«صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٢٧

الحديث رقم ١٢٢٧ من كتاب «كتاب السهو» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٢٧ في صحيح البخاري

«صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ. قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ

بَابُ مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَسَلَّمَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَلَمْ يَتَشَهَّدَا وَقَالَ قَتَادَةُ لَا يَتَشَهَّدُ

إسناد حديث البخاري رقم ١٢٢٧

١٢٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٢٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أُخْرَى كَالشَّافِعِيَّةِ، وَأُخْرَى كَالْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ طَرَأَ الشَّكُّ أَوَّلًا اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ كَثُرَ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْيَقِينِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْجُمْهُورَ مَعَ الشَّافِعِيِّ، وَأَنَّ التَّحَرِّي هُوَ الْقَصْدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، وَحَكَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ. قَالَ: أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا عَلَى يَقِينٍ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الشَّافِعِيِّ.

وَأُبْعِدُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ التَّحَرِّي فِي الْخَبَرِ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ لِتَفَرُّدِ مَنْصُورٍ بِذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ دُونَ رُفْقَتِهِ، لِأَنَّ الْإِدْرَاجَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا وَلَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، وَقَوْلُهُمْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، بَلِ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى خِلَافِهِ، وَعَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ لَا تُبْطِلُهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَثُرَتْ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الزِّيَادَةَ بِمَا يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِسَهْوِهِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَفُوتُ مَحَلَّهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِتَعْقِيبِ إِعْلَامِهِمْ لِذَلِكَ بِالْفَاءِ، وَتَعْقِيبِهِ السُّجُودَ أَيْضًا بِالْفَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. وَعَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْعَمْدَ فِيمَا يُصْلِحُ بِهِ الصَّلَاةَ لَا يُفْسِدُهَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَنَّ مَنْ تَحَوَّلَ عَنِ الْقِبْلَةِ سَاهِيًا لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِقْبَالُ الْإِمَامِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ عُزُوبَ النِّيَّةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ.

٣ - بَاب إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ

١٢٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ). فِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: فَسَجَدَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي نَظَائِرِهِ. أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ إِلَّا التَّسْلِيمُ فِي ثِنْتَيْنِ، نَعَمْ وَرَدَ التَّسْلِيمُ فِي ثَلَاثٍ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي كَوْنِهِمَا قِصَّتَيْنِ أَوْلا فِي الْكَلَامِ عَلَى تَسْمِيَةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ. فَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَ الْقِصَّةَ، وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى الْمَجَازِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَّى بِالْمُسْلِمينَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إِنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ اسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَهِيَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ (١)، لَكِنِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ - كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ - عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ

وَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْقِصَّةَ لِذِي الشِّمَالَيْنِ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ خُزَاعِيٌّ، وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ، وَأَمَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَتَأَخَّرَ بَعْدَ النَّبِيِّ بِمُدَّةٍ، لِأَنَّهُ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ النَّبِيِّ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ سُلَمِيٌّ وَاسْمُهُ الْخِرْبَاقُ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا وَقَعَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: فَقَامَ ذُو الشِّمَالَيْنِ.

وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ، قَالَ لِأَجْلِ ذَلِكَ: إَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْ ذِي الشِّمَالَيْنِ، وَذِي الْيَدَيْنِ وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ، فَأَرْسَلَ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الشِّمَالَيْنِ، وَشَاهَدَ الْآخَرَ وَهِيَ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا: ذُو الْيَدَيْنِ وَبِالْعَكْسِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِاشْتِبَاهِ. وَيَدْفَعُ الْمَجَازَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الطَّحَاوِيُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ . وَقَدِ اتَّفَقَ مُعْظَمُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ) كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِالشَّكِّ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَام عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ الظُّهْرَ بِغَيْرِ الشَّكِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ: صَلَاةَ الظُّهْرِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَصْرَ بِغَيْرِ شَكٍّ، بَعْدَ بَابٍ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ.

قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، وَلِمُسْلِمٍ: إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا. فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَطَرَأَ الشَّكُّ فِي تَعْيِينِهَا أَيْضًا عَلَى ابْنِ سِيرِينَ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الِاهْتِمَامَ بِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فِي قِصَّةِ الْخِرْبَاقِ أَنَّهَا الْعَصْرُ، فَإِنْ قُلْنَا إَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ الْعَصْرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فِي الرَّكْعَتَيْنِ. وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَفِي الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَنَسْتَوْفِي الْكَلَامَ عَلَيْهِ ثَمَّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سَعْدٌ) يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمُصَدَّرِ بِهِ الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ مُفْرَدًا. وَهَذَا الْأَثَرُ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ تَكَلَّمَ سَاهِيًا، أَوْ ظَانًّا أَنَّ الصَّلَاةَ تَمَّتْ، وَمُرْسَلُ عُرْوَةَ هَذَا مِمَّا يُقَوِّي طَرِيقَ أَبِي سَلَمَةَ الْمَوْصُولَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ حَمَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُفْقَةِ عُرْوَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ.

٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي سَجْدَتَيْ اَلسَّهْو

وَسَلَّمَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَلَمْ يَتَشَهَّدَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَتَشَهَّدُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا سَلَّمَ) المصلِّي (فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ) سلَّم (في ثَلَاثٍ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ) منه، ما يكون الحكم؟ ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «سجد» بغير فاءٍ، وهي أوجه، و «في» بمعنى: مِن.

١٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (٢) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» ( الظُّهْرَ أَوِ العَصْرَ) بالشَّكِّ، وسبق في «باب الإمامة» [خ¦٧١٥] الجزم بأنَّها الظُّهر، وكذا عند (٣) مسلم في روايةٍ له، وفي أخرى له أيضًا الجزم بالعصر، والشَّكُّ من أبي هريرة كما تبيَّن من رواية ابن عونٍ، عن محمَّد بن سيرين، عند النَّسائيِّ، ولفظه: قال أبو هريرة : صلَّى النَّبيُّ إحدى صلاتي العشيِّ، قال أبو هريرة: لكنِّي نسيت، فبيَّن أبو هريرة أنَّ الشَّكَّ منه (٤)، وهو يعكِّر على ما حكاه النَّوويُّ عن المحقِّقين أنَّهما قضيَّتان، بل يُجمَع بأنَّ أبا هريرة رواه كثيرًا على الشَّكِّ، ومرَّةً غلب على ظنِّه أنَّها الظُّهر فجزم بها، ومرَّةً أنَّها العصر فجزم بها (٥)، وفي قول أبي هريرة: «صلَّى بنا» تصريحٌ بحضوره ذلك، ويؤيِّده ما في رواية مسلمٍ وأحمد وغيرهما، من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة: «بينما أنا أصلِّي مع

رسول الله » وهو يردُّ على الطَّحاويِّ حيث حمل قوله: «صلَّى بنا» على المجاز، وأنَّ المراد صلَّى بالمسلمين، متمسِّكًا بما قاله الزُّهريُّ، ووهَّموه فيه، وهو أنَّ القصَّة لذي الشِّمالين فقط (١) المستشهد ببدرٍ قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فالصَّواب: أنَّ القصَّة لذي اليدين فقط وهو غيره، قال أبو عمر: وقول من قال: إنَّ ذا اليدين قُتِلَ يوم بدرٍ غير صحيحٍ، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين (٢)، ولسنا ندافعهم (٣) أنَّ ذا الشِّمالين قُتِلَ ببدر، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السِّير ذا الشِّمالين فيمن قُتِلَ ببدرٍ، وأنَّه خزاعيٌّ، وأمَّا ذو اليدين الَّذي شهد سهو النَّبيِّ فسُلَمِيٌّ، واسمه الخِرْباق (٤)، نعم روى النَّسائيُّ ما يدلُّ على أنَّهما واحدٌ «ذي اليدين»، و «ذي الشِّمالين» (٥)، ولفظه: فقال له ذو الشِّمالين ابن عمرٍو: أنقصت الصَّلاة أم نسيت؟ فقال النَّبيُّ : «ما يقول ذو اليدين؟» فصرَّح بأنَّ ذا الشِّمالين هو ذو اليدين، لكن نصَّ الشَّافعيُّ في اختلاف الحديث فيما نقله في «الفتح» وأبو عبد الله الحاكم والبيهقيُّ وغيرهم (٦): أنَّ ذا الشِّمالين غير ذي اليدين، وقال النَّوويُّ في «الخلاصة»: إنَّه قول الحفَّاظ وسائر العلماء إلَّا الزُّهريَّ، واتَّفقوا على تغليطه، وقال أبو عمر: وأمَّا قول الزُّهريِّ: إنَّه ذو الشِّمالين، فلم يُتابَع عليه، وقد اضطرب الزُّهريُّ في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنَّقل تركه من روايته خاصَّةً، ولم يعوِّل عليه فيه أحدٌ، فليس قوله (٧): إنَّه المقتول ببدرٍ، حجَّةً، فقد تبيَّن غلطه في ذلك، والله أعلم (فَسَلَّمَ) في الرَّكعتين (فَقَالَ له ذُو اليَدَيْنِ) الخِرْباق السُّلَمِيُّ: (الصَّلَاةُ -يَا رَسُولَ اللهَ-) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (أَنَقَصَتْ؟!) بهمزة الاستفهام وفتح النُّون، فيكون الفعل لازمًا، وبضمِّها متعدِّيًا (فَقَالَ

النَّبِيُّ لأَصْحَابِهِ) الَّذين صلَّوا معه : (أَحَقٌّ) بالرَّفع: مبتدأٌ، دخلت عليه همزة الاستفهام، وقوله: (مَا يَقُولُ؟) أي: ذو اليدين، سادٌّ مسدَّ الخبر، أو «أحقٌّ» خبرٌ، وتاليه مبتدأٌ (قَالُوا: نَعَمْ) حقٌّ ما يقول (١) (فَصَلَّى) (رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ) بمثنَّاتين تحتيَّتين بعد الرَّاء، ولأبي الوقت وابن عساكر: «أخراوين» بألفٍ ثمَّ واوٍ بعد الرَّاء على خلاف القياس (ثُمَّ سَجَدَ) (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو، كسجدتي الصَّلاة يجلس (٢) مفترشًا بينهما، ويأتي بذكر السُّجود للصَّلاة فيهما، وعن بعضهم أنَّه يُندَب له أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام ولا يسهو، قال النَّوويُّ كالرَّافعيِّ: وهو لائقٌ بالحال، قال الزَّركشيُّ: إنَّما يُتمُّ إذا لم يتعمَّد ما يقتضي السُّجود، فإن تعمَّد فليس بلائقٍ (٣)، بل اللائق الاستغفار، ثم يتورَّك ويسلِّم ولا يتشهَّد بعد السُّجود، وإنَّما بنى على الرَّكعتين بعد أن تكلَّم لأنَّه كان ساهيًا، لظنِّه أنَّه خارج الصَّلاة، والكلام سهوًا لا يقطعها خلافًا للحنفيَّة، وأمَّا كلام ذي اليدين والصَّحابة فلأنَّهم (٤) لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصَّلاة؛ لتجويزهم نسخ الصَّلاة من الأربع إلى الرَّكعتين، وتُعقِّب بأنَّهم تكلَّموا بعد قوله : «لم تقصر»، أو أنَّ (٥) كلامهم كان خطابًا له ؛ وهو غير مبطلٍ عند قومٍ، أو أنَّهم لم يقع منهم كلامٌ، إنَّما أشاروا إليه، أي: نعم، كما في «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: «أَوْمَؤُوا».

