الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤٥
الحديث رقم ١٥٤٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يلبس المحرم من الثياب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٣٨⦘
إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ، لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوسِهِمْ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ».
بَابُ مَنْ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
[الحديث ١٥٤٣ - طرفه في: ١٦٨٦]
[الحديث ١٥٤٤ - أطرافه في: ١٦٧٠، ١٦٨٥، ١٦٨٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافُ فِي الْحَجِّ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِرْدَافِهِ ﷺ أُسَامَةَ ثُمَّ الْفَضْلَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ. وَالْقِصَّةُ وَإِنْ كَانَتْ وَرَدَتْ فِي حَالَةِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مِنًى، لَكِنْ يُلْحَقُ بِهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِ الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ قَصَدَ بِإِرْدَافِهِ مَنْ ذُكِرَ لِيُحَدِّثَ عَنْهُ بِمَا يَتَّفِقُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنَ التَّشْرِيعَ.
٢٣ - بَاب مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ
وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ ﵂ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ.
١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا. ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ.
[الحديث ١٥٤٥ - طرفاه في: ١٦٢٥، ١٧٣١]
قَوْلُهُ: (بَابٌ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُغَايِرَةٌ لِلسَّابِقَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ أنَّ تِلْكَ مَعْقُودَةٌ لِمَا لَا يُلْبَسُ مِنْ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ، وَهَذِهِ لِمَا يُلْبَسُ مِنْ أَنْوَاعِهَا. وَالْأُزُرُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالزَّاي - جَمْعُ إِزَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُوَرَّدَةَ بِالْعُصْفُرِ الْخَفِيفِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ لِلْمُحْرِمِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الْعُصْفُرُ طِيبٌ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ عُمَرَ كَرِهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ الْجَاهِلُ فَيَظُنُّ جَوَازَ لُبْسِ الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ قِصَّةً مَعَ طَلْحَةَ فِيهَا بَيَانُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ)؛
أَيْ عَائِشَةُ (لَا تَلَثَّمْ) بِمُثَنَّاةِ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: تَلْتَثِمُ؛ بِسُكُونِ اللَّامِ وَزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا، أَيْ لَا تُغَطِّي شَفَتَهَا بِثَوْبٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الْأَصْلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ جِلْبَابَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ قَالَا: لَا تَلْبَسِ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ وَالسَّرَاوِيلَ، وَلَا تُبَرْقِعْ وَلَا تَلَثَّمْ، وَتَلْبَسُ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا ثَوْبًا يَنْفُضُ عَلَيْهَا وَرْسًا أَوْ زَعْفَرَانًا. وَهَذَا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ)؛ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا)؛ أَيْ تَطَيُّبًا. وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُسَدَّدٌ بِلَفْظِ: لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ، وَلَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بَابَاهُ الْمَكِّيُّ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ: مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ فِي إِحْرَامِهَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: تَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَبَزِّهَا وَأَصْبَاغِهَا وَحُلِيِّهَا. وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ - وَالْمُرَادُ مَا صُبِغَ عَلَى لَوْنِ الْوَرْدِ - فَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي: بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَمَّا الْخُفُّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ كُلَّهُ وَالْخِفَافَ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا إِلَّا وَجْهَهَا فَتَسْدُلُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ سَدْلًا خَفِيفًا تستتر بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ. وَلَا تُخَمِّرْهُ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ تَعْنِي جَدَّتَهَا. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّخْمِيرُ سَدْلًا كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ بِنَا رَكْبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَاوَزْنَا رَفَعْنَاهُ، انْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهَا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ)؛ أَيِ النَّخَعِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَ ثِيَابَهُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُونُسَ، أَمَّا مُغِيرَةُ فَعَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ فَعَنْ عَطَاءٍ، وَأَمَّا يُونُسُ فَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالُوا: يُغَيِّرُ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ مَا شَاءَ، لَفْظُ سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يُبَدِّلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ. قَالَ سَعِيدٌ: وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا إِذَا أَتَوْا بِئْرَ مَيْمُونٍ اغْتَسَلُوا وَلَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ فَدَخَلُوا فِيهَا مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ.
قَوْلُهُ: (تَرَجَّلَ)؛ أَيْ سَرَّحَ شَعْرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَادَّهَنَ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ وَالشَّيْرَجَ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيبَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الطِّيبِ وَالزَّيْتِ فِي هَذَا، فَقِيَاسُ كَوْنِ الْمُحْرِمِ مَمْنُوعًا عنِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ أَنْ يُبَاحَ لَهُ اسْتِعْمَالُ الزَّيْتِ فِي رَأْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي تَرْدَعُ) بِالْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ تُلَطَّخُ. يُقَالُ: رَدَعَ، إِذَا الْتَطَخَ، وَالرَّدْعُ أَثَرُ الطِّيبِ، وَرَدَعَ بِهِ الطِّيبُ إِذَا لَزِقَ بِجِلْدِهِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرْدَغَتِ الْأَرْضُ؛ إِذَا كَثُرَتْ مَنَاقِعُ الْمِيَاهِ فِيهَا، وَالرَّدْغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الطِّينُ، انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ضَبْطُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَا تَعَرَّضَ لَهَا عِيَاضٌ وَلَا ابْنُ قُرْقُولٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ تُرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الصَّوَابُ حَذْفُ عَلَى، كَذَا قَالَ، وَإِثْبَاتُهَا مُوَجَّهٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا نَهَارًا ثُمَّ بَاتَ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٤٥ - وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدَّال المُشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مُصغَّرًا وضمِّ سين «سُليمان» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين (١) وسكون القاف (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ) بين الظُّهر والعصر يوم السَّبت كما صرَّح به الواقديُّ، ويأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- تحقيقه (بَعْدَمَا تَرَجَّلَ) بالجيم المُشدَّدة، أي: سرَّح شعره (وَادَّهَنَ) استعمل الدُّهن، وأصله: اِدْتَهَن، فأُبدِلت التَّاء دالًا، وأُدغِمت في الأخرى (وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ) أحدًا (عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ) جمع رداءٍ (وَالأُزُْرِ) بضمِّ الزَّاي وإسكانها جمع إزارٍ (تُلْبَسُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (إِلَّا المُزَعْفَرَةَ) بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ على حذف الجارِّ؛ أي (٢): إلَّا عن المزعفرة (الَّتِي تَرْدَعُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والدَّال آخرُه عينٌ مهملتين، وفي روايةٍ: «تُردِع» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: التي كثر (٣) فيها الزَّعفران
حتَّى ينفضه على من يلبسها، وقال عياضٌ: الفتح أوجه، ومعنى الضَّمِّ: أنَّها تُبقي أثره (عَلَى الجِلْدِ) قال في «التَّنقيح»: قال أبو الفرج -يعني: ابنَ الجوزيِّ-: كذا وقع في «البخاريِّ»، وصوابه: «تردع الجلد» بحذف «على» أي: تصبغه. وأجاب في «المصابيح» بأنَّ الجوهريَّ قال في «الصِّحاح»: يُقال: رَدَعْتُه بالشَّيء فارتدع، أي: لطخته فتلطَّخ، قال: فإذا كان كذلك فيجوز أن يكون المراد في الحديث: التي تردع لابسها بأثرها، و «على الجلد» ظرفٌ مستقرٌّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو وجهٌ جيِّدٌ لا يلزم من ارتكابه تخطئة الرِّواية، قال: ويحتمل أن يكون «تردع» قد تضمَّن معنى تنفض، أي: تنفض أثرها على الجلد. انتهى.
(فَأَصْبَحَ) ﵊ (بِذِي الحُلَيْفَةِ) أي: وصل إليها نهارًا ثمَّ بات بها، وفي «مسلمٍ»: أنَّه ﷺ صلَّى الظُّهر بها، ثمَّ دعا بناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسَلَتَ الدَّم وقلدَّها بنعلين، ثمَّ (رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة، وعند النَّسائيِّ: أنَّه ﵊ صلَّى الظُّهر، ثمَّ ركب وصعد جبل البيداء، ثمَّ (أَهَلَّ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ) وهل كان ﵊ مُفرِدًا الحجَّ أو قارنًا أو متمتِّعًا؟ خلافٌ يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ) بنعلين للإشعار بأنَّه هديٌ، قال الأزهريُّ: تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم، وقال النَّوويُّ: هي البعير ذكرًا كان أو أنثى، وهي التي استكملت خمس سنين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بُدْنه» بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال المهملة بلفظ الجمع (وَذَلِكَ) المذكور من الرُّكوب والاستواء على البيداء والإهلال والتَّقليد (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَِعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها، أو الإشارة لخروجه ﵊ من المدينة، وهو الصَّواب لأنَّ أوَّل ذي الحجَّة كان يوم الخميس قطعًا لِمَا ثبت وتواتر أنَّ وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعيَّن أنَّ أوَّل ذي (١) الحجَّة الخميس، ولا يصحُّ أن يكون خروجه يوم الخميس وإن جزم به ابن حزمٍ، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في «الصَّحيحين» عن أنسٍ (٢): «أنَّهم صلُّوا معه ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين» [خ¦١٠٨٩] فدلَّ على أنَّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة،
ويُحمَل قوله: «لخمسٍ بقين» أي: إن كان الشَّهر ثلاثين، فاتَّفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أوَّل ذي الحجَّة بعد مضيِّ أربع ليالٍ لا خمسٍ، ويؤيِّده قول جابرٍ: «لخمسٍ» بقين من ذي الحجَّة أو أربعٍ، وإنَّما لم يقل الرَّاوي: إن بقين بحرف الشَّرط لأنَّ الغالب تمام الشَّهر، وبه احتجَّ من قال: لا حاجة للإتيان به، والآخر راعى احتمال النَّقص، فقال: يحتاج إليه للاحتياط.
(فَقَدِمَ) ﵊ (مَكَّةَ) من أعلاها (لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ) صبيحة يوم الأحد (فَطَافَ بِالبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: لم يَصِرْ حلالًا (مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ) بسكون (١) الدَّال (لأَنَّهُ) ﵊ (قَلَّدَهَا) فصارت هديًا، ولا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلَّل حتَّى يبلغ الهديُ محلَّه (ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ) بفتح الحاء المهملة وضمِّ الجيم المُخفَّفة: الجبل المشرف على المُحَصَّب حذاء مسجد العقبة (٢)، وفي «المشارق» وغيرها: مقبرة أهل مكَّة على ميلٍ ونصفٍ من البيت (وَهْو) أي: والحال أنَّه ﵊ (مُهِلٌّ بِالحَجِّ) بضمِّ الميم وكسر الهاء (وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا) لعلَّه لشغلٍ (٣) منعه من ذلك (حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) الذين لم يسوقوا الهدي (أَنْ يَطَّوَّفُوا) بتشديد الطَّاء مفتوحةً، كذا في الفرع وأصله (٤)، وفي غيره: «يَطُوفُوا» بضمِّها مُخفَّفةً (بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوْسِهِمْ) لأجل أن يحلقوا بمنًى (ثُمَّ يَحِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر ثانيه لأنَّهم متمتِّعون ولا هدي معهم كما قال: (وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ) في نسخةٍ: «ومن كان» (مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ) كسائر مُحرَّمات الإحرام حلالٌ له، فـ «الطِّيب» مبتدأٌ حُذِف خبرُه، والجملة عطفٌ على الجملة.
وموضع التَّرجمة قوله: «فلم ينه عن شيءٍ من الأردية والأزر تُلبَس»، والحديث من أفراد المؤلِّف، ورواه أيضًا مختصرًا.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
[الحديث ١٥٤٣ - طرفه في: ١٦٨٦]
[الحديث ١٥٤٤ - أطرافه في: ١٦٧٠، ١٦٨٥، ١٦٨٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافُ فِي الْحَجِّ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِرْدَافِهِ ﷺ أُسَامَةَ ثُمَّ الْفَضْلَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ. وَالْقِصَّةُ وَإِنْ كَانَتْ وَرَدَتْ فِي حَالَةِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مِنًى، لَكِنْ يُلْحَقُ بِهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِ الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ قَصَدَ بِإِرْدَافِهِ مَنْ ذُكِرَ لِيُحَدِّثَ عَنْهُ بِمَا يَتَّفِقُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنَ التَّشْرِيعَ.
٢٣ - بَاب مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ
وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ ﵂ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ.
١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا. ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ.
[الحديث ١٥٤٥ - طرفاه في: ١٦٢٥، ١٧٣١]
قَوْلُهُ: (بَابٌ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُغَايِرَةٌ لِلسَّابِقَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ أنَّ تِلْكَ مَعْقُودَةٌ لِمَا لَا يُلْبَسُ مِنْ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ، وَهَذِهِ لِمَا يُلْبَسُ مِنْ أَنْوَاعِهَا. وَالْأُزُرُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالزَّاي - جَمْعُ إِزَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُوَرَّدَةَ بِالْعُصْفُرِ الْخَفِيفِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ لِلْمُحْرِمِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الْعُصْفُرُ طِيبٌ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ عُمَرَ كَرِهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ الْجَاهِلُ فَيَظُنُّ جَوَازَ لُبْسِ الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ قِصَّةً مَعَ طَلْحَةَ فِيهَا بَيَانُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ)؛
أَيْ عَائِشَةُ (لَا تَلَثَّمْ) بِمُثَنَّاةِ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: تَلْتَثِمُ؛ بِسُكُونِ اللَّامِ وَزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا، أَيْ لَا تُغَطِّي شَفَتَهَا بِثَوْبٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الْأَصْلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ جِلْبَابَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ قَالَا: لَا تَلْبَسِ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ وَالسَّرَاوِيلَ، وَلَا تُبَرْقِعْ وَلَا تَلَثَّمْ، وَتَلْبَسُ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا ثَوْبًا يَنْفُضُ عَلَيْهَا وَرْسًا أَوْ زَعْفَرَانًا. وَهَذَا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ)؛ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا)؛ أَيْ تَطَيُّبًا. وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُسَدَّدٌ بِلَفْظِ: لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ، وَلَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بَابَاهُ الْمَكِّيُّ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ: مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ فِي إِحْرَامِهَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: تَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَبَزِّهَا وَأَصْبَاغِهَا وَحُلِيِّهَا. وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ - وَالْمُرَادُ مَا صُبِغَ عَلَى لَوْنِ الْوَرْدِ - فَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي: بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَمَّا الْخُفُّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ كُلَّهُ وَالْخِفَافَ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا إِلَّا وَجْهَهَا فَتَسْدُلُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ سَدْلًا خَفِيفًا تستتر بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ. وَلَا تُخَمِّرْهُ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ تَعْنِي جَدَّتَهَا. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّخْمِيرُ سَدْلًا كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ بِنَا رَكْبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَاوَزْنَا رَفَعْنَاهُ، انْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهَا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ)؛ أَيِ النَّخَعِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَ ثِيَابَهُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُونُسَ، أَمَّا مُغِيرَةُ فَعَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ فَعَنْ عَطَاءٍ، وَأَمَّا يُونُسُ فَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالُوا: يُغَيِّرُ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ مَا شَاءَ، لَفْظُ سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يُبَدِّلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ. قَالَ سَعِيدٌ: وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا إِذَا أَتَوْا بِئْرَ مَيْمُونٍ اغْتَسَلُوا وَلَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ فَدَخَلُوا فِيهَا مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ.
