«أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧١٨

الحديث رقم ١٧١٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يتصدق بجلال البدن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أهدى النبي ﷺ مائة بدنة، فأمرني بلحومها…

«أَهْدَى النَّبِيُّ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا».

سند حديث: ١٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ…

١٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى : أَنَّ عَلِيًّا حَدَّثَهُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أهدى النبي ﷺ مائة بدنة، فأمرني بلحومها…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِهِ جَوَازُ بَيْعِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ فِي رَدِّ قَوْلِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ مَرْفُوعًا: لَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدْيِ، وَتَصَدَّقُوا وَكُلُوا، وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا وَلَا تَبِيعُوا، وَإِنْ أُطْعِمْتُمْ مِنْ لُحُومِهَا فَكُلُوا إِنْ شِئْتُمْ.

١٢٢ - بَاب يُتَصَدَّقُ بِجِلَالِ الْبُدْنِ

١٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيًّا حَدَّثَهُ قَالَ: أَهْدَى النَّبِيُّ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ يُتَصَدَّقُ بِجِلَالِ الْبُدْنِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ فِي: بَابِ الْجِلَالِ وَالْبُدْنِ.

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مِنَ الْفَوَائِدِ: سَوْقُ الْهَدْيِ، وَالْوِكَالَةُ فِي نَحْرِ الْهَدْيِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَالْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَتَفْرِقَتُهُ، وَالْإِشْرَاكُ فِيهِ، وَأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلَّهِ فَلَهُ تَخْلِيصُهُ، وَنَظِيرُهُ الزَّرْعُ يُعْطِي عُشْرَهُ وَلَا يَحْسُبُ شَيْئًا مِنْ نَفَقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.

١٢٣ - بَاب ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.

١٢٤ - وَمَا يَأْكُلُ مِنْ الْبُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ

وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ، وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ مِنْ الْمُتْعَةِ

١٧١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا.

[الحديث ١٧١٩ - أطرافه في: ٢٩٨٠، ٥٤٣٤، ٥٥٦٧]

١٧٢٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا

مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ وقَوْلُهُ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وَقَعَ سِيَاقُ الْآيَاتِ كُلِّهَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهَا فِي التَّرْجَمَةِ وَمَا يَأْكُلُ مِنَ الْبُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ أَيْ: بَيَانُ الْمُرَادِ مِنَ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ (أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ قَالَ: إِذَا عَطِبَتِ الْبَدَنَةُ أَوْ كُسِرَتْ أَكَلَ مِنْهَا صَاحِبُهَا وَلَمْ يُبْدِلْهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ. وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا الْقَوْلُ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَزَادَ إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: وَلَا يُؤْكَلُ إِلَّا مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دَمُ نُسُكٍ لَا دَمُ جُبْرَانَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ مِنَ الْمُتْعَةِ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَلَا مِمَّا يُجْعَلُ لِلْمَسَاكِينِ مِنَ النَّذْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا مِنَ الْفِدْيَةِ. وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: إِنْ شَاءَ أَكَلَ مِنَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَةِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ. وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ عَنْ عَطَاءٍ فَإِنَّ حَاصِلَهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَثَرُ الثَّانِي. وَزَعَمَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِمَنْعِ الْأَكْلِ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وَقَبْلَ قَوْلِهِ: وَمَا يَأْكُلُ مِنَ الْبُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ لَفْظُ بَابٍ وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى) بِإِضَافَةِ ثَلَاثٍ إِلَى مِنًى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ وَهُوَ مِنَ الْحُكمِ الْمُتَّفَقِ عَلَى نَسْخِهِ.

قَوْلُهُ: (سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَخَالِدٌ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ كُوفِيًّا فَقَدْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ مُدَّةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا فِي: بَابِ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ هَذِهِ: حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ. كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ لَكِنْ جَعَلَ عَلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ ضَبَّةً. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: أَنْ بَدَلَ ثُمَّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ بِلَفْظِ: أَنْ يَحِلَّ، وَزَادَ قَبْلَهَا: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَدْ شَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى لَفْظِ ثُمَّ، فَقَالَ: جَوَابُ إِذَا مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ يُتِمُّ عُمْرَتَهُ ثُمَّ يَحِلُّ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ مَنْ ثَمَّ مَحْذُوفًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ زَائِدَةً كَمَا قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ إِنَّ تَابَ جَوَابُ حَتَّى إِذَا. قُلْتُ: وَكُلُّهُ تَكَلُّفٌ وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ، وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ قَرِيبًا وَمِثْلُهَا فِي الْجِهَادِ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المساكين» (وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا) قال الإمام (١) النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: ومذهبنا أنَّه لا يجوز بيع جلد الهدي ولا (٢) الأضحية ولا شيءٍ من أجزائها، سواءٌ كانا تطوُّعًا أو واجبين، لكن إن كانا تطوُّعًا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللُّبس وغيره، وبه قال مالكٌ وأحمد.

(١٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَتَصَدَّقُ) صاحب الهدي (بِجِلَالِ البُدْنِ) ولغير أبي ذرٍّ: «يُتصدَّق» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول.

١٧١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) المخزوميُّ المكِّيُّ، وقِيل: سيف بن سليمان، قال النَّسائيُّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال أبو زكريَّا السَّاجي: أجمعوا على أنَّه صدوقٌ، غير أنَّه اتُّهِم بالقدر، قال الحافظ ابن حجرٍ: له في «البخاريِّ» أحاديث؛ أحدها في «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٦]: حديث حذيفة في آنية الذهب بمتابعة الحكم وابن عون (٣) وغيرهما، عن مجاهدٍ عن ابن أبي ليلى عنه، وفي «الحجِّ» [خ¦١٧١٦]: حديث عليٍّ في القيام على البدن بمتابعة ابن أبي نَجِيْحٍ (٤) وغيره، عن مجاهدٍ عن ابن أبي ليلى عنه، وآخر في «الحجِّ» [خ¦١٨١٥]: حديث كعب بن عُجْرة في الفدية بمتابعة حُمَيد بن قيسٍ وغيره، عن مجاهدٍ عن ابن أبي ليلى عنه (٥)، وحديثٌ في «الصَّلاة» [خ¦٣٩٧] وفي «التَّهجُّد» [خ¦١١٦٧]: حديث ابن عمر عن بلالٍ في صلاة النَّبيِّ ، أخرجه من حديثه عن مجاهدٍ عنه، وله متابعٌ عنده: عن نافعٍ وعن سالمٍ معًا، وروى له الباقون إلَّا التِّرمذيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) عبد الرحمن: (أَنَّ عَلِيًّا حَدَّثَهُ قَالَ: أَهْدَى النَّبِيُّ مِئَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا

فَقَسَمْتُهَا) على المساكين (ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا) بكسر الجيم (فَقَسَمْتُهَا) أي (١): على المساكين أيضًا، قال الشَّافعيُّ في القديم: ويتصدَّق بالنِّعال وجِلال البُدن، وقال المُهلَّب: ليس التَّصدُّق بجِلال البُدْن فرضًا، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: وله أن ينتفع بجلدها وجُلِّها أو يتصدَّق به، ويحرم بيعهما (٢) وشيءٌ منهما، وقال المالكيَّة: وخطام الهدايا كلِّها وجلالُها كلحمها، فحيث يكون اللَّحم مقصورًا على المساكين يكون الجِلال والخطام كذلك وحيث يكون اللَّحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجِلال كذلك؛ تحقيقًا للتَّبعيَّة، فليس له أن يأخذ من ذلك ولا يأمر بأخذه في الممنوع من أكل لحمه، فإن أمر أحدًا بأخذ شيءٍ من ذلك أو أخذ هو شيئًا ردَّه، وإن أتلفه غرم قيمته للفقراء، وقال العينيُّ من الحنفيَّة: وقال أصحابنا: يتصدَّق بجِلال الهدي وزمامه لأنَّه أمر عليًّا بذلك، والظَّاهر أنَّ هذا الأمر أمر استحبابٍ.

(ثُمَّ) أمرني (بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا) وهذا لفظ رواية الحسن (٣) بن مسلمٍ، وأمَّا لفظ رواية عبد الكريم فأخرجها مسلمٌ من طريق (٤) أبي خيثمة زهير بن معاوية عنه، ولفظه: أمرني رسول الله أن أقوم على بُدْنِه، وأن أتصدَّق بلحمها وجلودها (٥) وأَجِلَّتها، وألَّا أعطي الجزَّار منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا.

(١٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾) واذكر زمان جعلنا له (﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾)

مباءةً: مرجعًا يرجع إليه للعمارة والعبادة، وذكر «مكان البيت» لأنَّ البيت ما (١) كان حينئذٍ (﴿أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾) «أن» مفسِّرةٌ لـ «بوَّأنا» من حيث إنَّه تضمَّن معنى (٢): تعبَّدنا، أي: اِبْنِهِ على اسمي وحدي (﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾) من الشِّرك (﴿لِلطَّائِفِينَ﴾) حوله (﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾) عبَّر عن الصَّلاة بأركانها، ولم يذكر الواو بين «الرُّكَّع» و «السُّجود»، وذكرها بين «القائمين» و «الرُّكَّع» (٣) لكمال الاتِّصال بين الرُّكوع والسُّجود؛ إذ لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر في الصَّلاة فرضًا أو نفلًا، وينفكُّ القيام عن (٤) الرُّكوع فلا يكون بينهما كمال الاتِّصال، أو المراد بـ «القائمين»: المعتكفون لمشاهدة الكعبة، وبـ «الرُّكع السُّجود»: المصلُّون (﴿وَأَذِّن﴾) نادِ (﴿فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾) بدعوته والأمر به، ورُوِي: أنَّه قام (٥) على مقامه، أو على الحجر، أو على الصَّفا، أو على أبي قبيسٍ، وقال: إنَّ ربَّكم اتَّخذ بيتًا فحجُّوه، فأجابه كلُّ شيءٍ من شجرٍ وحجرٍ، ومن كتب الله (٦) له الحجَّ إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم: لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك

(﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾) مشاةً، جمع: راجلٍ (١) (﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾) أي: وركبانًا على كلِّ بعيرٍ مهزولٍ أتعبه (٢) بُعْد السَّفر فهزله، حالٌ معطوفٌ على حالٍ (﴿يَأْتِينَ﴾) صفةٌ لـ «ضامرٍ»، وجمعه باعتبار معناه (﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾) طريقٍ بعيدٍ (﴿لِيَشْهَدُوا﴾) ليحضروا (﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾) دينيَّةً ودنيويَّةً (﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾) عند إعداد (٣) الهدايا والضَّحايا وذبحها (﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾) عشر ذي الحجَّة، أو يوم النَّحر وثلاثةٍ بعده، ويعضد الثَّاني قوله: (﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾) فإنَّ المراد: التَّسمية عند ذبح الهدايا والضَّحايا (﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾) من لحومها، والأمر للاستحباب أو للإباحة، فالجاهليَّة يحرِّمون أكلها، وعند الأكثرين لا يجوز الأكل من الدَّم الواجب (﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾) الذي أصابه بؤسٌ، أي: شدَّةٌ (﴿الْفَقِيرَ﴾) المحتاج (﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾) يزيلوا (﴿تَفَثَهُمْ﴾) وسخهم؛ بقصِّ الشَّوارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال، أو التَّفث: المناسك (﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾) ما ينذرون بالبرِّ في حجِّهم (﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾) طواف الرُّكن، أو طواف الوداع (﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾) القديم لأنَّه أوَّل بيتٍ وُضِع للنَّاس، أو المُعتَق من تسلُّط الجبابرة، فكم من (٤) جبَّارٍ سار إليه ليهدمه (٥) فمنعه الله، وأمَّا الحَجَّاج فإنَّه قصد إخراج ابن الزُّبير منه دون التَّسلُّط عليه، وقِيل: لأنَّه تُعتَق فيه رقاب المذنبين من العذاب، لكن قال ابن عطيَّة: وهذا يردُّه التَّصريف. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: لا يردُّه لأنَّه فسَّره تفسير معنًى، وأمَّا من حيث الإعراب فلأنَّ «العتيق»: «فَعِيلٌ»؛ بمعنى «مُفْعِل» أي: معتق رقاب المذنبين، ونسبة الإعتاق إليه مجازٌ (٦)؛ إذ بزيارته والطَّواف به يحصل الإعتاق، وينشأ عن كونه مُعْتِقًا أن يُقال: تُعتَق فيه (٧) رقاب المذنبين.

(﴿ذَلِكَ﴾) أي: الأمرُ ذلك (﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ﴾) بترك ما نهى الله عنه (١)، أو بتعظيم بيته والشَّهر الحرام والبلد الحرام والإحرام (﴿فَهُوَ﴾) أي: التَّعظيم (﴿خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]) ثوابًا، ورواية أبوي ذرٍّ والوقت: «﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ إلى قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾» فحذفا ما ثبت عند غيرهما ممَّا ذُكِرَ من الآيات، وعزا في «فتح الباري» سياق الآيات كلِّها لرواية كريمة، قال: والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولذلك عطف عليها (٢) في التَّرجمة: «وما يأكل من البدن وما يتصدَّق» أي: بيان المراد من الآية. انتهى. واعترضه صاحب «عمدة القاري» بأنَّ الذي في مُعظَم النُّسخ «بابٌ» بعد قوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وقبل قوله: «ما يأكل من البدن»، ثمَّ قال: وأين العطف في هذا وكلُّ واحدٍ من البابين ترجمةٌ مستقلَّةٌ؟ والظَّاهر أنَّ المؤلِّف لم يجد في التَّرجمة الأولى حديثًا يطابقها على شرطه. انتهى. وهذا عجيبٌ منه؛ فإنَّ قوله: «في معظم النُّسخ بابٌ» فيه إشعارٌ بحذفه في بعض النُّسخ ممَّا وقف هو عليه، ولا مانع أن يعتمده شيخ الصَّنعة الحافظ ابن حجرٍ لِما ترجَّح عنده، بل صرَّح بأنَّه الصَّواب، وهو رواية الحافظ أبي ذرٍّ مع ثبوت واو العطف قبل قوله: «وما يأكل من البدن» ولغير أبي ذرٍّ كما في الفرع وغيره.

(١٢٤) (بابُ مَا يَأْكُلُ) صاحب الهدي (مِنَ البُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ) به (٣) منها، ولغير أبي ذرٍّ: «وما يُتَصَّدقُ» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول.

(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) أي (٤): ابن عمر العمريُّ كما (٥) وصله ابن أبي شيبة بمعناه، والطَّبرانيُّ (٦)

من طريق القطَّان بلفظه: (أخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه قال: (لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ) بضمِّ الياء، من «يُؤكَل» أي: لا يأكل المالك من الذي جعله جزاءً لصيد الحرم (١) ولا من المنذور (٢)، بل يجب التَّصدُّق بهما، وهو قول مالكٍ، وروايةٌ عن أحمد، وزاد مالكٌ: إلَّا فدية الأذى، وعن أحمد: لا يُؤكَل إلَّا من هدي التَّطوُّع والمتعة والقِران، وهو قول الحنفيَّة بناءً على أنَّ دم التَّمتُّع والقران دم نسكٍ، لا دم جبرانٍ (وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) ولو عطب الهدي في الطَّريق وكان تطوُّعًا فله التَّصرُّف فيه ببيعٍ وأكلٍ وغيرهما لأنَّ ملكه ثابتٌ عليه، وإن كان نذرًا لزمه ذبحه لأنَّه هديٌ (٣) معكوفٌ على الحرم، فوجب نحره مكانه كهدي المحصر، وليس له التَّصرُّف فيه بما يزيل الملك أو يؤول إلى زواله كالوصيَّة والرَّهن والهبة لأنَّه بالنَّذر زال ملكه عنه وصار للمساكين، وفارق ما لو قال: لله عَلَيَّ إعتاق هذا العبد، حيث لا يزول ملكه عنه إلَّا بإعتاقه وإن امتنع التَّصرُّف فيه بأنَّ الملك هنا ينتقل إلى المساكين (٤)، فانتقل بنفس النَّذر كالوقف، وأمَّا الملك في العبد فلا ينتقل إليه ولا إلى غيره، بل ينتقل العبد عنه، وإن (٥) لم يذبح الهدي المعطوب (٦) حتَّى تلف ضمنه لتفريطه كنظيره في الوديعة.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه: (يَأْكُلُ) من جزاء الصَّيد والنَّذر (وَيُطْعِمُ مِنَ المُتْعَةِ) أي: من الهدي المُسمَّى بدم التَّمتُّع الواجب على المتمتِّع.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (ليشهدوا) ، أَي: ليحضروا مَنَافِع لَهُم مُخْتَصَّة بِهَذِهِ الْعِبَادَة من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا، وَقيل: الْمَنَافِع التِّجَارَة، وَقيل: الْعَفو وَالْمَغْفِرَة. قَوْله: (فِي أَيَّام مَعْلُومَات) ، يَعْنِي: عشر ذِي الْحجَّة، وَقيل: تِسْعَة أَيَّام من الْعشْر، وَقيل: يَوْم الْأَضْحَى وَثَلَاثَة أَيَّام بعده، وَقيل: أَيَّام التَّشْرِيق، وَقيل: إِنَّهَا خَمْسَة أَيَّام أَولهَا يَوْم التَّرويَة: وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا يَوْم عَرَفَة، وَالذكر هَهُنَا يدل على التَّسْمِيَة على مَا نحر لقَوْله: {على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٨٢ و ٤٣) . يَعْنِي: الْهَدَايَا والضحايا من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم والبهيمة، مُبْهمَة فِي كل ذَات أَربع فِي الْبر وَالْبَحْر، فبينت بالأنعام، وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر والضأن والمعز. قَوْله: (فَكُلُوا مِنْهَا) الْأَمر بِالْأَكْلِ مِنْهَا أَمر إِبَاحَة لِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يَأْكُلُون من نِسَائِكُم، وَيجوز أَن يكون ندبا لما فِيهِ من مواساة الْفُقَرَاء ومساواتهم، وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع. قَوْله: (وأطعموا البائش) ، أَي: الَّذِي أَصَابَهُ بؤس، أَي: شدَّة الْفقر، وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه لَيْسَ بِوَاجِب، قَوْله: (ثمَّ ليقضوا تفثهم) ، قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: التفث، حلق الرَّأْس وَأخذ الشَّارِب ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة وقص الْأَظْفَار وَالْأَخْذ من العارضين وَرمي الْجمار وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، وَقيل: مَنَاسِك الْحَج، والتفث فِي الأَصْل: الْوَسخ والقذارة من طول الشّعْر والأظفار والشعث، وقضاؤه نقضه، وإذهابه. وَقَالَ الزّجاج: أهل اللُّغَة لَا يعْرفُونَ التفث إلَاّ من التَّفْسِير، وَكَأَنَّهُ الْخُرُوج من الْإِحْرَام إِلَى الْإِحْلَال. قَوْله: (وليوفوا نذورهم) ، أَي: نذور الْحَج وَالْهَدْي، وَمَا ينذر الْإِنْسَان من أَعمال الْبر فِي حجهم. قَوْله: (وليطوفوا) ، أَرَادَ الطّواف الْوَاجِب وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، والزيارة الَّذِي يُطَاف بعد الْوُقُوف، أما يَوْم النَّحْر أَو بعده. قَوْله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) أَي: بِالْكَعْبَةِ، سمي الْعَتِيق لقدمه أَو لِأَنَّهُ أعتق من أَيدي الْجَبَابِرَة، فَلم يصلوا إِلَى تخريبه، فَلم يظْهر عَلَيْهِ جَبَّار وَلم يُسَلط عَلَيْهِ إلَاّ من يعظمه ويحترمه، وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ. وَقيل: لِأَن أعتق من الْغَرق يَوْم الطوفان.

٤٢١ - (بابُ مَا يأكُلُ مِنَ الْبُدْنِ ومَا يَتَصَدَّقُ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان مَا يَأْكُل صَاحب الْهَدْي من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا أَرَادَ مَا يجوز لَهُ الْأكل، وَمَا يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا يُؤْكَل، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: بَاب فِي بَيَان مَا يجوز الْأكل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا على هَذِه النُّسْخَة.

وقَالَ عُبَيْدُ الله أخبَرَني نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ ويْؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن نمير عَنهُ بِمَعْنَاهُ. قَالَ: (إِذا عطبت الْبَدنَة أَو كسرت أكل مِنْهَا صَاحبهَا وَلم يبدلها إلَاّ أَن تكون نذرا أَو جَزَاء صيد) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْقطَّان عَن عبيد الله بِلَفْظ التَّعْلِيق الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا يُؤْكَل) أَي: لَا يَأْكُل الْمَالِك من الَّذِي جعله جَزَاء لصيد الْحرم، وَلَا من الْمَنْذُور، بل يجب التَّصَدُّق بهما. وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَالك، وَزَاد: (إلَاّ فديَة الْأَذَى) ، وَعَن أَحْمد: لَا يُؤْكَل إلَاّ من هدي التَّطَوُّع والمتعة وَالْقرَان، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، بِنَاء على أَن دم التَّمَتُّع وَالْقرَان دم نسك لَا دم جبران، وَذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك أَنه يَأْكُل من الْهَدْي النّذر، إلَاّ أَن يكون نَذره للْمَسَاكِين، وَكَذَلِكَ مَا أخرجه بِمَعْنى الصَّدَقَة لَا يَأْكُل مِنْهُ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يكره أَن يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد أَو فديَة أَو كَفَّارَة، وَيَأْكُل النذور وهدي التَّمَتُّع والتطوع. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف أهل الْعلم فِي هدي التَّطَوُّع إِذا عطب قبل مَحَله، فَقَالَت طَائِفَة: صَاحبه مَمْنُوع من الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، ورخصت طَائِفَة فِي الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد وَالنّذر، وَيطْعم من الْمُتْعَة أَي من الْهَدْي الَّذِي يُسمى بِدَم التَّمَتُّع الْوَاجِب على الْمُتَمَتّع، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ، وروى سعيد بن مَنْصُور من وَجه آخر عَن عَطاء:

لَا يُؤْكَل من جَزَاء الصَّيْد وَلَا مِمَّا جعل للْمَسَاكِين من النذور وَغير ذَلِك، وَلَا من الْفِدْيَة، ويؤكل مَا سوى ذَلِك، وروى عبد بن حميد من وَجه آخر عَنهُ: أَن شَاءَ أكل الْهَدْي وَالْأُضْحِيَّة، وَإِن شَاءَ لم يَأْكُل.

٩١٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدثنَا عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُوُل كُنَّا لَا نأكُل من لُحُومِ بُدْنِنا فَوقَ ثَلاث مِنًى فرخَّصَ لنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كُلُوا وتَزَوَّدُوا فأكلْنا وتَزَوَّدْنا قُلْتُ لِعَطَاءِ أقالَ حَتَّى جِئنَا المَدِينَةَ قَالَ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كلوا وتزودوا. .) إِلَخ. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن أبي بكر عَن عَليّ بن مسْهر وَعَن يحيى بن أَيُّوب عَن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَعَن عمرَان بن يزِيد.

قَوْله: (فَوق ثَلَاث منى) بِإِضَافَة: ثَلَاث، إِلَى: منى، أَي: الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي كُنَّا بمنى وَهِي الْأَيَّام المعدودات. قَوْله: (قلت لعطاء) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج. قَوْله: (أقَال) ، الْهمزَة فِيهِ للاستفهام أَي: أقَال جَابر: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، قَالَ جَابر: لَا يَعْنِي لم يقل جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، وَوَقع فِي مُسلم: (قَالَ: نعم) ، بدل قَوْله: (لَا) فروى مُسلم من حَدِيث ابْن جريج: (حَدثنِي عَطاء، قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله، يَقُول: كُنَّا لَا نَأْكُل من لُحُوم بدننا فَوق ثَلَاث، فأرخص لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كلوا وتزودوا) . قلت لعطاء: أقَال جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة؟ قَالَ: نعم) . والتوفيق بَين قَوْله: (لَا) وَقَوله: (نعم) أَن يحمل على أَنه نسي، فَقَالَ: لَا، ثمَّ تذكر فَقَالَ: نعم، وَحَدِيث جَابر هَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَليّ بن أبي طَالب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَانَا أَن نَأْكُل من لُحُوم نسكنا بعد ثَلَاث) ، وَفِي لفظ: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد نهاكم أَن تَأْكُلُوا لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث لَيَال، فَلَا تَأْكُلُوا) وروى أَيْضا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يَأْكُل أحدكُم من لحم أضحيته فَوق ثَلَاث أَيَّام.

وَقَالَ القَاضِي: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، فَقَالَ قوم: يحرم إمْسَاك لُحُوم الْأَضَاحِي وَالْأكل مِنْهَا بعد ثَلَاث، وَأَن حكم التَّحْرِيم بَاقٍ، كَمَا قَالَه عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: يُبَاح الْأكل والإمساك بعد الثَّلَاث، وَالنَّهْي مَنْسُوخ بِحَدِيث جَابر هَذَا وَغَيره، وَهَذَا من نسخ السّنة بِالسنةِ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ هُوَ نسخا بل كَانَ التَّحْرِيم لعِلَّة. فَلَمَّا زَالَت زَالَ التَّحْرِيم، وَتلك الْعلَّة هِيَ الدافة، وَكَانُوا منعُوا من ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام من أجل الدافة، فَلَمَّا زَالَت الْعلَّة الْمُوجبَة لذَلِك أَمرهم أَن يَأْكُلُوا ويدخروا. وروى مُسلم من حَدِيث مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عبد الله بن وَاقد قَالَ نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أكل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. قَالَ عبد الله بن أبي بكر: فَذكرت ذَلِك لعمرة، فَقَالَت: صدق، سَمِعت عَائِشَة تَقول: دف أهل أَبْيَات من أهل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأَضْحَى زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ادخروا ثَلَاثًا ثمَّ تصدقوا بِمَا بَقِي، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن النَّاس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فِيهَا الودك، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا ذَاك؟ قَالُوا: نهيت أَن تُؤْكَل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدافة الَّتِي دفت، فَكُلُوا وَادخرُوا وتصدقوا) . قَالَ أهل اللُّغَة: الدافة، بتَشْديد الْفَاء: قوم يَسِيرُونَ جَمِيعًا سيرا خَفِيفا من: دف يدف، بِكَسْر الدَّال. ودافة الْأَعْرَاب من يرد مِنْهُم الْمصر، وَالْمرَاد هُنَا: من ورد من ضعفاء الْأَعْرَاب للمواساة. وَقيل: كَانَ النَّهْي الأول للكراهة لَا للتَّحْرِيم، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالْكَرَاهَة بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَلَكِن لَا يحرم. قَالُوا: وَلَو وَقع مثل تِلْكَ الْعلَّة الْيَوْم فدفت دافة واساهم النَّاس وحملوا على هَذَا مَذْهَب عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالصَّحِيح نسخ النَّهْي مُطلقًا، وَأَنه لم يبْق تَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة فَيُبَاح الْيَوْم الادخار فَوق ثَلَاثَة، وَالْأكل إِلَى مَا شَاءَ لصريح حَدِيث جَابر، وَحَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا يدل على ذَلِك. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، ونهيتكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث، فأمسكوا مَا بدا لكم) الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا.

وَاخْتلف فِي مِقْدَار مَا يُؤْكَل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق، فَذكر عَلْقَمَة أَن ابْن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِهِ جَوَازُ بَيْعِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ فِي رَدِّ قَوْلِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ مَرْفُوعًا: لَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدْيِ، وَتَصَدَّقُوا وَكُلُوا، وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا وَلَا تَبِيعُوا، وَإِنْ أُطْعِمْتُمْ مِنْ لُحُومِهَا فَكُلُوا إِنْ شِئْتُمْ.

١٢٢ - بَاب يُتَصَدَّقُ بِجِلَالِ الْبُدْنِ

١٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيًّا حَدَّثَهُ قَالَ: أَهْدَى النَّبِيُّ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ يُتَصَدَّقُ بِجِلَالِ الْبُدْنِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ فِي: بَابِ الْجِلَالِ وَالْبُدْنِ.

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مِنَ الْفَوَائِدِ: سَوْقُ الْهَدْيِ، وَالْوِكَالَةُ فِي نَحْرِ الْهَدْيِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَالْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَتَفْرِقَتُهُ، وَالْإِشْرَاكُ فِيهِ، وَأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلَّهِ فَلَهُ تَخْلِيصُهُ، وَنَظِيرُهُ الزَّرْعُ يُعْطِي عُشْرَهُ وَلَا يَحْسُبُ شَيْئًا مِنْ نَفَقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.

١٢٣ - بَاب ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.

١٢٤ - وَمَا يَأْكُلُ مِنْ الْبُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ

وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ، وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ مِنْ الْمُتْعَةِ

١٧١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا.

[الحديث ١٧١٩ - أطرافه في: ٢٩٨٠، ٥٤٣٤، ٥٥٦٧]

١٧٢٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا

مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ وقَوْلُهُ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وَقَعَ سِيَاقُ الْآيَاتِ كُلِّهَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهَا فِي التَّرْجَمَةِ وَمَا يَأْكُلُ مِنَ الْبُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ أَيْ: بَيَانُ الْمُرَادِ مِنَ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ (أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ قَالَ: إِذَا عَطِبَتِ الْبَدَنَةُ أَوْ كُسِرَتْ أَكَلَ مِنْهَا صَاحِبُهَا وَلَمْ يُبْدِلْهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ. وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا الْقَوْلُ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَزَادَ إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: وَلَا يُؤْكَلُ إِلَّا مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دَمُ نُسُكٍ لَا دَمُ جُبْرَانَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ مِنَ الْمُتْعَةِ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَلَا مِمَّا يُجْعَلُ لِلْمَسَاكِينِ مِنَ النَّذْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا مِنَ الْفِدْيَةِ. وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: إِنْ شَاءَ أَكَلَ مِنَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَةِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ. وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ عَنْ عَطَاءٍ فَإِنَّ حَاصِلَهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَثَرُ الثَّانِي. وَزَعَمَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِمَنْعِ الْأَكْلِ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وَقَبْلَ قَوْلِهِ: وَمَا يَأْكُلُ مِنَ الْبُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ لَفْظُ بَابٍ وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى) بِإِضَافَةِ ثَلَاثٍ إِلَى مِنًى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ وَهُوَ مِنَ الْحُكمِ الْمُتَّفَقِ عَلَى نَسْخِهِ.

قَوْلُهُ: (سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَخَالِدٌ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ كُوفِيًّا فَقَدْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ مُدَّةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا فِي: بَابِ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ هَذِهِ: حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ. كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ لَكِنْ جَعَلَ عَلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ ضَبَّةً. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: أَنْ بَدَلَ ثُمَّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ بِلَفْظِ: أَنْ يَحِلَّ، وَزَادَ قَبْلَهَا: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَدْ شَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى لَفْظِ ثُمَّ، فَقَالَ: جَوَابُ إِذَا مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ يُتِمُّ عُمْرَتَهُ ثُمَّ يَحِلُّ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ مَنْ ثَمَّ مَحْذُوفًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ زَائِدَةً كَمَا قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ إِنَّ تَابَ جَوَابُ حَتَّى إِذَا. قُلْتُ: وَكُلُّهُ تَكَلُّفٌ وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ، وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ قَرِيبًا وَمِثْلُهَا فِي الْجِهَادِ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المساكين» (وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا) قال الإمام (١) النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: ومذهبنا أنَّه لا يجوز بيع جلد الهدي ولا (٢) الأضحية ولا شيءٍ من أجزائها، سواءٌ كانا تطوُّعًا أو واجبين، لكن إن كانا تطوُّعًا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللُّبس وغيره، وبه قال مالكٌ وأحمد.

(١٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَتَصَدَّقُ) صاحب الهدي (بِجِلَالِ البُدْنِ) ولغير أبي ذرٍّ: «يُتصدَّق» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول.

١٧١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) المخزوميُّ المكِّيُّ، وقِيل: سيف بن سليمان، قال النَّسائيُّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال أبو زكريَّا السَّاجي: أجمعوا على أنَّه صدوقٌ، غير أنَّه اتُّهِم بالقدر، قال الحافظ ابن حجرٍ: له في «البخاريِّ» أحاديث؛ أحدها في «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٦]: حديث حذيفة في آنية الذهب بمتابعة الحكم وابن عون (٣) وغيرهما، عن مجاهدٍ عن ابن أبي ليلى عنه، وفي «الحجِّ» [خ¦١٧١٦]: حديث عليٍّ في القيام على البدن بمتابعة ابن أبي نَجِيْحٍ (٤) وغيره، عن مجاهدٍ عن ابن أبي ليلى عنه، وآخر في «الحجِّ» [خ¦١٨١٥]: حديث كعب بن عُجْرة في الفدية بمتابعة حُمَيد بن قيسٍ وغيره، عن مجاهدٍ عن ابن أبي ليلى عنه (٥)، وحديثٌ في «الصَّلاة» [خ¦٣٩٧] وفي «التَّهجُّد» [خ¦١١٦٧]: حديث ابن عمر عن بلالٍ في صلاة النَّبيِّ ، أخرجه من حديثه عن مجاهدٍ عنه، وله متابعٌ عنده: عن نافعٍ وعن سالمٍ معًا، وروى له الباقون إلَّا التِّرمذيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) عبد الرحمن: (أَنَّ عَلِيًّا حَدَّثَهُ قَالَ: أَهْدَى النَّبِيُّ مِئَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا

فَقَسَمْتُهَا) على المساكين (ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا) بكسر الجيم (فَقَسَمْتُهَا) أي (١): على المساكين أيضًا، قال الشَّافعيُّ في القديم: ويتصدَّق بالنِّعال وجِلال البُدن، وقال المُهلَّب: ليس التَّصدُّق بجِلال البُدْن فرضًا، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: وله أن ينتفع بجلدها وجُلِّها أو يتصدَّق به، ويحرم بيعهما (٢) وشيءٌ منهما، وقال المالكيَّة: وخطام الهدايا كلِّها وجلالُها كلحمها، فحيث يكون اللَّحم مقصورًا على المساكين يكون الجِلال والخطام كذلك وحيث يكون اللَّحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجِلال كذلك؛ تحقيقًا للتَّبعيَّة، فليس له أن يأخذ من ذلك ولا يأمر بأخذه في الممنوع من أكل لحمه، فإن أمر أحدًا بأخذ شيءٍ من ذلك أو أخذ هو شيئًا ردَّه، وإن أتلفه غرم قيمته للفقراء، وقال العينيُّ من الحنفيَّة: وقال أصحابنا: يتصدَّق بجِلال الهدي وزمامه لأنَّه أمر عليًّا بذلك، والظَّاهر أنَّ هذا الأمر أمر استحبابٍ.

