الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٦٥
الحديث رقم ١٦٦٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الوقوف بعرفة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ
١٦٦٥ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : قَالَ عُرْوَةُ :
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَمَا شَأْنُهُ هَهُنَا؟) تعجُّبٌ من جُبَيرٍ وإنكارٌ منه لمَّا رأى النَّبيَّ ﷺ واقفًا بعرفة، فقال: هو من الحمس، فما باله يقف بعرفة والحمس لا يقفون بها لأنَّهم لا يخرجون من الحرم؟ وعند الحُمَيديِّ عن سفيان: وكان الشَّيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنَّكم إن عظَّمتم غير حرمكم استخفَّ النَّاس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وعند الإسماعيليِّ: وكانوا يقولون: نحن أهل الله لا نخرج من الحرم، وكان سائر النَّاس يقف بعرفة، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
١٦٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة آخره راءٌ ممدودةٌ، و «فَرْوَة»: بفتح الفاء والواو بينهما راءٌ ساكنةٌ الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (قَالَ عُرْوَةُ) أبو هشامٍ: (كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) بالكعبة، حال كونهم (عُرَاةً إِلَّا الحُمْسَ، وَالحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) من أمَّهاتهم، وعبَّر بـ «ما» دون «مَنْ» لقصد التَّعميم، وزاد معمرٌ: «وكان (١) ممَّن ولدت قريشٌ خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة» وعند إبراهيم الحربيِّ: وكانت قريشٌ إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أنَّ ولدها على دينهم، فدخل في الحُمْس من غير قريشٍ ثقيفٌ وليثٌ وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة؛ يعني: وغيرهم، وعُرِف بهذا أنَّ المراد بهذه القبائل من كانت له من أمَّهاته قرشيَّةٌ (٢)، لا جميع القبائل المذكورة.
(وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ) يعطونهم حِسبةً لله (يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا (١)، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ (٢) الحُمْسُ) ثيابًا (طَافَ بِالبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ) أي: كان غير الحمس يدفعون (مِنْ عَرَفَاتٍ) قال الزَّمخشريُّ: عرفات: عَلَمٌ للموقف، سُمِّي بجمعٍ كأَذْرعِاتٍ، فإن قلت: هلَّا منعت الصَّرف وفيها السَّببان التَّعريف والتَّأنيث؟ قلت: لا يخلو التَّأنيث؛ إمَّا أن يكون بالتَّاء التي في لفظها، وإمَّا (٣) بتاءٍ مُقدَّرةٍ كما في «سعاد»، فالتي في لفظها ليست للتَّأنيث وإنَّما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المُؤنَّث، ولا يصحُّ تقدير التَّاء فيها لأنَّ هذه التَّاء لاختصاصها بجمع المُؤنَّث مانعةٌ من تقديرها كما لا تُقدَّر تاء التَّأنيث في «بنتٍ» لأنَّ التَّاء التي هي بدلٌ من الواو لاختصاصها بالمُؤنَّث؛ كتاء التَّأنيث، فأبت تقديرها، وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّه يلزمه إذا سمَّى امرأةً بـ «مسلمات» أن يصرفه، وهو قولٌ رديءٌ، والأفصح تنوينه، وهو يرى أنَّ تنوين «عرفاتٍ» للتَّمكين لا للمقابلة، ولم يعدَّ تنوين المقابلة في «مُفصَّله» بناءً منه (٤) على أنَّه راجعٌ إلى التَّمكين، ونقل (٥) الزَّجَّاج فيها وجهين: الصَّرفَ وعدمَه، إلَّا أنَّه قال: لا يكون إلَّا مكسورًا وإن سقط التَّنوين.
(وَتُفِيضُ (٦) الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم؛ أي (٧): من المزدلفة، وسُمِّيت به لأنَّ آدم اجتمع فيها مع حوَّاء، وازدلف إليها، أي: دنا منها، أو لأنَّه يجمع فيها بين
الصَّلاتين، وأهلها يزدلفون، أي: يتقرَّبون إلى الله تعالى بالوقوف فيها.
(قَالَ) هشامٌ: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بن الزُّبير: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]) إبراهيم الخليل عليه أفضل (١) الصَّلاة والسَّلام، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ من حديث يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مِرْبَعٍ -بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح المُوحَّدة- زيدٌ الأنصاريُّ، ونحن وقوفٌ بالموقف، فقال: إنِّي رسولُ (٢) رسولِ الله ﷺ إليكم (٣)، يقول: «كونوا على مشاعركم، فإنَّكم على إرثٍ من إرث (٤) إبراهيم ﵊» وقُرِئ: ﴿النَّاسُ﴾ بالكسر أي: النَّاسِ؛ يريد: آدم، من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أو المراد: سائر النَّاس غير الحُمْس، قال ابن التِّين (٥): وهو الصَّحيح، والمعنى: أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ وسائر النَّاس بعرفة، ويرون ذلك ترفُّعًا عليهم -كما مرَّ- فأُمِروا بأن (٦) يساووهم، فإن قلت: ما وجه إدخال «ثمَّ» هنا، حيث كانت الإفاضة المذكورة بعدها هي بعينها الإفاضة المذكورة قبلها، فما معنى عطف الأمر بها بكلمة: «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّراخي على الأمر بالذِّكر المتأخِّر عنها؟ وكيف موقع «ثمَّ» من كلام البلغاء؟ فقال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: و «ثمَّ» لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك: أحسن إلى النَّاس ثمَّ لا تحسن إلى غير كريمٍ، وزاد الزَّمخشريُّ: تأتي بـ «ثمَّ» لتُفاوِتَ ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره وبُعْد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذِّكر عند الإفاضة من عرفاتٍ، قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأنَّ إحداهما صوابٌ، والأخرى خطأٌ. انتهى.
وتعقبَّه أبو حيَّان فقال: ليست الآية كالمثال الذي مثَّله، وحاصل ما ذكر: أنَّ «ثمَّ» تسلب التَّرتيب، وأنَّ لها معنًى غيره، سمَّاه بالتَّفاوت والبُعد لما بعدها ممَّا قبلها، ولم يجرِ في الآية
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَمَا شَأْنُهُ هَهُنَا؟) تعجُّبٌ من جُبَيرٍ وإنكارٌ منه لمَّا رأى النَّبيَّ ﷺ واقفًا بعرفة، فقال: هو من الحمس، فما باله يقف بعرفة والحمس لا يقفون بها لأنَّهم لا يخرجون من الحرم؟ وعند الحُمَيديِّ عن سفيان: وكان الشَّيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنَّكم إن عظَّمتم غير حرمكم استخفَّ النَّاس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وعند الإسماعيليِّ: وكانوا يقولون: نحن أهل الله لا نخرج من الحرم، وكان سائر النَّاس يقف بعرفة، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
١٦٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة آخره راءٌ ممدودةٌ، و «فَرْوَة»: بفتح الفاء والواو بينهما راءٌ ساكنةٌ الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (قَالَ عُرْوَةُ) أبو هشامٍ: (كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) بالكعبة، حال كونهم (عُرَاةً إِلَّا الحُمْسَ، وَالحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) من أمَّهاتهم، وعبَّر بـ «ما» دون «مَنْ» لقصد التَّعميم، وزاد معمرٌ: «وكان (١) ممَّن ولدت قريشٌ خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة» وعند إبراهيم الحربيِّ: وكانت قريشٌ إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أنَّ ولدها على دينهم، فدخل في الحُمْس من غير قريشٍ ثقيفٌ وليثٌ وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة؛ يعني: وغيرهم، وعُرِف بهذا أنَّ المراد بهذه القبائل من كانت له من أمَّهاته قرشيَّةٌ (٢)، لا جميع القبائل المذكورة.
(وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ) يعطونهم حِسبةً لله (يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا (١)، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ (٢) الحُمْسُ) ثيابًا (طَافَ بِالبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ) أي: كان غير الحمس يدفعون (مِنْ عَرَفَاتٍ) قال الزَّمخشريُّ: عرفات: عَلَمٌ للموقف، سُمِّي بجمعٍ كأَذْرعِاتٍ، فإن قلت: هلَّا منعت الصَّرف وفيها السَّببان التَّعريف والتَّأنيث؟ قلت: لا يخلو التَّأنيث؛ إمَّا أن يكون بالتَّاء التي في لفظها، وإمَّا (٣) بتاءٍ مُقدَّرةٍ كما في «سعاد»، فالتي في لفظها ليست للتَّأنيث وإنَّما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المُؤنَّث، ولا يصحُّ تقدير التَّاء فيها لأنَّ هذه التَّاء لاختصاصها بجمع المُؤنَّث مانعةٌ من تقديرها كما لا تُقدَّر تاء التَّأنيث في «بنتٍ» لأنَّ التَّاء التي هي بدلٌ من الواو لاختصاصها بالمُؤنَّث؛ كتاء التَّأنيث، فأبت تقديرها، وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّه يلزمه إذا سمَّى امرأةً بـ «مسلمات» أن يصرفه، وهو قولٌ رديءٌ، والأفصح تنوينه، وهو يرى أنَّ تنوين «عرفاتٍ» للتَّمكين لا للمقابلة، ولم يعدَّ تنوين المقابلة في «مُفصَّله» بناءً منه (٤) على أنَّه راجعٌ إلى التَّمكين، ونقل (٥) الزَّجَّاج فيها وجهين: الصَّرفَ وعدمَه، إلَّا أنَّه قال: لا يكون إلَّا مكسورًا وإن سقط التَّنوين.
(وَتُفِيضُ (٦) الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم؛ أي (٧): من المزدلفة، وسُمِّيت به لأنَّ آدم اجتمع فيها مع حوَّاء، وازدلف إليها، أي: دنا منها، أو لأنَّه يجمع فيها بين
الصَّلاتين، وأهلها يزدلفون، أي: يتقرَّبون إلى الله تعالى بالوقوف فيها.
(قَالَ) هشامٌ: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بن الزُّبير: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]) إبراهيم الخليل عليه أفضل (١) الصَّلاة والسَّلام، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ من حديث يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مِرْبَعٍ -بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح المُوحَّدة- زيدٌ الأنصاريُّ، ونحن وقوفٌ بالموقف، فقال: إنِّي رسولُ (٢) رسولِ الله ﷺ إليكم (٣)، يقول: «كونوا على مشاعركم، فإنَّكم على إرثٍ من إرث (٤) إبراهيم ﵊» وقُرِئ: ﴿النَّاسُ﴾ بالكسر أي: النَّاسِ؛ يريد: آدم، من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] أو المراد: سائر النَّاس غير الحُمْس، قال ابن التِّين (٥): وهو الصَّحيح، والمعنى: أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ وسائر النَّاس بعرفة، ويرون ذلك ترفُّعًا عليهم -كما مرَّ- فأُمِروا بأن (٦) يساووهم، فإن قلت: ما وجه إدخال «ثمَّ» هنا، حيث كانت الإفاضة المذكورة بعدها هي بعينها الإفاضة المذكورة قبلها، فما معنى عطف الأمر بها بكلمة: «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّراخي على الأمر بالذِّكر المتأخِّر عنها؟ وكيف موقع «ثمَّ» من كلام البلغاء؟ فقال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: و «ثمَّ» لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك: أحسن إلى النَّاس ثمَّ لا تحسن إلى غير كريمٍ، وزاد الزَّمخشريُّ: تأتي بـ «ثمَّ» لتُفاوِتَ ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره وبُعْد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذِّكر عند الإفاضة من عرفاتٍ، قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأنَّ إحداهما صوابٌ، والأخرى خطأٌ. انتهى.
وتعقبَّه أبو حيَّان فقال: ليست الآية كالمثال الذي مثَّله، وحاصل ما ذكر: أنَّ «ثمَّ» تسلب التَّرتيب، وأنَّ لها معنًى غيره، سمَّاه بالتَّفاوت والبُعد لما بعدها ممَّا قبلها، ولم يجرِ في الآية