قَوْلُهُ: (تَرَجَّلَ)؛ أَيْ سَرَّحَ شَعْرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَادَّهَنَ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ وَالشَّيْرَجَ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيبَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الطِّيبِ وَالزَّيْتِ فِي هَذَا، فَقِيَاسُ كَوْنِ الْمُحْرِمِ مَمْنُوعًا عنِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ أَنْ يُبَاحَ لَهُ اسْتِعْمَالُ الزَّيْتِ فِي رَأْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي تَرْدَعُ) بِالْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ تُلَطَّخُ. يُقَالُ: رَدَعَ، إِذَا الْتَطَخَ، وَالرَّدْعُ أَثَرُ الطِّيبِ، وَرَدَعَ بِهِ الطِّيبُ إِذَا لَزِقَ بِجِلْدِهِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرْدَغَتِ الْأَرْضُ؛ إِذَا كَثُرَتْ مَنَاقِعُ الْمِيَاهِ فِيهَا، وَالرَّدْغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الطِّينُ، انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ضَبْطُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَا تَعَرَّضَ لَهَا عِيَاضٌ وَلَا ابْنُ قُرْقُولٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ تُرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الصَّوَابُ حَذْفُ عَلَى، كَذَا قَالَ، وَإِثْبَاتُهَا مُوَجَّهٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا نَهَارًا ثُمَّ بَاتَ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٤٥ - وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدَّال المُشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مُصغَّرًا وضمِّ سين «سُليمان» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين (١) وسكون القاف (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ) بين الظُّهر والعصر يوم السَّبت كما صرَّح به الواقديُّ، ويأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- تحقيقه (بَعْدَمَا تَرَجَّلَ) بالجيم المُشدَّدة، أي: سرَّح شعره (وَادَّهَنَ) استعمل الدُّهن، وأصله: اِدْتَهَن، فأُبدِلت التَّاء دالًا، وأُدغِمت في الأخرى (وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ) أحدًا (عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ) جمع رداءٍ (وَالأُزُْرِ) بضمِّ الزَّاي وإسكانها جمع إزارٍ (تُلْبَسُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (إِلَّا المُزَعْفَرَةَ) بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ على حذف الجارِّ؛ أي (٢): إلَّا عن المزعفرة (الَّتِي تَرْدَعُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والدَّال آخرُه عينٌ مهملتين، وفي روايةٍ: «تُردِع» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: التي كثر (٣) فيها الزَّعفران
حتَّى ينفضه على من يلبسها، وقال عياضٌ: الفتح أوجه، ومعنى الضَّمِّ: أنَّها تُبقي أثره (عَلَى الجِلْدِ) قال في «التَّنقيح»: قال أبو الفرج -يعني: ابنَ الجوزيِّ-: كذا وقع في «البخاريِّ»، وصوابه: «تردع الجلد» بحذف «على» أي: تصبغه. وأجاب في «المصابيح» بأنَّ الجوهريَّ قال في «الصِّحاح»: يُقال: رَدَعْتُه بالشَّيء فارتدع، أي: لطخته فتلطَّخ، قال: فإذا كان كذلك فيجوز أن يكون المراد في الحديث: التي تردع لابسها بأثرها، و «على الجلد» ظرفٌ مستقرٌّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو وجهٌ جيِّدٌ لا يلزم من ارتكابه تخطئة الرِّواية، قال: ويحتمل أن يكون «تردع» قد تضمَّن معنى تنفض، أي: تنفض أثرها على الجلد. انتهى.
(فَأَصْبَحَ) ﵊ (بِذِي الحُلَيْفَةِ) أي: وصل إليها نهارًا ثمَّ بات بها، وفي «مسلمٍ»: أنَّه ﷺ صلَّى الظُّهر بها، ثمَّ دعا بناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسَلَتَ الدَّم وقلدَّها بنعلين، ثمَّ (رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة، وعند النَّسائيِّ: أنَّه ﵊ صلَّى الظُّهر، ثمَّ ركب وصعد جبل البيداء، ثمَّ (أَهَلَّ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ) وهل كان ﵊ مُفرِدًا الحجَّ أو قارنًا أو متمتِّعًا؟ خلافٌ يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ) بنعلين للإشعار بأنَّه هديٌ، قال الأزهريُّ: تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم، وقال النَّوويُّ: هي البعير ذكرًا كان أو أنثى، وهي التي استكملت خمس سنين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بُدْنه» بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال المهملة بلفظ الجمع (وَذَلِكَ) المذكور من الرُّكوب والاستواء على البيداء والإهلال والتَّقليد (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَِعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها، أو الإشارة لخروجه ﵊ من المدينة، وهو الصَّواب لأنَّ أوَّل ذي الحجَّة كان يوم الخميس قطعًا لِمَا ثبت وتواتر أنَّ وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعيَّن أنَّ أوَّل ذي (١) الحجَّة الخميس، ولا يصحُّ أن يكون خروجه يوم الخميس وإن جزم به ابن حزمٍ، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في «الصَّحيحين» عن أنسٍ (٢): «أنَّهم صلُّوا معه ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين» [خ¦١٠٨٩] فدلَّ على أنَّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة،
ويُحمَل قوله: «لخمسٍ بقين» أي: إن كان الشَّهر ثلاثين، فاتَّفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أوَّل ذي الحجَّة بعد مضيِّ أربع ليالٍ لا خمسٍ، ويؤيِّده قول جابرٍ: «لخمسٍ» بقين من ذي الحجَّة أو أربعٍ، وإنَّما لم يقل الرَّاوي: إن بقين بحرف الشَّرط لأنَّ الغالب تمام الشَّهر، وبه احتجَّ من قال: لا حاجة للإتيان به، والآخر راعى احتمال النَّقص، فقال: يحتاج إليه للاحتياط.
(فَقَدِمَ) ﵊ (مَكَّةَ) من أعلاها (لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ) صبيحة يوم الأحد (فَطَافَ بِالبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: لم يَصِرْ حلالًا (مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ) بسكون (١) الدَّال (لأَنَّهُ) ﵊ (قَلَّدَهَا) فصارت هديًا، ولا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلَّل حتَّى يبلغ الهديُ محلَّه (ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ) بفتح الحاء المهملة وضمِّ الجيم المُخفَّفة: الجبل المشرف على المُحَصَّب حذاء مسجد العقبة (٢)، وفي «المشارق» وغيرها: مقبرة أهل مكَّة على ميلٍ ونصفٍ من البيت (وَهْو) أي: والحال أنَّه ﵊ (مُهِلٌّ بِالحَجِّ) بضمِّ الميم وكسر الهاء (وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا) لعلَّه لشغلٍ (٣) منعه من ذلك (حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) الذين لم يسوقوا الهدي (أَنْ يَطَّوَّفُوا) بتشديد الطَّاء مفتوحةً، كذا في الفرع وأصله (٤)، وفي غيره: «يَطُوفُوا» بضمِّها مُخفَّفةً (بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوْسِهِمْ) لأجل أن يحلقوا بمنًى (ثُمَّ يَحِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر ثانيه لأنَّهم متمتِّعون ولا هدي معهم كما قال: (وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ) في نسخةٍ: «ومن كان» (مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ) كسائر مُحرَّمات الإحرام حلالٌ له، فـ «الطِّيب» مبتدأٌ حُذِف خبرُه، والجملة عطفٌ على الجملة.
وموضع التَّرجمة قوله: «فلم ينه عن شيءٍ من الأردية والأزر تُلبَس»، والحديث من أفراد المؤلِّف، ورواه أيضًا مختصرًا.