(ثُمَّ) أمرني (بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا) وهذا لفظ رواية الحسن (٣) بن مسلمٍ، وأمَّا لفظ رواية عبد الكريم فأخرجها مسلمٌ من طريق (٤) أبي خيثمة زهير بن معاوية عنه، ولفظه: أمرني رسول الله أن أقوم على بُدْنِه، وأن أتصدَّق بلحمها وجلودها (٥) وأَجِلَّتها، وألَّا أعطي الجزَّار منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا.

(١٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾) واذكر زمان جعلنا له (﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾)

مباءةً: مرجعًا يرجع إليه للعمارة والعبادة، وذكر «مكان البيت» لأنَّ البيت ما (١) كان حينئذٍ (﴿أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾) «أن» مفسِّرةٌ لـ «بوَّأنا» من حيث إنَّه تضمَّن معنى (٢): تعبَّدنا، أي: اِبْنِهِ على اسمي وحدي (﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾) من الشِّرك (﴿لِلطَّائِفِينَ﴾) حوله (﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾) عبَّر عن الصَّلاة بأركانها، ولم يذكر الواو بين «الرُّكَّع» و «السُّجود»، وذكرها بين «القائمين» و «الرُّكَّع» (٣) لكمال الاتِّصال بين الرُّكوع والسُّجود؛ إذ لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر في الصَّلاة فرضًا أو نفلًا، وينفكُّ القيام عن (٤) الرُّكوع فلا يكون بينهما كمال الاتِّصال، أو المراد بـ «القائمين»: المعتكفون لمشاهدة الكعبة، وبـ «الرُّكع السُّجود»: المصلُّون (﴿وَأَذِّن﴾) نادِ (﴿فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾) بدعوته والأمر به، ورُوِي: أنَّه قام (٥) على مقامه، أو على الحجر، أو على الصَّفا، أو على أبي قبيسٍ، وقال: إنَّ ربَّكم اتَّخذ بيتًا فحجُّوه، فأجابه كلُّ شيءٍ من شجرٍ وحجرٍ، ومن كتب الله (٦) له الحجَّ إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم: لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك

(﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾) مشاةً، جمع: راجلٍ (١) (﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾) أي: وركبانًا على كلِّ بعيرٍ مهزولٍ أتعبه (٢) بُعْد السَّفر فهزله، حالٌ معطوفٌ على حالٍ (﴿يَأْتِينَ﴾) صفةٌ لـ «ضامرٍ»، وجمعه باعتبار معناه (﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾) طريقٍ بعيدٍ (﴿لِيَشْهَدُوا﴾) ليحضروا (﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾) دينيَّةً ودنيويَّةً (﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾) عند إعداد (٣) الهدايا والضَّحايا وذبحها (﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾) عشر ذي الحجَّة، أو يوم النَّحر وثلاثةٍ بعده، ويعضد الثَّاني قوله: (﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾) فإنَّ المراد: التَّسمية عند ذبح الهدايا والضَّحايا (﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾) من لحومها، والأمر للاستحباب أو للإباحة، فالجاهليَّة يحرِّمون أكلها، وعند الأكثرين لا يجوز الأكل من الدَّم الواجب (﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾) الذي أصابه بؤسٌ، أي: شدَّةٌ (﴿الْفَقِيرَ﴾) المحتاج (﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾) يزيلوا (﴿تَفَثَهُمْ﴾) وسخهم؛ بقصِّ الشَّوارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال، أو التَّفث: المناسك (﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾) ما ينذرون بالبرِّ في حجِّهم (﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾) طواف الرُّكن، أو طواف الوداع (﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾) القديم لأنَّه أوَّل بيتٍ وُضِع للنَّاس، أو المُعتَق من تسلُّط الجبابرة، فكم من (٤) جبَّارٍ سار إليه ليهدمه (٥) فمنعه الله، وأمَّا الحَجَّاج فإنَّه قصد إخراج ابن الزُّبير منه دون التَّسلُّط عليه، وقِيل: لأنَّه تُعتَق فيه رقاب المذنبين من العذاب، لكن قال ابن عطيَّة: وهذا يردُّه التَّصريف. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: لا يردُّه لأنَّه فسَّره تفسير معنًى، وأمَّا من حيث الإعراب فلأنَّ «العتيق»: «فَعِيلٌ»؛ بمعنى «مُفْعِل» أي: معتق رقاب المذنبين، ونسبة الإعتاق إليه مجازٌ (٦)؛ إذ بزيارته والطَّواف به يحصل الإعتاق، وينشأ عن كونه مُعْتِقًا أن يُقال: تُعتَق فيه (٧) رقاب المذنبين.

(﴿ذَلِكَ﴾) أي: الأمرُ ذلك (﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ﴾) بترك ما نهى الله عنه (١)، أو بتعظيم بيته والشَّهر الحرام والبلد الحرام والإحرام (﴿فَهُوَ﴾) أي: التَّعظيم (﴿خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]) ثوابًا، ورواية أبوي ذرٍّ والوقت: «﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ إلى قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾» فحذفا ما ثبت عند غيرهما ممَّا ذُكِرَ من الآيات، وعزا في «فتح الباري» سياق الآيات كلِّها لرواية كريمة، قال: والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولذلك عطف عليها (٢) في التَّرجمة: «وما يأكل من البدن وما يتصدَّق» أي: بيان المراد من الآية. انتهى. واعترضه صاحب «عمدة القاري» بأنَّ الذي في مُعظَم النُّسخ «بابٌ» بعد قوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وقبل قوله: «ما يأكل من البدن»، ثمَّ قال: وأين العطف في هذا وكلُّ واحدٍ من البابين ترجمةٌ مستقلَّةٌ؟ والظَّاهر أنَّ المؤلِّف لم يجد في التَّرجمة الأولى حديثًا يطابقها على شرطه. انتهى. وهذا عجيبٌ منه؛ فإنَّ قوله: «في معظم النُّسخ بابٌ» فيه إشعارٌ بحذفه في بعض النُّسخ ممَّا وقف هو عليه، ولا مانع أن يعتمده شيخ الصَّنعة الحافظ ابن حجرٍ لِما ترجَّح عنده، بل صرَّح بأنَّه الصَّواب، وهو رواية الحافظ أبي ذرٍّ مع ثبوت واو العطف قبل قوله: «وما يأكل من البدن» ولغير أبي ذرٍّ كما في الفرع وغيره.

(١٢٤) (بابُ مَا يَأْكُلُ) صاحب الهدي (مِنَ البُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّقُ) به (٣) منها، ولغير أبي ذرٍّ: «وما يُتَصَّدقُ» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول.

(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) أي (٤): ابن عمر العمريُّ كما (٥) وصله ابن أبي شيبة بمعناه، والطَّبرانيُّ (٦)

من طريق القطَّان بلفظه: (أخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه قال: (لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ) بضمِّ الياء، من «يُؤكَل» أي: لا يأكل المالك من الذي جعله جزاءً لصيد الحرم (١) ولا من المنذور (٢)، بل يجب التَّصدُّق بهما، وهو قول مالكٍ، وروايةٌ عن أحمد، وزاد مالكٌ: إلَّا فدية الأذى، وعن أحمد: لا يُؤكَل إلَّا من هدي التَّطوُّع والمتعة والقِران، وهو قول الحنفيَّة بناءً على أنَّ دم التَّمتُّع والقران دم نسكٍ، لا دم جبرانٍ (وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) ولو عطب الهدي في الطَّريق وكان تطوُّعًا فله التَّصرُّف فيه ببيعٍ وأكلٍ وغيرهما لأنَّ ملكه ثابتٌ عليه، وإن كان نذرًا لزمه ذبحه لأنَّه هديٌ (٣) معكوفٌ على الحرم، فوجب نحره مكانه كهدي المحصر، وليس له التَّصرُّف فيه بما يزيل الملك أو يؤول إلى زواله كالوصيَّة والرَّهن والهبة لأنَّه بالنَّذر زال ملكه عنه وصار للمساكين، وفارق ما لو قال: لله عَلَيَّ إعتاق هذا العبد، حيث لا يزول ملكه عنه إلَّا بإعتاقه وإن امتنع التَّصرُّف فيه بأنَّ الملك هنا ينتقل إلى المساكين (٤)، فانتقل بنفس النَّذر كالوقف، وأمَّا الملك في العبد فلا ينتقل إليه ولا إلى غيره، بل ينتقل العبد عنه، وإن (٥) لم يذبح الهدي المعطوب (٦) حتَّى تلف ضمنه لتفريطه كنظيره في الوديعة.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه: (يَأْكُلُ) من جزاء الصَّيد والنَّذر (وَيُطْعِمُ مِنَ المُتْعَةِ) أي: من الهدي المُسمَّى بدم التَّمتُّع الواجب على المتمتِّع.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (ليشهدوا) ، أَي: ليحضروا مَنَافِع لَهُم مُخْتَصَّة بِهَذِهِ الْعِبَادَة من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا، وَقيل: الْمَنَافِع التِّجَارَة، وَقيل: الْعَفو وَالْمَغْفِرَة. قَوْله: (فِي أَيَّام مَعْلُومَات) ، يَعْنِي: عشر ذِي الْحجَّة، وَقيل: تِسْعَة أَيَّام من الْعشْر، وَقيل: يَوْم الْأَضْحَى وَثَلَاثَة أَيَّام بعده، وَقيل: أَيَّام التَّشْرِيق، وَقيل: إِنَّهَا خَمْسَة أَيَّام أَولهَا يَوْم التَّرويَة: وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا يَوْم عَرَفَة، وَالذكر هَهُنَا يدل على التَّسْمِيَة على مَا نحر لقَوْله: {على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٨٢ و ٤٣) . يَعْنِي: الْهَدَايَا والضحايا من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم والبهيمة، مُبْهمَة فِي كل ذَات أَربع فِي الْبر وَالْبَحْر، فبينت بالأنعام، وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر والضأن والمعز. قَوْله: (فَكُلُوا مِنْهَا) الْأَمر بِالْأَكْلِ مِنْهَا أَمر إِبَاحَة لِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يَأْكُلُون من نِسَائِكُم، وَيجوز أَن يكون ندبا لما فِيهِ من مواساة الْفُقَرَاء ومساواتهم، وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع. قَوْله: (وأطعموا البائش) ، أَي: الَّذِي أَصَابَهُ بؤس، أَي: شدَّة الْفقر، وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه لَيْسَ بِوَاجِب، قَوْله: (ثمَّ ليقضوا تفثهم) ، قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: التفث، حلق الرَّأْس وَأخذ الشَّارِب ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة وقص الْأَظْفَار وَالْأَخْذ من العارضين وَرمي الْجمار وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، وَقيل: مَنَاسِك الْحَج، والتفث فِي الأَصْل: الْوَسخ والقذارة من طول الشّعْر والأظفار والشعث، وقضاؤه نقضه، وإذهابه. وَقَالَ الزّجاج: أهل اللُّغَة لَا يعْرفُونَ التفث إلَاّ من التَّفْسِير، وَكَأَنَّهُ الْخُرُوج من الْإِحْرَام إِلَى الْإِحْلَال. قَوْله: (وليوفوا نذورهم) ، أَي: نذور الْحَج وَالْهَدْي، وَمَا ينذر الْإِنْسَان من أَعمال الْبر فِي حجهم. قَوْله: (وليطوفوا) ، أَرَادَ الطّواف الْوَاجِب وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، والزيارة الَّذِي يُطَاف بعد الْوُقُوف، أما يَوْم النَّحْر أَو بعده. قَوْله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) أَي: بِالْكَعْبَةِ، سمي الْعَتِيق لقدمه أَو لِأَنَّهُ أعتق من أَيدي الْجَبَابِرَة، فَلم يصلوا إِلَى تخريبه، فَلم يظْهر عَلَيْهِ جَبَّار وَلم يُسَلط عَلَيْهِ إلَاّ من يعظمه ويحترمه، وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ. وَقيل: لِأَن أعتق من الْغَرق يَوْم الطوفان.

٤٢١ - (بابُ مَا يأكُلُ مِنَ الْبُدْنِ ومَا يَتَصَدَّقُ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان مَا يَأْكُل صَاحب الْهَدْي من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا أَرَادَ مَا يجوز لَهُ الْأكل، وَمَا يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا يُؤْكَل، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: بَاب فِي بَيَان مَا يجوز الْأكل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا على هَذِه النُّسْخَة.

وقَالَ عُبَيْدُ الله أخبَرَني نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ ويْؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن نمير عَنهُ بِمَعْنَاهُ. قَالَ: (إِذا عطبت الْبَدنَة أَو كسرت أكل مِنْهَا صَاحبهَا وَلم يبدلها إلَاّ أَن تكون نذرا أَو جَزَاء صيد) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْقطَّان عَن عبيد الله بِلَفْظ التَّعْلِيق الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا يُؤْكَل) أَي: لَا يَأْكُل الْمَالِك من الَّذِي جعله جَزَاء لصيد الْحرم، وَلَا من الْمَنْذُور، بل يجب التَّصَدُّق بهما. وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَالك، وَزَاد: (إلَاّ فديَة الْأَذَى) ، وَعَن أَحْمد: لَا يُؤْكَل إلَاّ من هدي التَّطَوُّع والمتعة وَالْقرَان، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، بِنَاء على أَن دم التَّمَتُّع وَالْقرَان دم نسك لَا دم جبران، وَذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك أَنه يَأْكُل من الْهَدْي النّذر، إلَاّ أَن يكون نَذره للْمَسَاكِين، وَكَذَلِكَ مَا أخرجه بِمَعْنى الصَّدَقَة لَا يَأْكُل مِنْهُ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يكره أَن يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد أَو فديَة أَو كَفَّارَة، وَيَأْكُل النذور وهدي التَّمَتُّع والتطوع. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف أهل الْعلم فِي هدي التَّطَوُّع إِذا عطب قبل مَحَله، فَقَالَت طَائِفَة: صَاحبه مَمْنُوع من الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، ورخصت طَائِفَة فِي الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد وَالنّذر، وَيطْعم من الْمُتْعَة أَي من الْهَدْي الَّذِي يُسمى بِدَم التَّمَتُّع الْوَاجِب على الْمُتَمَتّع، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ، وروى سعيد بن مَنْصُور من وَجه آخر عَن عَطاء:

لَا يُؤْكَل من جَزَاء الصَّيْد وَلَا مِمَّا جعل للْمَسَاكِين من النذور وَغير ذَلِك، وَلَا من الْفِدْيَة، ويؤكل مَا سوى ذَلِك، وروى عبد بن حميد من وَجه آخر عَنهُ: أَن شَاءَ أكل الْهَدْي وَالْأُضْحِيَّة، وَإِن شَاءَ لم يَأْكُل.

٩١٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدثنَا عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُوُل كُنَّا لَا نأكُل من لُحُومِ بُدْنِنا فَوقَ ثَلاث مِنًى فرخَّصَ لنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كُلُوا وتَزَوَّدُوا فأكلْنا وتَزَوَّدْنا قُلْتُ لِعَطَاءِ أقالَ حَتَّى جِئنَا المَدِينَةَ قَالَ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كلوا وتزودوا. .) إِلَخ. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن أبي بكر عَن عَليّ بن مسْهر وَعَن يحيى بن أَيُّوب عَن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَعَن عمرَان بن يزِيد.

قَوْله: (فَوق ثَلَاث منى) بِإِضَافَة: ثَلَاث، إِلَى: منى، أَي: الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي كُنَّا بمنى وَهِي الْأَيَّام المعدودات. قَوْله: (قلت لعطاء) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج. قَوْله: (أقَال) ، الْهمزَة فِيهِ للاستفهام أَي: أقَال جَابر: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، قَالَ جَابر: لَا يَعْنِي لم يقل جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، وَوَقع فِي مُسلم: (قَالَ: نعم) ، بدل قَوْله: (لَا) فروى مُسلم من حَدِيث ابْن جريج: (حَدثنِي عَطاء، قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله، يَقُول: كُنَّا لَا نَأْكُل من لُحُوم بدننا فَوق ثَلَاث، فأرخص لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كلوا وتزودوا) . قلت لعطاء: أقَال جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة؟ قَالَ: نعم) . والتوفيق بَين قَوْله: (لَا) وَقَوله: (نعم) أَن يحمل على أَنه نسي، فَقَالَ: لَا، ثمَّ تذكر فَقَالَ: نعم، وَحَدِيث جَابر هَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَليّ بن أبي طَالب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَانَا أَن نَأْكُل من لُحُوم نسكنا بعد ثَلَاث) ، وَفِي لفظ: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد نهاكم أَن تَأْكُلُوا لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث لَيَال، فَلَا تَأْكُلُوا) وروى أَيْضا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يَأْكُل أحدكُم من لحم أضحيته فَوق ثَلَاث أَيَّام.

وَقَالَ القَاضِي: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، فَقَالَ قوم: يحرم إمْسَاك لُحُوم الْأَضَاحِي وَالْأكل مِنْهَا بعد ثَلَاث، وَأَن حكم التَّحْرِيم بَاقٍ، كَمَا قَالَه عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: يُبَاح الْأكل والإمساك بعد الثَّلَاث، وَالنَّهْي مَنْسُوخ بِحَدِيث جَابر هَذَا وَغَيره، وَهَذَا من نسخ السّنة بِالسنةِ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ هُوَ نسخا بل كَانَ التَّحْرِيم لعِلَّة. فَلَمَّا زَالَت زَالَ التَّحْرِيم، وَتلك الْعلَّة هِيَ الدافة، وَكَانُوا منعُوا من ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام من أجل الدافة، فَلَمَّا زَالَت الْعلَّة الْمُوجبَة لذَلِك أَمرهم أَن يَأْكُلُوا ويدخروا. وروى مُسلم من حَدِيث مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عبد الله بن وَاقد قَالَ نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أكل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. قَالَ عبد الله بن أبي بكر: فَذكرت ذَلِك لعمرة، فَقَالَت: صدق، سَمِعت عَائِشَة تَقول: دف أهل أَبْيَات من أهل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأَضْحَى زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ادخروا ثَلَاثًا ثمَّ تصدقوا بِمَا بَقِي، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن النَّاس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فِيهَا الودك، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا ذَاك؟ قَالُوا: نهيت أَن تُؤْكَل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدافة الَّتِي دفت، فَكُلُوا وَادخرُوا وتصدقوا) . قَالَ أهل اللُّغَة: الدافة، بتَشْديد الْفَاء: قوم يَسِيرُونَ جَمِيعًا سيرا خَفِيفا من: دف يدف، بِكَسْر الدَّال. ودافة الْأَعْرَاب من يرد مِنْهُم الْمصر، وَالْمرَاد هُنَا: من ورد من ضعفاء الْأَعْرَاب للمواساة. وَقيل: كَانَ النَّهْي الأول للكراهة لَا للتَّحْرِيم، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالْكَرَاهَة بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَلَكِن لَا يحرم. قَالُوا: وَلَو وَقع مثل تِلْكَ الْعلَّة الْيَوْم فدفت دافة واساهم النَّاس وحملوا على هَذَا مَذْهَب عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالصَّحِيح نسخ النَّهْي مُطلقًا، وَأَنه لم يبْق تَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة فَيُبَاح الْيَوْم الادخار فَوق ثَلَاثَة، وَالْأكل إِلَى مَا شَاءَ لصريح حَدِيث جَابر، وَحَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا يدل على ذَلِك. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، ونهيتكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث، فأمسكوا مَا بدا لكم) الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا.

وَاخْتلف فِي مِقْدَار مَا يُؤْكَل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق، فَذكر عَلْقَمَة أَن ابْن

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل