الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤٣
الحديث رقم ١٥٤٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الركوب والارتداف في الحج.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٥٤٣ - ١٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ الْبُعْدُ عَنِ التَّرَفُّهِ وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ، وَلِيَتَذَكَّرَ بِالتَّجَرُّدِ الْقُدُومَ عَلَى رَبِّهِ فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ) قِيلَ: عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ نُكْتَةَ الْعُدُولِ أَنَّ الَّذِي يُخَالِطُهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا يَلْبَسُهُ. وَالْوَرْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ: نَبْتٌ أَصْفَرُ طَيِّبُ الرِّيحِ يُصْبَغُ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ الْوَرْسُ بِطِيبٍ، وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَاءَمَةِ الشَّمِّ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ مَسَّهُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا صُبِغَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ خَفِيَتْ رَائِحَتُهُ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: إِنَّمَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْمُصْبَغَاتِ لِأَنَّهَا تُنْفَضُ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا صَارَ الثَّوْبُ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ لَمْ تَفُحْ لَهُ رَائِحَةٌ لَمْ يُمْنَعْ. وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِلَفْظِ: وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ الْجِلْدَ. وَأَمَّا الْمَغْسُولُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِذَا ذَهَبَتِ الرَّائِحَةُ جَازَ؛ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا. أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَنْكَرَهُ عَلَى الْحِمَّانِيِّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ: قَدْ كَتَبْتُهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. وَقَامَ فِي الْحَالِ فَأَخْرَجَ لَهُ أَصْلَهُ فَكَتَبَهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، انْتَهَى. وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَإِنْ كَانَ مُتْقِنًا لَكِنْ فِي حَدِيثِهِ عَنْ غَيْرِ الْأَعْمَشِ مَقَالٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو مُعَاوِيَةَ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَجِئْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ غَيْرُهُ. قُلْتُ: وَالْحِمَّانِيُّ ضَعِيفٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الَّذِي تَابَعَهُ فِيهِ مَقَالٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاسْتَنْبَطَ مَنْ مَنَعَ لُبْسَ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ مَنْعَ أَكْلِ الطَّعَامِ الَّذِي فِيهِ الزَّعْفَرَانُ؛ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اللُّبْسُ وَالتَّطَيُّبُ، وَالْآكِلُ لَا يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا.
(تَنْبِيهٌ): زَادَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَلَا الْقَبَاءَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ ابْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا. وَالْقَبَاءُ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَعْرُوفٌ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مُفَرَّجٍ، وَمَنْعُ لُبْسِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لَا إِذَا أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَظِيرَهُ إِنْ كَانَ كُمُّهُ ضَيِّقًا، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَلَا.
٢٢ - بَاب الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافِ فِي الْحَجِّ
١٥٤٣، ١٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أُسَامَةَ ﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ الْمزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ﷺ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قال ابن العربيِّ: الورس وإن لم يكن طِيبًا فله رائحةٌ طيِّبةٌ (١)، فأراد النَّبيُّ ﷺ أن ينبِّه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملاءمة الشَّمِّ، وهذا الحكم يشترك (٢) فيه النِّساء مع الرِّجال بخلاف الأوَّل فإنَّه خاصٌّ بالرِّجال.
وهذا الحديث سبق في «باب من أجاب السَّائل بأكثر ممَّا سأله» [خ¦١٣٤] في (٣) آخر «كتاب العلم».
(٢٢) (بابُ) جوازِ (الرُّكُوبِ وَالاِرْتِدَافِ فِي الحَجِّ).
١٥٤٣ - ١٥٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الواو وسكون الهاء و «جَريرٍ»: بفتح الجيم الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازم بن زيدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال؛ أي (٤): رديفه، وهو الذي يركب خلف الرَّاكب، ولأبي ذرٍّ: «ردف رسول الله» (ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) موضع الوقوف (إِلَى المُزْدَلِفَةِ) بكسر اللَّام اسم فاعلٍ، مِنَ الازدلاف وهو القرب لأنَّ الحجَّاج إذا أفاضوا من عرفة يزدلفون إليها، أي: يقربون منها ويقدمون (٥) إليها، أو لمجيئهم إليها في زلفٍ من اللَّيل (ثُمَّ أَرْدَفَ) ﵊ (الفَضْلَ) بن العبَّاس بن عبد المطَّلب (مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى) تواضعًا منه ﵊، وليحدِّثا عنه
ﷺ بما يتَّفق له في تلك الحالة من التَّشريع (١) ولذا اختار أحداث الأسنان (٢)، كما يختارون لتسميع الحديث، قاله ابن المُنيِّر (قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى) أي: إلى أن (رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ) وهي حدُّ مِنًى من جهة مكَّة من الجانب الغربيِّ.
وفي الحديث: جواز الإرداف لكنْ إذا أطاقته الدَّابَّة، وأنَّ الرُّكوب في الحجِّ أفضل من المشي، وأخرجه مسلمٌ.
(٢٣) (بابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ) بضمِّ الهمزة والزَّاي، وفي «اليونينيَّة» بسكونها (٣) لا غير (٤)، جمع إزارٍ كخُمُرٍ وخمارٍ، وهو للنِّصف الأسفل، و «الأردية» جمع رداءٍ: وهو (٥) للنِّصف الأعلى، وعطفهما (٦) على الثِّياب من عطف الخاصِّ على العامِّ، وهذه التَّرجمة مغايرةٌ للسَّابقة على ما لا يخفى (وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ) المصبوغة بالعُصْفُر (وَهْيَ مُحْرِمَةٌ) وصله سعيد بن منصورٍ من طريق القاسم بن محمَّدٍ بإسنادٍ صحيحٍ، والجمهور على جوازه للمحرم خلافًا لأبي حنيفة، وقال: لأنَّه (٧) طِيبٌ وواجبٌ (٨) فيه الفدية (وَقَالَتْ) عائشة ممَّا وصله البيهقيُّ: (لَا تَلَثَّمْ) (٩) بالجزم على النَّهي، وبمُثنَّاةٍ (١٠) واحدةٍ مع تشديد المُثلَّثة، وأصله:
تتلثَّم فحُذِفت إحدى التَّاءين كـ ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] تخفيفًا، واللِّثام: ما يغطِّي الشَّفة (وَلَا تَتَبَرْقَعْ) بالجزم كذلك، لكن بمُثنَّاتين على الأصل؛ كذا في الفرع، وفي غيره: «ولا تبرقعْ» بحذف (١) إحدى التَّاءين (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لا تلْتثِمُْ» بسكون اللَّام وزيادة مُثنَّاةٍ بعدها وكسر المُثلَّثة، «ولا تبرقعُْ» بحذف إحدى التَّاءين والرَّفع في الكلمتين والجزم (وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا) مصبوغًا (بِوَرْسٍ) بسكون الرَّاء، ولأبي ذرٍّ في روايةٍ: «بورِسٍ» بكسرها (وَلَا زَعْفَرَانٍ) والجملة من قوله: «وقالت .... » إلى هنا ساقطةٌ في رواية ق (٣)، وفي «الفتح»: سقوطها أيضًا عن الحَمُّويي (٤).
(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الصَّحابيُّ ﵁، ممَّا وصله الشَّافعيُّ ومُسدَّدٌ: (لَا أَرَى المُعَصْفَرَ (٥) طِيبًا) أي: مطيِّبًا لأنَّه خبرٌ في الأصل عن معصفرٍ، ولا يُخبَر بالمعنى عن اسم عينٍ، وقد مرَّ ما في المعصفر قريبًا (وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ) ﵂ (بَأْسًا بِالحُلِيِّ (٦)) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الياء جمع حَلْيٍ؛ بفتح الحاء وسكون اللَّام (وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ وَالمُوَرَّدِ) المصبوغ على لون الورد، وسيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى في «باب طواف النِّساء» [خ¦١٦١٨] في آخر حديث عطاءٍ عن عائشة (وَالخُفِّ لِلْمَرْأَةِ) وصله ابن أبي شيبة.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ وابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ) بضمِّ حرف المضارعة وسكون المُوحَّدة وتخفيف الدَّال المهملة مضارع «أبدل»، ولأبي الوقت: «أن يبدِّل ثيابه» بفتح المُوحَّدة وتشديد المهملة، ومقالة إبراهيم هذه ساقطةٌ في رواية «ق».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الحَدِيث عِنْدِي، ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ، فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يحيى الْحمانِي، فَكتب عَنهُ يحيى بن معِين، وَكفى لصِحَّة هَذَا الحَدِيث شَهَادَة عبد الرَّحْمَن وَكِتَابَة يحيى بن معِين وَرِوَايَة أبي مُعَاوِيَة، وَأما قَول ابْن حزم: وَلَا نعلمهُ صَحِيحا، فَهِيَ نفي لعلمه بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا لَا يسْتَلْزم نفي صِحَة الحَدِيث فِي علم غَيره، فَافْهَم. وَقد روى أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حَدِيثا يدل على جَوَاز لبس المزعفر للْمحرمِ إِذا لم يكن فِيهِ نفض وَلَا ردع.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من ظَاهر الحَدِيث: جَوَاز لبس المزعفر والمورس لغير الرجل الْمحرم، لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك فِي جَوَاز السُّؤَال عَمَّا يلبس الْمحرم، فَدلَّ على جَوَازه لغيره، فَإِن قلت: أخرج الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يتزعفر الرجل؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: الْجمع بَين الْحَدِيثين أَنه يحْتَمل أَن يُقَال: إِن جَوَاب سُؤَالهمْ انْتهى عِنْد قَوْله: أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ اسْتَأْنف بِهَذَا لَا تعلق لَهُ بالمسؤول عَنهُ، فَقَالَ: وَلَا تلبسوا شَيْئا من الثِّيَاب ... إِلَى آخِره، ثمَّ ذكر حكم الْمَرْأَة الْمُحرمَة. انْتهى. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال فِيهِ بعد، بل الْأَوْجه أَن المُرَاد من النَّهْي عَن تزعفر الرجل أَن يزعفر بدنه، فَأَما لبس الثَّوْب المزعفر لغير الْمحرم فَلَا بَأْس بِهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يزعفر الرجل جلده، وَإِسْنَاده صَحِيح، والْحَدِيث الَّذِي يُنْهِي النَّهْي عَن مُطلق التزعفر، وَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد الَّذِي فِيهِ بِأَن يزعفر الرجل جلده، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ورد فِي جَوَاز لبس الثِّيَاب المزعفرة والمورسة للرِّجَال، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث قيس بن سعد، قَالَ: أَتَانَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَضَعْنَا لَهُ مَا يتبرَّد فاغتسل، ثمَّ أَتَيْته بملحفة صفراء فَرَأَيْت أثر الورس عَلَيْهِ، لفظ ابْن مَاجَه. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: كَانَ يصْبغ بالصفرة ثِيَابه كلهَا حَتَّى عمَامَته، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَفِي لفظ لَهُ: إِن ابْن عمر كَانَ يصْبغ ثِيَابه بالزعفران، فأصله فِي (الصَّحِيح) وَلَفظه: أما الصُّفْرَة فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصْبغ بهَا. وَجمع الْخطابِيّ بِأَن مَا صبغ غزله ثمَّ نسج فَلَيْسَ بداخل فِي النَّهْي، وَوَافَقَهُ الْبَيْهَقِيّ على هَذَا، فَإِن قلت: قد علم أَن الْمحرم قد منع من لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالزعفران أَو الورس، فَمَا حكمه إِذا توسد عَلَيْهِ أَو نَام؟ قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف فِي (الْإِمْلَاء) : لَا يَنْبَغِي لمحرم أَن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران وَلَا الورس، وَلَا ينَام عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يصير مُسْتَعْملا للطيب، فَكَانَ كاللبس، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: اخْتلف أهل الْعلم فِي الورس هَل هُوَ طيب أم لَا؟ فَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَنه لَيْسَ بِطيب، فَقَالَ: والورس، وَإِن لم يكن طيبا فَلهُ رَائِحَة طيبَة، فَأَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يبين تجنب الطّيب الْمَحْض، وَمَا يشبه الطّيب فِي ملايمة الشم واستحسانه. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: هُوَ فِيمَا يُقَال: أشهر طيب فِي بِلَاد الْيمن، وَفِي كَلَام النَّوَوِيّ أَيْضا مَا يشْعر أَنه طيب. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: نبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالورس والزعفران على مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يقْصد بِهِ الطّيب فَهِيَ حرَام على القبيلتين، فَيكْرَه للْمحرمِ لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بِغَيْر طيب، وَأما الْفَوَاكِه كالأترج والتفاح وأزهار الْبَوَادِي كالشيخ والقيصوم وَغَيرهمَا فَلَيْسَ بِحرَام.
٢٢ - (بابُ الرُّكُوبِ وَالارْتِدَافِ فِي الحَجِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الرّكُوب والارتداف فِي الْحَج، والارتداف أَن يركب الرَّاكِب خَلفه آخر.
٤٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفَةَ إلَى المُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةَ إلَى مِنَىً قَالَ فَكلَاهُمَا قَالَ لَمْ يَزَلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
(الحَدِيث ٣٤٥١ طرفه فِي: ٦٨٦١) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا. وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، ووهب هُوَ ابْن جرير بن حَازِم يروي عَن أَبِيه جرير، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن
مَسْعُود أَبُو عبد الله الهزلي أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين.
وَأخرجه مُسلم من حَدِيث كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات ... الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. وروى من حَدِيث عَطاء قَالَ: أَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدف الْفضل من جمع، قَالَ: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ردف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره فَاء، بِمَعْنى: الرديف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب، وَكَذَلِكَ الرديف، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد. قَوْله: (من عَرَفَة) أَي: من عَرَفَات، وَهُوَ اسْم لموْضِع الْوُقُوف. قَوْله: (إِلَى الْمزْدَلِفَة) ، بِلَفْظ الْفَاعِل من الإزدلاف، وَهُوَ التَّقَرُّب والتقدم لِأَن الْحجَّاج إِذا أفاضوا من عَرَفَات ازدلفوا إِلَيْهَا، أَي: تقربُوا مِنْهَا وتقدموا إِلَيْهَا، وَسميت بذلك لمجيء النَّاس فِي زلف من اللَّيْل، وَهُوَ مَوضِع بحرم مَكَّة. قَوْله: (الْفضل) هُوَ ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب. قَوْله: (فكلاهما) أَي: أُسَامَة وَالْفضل. قَوْله: (حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) ، أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة، وَهِي حد منى من الْجَانِب الغربي من جِهَة مَكَّة. وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الْجَمْرَة الْكُبْرَى، والجمرة والحصاة، وَهنا اسْم لمجتمع الْحَصَى.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْحَج رَاكِبًا أفضل، وَقد مر الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب الْحَج على الرجل. وَفِيه: إرداف الْعَالم. وَفِيه: التَّوَاضُع بالإرداف للرجل الْكَبِير وَالسُّلْطَان الْجَلِيل. وَفِيه: حجَّة لأبي حنيفَة وصاحبيه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد بن عَليّ وَأبي عبيد والطبري فِي قَوْلهم: يُلَبِّي الْحَاج وَلَا يقطع التَّلْبِيَة حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَهُوَ الْمَنْقُول أَيْضا عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن حَيّ، وروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن مَسْعُود ومَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ثمَّ اخْتلف بعض هَؤُلَاءِ، فَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يقطع التَّلْبِيَة مَعَ أول حَصَاة يرميها من جَمْرَة الْعقبَة. وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَطَائِفَة من أهل النّظر والأثر: لَا يقطعهَا حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة بأسرها، قَالُوا: وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) وَلم يقل: حَتَّى رمى بَعْضهَا. قلت: روى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شريك عَن عَامر بن شَقِيق عَن أبي وَائِل (عَن عبد الله: رمقت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة بِأول حَصَاة) . فَإِن قلت: أخرج ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : عَن الْفضل بن عَبَّاس قَالَ: (أفضت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات، فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، يكبر مَعَ كل حَصَاة، ثمَّ قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة) . قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه زِيَادَة غَرِيبَة لَيست فِي الرِّوَايَات عَن الْفضل، وَإِن كَانَ ابْن خُزَيْمَة قد اخْتَارَهَا. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: فِيهِ نَكَارَة. وَقَوله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، يدل على أَنه قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ وَمَالك وَأَصْحَابه وَأكْثر أهل الْمَدِينَة: (الْحَاج لَا يُلَبِّي فيعرفة بل يكبر ويهلل) . وَرُوِيَ ذَلِك عَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَجَابِر بن عبد الله.
ثمَّ اخْتلفُوا مَتى يقطع التَّلْبِيَة؟ فَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك أَصْحَابه: يقطعهَا إِذا توجه إِلَى عَرَفَات، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عُثْمَان وَعَائِشَة، وَرُوِيَ عَنْهُمَا خلاف ذَلِك، فَقَالَ الزُّهْرِيّ والسائب بن يزِيد وَسليمَان بن يسَار وَابْن الْمسيب فِي رِوَايَة: (يقطعهَا حِين يقف بِعَرَفَات) ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث أُسَامَة بن زيد، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: (كنت ردف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة فَكَانَ لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، وَكَانَ إِذا وجد فجوة نَص) . قَوْله: (فجوة) ، بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا: وَهِي مَا اتَّسع من الأَرْض وَقد روى فِي (الْمُوَطَّأ) : فُرْجَة. قَوْله: (نَص) ، أَي: رفع فِي سيره وأسرع، وَالنَّص مُنْتَهى الْغَايَة فِي كل شَيْء، قَالَه فِي (الْمطَالع) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَإِذا التحم عَلَيْهِ النَّاس أعنق، وَإِذا وجد فُرْجَة نَص) . قَوْله: (أعتق) ، من العَنَق وَهُوَ: السّير الْيَسِير الَّذِي تمد فِيهِ الدَّابَّة عُنُقهَا للاستعانة، وَهُوَ دون الْإِسْرَاع. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك لَا يدل على نفي التَّلْبِيَة وَخُرُوج وَقتهَا، وَقَوله: لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، يَعْنِي: الزِّيَادَة من جِنْسهَا.
٣٢ - (بابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأرْدِيَةِ وَالأُزُرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يلبس وَلما بَين مَا لَا يلبس، شرع فِي بَيَان مَا يلبس، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة أَي: بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يلبس الْمحرم، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: فِي بَيَان لبس الْمحرم، وَكلمَة: من، فِي: من الثِّيَاب، بَيَانِيَّة وَهُوَ جمع ثوب، والأردية جمع رِدَاء، والأزر بِضَم الْهمزَة وَالزَّاي جمع إِزَار، وَيجوز تسكين الزَّاي وَضمّهَا اتبَاعا للهمزة، والرداء لِلنِّصْفِ الْأَعْلَى، والإزار لِلنِّصْفِ الْأَسْفَل، وَعطف الْأَرْبَعَة على الثِّيَاب من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام.
ولَبِسَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ وقالَتْ لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ وَلَا تلْبَسْ ثَوْبا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي صدر هَذَا التَّعْلِيق أَعنِي قَوْله: (ولبست عَائِشَة الثِّيَاب المعصفرة) أَي: المعصفرة أَي: المصبوغة بالعصفر. قَوْله: (وَهِي مُحرمَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن الْمَنْصُور من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (كَانَت عَائِشَة تلبس المعصفرة) . وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي مليكَة: (أَن عَائِشَة كَانَت تلبس الثِّيَاب المورد بالعصفر الْخَفِيف وَهِي مُحرمَة) وَقيل: الثَّوْب المورد: الْمَصْبُوغ بالورد. قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة: لَا تلثم، بتاء مثناة وَاحِدَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَأَصله: تتلثم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي: تلظى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا تلتثم، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون اللَّام وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة: من الالتثام، من بَاب الافتعال، وَالْأول من بَاب التفعل، وَسقط هَذَا من الأَصْل فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَكِلَاهُمَا من اللثام، وَهُوَ مَا يُغطي الشّفة. وَالْمعْنَى هَهُنَا: لَا تغطي الْمَرْأَة شفتها بِثَوْب. قَوْله: (وَلَا تتبرقع) أَي: وَلَا تلبس البرقع، بِضَم الْبَاء وَسُكُون الرَّاء وَضم الْقَاف وَفتحهَا، وَهُوَ مَا يُغطي الْوَجْه. وَعَن الْحسن وَعَطَاء مثل مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مصنفة) عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن وَعَطَاء، قَالَا: لَا تلبس الْمُحرمَة القفازين والسراويل وَلَا تبرقع وَلَا تلثم وتلبس مَا شَاءَت من الثِّيَاب إلَاّ ثوبا ينفض عَلَيْهَا ورسا أَو زعفرانا. قَوْله: (وَلَا تلبس ثوبا بورس وزعفران) أَي: مصبوغا بورس وزعفران، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نهى النِّسَاء فِي إحرامهن عَن القفازين والنقاب، وَمَا مَسّه الورس والزعفران من الثِّيَاب، ولتلبس بعد ذَلِك مَا أحبت من ألوان الثِّيَاب من معصفر أَو خَز أَو حلي أَو قَمِيص أَو سَرَاوِيل.
وَقَالَ جابِرٌ: لَا أرَى المُعَصْف طِيبا
أَي: قَالَ جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ: أَي: لَا أرَاهُ مطيبا لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون الْمَفْعُول الثَّانِي معنى، وَالْأول عينا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الشَّافِعِي، ومسدد بِلَفْظ: (لَا تلبس الْمَرْأَة ثِيَاب الطّيب، وَلَا أرى المعصفر طيبا) .
وَلَمُ تَرَ عائِشَةُ بَأسا بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأسْوَدِ والمُوَدَّدِ والخُفِّ لِلْمَرْأةِ
الْحلِيّ، بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام، جمع الحلى. وَالثَّوْب المورَّد الْمَصْبُوغ بالورد، يَعْنِي: على لون الْورْد، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن باباه الْمَكِّيّ أَن امْرَأَة سَأَلت عَائِشَة: مَا تلبس الْمَرْأَة فِي إحرامها؟ قَالَت عَائِشَة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن الْمَرْأَة تلبس الْمخيط كُله والخفاف وَإِن لَهَا أَن تغطي رَأسهَا وتستر شعرهَا إلَاّ وَجههَا تسدل عَلَيْهِ الثَّوْب سدلاف خَفِيفا تستتر بِهِ عَن نظر الرِّجَال، وَلَا تخمره إلَاّ مَا رُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، قَالَت: كُنَّا نخمر وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات مَعَ أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. تَعْنِي: جدَّتهَا. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك التخمير سدلاً كَمَا جَاءَ عَن عَائِشَة، قَالَت: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا مر بِنَا ركب سدلنا الثَّوْب على وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات، فَإِذا جَاوز رفعنَا. قلت: فِيمَا أخرجه الْجَمَاعَة: وَلَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة فِيهِ دَلِيل على أَنه يحرم على الْمَرْأَة ستر وَجههَا فِي الْإِحْرَام. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: مَفْهُومه يدل على إِبَاحَة تَغْطِيَة الْوَجْه للرجل وإلَاّ لما كَانَ فِي التَّقْيِيد بِالْمَرْأَةِ فَائِدَة. قلت: قد ذهب إِلَى جَوَاز تَغْطِيَة الرجل الْمحرم وَجهه عُثْمَان بن عَفَّان وَزيد بن ثَابت ومروان بن
الحكم وَمُجاهد وطاووس، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَجُمْهُور أهل الْعلم، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى الْمَنْع من ذَلِك، واحتجا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تخمروا وَجهه وَلَا رَأسه، رَوَاهُ مُسلم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ: وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ خَارِجا وَجهه وَرَأسه. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهَذَا أَمر فِيهِ خَفَاء على الْخلق وَلَيْسوا على الْحق. قَالَ: وَلَقَد رَأَيْت بعض أَصْحَابنَا من أهل الْعلم مِمَّن يتعاطى الْفِقْه والْحَدِيث يَبْنِي الْمَسْأَلَة على أَن الْوَجْه من الرَّأْس أم لَا؟ فعجبت لضلالته عَن دلَالَته ونسيانه لصنعته، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: لَا أَدْرِي مَا وَجه إِنْكَاره على من بنى الْمَسْأَلَة على ذَلِك، وَمَا قَالَه وَاضح فِي قَول ابْن عمر الَّذِي رَوَاهُ مَالك، وَقد جَاءَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح التَّفْرِقَة بَين أَعلَى الْوَجْه وأسفله، فروى سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: يُغطي الْمحرم وَجهه مَا دون الحاجبين، وَفِي رِوَايَة لَهُ: مَا دون عَيْنَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بذلك الِاحْتِيَاط لكشف الرَّأْس، وَلَكِن هَذَا أَمر زَائِد على الِاحْتِيَاط لذَلِك، وَالِاحْتِيَاط يحصل بِدُونِ ذَلِك.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ لَا بأسَ أنْ يُبْدِلَ ثِيابَهُ
أَي: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوَصله أَبُو بكر، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة بن شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يُغير الْمحرم ثِيَابه مَا شَاءَ بعد أَن يلبس ثِيَاب الْمحرم، قَالَ: وَحدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن سعيد بن يُوسُف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة قَالَ: غيَّر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثوبيه بِالتَّنْعِيمِ. وَحدثنَا هشيم عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَيُونُس عَن الْحسن وحجاج عَن عبد الْملك وَعَطَاء أَنهم لم يرَوا بَأْسا أَن يُبدل الْمحرم ثِيَابه، وَكَذَا قَالَه طَاوُوس وَسَعِيد بن جُبَير، سُئِلَ: أيبيع الْمحرم ثِيَابه؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ ابْن التِّين: مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه أَنه يجوز لَهُ التّرْك للباس الثَّوْب، وَيجوز لَهُ بَيْعه. وَقَالَ سَحْنُون: لَا يجوز لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يعرض الْقمل للْقَتْل بِالْبيعِ.
٥٤٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني مُوسى بنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبرنِي كُرَيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ انْطَلَقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَما ترَجَّلَ وادَّهَنَ ولَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وأصْحَابُهُ فلَمْ يَنْهَ عنْ شيءٍ مِنَ الأرْدِيَةِ والأُزْرِ تُلْبَسُ إلَاّ المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلى الجِلدِ فأصبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوى عَلى البيْدَاءِ أهَلَّ هُوَ وأصْحابُهُ وقَلَّدَ بَدَنتَهُ وذالِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ فقَدِمَ مَكَّةَ لأِرْبَعِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن ذِي الحِجَّةِ فطافَ بِالبَيْتِ وسعَى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولَمْ يَحِلَّ مِنْ أجْلِ بُدْنِهِ لأنَّهُ قَلَّدهَا ثُمَّ نزَلَ بأعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وَهْوَ مُهل بِالحَجِّ ولَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وأمَرَ أصْحَابَهُ أنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤوسِهِمْ ثُمَّ يحِلُّوا وذالِك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا وَمَنْ كانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ فَهْيَ لَهُ حَلَالٌ والطِّيبُ والثِّيَابُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة قَوْله: (فَلم ينْه عَن شَيْء من الأردية والأزر تلبس) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا، والمقدمي، بتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة، وفضيل مصغر فضل، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ مُخْتَصرا أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ترجل) أَي: سرح شعره. قَوْله: (وادهن) أَي: اسْتعْمل الدّهن، وَأَصله: ادتهن، لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال، فأبدلت الدَّال من التَّاء وأدغمت الدَّال فِي الدَّال. قَوْله: (هُوَ) ، ضمير فصل. قَوْله: (تردع) ، بالراء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: تلطخ الْجلد، يُقَال: تردع إِذا التطخ، والردع أثر الطّيب، وردع بِهِ الطّيب إِذا لزق بجلده، وَقَالَ ابْن بطال: وَقد رُوِيَ: ترذع، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، من قَوْلهم: أرذعت الأَرْض أَي: كثرت مَنَافِع الْمِيَاه فِيهَا، والرذع بِالْمُعْجَمَةِ الطين. قَوْله: (الَّتِي تردع على الْجلد) ، هَكَذَا وَقع فِي الأَصْل. وَقَالَ
ابْن الْجَوْزِيّ: الصَّوَاب حذف على. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة) أَي: وصل إِلَيْهَا نَهَارا فَبَاتَ بهَا، كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَاب الَّذِي بعده من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بدنته) قَالَ الْجَوْهَرِي هِيَ: نَاقَة أَو بقرة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْجمع بدن بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: تكون الْبَدنَة من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ الْبَعِير ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى بِشَرْط أَن يكون فِي سنّ الْأُضْحِية، وَهِي الَّتِي استكملت خمس سِنِين. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة ركب رَاحِلَته) ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِذِي الحليفة، ثمَّ دعى بناقته فأشعرها فِي صفحة سنامها الْأَيْمن، وسلت الدَّم وقلدها بنعلين، ثمَّ ركب رَاحِلَته، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ على الْبَيْدَاء أهلَّ بِالْحَجِّ) . وَقَالَ ابْن حزم: فَهَذَا ابْن عَبَّاس يذكر أَنه صلى الظّهْر فِي ذِي الحليفة، وَأنس يذكر أَنه صلَاّها بِالْمَدِينَةِ، وكلا الطَّرِيقَيْنِ فِي غَايَة الصِّحَّة، وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أثبت فِي هَذَا الْمَكَان لِأَنَّهُ ذكر أَنه حضر ذَلِك بقوله: صلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ إِن ابْن عَبَّاس لم يذكر حضورا فِيهَا أَنَّهَا كَانَت يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، إِنَّمَا عَنى بِهِ الْيَوْم الثَّانِي، فَلَا تعَارض. وَعند النَّسَائِيّ: عَن أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ ثمَّ ركب وَصعد جبل الْبَيْدَاء، وأهلَّ بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة) . وَلَا تعَارض، فَإِن الْبَيْدَاء وَذَا الحليفة متصلتان بعضهما مَعَ بعض، فصلى الظّهْر فِي آخر ذِي الحليفة وَهُوَ أول الْبَيْدَاء. قَوْله: (وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) ، ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من ركُوبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاحِلَته واستوائه على الْبَيْدَاء وإهلاله وتقليده بدنته لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَهُوَ بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا، وَكَذَا فِي ذِي الْحجَّة بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَالْفَتْح هُنَا أشهر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله: وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة يحْتَمل أَنه أَرَادَ الْخُرُوج، وَيحْتَمل الإهلال، فأردنا أَن نَعْرِف أَيهمَا أَرَادَ، فَوَجَدنَا عَائِشَة رَوَت فِي صَحِيح مُسلم: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) . وَفِي الإكليل من حَدِيث الْوَاقِدِيّ عَن ابْن أبي سُبْرَة عَن سعيد بن مُحَمَّد بن جُبَير عَن أَبِيه مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم أَنه قَالَ: خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من الْمَدِينَة يَوْم السبت لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة عشر، فصلى الظّهْر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ) وَزعم ابْن حزم أَنه: (خرح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة نَهَارا بعد أَن تغدى وَصلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، وَصلى الْعَصْر من ذَلِك الْيَوْم بِذِي الحليفة، وَبَات بِذِي الحليفة لَيْلَة الْجُمُعَة، وَطَاف على نِسَائِهِ ثمَّ اغْتسل ثمَّ صلى بهَا الصُّبْح، ثمَّ طيبته عَائِشَة ثمَّ أحرم وَلم يغسل الطّيب، وأهلَّ حِين انبعثت بِهِ رَاحِلَته من عِنْد مَسْجِد ذِي الحليفة بِالْقُرْآنِ: الْعمرَة وَالْحج مَعًا، وَذَلِكَ قبل الظّهْر بِيَسِير، ثمَّ لبَّى ثمَّ نَهَضَ وَصلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ، ثمَّ تَمَادى واستهل هِلَال ذِي الْحجَّة. قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: إِنَّه خرج من الْمَدِينَة لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَقد ذكر مُسلم من حَدِيث عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة لَا نرى إلَاّ الْحَج؟ قلت: قد ذكر مُسلم أَيْضا من طَرِيق عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة، فَلَمَّا اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنْهَا رَجعْنَا إِلَى من لم تضطرب الرِّوَايَة عَنهُ فِي ذَلِك، وهما: عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس، فَوَجَدنَا ابْن عَبَّاس ذكر أَن اندفاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة بعد أَن بَات بهَا كَانَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَذكر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يَوْم عَرَفَة كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فِي ذَلِك الْعَام، فَوَجَبَ أَن استهلال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة يَوْم الْخَمِيس، وَأَن آخر يَوْم من ذِي الْقعدَة كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء، فصح أَن خُرُوجه كَانَ يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة، ويزيده وضوحا حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: صلينَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا، وَالْعصر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ، فَلَو كَانَ خُرُوجه لخمس بَقينَ لذِي الْقعدَة لَكَانَ بِلَا شكّ يَوْم الْجُمُعَة، وَالْجُمُعَة لَا تصلى أَرْبعا، فصح أَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْخَمِيس. وَعلمنَا أَن معنى قَول عَائِشَة: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، إِنَّمَا عنت اندفاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة، فَلم تعد المرحلة الْقَرِيبَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ أَن يخرج لسفر لم يخرج إلَاّ يَوْم الْخَمِيس، فَبَطل خُرُوجه يَوْم الْجُمُعَة، وَبَطل أَن يكون يَوْم السبت، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ خَارِجا من الْمَدِينَة لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَصَحَّ أَن خُرُوجه كَانَ لست بَقينَ، واندفاعه من ذِي الحليفة لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وتألفت الرِّوَايَات. قَوْله: (فَقدم مَكَّة لأَرْبَع لَيَال خلون من ذِي الْحجَّة) قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدثنَا أَفْلح بن حميد عَن أَبِيه عَن ابْن عمر أَن هِلَال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة الْخَمِيس، الْيَوْم الثَّامِن من يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، وَنزل بِذِي طوى، فَبَاتَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ الْبُعْدُ عَنِ التَّرَفُّهِ وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ، وَلِيَتَذَكَّرَ بِالتَّجَرُّدِ الْقُدُومَ عَلَى رَبِّهِ فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ) قِيلَ: عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ نُكْتَةَ الْعُدُولِ أَنَّ الَّذِي يُخَالِطُهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا يَلْبَسُهُ. وَالْوَرْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ: نَبْتٌ أَصْفَرُ طَيِّبُ الرِّيحِ يُصْبَغُ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ الْوَرْسُ بِطِيبٍ، وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَاءَمَةِ الشَّمِّ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ مَسَّهُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا صُبِغَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ خَفِيَتْ رَائِحَتُهُ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: إِنَّمَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْمُصْبَغَاتِ لِأَنَّهَا تُنْفَضُ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا صَارَ الثَّوْبُ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ لَمْ تَفُحْ لَهُ رَائِحَةٌ لَمْ يُمْنَعْ. وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِلَفْظِ: وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ الْجِلْدَ. وَأَمَّا الْمَغْسُولُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِذَا ذَهَبَتِ الرَّائِحَةُ جَازَ؛ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا. أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَنْكَرَهُ عَلَى الْحِمَّانِيِّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ: قَدْ كَتَبْتُهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. وَقَامَ فِي الْحَالِ فَأَخْرَجَ لَهُ أَصْلَهُ فَكَتَبَهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، انْتَهَى. وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَإِنْ كَانَ مُتْقِنًا لَكِنْ فِي حَدِيثِهِ عَنْ غَيْرِ الْأَعْمَشِ مَقَالٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو مُعَاوِيَةَ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَجِئْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ غَيْرُهُ. قُلْتُ: وَالْحِمَّانِيُّ ضَعِيفٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الَّذِي تَابَعَهُ فِيهِ مَقَالٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاسْتَنْبَطَ مَنْ مَنَعَ لُبْسَ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ مَنْعَ أَكْلِ الطَّعَامِ الَّذِي فِيهِ الزَّعْفَرَانُ؛ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اللُّبْسُ وَالتَّطَيُّبُ، وَالْآكِلُ لَا يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا.
(تَنْبِيهٌ): زَادَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَلَا الْقَبَاءَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ ابْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا. وَالْقَبَاءُ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَعْرُوفٌ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مُفَرَّجٍ، وَمَنْعُ لُبْسِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لَا إِذَا أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَظِيرَهُ إِنْ كَانَ كُمُّهُ ضَيِّقًا، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَلَا.
٢٢ - بَاب الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافِ فِي الْحَجِّ
١٥٤٣، ١٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أُسَامَةَ ﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ الْمزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ﷺ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قال ابن العربيِّ: الورس وإن لم يكن طِيبًا فله رائحةٌ طيِّبةٌ (١)، فأراد النَّبيُّ ﷺ أن ينبِّه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملاءمة الشَّمِّ، وهذا الحكم يشترك (٢) فيه النِّساء مع الرِّجال بخلاف الأوَّل فإنَّه خاصٌّ بالرِّجال.
وهذا الحديث سبق في «باب من أجاب السَّائل بأكثر ممَّا سأله» [خ¦١٣٤] في (٣) آخر «كتاب العلم».
(٢٢) (بابُ) جوازِ (الرُّكُوبِ وَالاِرْتِدَافِ فِي الحَجِّ).
١٥٤٣ - ١٥٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الواو وسكون الهاء و «جَريرٍ»: بفتح الجيم الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازم بن زيدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» الأوَّل، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال؛ أي (٤): رديفه، وهو الذي يركب خلف الرَّاكب، ولأبي ذرٍّ: «ردف رسول الله» (ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) موضع الوقوف (إِلَى المُزْدَلِفَةِ) بكسر اللَّام اسم فاعلٍ، مِنَ الازدلاف وهو القرب لأنَّ الحجَّاج إذا أفاضوا من عرفة يزدلفون إليها، أي: يقربون منها ويقدمون (٥) إليها، أو لمجيئهم إليها في زلفٍ من اللَّيل (ثُمَّ أَرْدَفَ) ﵊ (الفَضْلَ) بن العبَّاس بن عبد المطَّلب (مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى) تواضعًا منه ﵊، وليحدِّثا عنه
ﷺ بما يتَّفق له في تلك الحالة من التَّشريع (١) ولذا اختار أحداث الأسنان (٢)، كما يختارون لتسميع الحديث، قاله ابن المُنيِّر (قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى) أي: إلى أن (رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ) وهي حدُّ مِنًى من جهة مكَّة من الجانب الغربيِّ.
وفي الحديث: جواز الإرداف لكنْ إذا أطاقته الدَّابَّة، وأنَّ الرُّكوب في الحجِّ أفضل من المشي، وأخرجه مسلمٌ.
(٢٣) (بابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ) بضمِّ الهمزة والزَّاي، وفي «اليونينيَّة» بسكونها (٣) لا غير (٤)، جمع إزارٍ كخُمُرٍ وخمارٍ، وهو للنِّصف الأسفل، و «الأردية» جمع رداءٍ: وهو (٥) للنِّصف الأعلى، وعطفهما (٦) على الثِّياب من عطف الخاصِّ على العامِّ، وهذه التَّرجمة مغايرةٌ للسَّابقة على ما لا يخفى (وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ) المصبوغة بالعُصْفُر (وَهْيَ مُحْرِمَةٌ) وصله سعيد بن منصورٍ من طريق القاسم بن محمَّدٍ بإسنادٍ صحيحٍ، والجمهور على جوازه للمحرم خلافًا لأبي حنيفة، وقال: لأنَّه (٧) طِيبٌ وواجبٌ (٨) فيه الفدية (وَقَالَتْ) عائشة ممَّا وصله البيهقيُّ: (لَا تَلَثَّمْ) (٩) بالجزم على النَّهي، وبمُثنَّاةٍ (١٠) واحدةٍ مع تشديد المُثلَّثة، وأصله:
تتلثَّم فحُذِفت إحدى التَّاءين كـ ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] تخفيفًا، واللِّثام: ما يغطِّي الشَّفة (وَلَا تَتَبَرْقَعْ) بالجزم كذلك، لكن بمُثنَّاتين على الأصل؛ كذا في الفرع، وفي غيره: «ولا تبرقعْ» بحذف (١) إحدى التَّاءين (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لا تلْتثِمُْ» بسكون اللَّام وزيادة مُثنَّاةٍ بعدها وكسر المُثلَّثة، «ولا تبرقعُْ» بحذف إحدى التَّاءين والرَّفع في الكلمتين والجزم (وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا) مصبوغًا (بِوَرْسٍ) بسكون الرَّاء، ولأبي ذرٍّ في روايةٍ: «بورِسٍ» بكسرها (وَلَا زَعْفَرَانٍ) والجملة من قوله: «وقالت .... » إلى هنا ساقطةٌ في رواية ق (٣)، وفي «الفتح»: سقوطها أيضًا عن الحَمُّويي (٤).
(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الصَّحابيُّ ﵁، ممَّا وصله الشَّافعيُّ ومُسدَّدٌ: (لَا أَرَى المُعَصْفَرَ (٥) طِيبًا) أي: مطيِّبًا لأنَّه خبرٌ في الأصل عن معصفرٍ، ولا يُخبَر بالمعنى عن اسم عينٍ، وقد مرَّ ما في المعصفر قريبًا (وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ) ﵂ (بَأْسًا بِالحُلِيِّ (٦)) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الياء جمع حَلْيٍ؛ بفتح الحاء وسكون اللَّام (وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ وَالمُوَرَّدِ) المصبوغ على لون الورد، وسيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى في «باب طواف النِّساء» [خ¦١٦١٨] في آخر حديث عطاءٍ عن عائشة (وَالخُفِّ لِلْمَرْأَةِ) وصله ابن أبي شيبة.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ وابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ) بضمِّ حرف المضارعة وسكون المُوحَّدة وتخفيف الدَّال المهملة مضارع «أبدل»، ولأبي الوقت: «أن يبدِّل ثيابه» بفتح المُوحَّدة وتشديد المهملة، ومقالة إبراهيم هذه ساقطةٌ في رواية «ق».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الحَدِيث عِنْدِي، ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ، فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يحيى الْحمانِي، فَكتب عَنهُ يحيى بن معِين، وَكفى لصِحَّة هَذَا الحَدِيث شَهَادَة عبد الرَّحْمَن وَكِتَابَة يحيى بن معِين وَرِوَايَة أبي مُعَاوِيَة، وَأما قَول ابْن حزم: وَلَا نعلمهُ صَحِيحا، فَهِيَ نفي لعلمه بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا لَا يسْتَلْزم نفي صِحَة الحَدِيث فِي علم غَيره، فَافْهَم. وَقد روى أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حَدِيثا يدل على جَوَاز لبس المزعفر للْمحرمِ إِذا لم يكن فِيهِ نفض وَلَا ردع.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من ظَاهر الحَدِيث: جَوَاز لبس المزعفر والمورس لغير الرجل الْمحرم، لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك فِي جَوَاز السُّؤَال عَمَّا يلبس الْمحرم، فَدلَّ على جَوَازه لغيره، فَإِن قلت: أخرج الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يتزعفر الرجل؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: الْجمع بَين الْحَدِيثين أَنه يحْتَمل أَن يُقَال: إِن جَوَاب سُؤَالهمْ انْتهى عِنْد قَوْله: أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ اسْتَأْنف بِهَذَا لَا تعلق لَهُ بالمسؤول عَنهُ، فَقَالَ: وَلَا تلبسوا شَيْئا من الثِّيَاب ... إِلَى آخِره، ثمَّ ذكر حكم الْمَرْأَة الْمُحرمَة. انْتهى. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال فِيهِ بعد، بل الْأَوْجه أَن المُرَاد من النَّهْي عَن تزعفر الرجل أَن يزعفر بدنه، فَأَما لبس الثَّوْب المزعفر لغير الْمحرم فَلَا بَأْس بِهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يزعفر الرجل جلده، وَإِسْنَاده صَحِيح، والْحَدِيث الَّذِي يُنْهِي النَّهْي عَن مُطلق التزعفر، وَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد الَّذِي فِيهِ بِأَن يزعفر الرجل جلده، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ورد فِي جَوَاز لبس الثِّيَاب المزعفرة والمورسة للرِّجَال، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث قيس بن سعد، قَالَ: أَتَانَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَضَعْنَا لَهُ مَا يتبرَّد فاغتسل، ثمَّ أَتَيْته بملحفة صفراء فَرَأَيْت أثر الورس عَلَيْهِ، لفظ ابْن مَاجَه. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: كَانَ يصْبغ بالصفرة ثِيَابه كلهَا حَتَّى عمَامَته، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَفِي لفظ لَهُ: إِن ابْن عمر كَانَ يصْبغ ثِيَابه بالزعفران، فأصله فِي (الصَّحِيح) وَلَفظه: أما الصُّفْرَة فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصْبغ بهَا. وَجمع الْخطابِيّ بِأَن مَا صبغ غزله ثمَّ نسج فَلَيْسَ بداخل فِي النَّهْي، وَوَافَقَهُ الْبَيْهَقِيّ على هَذَا، فَإِن قلت: قد علم أَن الْمحرم قد منع من لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالزعفران أَو الورس، فَمَا حكمه إِذا توسد عَلَيْهِ أَو نَام؟ قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف فِي (الْإِمْلَاء) : لَا يَنْبَغِي لمحرم أَن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران وَلَا الورس، وَلَا ينَام عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يصير مُسْتَعْملا للطيب، فَكَانَ كاللبس، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: اخْتلف أهل الْعلم فِي الورس هَل هُوَ طيب أم لَا؟ فَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَنه لَيْسَ بِطيب، فَقَالَ: والورس، وَإِن لم يكن طيبا فَلهُ رَائِحَة طيبَة، فَأَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يبين تجنب الطّيب الْمَحْض، وَمَا يشبه الطّيب فِي ملايمة الشم واستحسانه. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: هُوَ فِيمَا يُقَال: أشهر طيب فِي بِلَاد الْيمن، وَفِي كَلَام النَّوَوِيّ أَيْضا مَا يشْعر أَنه طيب. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: نبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالورس والزعفران على مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يقْصد بِهِ الطّيب فَهِيَ حرَام على القبيلتين، فَيكْرَه للْمحرمِ لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بِغَيْر طيب، وَأما الْفَوَاكِه كالأترج والتفاح وأزهار الْبَوَادِي كالشيخ والقيصوم وَغَيرهمَا فَلَيْسَ بِحرَام.
٢٢ - (بابُ الرُّكُوبِ وَالارْتِدَافِ فِي الحَجِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الرّكُوب والارتداف فِي الْحَج، والارتداف أَن يركب الرَّاكِب خَلفه آخر.
٤٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفَةَ إلَى المُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةَ إلَى مِنَىً قَالَ فَكلَاهُمَا قَالَ لَمْ يَزَلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
(الحَدِيث ٣٤٥١ طرفه فِي: ٦٨٦١) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا. وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، ووهب هُوَ ابْن جرير بن حَازِم يروي عَن أَبِيه جرير، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن
مَسْعُود أَبُو عبد الله الهزلي أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين.
وَأخرجه مُسلم من حَدِيث كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات ... الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. وروى من حَدِيث عَطاء قَالَ: أَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدف الْفضل من جمع، قَالَ: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ردف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره فَاء، بِمَعْنى: الرديف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب، وَكَذَلِكَ الرديف، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد. قَوْله: (من عَرَفَة) أَي: من عَرَفَات، وَهُوَ اسْم لموْضِع الْوُقُوف. قَوْله: (إِلَى الْمزْدَلِفَة) ، بِلَفْظ الْفَاعِل من الإزدلاف، وَهُوَ التَّقَرُّب والتقدم لِأَن الْحجَّاج إِذا أفاضوا من عَرَفَات ازدلفوا إِلَيْهَا، أَي: تقربُوا مِنْهَا وتقدموا إِلَيْهَا، وَسميت بذلك لمجيء النَّاس فِي زلف من اللَّيْل، وَهُوَ مَوضِع بحرم مَكَّة. قَوْله: (الْفضل) هُوَ ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب. قَوْله: (فكلاهما) أَي: أُسَامَة وَالْفضل. قَوْله: (حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) ، أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة، وَهِي حد منى من الْجَانِب الغربي من جِهَة مَكَّة. وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الْجَمْرَة الْكُبْرَى، والجمرة والحصاة، وَهنا اسْم لمجتمع الْحَصَى.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْحَج رَاكِبًا أفضل، وَقد مر الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب الْحَج على الرجل. وَفِيه: إرداف الْعَالم. وَفِيه: التَّوَاضُع بالإرداف للرجل الْكَبِير وَالسُّلْطَان الْجَلِيل. وَفِيه: حجَّة لأبي حنيفَة وصاحبيه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد بن عَليّ وَأبي عبيد والطبري فِي قَوْلهم: يُلَبِّي الْحَاج وَلَا يقطع التَّلْبِيَة حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَهُوَ الْمَنْقُول أَيْضا عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن حَيّ، وروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن مَسْعُود ومَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ثمَّ اخْتلف بعض هَؤُلَاءِ، فَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يقطع التَّلْبِيَة مَعَ أول حَصَاة يرميها من جَمْرَة الْعقبَة. وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَطَائِفَة من أهل النّظر والأثر: لَا يقطعهَا حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة بأسرها، قَالُوا: وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) وَلم يقل: حَتَّى رمى بَعْضهَا. قلت: روى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شريك عَن عَامر بن شَقِيق عَن أبي وَائِل (عَن عبد الله: رمقت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة بِأول حَصَاة) . فَإِن قلت: أخرج ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : عَن الْفضل بن عَبَّاس قَالَ: (أفضت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات، فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، يكبر مَعَ كل حَصَاة، ثمَّ قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة) . قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه زِيَادَة غَرِيبَة لَيست فِي الرِّوَايَات عَن الْفضل، وَإِن كَانَ ابْن خُزَيْمَة قد اخْتَارَهَا. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: فِيهِ نَكَارَة. وَقَوله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، يدل على أَنه قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ وَمَالك وَأَصْحَابه وَأكْثر أهل الْمَدِينَة: (الْحَاج لَا يُلَبِّي فيعرفة بل يكبر ويهلل) . وَرُوِيَ ذَلِك عَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَجَابِر بن عبد الله.
ثمَّ اخْتلفُوا مَتى يقطع التَّلْبِيَة؟ فَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك أَصْحَابه: يقطعهَا إِذا توجه إِلَى عَرَفَات، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عُثْمَان وَعَائِشَة، وَرُوِيَ عَنْهُمَا خلاف ذَلِك، فَقَالَ الزُّهْرِيّ والسائب بن يزِيد وَسليمَان بن يسَار وَابْن الْمسيب فِي رِوَايَة: (يقطعهَا حِين يقف بِعَرَفَات) ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث أُسَامَة بن زيد، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: (كنت ردف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة فَكَانَ لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، وَكَانَ إِذا وجد فجوة نَص) . قَوْله: (فجوة) ، بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا: وَهِي مَا اتَّسع من الأَرْض وَقد روى فِي (الْمُوَطَّأ) : فُرْجَة. قَوْله: (نَص) ، أَي: رفع فِي سيره وأسرع، وَالنَّص مُنْتَهى الْغَايَة فِي كل شَيْء، قَالَه فِي (الْمطَالع) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَإِذا التحم عَلَيْهِ النَّاس أعنق، وَإِذا وجد فُرْجَة نَص) . قَوْله: (أعتق) ، من العَنَق وَهُوَ: السّير الْيَسِير الَّذِي تمد فِيهِ الدَّابَّة عُنُقهَا للاستعانة، وَهُوَ دون الْإِسْرَاع. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك لَا يدل على نفي التَّلْبِيَة وَخُرُوج وَقتهَا، وَقَوله: لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، يَعْنِي: الزِّيَادَة من جِنْسهَا.
٣٢ - (بابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأرْدِيَةِ وَالأُزُرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يلبس وَلما بَين مَا لَا يلبس، شرع فِي بَيَان مَا يلبس، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة أَي: بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يلبس الْمحرم، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: فِي بَيَان لبس الْمحرم، وَكلمَة: من، فِي: من الثِّيَاب، بَيَانِيَّة وَهُوَ جمع ثوب، والأردية جمع رِدَاء، والأزر بِضَم الْهمزَة وَالزَّاي جمع إِزَار، وَيجوز تسكين الزَّاي وَضمّهَا اتبَاعا للهمزة، والرداء لِلنِّصْفِ الْأَعْلَى، والإزار لِلنِّصْفِ الْأَسْفَل، وَعطف الْأَرْبَعَة على الثِّيَاب من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام.
ولَبِسَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ وقالَتْ لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ وَلَا تلْبَسْ ثَوْبا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي صدر هَذَا التَّعْلِيق أَعنِي قَوْله: (ولبست عَائِشَة الثِّيَاب المعصفرة) أَي: المعصفرة أَي: المصبوغة بالعصفر. قَوْله: (وَهِي مُحرمَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن الْمَنْصُور من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (كَانَت عَائِشَة تلبس المعصفرة) . وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي مليكَة: (أَن عَائِشَة كَانَت تلبس الثِّيَاب المورد بالعصفر الْخَفِيف وَهِي مُحرمَة) وَقيل: الثَّوْب المورد: الْمَصْبُوغ بالورد. قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة: لَا تلثم، بتاء مثناة وَاحِدَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَأَصله: تتلثم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي: تلظى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا تلتثم، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون اللَّام وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة: من الالتثام، من بَاب الافتعال، وَالْأول من بَاب التفعل، وَسقط هَذَا من الأَصْل فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَكِلَاهُمَا من اللثام، وَهُوَ مَا يُغطي الشّفة. وَالْمعْنَى هَهُنَا: لَا تغطي الْمَرْأَة شفتها بِثَوْب. قَوْله: (وَلَا تتبرقع) أَي: وَلَا تلبس البرقع، بِضَم الْبَاء وَسُكُون الرَّاء وَضم الْقَاف وَفتحهَا، وَهُوَ مَا يُغطي الْوَجْه. وَعَن الْحسن وَعَطَاء مثل مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مصنفة) عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن وَعَطَاء، قَالَا: لَا تلبس الْمُحرمَة القفازين والسراويل وَلَا تبرقع وَلَا تلثم وتلبس مَا شَاءَت من الثِّيَاب إلَاّ ثوبا ينفض عَلَيْهَا ورسا أَو زعفرانا. قَوْله: (وَلَا تلبس ثوبا بورس وزعفران) أَي: مصبوغا بورس وزعفران، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نهى النِّسَاء فِي إحرامهن عَن القفازين والنقاب، وَمَا مَسّه الورس والزعفران من الثِّيَاب، ولتلبس بعد ذَلِك مَا أحبت من ألوان الثِّيَاب من معصفر أَو خَز أَو حلي أَو قَمِيص أَو سَرَاوِيل.
وَقَالَ جابِرٌ: لَا أرَى المُعَصْف طِيبا
أَي: قَالَ جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ: أَي: لَا أرَاهُ مطيبا لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون الْمَفْعُول الثَّانِي معنى، وَالْأول عينا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الشَّافِعِي، ومسدد بِلَفْظ: (لَا تلبس الْمَرْأَة ثِيَاب الطّيب، وَلَا أرى المعصفر طيبا) .
وَلَمُ تَرَ عائِشَةُ بَأسا بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأسْوَدِ والمُوَدَّدِ والخُفِّ لِلْمَرْأةِ
الْحلِيّ، بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام، جمع الحلى. وَالثَّوْب المورَّد الْمَصْبُوغ بالورد، يَعْنِي: على لون الْورْد، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن باباه الْمَكِّيّ أَن امْرَأَة سَأَلت عَائِشَة: مَا تلبس الْمَرْأَة فِي إحرامها؟ قَالَت عَائِشَة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن الْمَرْأَة تلبس الْمخيط كُله والخفاف وَإِن لَهَا أَن تغطي رَأسهَا وتستر شعرهَا إلَاّ وَجههَا تسدل عَلَيْهِ الثَّوْب سدلاف خَفِيفا تستتر بِهِ عَن نظر الرِّجَال، وَلَا تخمره إلَاّ مَا رُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، قَالَت: كُنَّا نخمر وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات مَعَ أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. تَعْنِي: جدَّتهَا. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك التخمير سدلاً كَمَا جَاءَ عَن عَائِشَة، قَالَت: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا مر بِنَا ركب سدلنا الثَّوْب على وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات، فَإِذا جَاوز رفعنَا. قلت: فِيمَا أخرجه الْجَمَاعَة: وَلَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة فِيهِ دَلِيل على أَنه يحرم على الْمَرْأَة ستر وَجههَا فِي الْإِحْرَام. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: مَفْهُومه يدل على إِبَاحَة تَغْطِيَة الْوَجْه للرجل وإلَاّ لما كَانَ فِي التَّقْيِيد بِالْمَرْأَةِ فَائِدَة. قلت: قد ذهب إِلَى جَوَاز تَغْطِيَة الرجل الْمحرم وَجهه عُثْمَان بن عَفَّان وَزيد بن ثَابت ومروان بن
الحكم وَمُجاهد وطاووس، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَجُمْهُور أهل الْعلم، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى الْمَنْع من ذَلِك، واحتجا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تخمروا وَجهه وَلَا رَأسه، رَوَاهُ مُسلم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ: وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ خَارِجا وَجهه وَرَأسه. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهَذَا أَمر فِيهِ خَفَاء على الْخلق وَلَيْسوا على الْحق. قَالَ: وَلَقَد رَأَيْت بعض أَصْحَابنَا من أهل الْعلم مِمَّن يتعاطى الْفِقْه والْحَدِيث يَبْنِي الْمَسْأَلَة على أَن الْوَجْه من الرَّأْس أم لَا؟ فعجبت لضلالته عَن دلَالَته ونسيانه لصنعته، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: لَا أَدْرِي مَا وَجه إِنْكَاره على من بنى الْمَسْأَلَة على ذَلِك، وَمَا قَالَه وَاضح فِي قَول ابْن عمر الَّذِي رَوَاهُ مَالك، وَقد جَاءَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح التَّفْرِقَة بَين أَعلَى الْوَجْه وأسفله، فروى سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: يُغطي الْمحرم وَجهه مَا دون الحاجبين، وَفِي رِوَايَة لَهُ: مَا دون عَيْنَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بذلك الِاحْتِيَاط لكشف الرَّأْس، وَلَكِن هَذَا أَمر زَائِد على الِاحْتِيَاط لذَلِك، وَالِاحْتِيَاط يحصل بِدُونِ ذَلِك.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ لَا بأسَ أنْ يُبْدِلَ ثِيابَهُ
أَي: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوَصله أَبُو بكر، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة بن شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يُغير الْمحرم ثِيَابه مَا شَاءَ بعد أَن يلبس ثِيَاب الْمحرم، قَالَ: وَحدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن سعيد بن يُوسُف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة قَالَ: غيَّر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثوبيه بِالتَّنْعِيمِ. وَحدثنَا هشيم عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَيُونُس عَن الْحسن وحجاج عَن عبد الْملك وَعَطَاء أَنهم لم يرَوا بَأْسا أَن يُبدل الْمحرم ثِيَابه، وَكَذَا قَالَه طَاوُوس وَسَعِيد بن جُبَير، سُئِلَ: أيبيع الْمحرم ثِيَابه؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ ابْن التِّين: مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه أَنه يجوز لَهُ التّرْك للباس الثَّوْب، وَيجوز لَهُ بَيْعه. وَقَالَ سَحْنُون: لَا يجوز لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يعرض الْقمل للْقَتْل بِالْبيعِ.
٥٤٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني مُوسى بنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبرنِي كُرَيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ انْطَلَقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَما ترَجَّلَ وادَّهَنَ ولَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وأصْحَابُهُ فلَمْ يَنْهَ عنْ شيءٍ مِنَ الأرْدِيَةِ والأُزْرِ تُلْبَسُ إلَاّ المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلى الجِلدِ فأصبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوى عَلى البيْدَاءِ أهَلَّ هُوَ وأصْحابُهُ وقَلَّدَ بَدَنتَهُ وذالِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ فقَدِمَ مَكَّةَ لأِرْبَعِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن ذِي الحِجَّةِ فطافَ بِالبَيْتِ وسعَى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولَمْ يَحِلَّ مِنْ أجْلِ بُدْنِهِ لأنَّهُ قَلَّدهَا ثُمَّ نزَلَ بأعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وَهْوَ مُهل بِالحَجِّ ولَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وأمَرَ أصْحَابَهُ أنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤوسِهِمْ ثُمَّ يحِلُّوا وذالِك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا وَمَنْ كانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ فَهْيَ لَهُ حَلَالٌ والطِّيبُ والثِّيَابُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة قَوْله: (فَلم ينْه عَن شَيْء من الأردية والأزر تلبس) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا، والمقدمي، بتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة، وفضيل مصغر فضل، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ مُخْتَصرا أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ترجل) أَي: سرح شعره. قَوْله: (وادهن) أَي: اسْتعْمل الدّهن، وَأَصله: ادتهن، لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال، فأبدلت الدَّال من التَّاء وأدغمت الدَّال فِي الدَّال. قَوْله: (هُوَ) ، ضمير فصل. قَوْله: (تردع) ، بالراء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: تلطخ الْجلد، يُقَال: تردع إِذا التطخ، والردع أثر الطّيب، وردع بِهِ الطّيب إِذا لزق بجلده، وَقَالَ ابْن بطال: وَقد رُوِيَ: ترذع، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، من قَوْلهم: أرذعت الأَرْض أَي: كثرت مَنَافِع الْمِيَاه فِيهَا، والرذع بِالْمُعْجَمَةِ الطين. قَوْله: (الَّتِي تردع على الْجلد) ، هَكَذَا وَقع فِي الأَصْل. وَقَالَ
ابْن الْجَوْزِيّ: الصَّوَاب حذف على. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة) أَي: وصل إِلَيْهَا نَهَارا فَبَاتَ بهَا، كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَاب الَّذِي بعده من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بدنته) قَالَ الْجَوْهَرِي هِيَ: نَاقَة أَو بقرة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْجمع بدن بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: تكون الْبَدنَة من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ الْبَعِير ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى بِشَرْط أَن يكون فِي سنّ الْأُضْحِية، وَهِي الَّتِي استكملت خمس سِنِين. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة ركب رَاحِلَته) ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِذِي الحليفة، ثمَّ دعى بناقته فأشعرها فِي صفحة سنامها الْأَيْمن، وسلت الدَّم وقلدها بنعلين، ثمَّ ركب رَاحِلَته، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ على الْبَيْدَاء أهلَّ بِالْحَجِّ) . وَقَالَ ابْن حزم: فَهَذَا ابْن عَبَّاس يذكر أَنه صلى الظّهْر فِي ذِي الحليفة، وَأنس يذكر أَنه صلَاّها بِالْمَدِينَةِ، وكلا الطَّرِيقَيْنِ فِي غَايَة الصِّحَّة، وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أثبت فِي هَذَا الْمَكَان لِأَنَّهُ ذكر أَنه حضر ذَلِك بقوله: صلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ إِن ابْن عَبَّاس لم يذكر حضورا فِيهَا أَنَّهَا كَانَت يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، إِنَّمَا عَنى بِهِ الْيَوْم الثَّانِي، فَلَا تعَارض. وَعند النَّسَائِيّ: عَن أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ ثمَّ ركب وَصعد جبل الْبَيْدَاء، وأهلَّ بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة) . وَلَا تعَارض، فَإِن الْبَيْدَاء وَذَا الحليفة متصلتان بعضهما مَعَ بعض، فصلى الظّهْر فِي آخر ذِي الحليفة وَهُوَ أول الْبَيْدَاء. قَوْله: (وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) ، ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من ركُوبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاحِلَته واستوائه على الْبَيْدَاء وإهلاله وتقليده بدنته لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَهُوَ بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا، وَكَذَا فِي ذِي الْحجَّة بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَالْفَتْح هُنَا أشهر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله: وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة يحْتَمل أَنه أَرَادَ الْخُرُوج، وَيحْتَمل الإهلال، فأردنا أَن نَعْرِف أَيهمَا أَرَادَ، فَوَجَدنَا عَائِشَة رَوَت فِي صَحِيح مُسلم: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) . وَفِي الإكليل من حَدِيث الْوَاقِدِيّ عَن ابْن أبي سُبْرَة عَن سعيد بن مُحَمَّد بن جُبَير عَن أَبِيه مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم أَنه قَالَ: خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من الْمَدِينَة يَوْم السبت لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة عشر، فصلى الظّهْر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ) وَزعم ابْن حزم أَنه: (خرح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة نَهَارا بعد أَن تغدى وَصلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، وَصلى الْعَصْر من ذَلِك الْيَوْم بِذِي الحليفة، وَبَات بِذِي الحليفة لَيْلَة الْجُمُعَة، وَطَاف على نِسَائِهِ ثمَّ اغْتسل ثمَّ صلى بهَا الصُّبْح، ثمَّ طيبته عَائِشَة ثمَّ أحرم وَلم يغسل الطّيب، وأهلَّ حِين انبعثت بِهِ رَاحِلَته من عِنْد مَسْجِد ذِي الحليفة بِالْقُرْآنِ: الْعمرَة وَالْحج مَعًا، وَذَلِكَ قبل الظّهْر بِيَسِير، ثمَّ لبَّى ثمَّ نَهَضَ وَصلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ، ثمَّ تَمَادى واستهل هِلَال ذِي الْحجَّة. قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: إِنَّه خرج من الْمَدِينَة لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَقد ذكر مُسلم من حَدِيث عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة لَا نرى إلَاّ الْحَج؟ قلت: قد ذكر مُسلم أَيْضا من طَرِيق عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة، فَلَمَّا اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنْهَا رَجعْنَا إِلَى من لم تضطرب الرِّوَايَة عَنهُ فِي ذَلِك، وهما: عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس، فَوَجَدنَا ابْن عَبَّاس ذكر أَن اندفاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة بعد أَن بَات بهَا كَانَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَذكر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يَوْم عَرَفَة كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فِي ذَلِك الْعَام، فَوَجَبَ أَن استهلال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة يَوْم الْخَمِيس، وَأَن آخر يَوْم من ذِي الْقعدَة كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء، فصح أَن خُرُوجه كَانَ يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة، ويزيده وضوحا حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: صلينَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا، وَالْعصر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ، فَلَو كَانَ خُرُوجه لخمس بَقينَ لذِي الْقعدَة لَكَانَ بِلَا شكّ يَوْم الْجُمُعَة، وَالْجُمُعَة لَا تصلى أَرْبعا، فصح أَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْخَمِيس. وَعلمنَا أَن معنى قَول عَائِشَة: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، إِنَّمَا عنت اندفاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة، فَلم تعد المرحلة الْقَرِيبَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ أَن يخرج لسفر لم يخرج إلَاّ يَوْم الْخَمِيس، فَبَطل خُرُوجه يَوْم الْجُمُعَة، وَبَطل أَن يكون يَوْم السبت، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ خَارِجا من الْمَدِينَة لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَصَحَّ أَن خُرُوجه كَانَ لست بَقينَ، واندفاعه من ذِي الحليفة لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وتألفت الرِّوَايَات. قَوْله: (فَقدم مَكَّة لأَرْبَع لَيَال خلون من ذِي الْحجَّة) قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدثنَا أَفْلح بن حميد عَن أَبِيه عَن ابْن عمر أَن هِلَال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة الْخَمِيس، الْيَوْم الثَّامِن من يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، وَنزل بِذِي طوى، فَبَاتَ