وبالإسناد السَّابق: (قَالَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابن إبراهيم المذكور، وهو ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة عن غُندر عن شعبة (وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ) عقبهما (وَتَكَلَّمَ) ساهيًا (ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ) منها (وَسَجَدَ) (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو (وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ) فإن قلت: ليس في حديث الباب إلَّا التَّسليم في اثنتين، وليس فيه التَّسليم في ثلاثٍ، وحينئذٍ فلا مطابقة بينه وبين التَّرجمة في الجزء الثَّاني، أُجِيبَ بأنَّه قد ورد التَّسليم في ثلاثٍ عند مسلمٍ من حديث عمران بن الحُصين، فكأنَّه أشار إليه في التَّرجمة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أُخْرَى كَالشَّافِعِيَّةِ، وَأُخْرَى كَالْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ طَرَأَ الشَّكُّ أَوَّلًا اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ كَثُرَ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْيَقِينِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْجُمْهُورَ مَعَ الشَّافِعِيِّ، وَأَنَّ التَّحَرِّي هُوَ الْقَصْدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، وَحَكَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ. قَالَ: أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا عَلَى يَقِينٍ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الشَّافِعِيِّ.

وَأُبْعِدُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ التَّحَرِّي فِي الْخَبَرِ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ لِتَفَرُّدِ مَنْصُورٍ بِذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ دُونَ رُفْقَتِهِ، لِأَنَّ الْإِدْرَاجَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا وَلَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، وَقَوْلُهُمْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، بَلِ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى خِلَافِهِ، وَعَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ لَا تُبْطِلُهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَثُرَتْ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الزِّيَادَةَ بِمَا يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِسَهْوِهِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَفُوتُ مَحَلَّهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِتَعْقِيبِ إِعْلَامِهِمْ لِذَلِكَ بِالْفَاءِ، وَتَعْقِيبِهِ السُّجُودَ أَيْضًا بِالْفَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. وَعَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْعَمْدَ فِيمَا يُصْلِحُ بِهِ الصَّلَاةَ لَا يُفْسِدُهَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَنَّ مَنْ تَحَوَّلَ عَنِ الْقِبْلَةِ سَاهِيًا لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِقْبَالُ الْإِمَامِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ عُزُوبَ النِّيَّةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ.

٣ - بَاب إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ

١٢٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ). فِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: فَسَجَدَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي نَظَائِرِهِ. أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ إِلَّا التَّسْلِيمُ فِي ثِنْتَيْنِ، نَعَمْ وَرَدَ التَّسْلِيمُ فِي ثَلَاثٍ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي كَوْنِهِمَا قِصَّتَيْنِ أَوْلا فِي الْكَلَامِ عَلَى تَسْمِيَةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ. فَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَ الْقِصَّةَ، وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى الْمَجَازِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَّى بِالْمُسْلِمينَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إِنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ اسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَهِيَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ (١)، لَكِنِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ - كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ - عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ

وَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْقِصَّةَ لِذِي الشِّمَالَيْنِ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ خُزَاعِيٌّ، وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ، وَأَمَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَتَأَخَّرَ بَعْدَ النَّبِيِّ بِمُدَّةٍ، لِأَنَّهُ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ النَّبِيِّ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ سُلَمِيٌّ وَاسْمُهُ الْخِرْبَاقُ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا وَقَعَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: فَقَامَ ذُو الشِّمَالَيْنِ.

وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ، قَالَ لِأَجْلِ ذَلِكَ: إَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْ ذِي الشِّمَالَيْنِ، وَذِي الْيَدَيْنِ وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ، فَأَرْسَلَ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الشِّمَالَيْنِ، وَشَاهَدَ الْآخَرَ وَهِيَ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا: ذُو الْيَدَيْنِ وَبِالْعَكْسِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِاشْتِبَاهِ. وَيَدْفَعُ الْمَجَازَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الطَّحَاوِيُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ . وَقَدِ اتَّفَقَ مُعْظَمُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ) كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِالشَّكِّ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَام عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ الظُّهْرَ بِغَيْرِ الشَّكِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ: صَلَاةَ الظُّهْرِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَصْرَ بِغَيْرِ شَكٍّ، بَعْدَ بَابٍ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ.

قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، وَلِمُسْلِمٍ: إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا. فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَطَرَأَ الشَّكُّ فِي تَعْيِينِهَا أَيْضًا عَلَى ابْنِ سِيرِينَ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الِاهْتِمَامَ بِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فِي قِصَّةِ الْخِرْبَاقِ أَنَّهَا الْعَصْرُ، فَإِنْ قُلْنَا إَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ الْعَصْرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فِي الرَّكْعَتَيْنِ. وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَفِي الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَنَسْتَوْفِي الْكَلَامَ عَلَيْهِ ثَمَّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سَعْدٌ) يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمُصَدَّرِ بِهِ الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ مُفْرَدًا. وَهَذَا الْأَثَرُ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ تَكَلَّمَ سَاهِيًا، أَوْ ظَانًّا أَنَّ الصَّلَاةَ تَمَّتْ، وَمُرْسَلُ عُرْوَةَ هَذَا مِمَّا يُقَوِّي طَرِيقَ أَبِي سَلَمَةَ الْمَوْصُولَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ حَمَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُفْقَةِ عُرْوَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ.

٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي سَجْدَتَيْ اَلسَّهْو

وَسَلَّمَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَلَمْ يَتَشَهَّدَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَتَشَهَّدُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا سَلَّمَ) المصلِّي (فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ) سلَّم (في ثَلَاثٍ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ) منه، ما يكون الحكم؟ ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «سجد» بغير فاءٍ، وهي أوجه، و «في» بمعنى: مِن.

١٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (٢) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» ( الظُّهْرَ أَوِ العَصْرَ) بالشَّكِّ، وسبق في «باب الإمامة» [خ¦٧١٥] الجزم بأنَّها الظُّهر، وكذا عند (٣) مسلم في روايةٍ له، وفي أخرى له أيضًا الجزم بالعصر، والشَّكُّ من أبي هريرة كما تبيَّن من رواية ابن عونٍ، عن محمَّد بن سيرين، عند النَّسائيِّ، ولفظه: قال أبو هريرة : صلَّى النَّبيُّ إحدى صلاتي العشيِّ، قال أبو هريرة: لكنِّي نسيت، فبيَّن أبو هريرة أنَّ الشَّكَّ منه (٤)، وهو يعكِّر على ما حكاه النَّوويُّ عن المحقِّقين أنَّهما قضيَّتان، بل يُجمَع بأنَّ أبا هريرة رواه كثيرًا على الشَّكِّ، ومرَّةً غلب على ظنِّه أنَّها الظُّهر فجزم بها، ومرَّةً أنَّها العصر فجزم بها (٥)، وفي قول أبي هريرة: «صلَّى بنا» تصريحٌ بحضوره ذلك، ويؤيِّده ما في رواية مسلمٍ وأحمد وغيرهما، من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة: «بينما أنا أصلِّي مع

رسول الله » وهو يردُّ على الطَّحاويِّ حيث حمل قوله: «صلَّى بنا» على المجاز، وأنَّ المراد صلَّى بالمسلمين، متمسِّكًا بما قاله الزُّهريُّ، ووهَّموه فيه، وهو أنَّ القصَّة لذي الشِّمالين فقط (١) المستشهد ببدرٍ قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فالصَّواب: أنَّ القصَّة لذي اليدين فقط وهو غيره، قال أبو عمر: وقول من قال: إنَّ ذا اليدين قُتِلَ يوم بدرٍ غير صحيحٍ، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين (٢)، ولسنا ندافعهم (٣) أنَّ ذا الشِّمالين قُتِلَ ببدر، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السِّير ذا الشِّمالين فيمن قُتِلَ ببدرٍ، وأنَّه خزاعيٌّ، وأمَّا ذو اليدين الَّذي شهد سهو النَّبيِّ فسُلَمِيٌّ، واسمه الخِرْباق (٤)، نعم روى النَّسائيُّ ما يدلُّ على أنَّهما واحدٌ «ذي اليدين»، و «ذي الشِّمالين» (٥)، ولفظه: فقال له ذو الشِّمالين ابن عمرٍو: أنقصت الصَّلاة أم نسيت؟ فقال النَّبيُّ : «ما يقول ذو اليدين؟» فصرَّح بأنَّ ذا الشِّمالين هو ذو اليدين، لكن نصَّ الشَّافعيُّ في اختلاف الحديث فيما نقله في «الفتح» وأبو عبد الله الحاكم والبيهقيُّ وغيرهم (٦): أنَّ ذا الشِّمالين غير ذي اليدين، وقال النَّوويُّ في «الخلاصة»: إنَّه قول الحفَّاظ وسائر العلماء إلَّا الزُّهريَّ، واتَّفقوا على تغليطه، وقال أبو عمر: وأمَّا قول الزُّهريِّ: إنَّه ذو الشِّمالين، فلم يُتابَع عليه، وقد اضطرب الزُّهريُّ في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنَّقل تركه من روايته خاصَّةً، ولم يعوِّل عليه فيه أحدٌ، فليس قوله (٧): إنَّه المقتول ببدرٍ، حجَّةً، فقد تبيَّن غلطه في ذلك، والله أعلم (فَسَلَّمَ) في الرَّكعتين (فَقَالَ له ذُو اليَدَيْنِ) الخِرْباق السُّلَمِيُّ: (الصَّلَاةُ -يَا رَسُولَ اللهَ-) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (أَنَقَصَتْ؟!) بهمزة الاستفهام وفتح النُّون، فيكون الفعل لازمًا، وبضمِّها متعدِّيًا (فَقَالَ

النَّبِيُّ لأَصْحَابِهِ) الَّذين صلَّوا معه : (أَحَقٌّ) بالرَّفع: مبتدأٌ، دخلت عليه همزة الاستفهام، وقوله: (مَا يَقُولُ؟) أي: ذو اليدين، سادٌّ مسدَّ الخبر، أو «أحقٌّ» خبرٌ، وتاليه مبتدأٌ (قَالُوا: نَعَمْ) حقٌّ ما يقول (١) (فَصَلَّى) (رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ) بمثنَّاتين تحتيَّتين بعد الرَّاء، ولأبي الوقت وابن عساكر: «أخراوين» بألفٍ ثمَّ واوٍ بعد الرَّاء على خلاف القياس (ثُمَّ سَجَدَ) (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو، كسجدتي الصَّلاة يجلس (٢) مفترشًا بينهما، ويأتي بذكر السُّجود للصَّلاة فيهما، وعن بعضهم أنَّه يُندَب له أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام ولا يسهو، قال النَّوويُّ كالرَّافعيِّ: وهو لائقٌ بالحال، قال الزَّركشيُّ: إنَّما يُتمُّ إذا لم يتعمَّد ما يقتضي السُّجود، فإن تعمَّد فليس بلائقٍ (٣)، بل اللائق الاستغفار، ثم يتورَّك ويسلِّم ولا يتشهَّد بعد السُّجود، وإنَّما بنى على الرَّكعتين بعد أن تكلَّم لأنَّه كان ساهيًا، لظنِّه أنَّه خارج الصَّلاة، والكلام سهوًا لا يقطعها خلافًا للحنفيَّة، وأمَّا كلام ذي اليدين والصَّحابة فلأنَّهم (٤) لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصَّلاة؛ لتجويزهم نسخ الصَّلاة من الأربع إلى الرَّكعتين، وتُعقِّب بأنَّهم تكلَّموا بعد قوله : «لم تقصر»، أو أنَّ (٥) كلامهم كان خطابًا له ؛ وهو غير مبطلٍ عند قومٍ، أو أنَّهم لم يقع منهم كلامٌ، إنَّما أشاروا إليه، أي: نعم، كما في «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: «أَوْمَؤُوا».

وبالإسناد السَّابق: (قَالَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابن إبراهيم المذكور، وهو ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة عن غُندر عن شعبة (وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ) عقبهما (وَتَكَلَّمَ) ساهيًا (ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ) منها (وَسَجَدَ) (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو (وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ) فإن قلت: ليس في حديث الباب إلَّا التَّسليم في اثنتين، وليس فيه التَّسليم في ثلاثٍ، وحينئذٍ فلا مطابقة بينه وبين التَّرجمة في الجزء الثَّاني، أُجِيبَ بأنَّه قد ورد التَّسليم في ثلاثٍ عند مسلمٍ من حديث عمران بن الحُصين، فكأنَّه أشار إليه في التَّرجمة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله