ نَقَصَ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: لَا. فَتَبَيَّنَ أَنَّ سُؤَالَهُمْ لِذَلِكَ كَانَ بَعْدَ اسْتِفْسَارِهِ لَهُمْ عَنْ مُسَارَرَتِهِمْ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهِمْ مَعَهُ ، وَقَوْلُهُمْ: هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ. يُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الْمَاضِيَةَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ بِلَفْظِ: هَلْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ.

(تَنْبِيهٌ): رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: إِنَّ النَّبِيَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْكَلَامِ قَوْلَهُ: وَمَا ذَاكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَهَذَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ قَوْلَهُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. فَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَهَا فِيهِ، فَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلُ، وَرِوَايَةُ مَنْصُورٍ أَرْجَحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ) يَأْتِي فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ: وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. وَفِيهِ الزِّيَادَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا، وَهِيَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَأَيُّكُمْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ. زَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ: فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالتَّحَرِّي، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ لَا عَلَى الْأَغْلَبِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ فَلَا تَسْقُطُ إِلَّا بِيَقِينٍ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: التَّحَرِّي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ. وَرَوَى سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ. انْتَهَى. وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ نَحْوَهُ، وَلَفْظُهُ: قَوْلُهُ فَلْيَتَحَرَّ؛ أَيْ فِي الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَقَصَهُ فَلْيُتِمَّهُ، فَيَكُونُ التَّحَرِّي أَنْ يُعِيدَ مَا شَكَّ فِيهِ، وَيَبْنِيَ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، إِلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ تَخْتَلِفُ.

وَقِيلَ: التَّحَرِّي الْأَخْذُ بِغَالِبِ الظَّنِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي عِنْدَ مُسْلِمٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: الْبِنَاءُ غَيْرُ التَّحَرِّي، فَالْبِنَاءُ أَنْ يَشُكَّ فِي الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ مَثَلًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْغِيَ الشَّكَّ، وَالتَّحَرِّي أَنْ يَشُكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَدْرِي مَا صَلَّى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّحَرِّي لِمَنِ اعْتَرَاهُ الشَّكُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَيَبْنِي عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ: التَّحَرِّي يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ فَهُوَ الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ دَائِمًا. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد