الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٦٤
الحديث رقم ١٦٦٤ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الوقوف بعرفة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو:
⦗١٦٣⦘
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ : كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
باب التعجيل إلى الوقوف
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعْجِيلِ إِلَى الْمَوْقِفِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بِغَيْرِ حَدِيثٍ وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَصْلًا، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا مَا لَفْظُهُ يَدْخُلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ عَنْ سَالِمٍ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا - وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ فِيهِ غَيْرَ مُعَادٍ يَعْنِي حَدِيثًا لَا يَكُونُ تَكَرَّرَ كُلُّهُ سَنَدًا وَمَتْنًا. قُلْتُ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ أَصْلَ قَصْدِهِ أَنْ لَا يُكَرَّرَ، فَيُحْمَلَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَكْرَارِ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ هُنَاكَ مُغَايَرَةٌ إِمَّا فِي السَّنَدِ وَإِمَّا فِي الْمَتْنِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مُعَادًا وَلَا مُكَرَّرًا، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ لَكِنِ اخْتَصَرَ مِنَ الْمَتْنِ شَيْئًا أَوْ أَوْرَدَهُ فِي مَوْضِعٍ مَوْصُولًا وَفِي مَوْضِعٍ مُعَلَّقًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ لَمْ يُخَالِفْهَا إِلَّا فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ مَعَ طُولِ الْكِتَابِ إِذَا بَعُدَ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ بُعْدًا شَدِيدًا.
وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ: يُزَادُ فِي هَذَا الْبَابِ هَمْ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ شِهَابٍ وَلَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ فِيهِ مُعَادًا أَيْ مُكَرَّرًا. قُلْتُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ طَرِيقٌ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ الطَّرِيقَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعِيدُ حَدِيثًا إِلَّا لِفَائِدَةٍ إِسْنَادِيَّةٍ أَوْ مَتْنِيَّةٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي نَقَلَهَا الْكِرْمَانِيُّ هَمْ فَهِيَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ: إِنَّهَا فَارِسِيَّةٌ وَقِيلَ عَرَبِيَّةٌ وَمَعْنَاهَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى أَيْضًا. قُلْتُ: صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ بِبَغْدَادَ بِأَنَّهَا لَفْظَةٌ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ بَغْدَادَ وَلَيْسَتْ بِفَارِسِيَّةٍ وَلَا هِيَ عَرَبِيَّةٌ قَطْعًا، وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الصَّغَانِيِّ فِي نُسْخَتِهِ الَّتِي أَتْقَنَهَا وَحَرَّرَهَا - وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ - خُلُوَّ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ.
٩١ - بَاب الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي. . . وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو وسَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ مِنْ الْحُمْسِ فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا؟
١٦٦٥ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ "كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلاَّ الْحُمْسَ وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ وَكَانَتْ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الْحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَيُفِيضُ الْحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ"
[الحديث ١٦٦٥ - طرفه في: ٤٥٢٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) أَيْ دُونَ غَيْرِهَا فِيمَا دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا.
وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (أَضْلَلْتُ بَعِيرًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِي كَمَا فِي الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي يَوْمَ عَرَفَةَ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ يَتَعَلَّقُ بِأَضْلَلْتُ، فَإِنَّ جُبَيْرًا إِنَّمَا جَاءَ إِلَى عَرَفَةَ لِيَطْلُبَ بِعِيرَهُ لَا لِيَقِفَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْحُمْسِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَمَا شَأْنُهُ هَاهنا؟) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُوهِمُ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ، بَيَّنَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مَا شَأْنُهُ هَاهُنَا، قَالَ سُفْيَانُ وَالْأَحْمَسُ الشَّدِيدُ عَلَى دِينِهِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمَّى الْحُمْسَ وَكَانَ الشَّيْطَانُ قَدِ اسْتَهْوَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ إِنْ عَظَّمْتُمْ غَيْرَ حَرَمِكُمُ اسْتَخَفَّ النَّاسُ بِحَرَمِكُمْ فَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ قَالَ سُفْيَانُ الْحُمْسُ يَعْنِي قُرَيْشًا وَكَانَتْ تُسَمَّى الْحُمْسَ وَكَانَتْ لَا تُجَاوِزُ الْحَرَمَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ لَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ وَكَانَ سَائِرُ النَّاسِ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. انْتَهَى. وَعُرِفَ بِهَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ مَعْنَى حَدِيثِ جُبَيْرٍ وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُمَا اسْتِغْنَاءً بِالرِّوَايَةِ عَنْ عُرْوَةَ لَكِنَّ فِي سِيَاقِ سُفْيَانَ فَوَائِدَ زَائِدَةً.
وَقَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِنَّمَا تَدْفَعُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْحُمْسُ فَلَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ وَقَدْ تَرَكُوا الْمَوْقِفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ ثُمَّ يُصْبِحُ مَعَ قَوْمِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَيَقِفُ مَعَهُمْ وَيَدْفَعُ إِذَا دَفَعُوا. وَلَفْظُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مُخْتَصَرًا وَفِيهِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ لَهُ. وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ أَيْضًا عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ حِمَارًا لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَجَدْتُهُ بِعَرَفَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ وَفَّقَهُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْحُمْسِ فَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي: غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَنْ كَانَ يَأْخُذُ مَأْخَذَهَا مِنَ الْقَبَائِلِ كَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَخُزَاعَةَ وَثَقِيفٍ وَغَزْوَانَ وَبَنِي عَامِرٍ وَبَنِي صَعْصَعَةَ وَبَنِي كِنَانَةَ إِلَّا بَنِي بَكْرٍ وَالْأَحْمَسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ وَسُمُّوا بِذَلِكَ لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمًا وَلَا يَضْرِبُونَ وَبَرًا وَلَا شَعْرًا وَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ وَضَعُوا ثِيَابَهُمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَدَنِيِّ قَالَ: سُمُّوا حُمْسًا بِالْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا حَمْسَاءُ حَجَرُهَا أَبْيَضُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ. انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَأَنَّهُ مِنَ التَّحَمُّسِ وَهُوَ التَّشَدُّدُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: تَحَمَّسَ تَشَدَّدَ وَمِنْهُ حَمِسَ الْوَغَى إِذَا اشْتَدَّ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ رِوَايَةَ جُبَيْرٍ لَهُ لِذَلِكَ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْرٌ وَهُوَ نَظِيرُ رِوَايَتِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْرٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ التَّعَقُّبَ عَلَى السُّهَيْلِيِّ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ رِوَايَةَ جُبَيْرٍ لِذَلِكَ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: انْظُرْ كَيْفَ أَنْكَرَ جُبَيْرٌ هَذَا وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ عَتَّابٌ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَبُو بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ ثُمَّ قَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَا وَقَفَا بِجَمْعٍ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جُبَيْرٌ لَمْ يَشْهَدْ
مَعَهُمَا الْمَوْسِمَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقْفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ وَكَانَ جُبَيْرٌ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَإِنْ كَانَ سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ إِنْكَارًا أَوْ تَعَجُّبًا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وَإِنْ كَانَ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ حِكْمَةِ الْمُخَالَفَةِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْحُمْسُ فَلَا إِشْكَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْفَةٌ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْتُهُ قَبْلُ بِدَلَائِلِهِ وَكَأَنَّهُ تَبِعَ السُّهَيْلِيَّ فِي ظَنِّهِ أَنَّهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ أَوْ وَقَعَ لَهُ اتِّفَاقًا.
وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَةَ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّهَا الْإِفَاضَةُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ بِلَفْظَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ الَّتِي سِيقَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لِمَا وَرَدَ مِنْهُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُشْرَعُ الْإِفَاضَةُ مِنْهُ فَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا أَفَضْتُمُ اذْكُرُوا ثُمَّ لِتَكُنْ إِفَاضَتُكُمْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ لَا مِنْ حَيْثُ كَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ أَوِ التَّقْدِيرُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَهُ وَلْتَكُنْ إِفَاضَتُكُمْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُفِيضُ فِيهِ النَّاسُ غَيْرُ الْحُمْسِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي:
قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) زَادَ مَعْمَرٌ وَكَانَ مِمَّنْ وَلَدَتْ قُرَيْشٌ خُزَاعَةُ وَبَنُو كِنَانَةَ وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثَرِ مُجَاهِدٍ أَنَّ مِنْهُمْ أَيْضًا غَزْوَانَ وَغَيْرَهُمْ، وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا خَطَبَ إِلَيْهِمُ الْغَرِيبُ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنَّ وَلَدَهَا عَلَى دِينِهِمْ فَدَخَلَ فِي الْحُمْسِ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ ثَقِيفٌ وَلَيْثٌ وَخُزَاعَةُ وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يَعْنِي وَغَيْرَهُمْ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْقَبَائِلِ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْ أُمَّهَاتِهِ قُرَيْشِيَّةٌ لَا جَمِيعُ الْقَبَائِلِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي أَبِي) الْقَائِلُ هُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْمَوْصُولُ مِنَ الْحَدِيثِ هَذَا الْقَدْرُ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا. وَقَوْلُهُ فَدَفَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَرَفَعُوا بِالرَّاءِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى عَرَفَاتٍ لِيَقِفُوا بِهَا ثُمَّ يُفِيضُوا مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ جُبَيْرٍ سَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ الطَّوَافِ عُرْيَانًا فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ وَعُرِفَ بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفِيضُوا﴾ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ لَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇، وَعَنْهُ الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ، وَعَنْ غَيْرِهِ آدَمُ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ: النَّاسِي بِكَسْرِ السِّينِ بِوَزْنِ الْقَاضِي، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. نَعَمِ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ مَوْرُوثٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِعَرَفَةَ، فَأَتَانَا ابْنُ مريعٍ فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، يَقُولُ لَكُمْ: كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ، الْحَدِيثَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ خَاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بَلْ هُوَ الْأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا حَكَتْهُ عَائِشَةُ ﵂.
وَأَمَّا الْإِتْيَانُ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) فَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ، وَقِيلَ: لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، لَا لِمَحْضِ التَّرْتِيبِ، وَالْمَعْنَى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ اجْعَلُوا الْإِفَاضَةَ الَّتِي تُفِيضُونَهَا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، لَا مِنْ حَيْثُ كُنْتُمْ تُفِيضُونَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَوْقِعُ (ثُمَّ) هُنَا مَوْقِعُهَا مِنْ قَوْلِكَ أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ، ثُمَّ لَا تُحْسِنْ إِلَى غَيْرِ كَرِيمٍ. فَتَأْتِي (ثُمَّ) لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْكَرِيمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ بَيَّنَ لَهُمْ مَكَانَ الْإِفَاضَةِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«حديث مالكٍ» أي: المذكور قبل «يُذكَر هنا، ولكنِّي لا أُريد أن أدخل فيه» أي: في هذا «الجامع» «مُعَادًا» بضمِّ الميم، أي: مُكرَّرًا، فإن وقع ما يوهم التَّكرار فتأمَّله تجدْه لا يخلو من فوائد إسناديَّةٍ أو متنيَّةٍ؛ كتقييد مُهمَلٍ أو تفسير مُبهَمٍ أو زيادةٍ لا بدَّ منها، ونحو ذلك ممَّا يقف عليه من تتَّبع هذا الكتاب، وما وقع له ممَّا سوى ذلك فبغير قصدٍ، وهو نادر الوقوع. ووقع في نسخة الصَّغانيِّ: «يدخل في هذا الباب هذا الحديث» حديث مالكٍ عن ابن شهابٍ «ولكنِّي أريد أن أدخل فيه غير مُعادٍ» والحاصل من ذلك أنَّه قال: زيادة الحديث المذكور كانت مناسِبةً أن تدخل في «باب التَّعجيل إلى الموقف» ولكنِّي ما أدخلته فيه (١) لأنِّي ما أدخلت فيه مُكرَّرًا إلَّا لفائدةٍ، وكأنَّه لم يظفر بطريقٍ آخر فيه غير الطَّريقين المذكورين (٢) فلذا لم يُدِخله، وفي «الكِرمانيِّ»: وقال أبو عبد الله: يُزاد في هذا الباب هَمْ هذا الحديث؛ بفتح هاء «هَمْ» وسكون ميمها، قِيلَ: إنَّها فارسيَّةٌ، وقِيلَ: عربيَّةٌ، ومعناها قريبٌ من معنى: «أيضًا». انتهى.
(٩١) (بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) دون غيرها من الأماكن.
١٦٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمِّ الجيم (٣) وفتح المُوحَّدة، و «مُطعِمٍ»: بضمِّ الميم وكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه قَالَ: (كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي). قال
البخاريُّ: «ح»: (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن مطعمٍ» (عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا) أي: أضعته أو ذهب هو، زاد إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده»: في الجاهليَّة، وزاد المؤلِّف في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «لي» (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) أي: في يوم عرفة، متعلِّقٌ بـ «أضللتُ» (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ) قال جُبَيرٌ: (فَقُلْتُ: هَذَا) أي (١): النَّبيُّ ﷺ (وَاللهِ مِنَ الحُمْسِ) بحاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ وميمٍ ساكنةٍ، قال في «القاموس»: والحُمْس: الأمكنة الصُّلبة، جمع: أَحْمَسَ، وبه لُقِّبت (٢) قريشٌ وكنانة وجَديلة ومَنْ تابعهم لتحمُّسهم في دينهم، أو لالتجائهم للحمساء؛ وهي الكعبة لأنَّ حجرها أبيض يميل (٣) إلى السَّواد. انتهى.
وهذا الأخير رواه إبراهيم الحربيُّ (٤) في «غريب الحديث» من طريق عبد العزيز بن عمر (٥)، والأوَّل أكثر وأشهر، وقال ابن إسحاق: كانت قريشٌ -لا أدري قبل الفيل أو بعده- ابتدعت أمر الحُمْس رأيًا، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرُّون أنَّها من المشاعر والحجِّ إلَّا أنَّهم قالوا: نحن أهل الحرم ونحن الحُمْس، والحُمْسُ أهل الحرم، قالوا (٦): ولا ينبغي للحُمْس أن يتأقَّطوا الأقط ولا يسلوا (٧) السَّمن وهم حرمٌ، ولا يدخلوا بيتًا من شعرٍ، ولا يستظلُّوا -إن استظلُّوا (٨) - إلَّا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثمَّ قالوا: لا ينبغي لأهل الحلِّ أن يأكلوا من طعامٍ جاؤوا به معهم من الحلِّ إلى الحرم إذا جاؤوا حجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أوَّل طوافهم إلَّا في ثياب الحُمْس.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
باب التعجيل إلى الوقوف
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعْجِيلِ إِلَى الْمَوْقِفِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بِغَيْرِ حَدِيثٍ وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَصْلًا، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا مَا لَفْظُهُ يَدْخُلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ عَنْ سَالِمٍ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا - وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ فِيهِ غَيْرَ مُعَادٍ يَعْنِي حَدِيثًا لَا يَكُونُ تَكَرَّرَ كُلُّهُ سَنَدًا وَمَتْنًا. قُلْتُ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ أَصْلَ قَصْدِهِ أَنْ لَا يُكَرَّرَ، فَيُحْمَلَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَكْرَارِ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ هُنَاكَ مُغَايَرَةٌ إِمَّا فِي السَّنَدِ وَإِمَّا فِي الْمَتْنِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مُعَادًا وَلَا مُكَرَّرًا، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ لَكِنِ اخْتَصَرَ مِنَ الْمَتْنِ شَيْئًا أَوْ أَوْرَدَهُ فِي مَوْضِعٍ مَوْصُولًا وَفِي مَوْضِعٍ مُعَلَّقًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ لَمْ يُخَالِفْهَا إِلَّا فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ مَعَ طُولِ الْكِتَابِ إِذَا بَعُدَ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ بُعْدًا شَدِيدًا.
وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ: يُزَادُ فِي هَذَا الْبَابِ هَمْ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ شِهَابٍ وَلَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ فِيهِ مُعَادًا أَيْ مُكَرَّرًا. قُلْتُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ طَرِيقٌ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ الطَّرِيقَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعِيدُ حَدِيثًا إِلَّا لِفَائِدَةٍ إِسْنَادِيَّةٍ أَوْ مَتْنِيَّةٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي نَقَلَهَا الْكِرْمَانِيُّ هَمْ فَهِيَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ: إِنَّهَا فَارِسِيَّةٌ وَقِيلَ عَرَبِيَّةٌ وَمَعْنَاهَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى أَيْضًا. قُلْتُ: صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ بِبَغْدَادَ بِأَنَّهَا لَفْظَةٌ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ بَغْدَادَ وَلَيْسَتْ بِفَارِسِيَّةٍ وَلَا هِيَ عَرَبِيَّةٌ قَطْعًا، وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الصَّغَانِيِّ فِي نُسْخَتِهِ الَّتِي أَتْقَنَهَا وَحَرَّرَهَا - وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ - خُلُوَّ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ.
٩١ - بَاب الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي. . . وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو وسَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ مِنْ الْحُمْسِ فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا؟
١٦٦٥ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ "كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلاَّ الْحُمْسَ وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ وَكَانَتْ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الْحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَيُفِيضُ الْحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ"
[الحديث ١٦٦٥ - طرفه في: ٤٥٢٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) أَيْ دُونَ غَيْرِهَا فِيمَا دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا.
وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (أَضْلَلْتُ بَعِيرًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِي كَمَا فِي الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي يَوْمَ عَرَفَةَ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ يَتَعَلَّقُ بِأَضْلَلْتُ، فَإِنَّ جُبَيْرًا إِنَّمَا جَاءَ إِلَى عَرَفَةَ لِيَطْلُبَ بِعِيرَهُ لَا لِيَقِفَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْحُمْسِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَمَا شَأْنُهُ هَاهنا؟) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُوهِمُ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ، بَيَّنَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مَا شَأْنُهُ هَاهُنَا، قَالَ سُفْيَانُ وَالْأَحْمَسُ الشَّدِيدُ عَلَى دِينِهِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمَّى الْحُمْسَ وَكَانَ الشَّيْطَانُ قَدِ اسْتَهْوَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ إِنْ عَظَّمْتُمْ غَيْرَ حَرَمِكُمُ اسْتَخَفَّ النَّاسُ بِحَرَمِكُمْ فَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا لَهُ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ قَالَ سُفْيَانُ الْحُمْسُ يَعْنِي قُرَيْشًا وَكَانَتْ تُسَمَّى الْحُمْسَ وَكَانَتْ لَا تُجَاوِزُ الْحَرَمَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ لَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ وَكَانَ سَائِرُ النَّاسِ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. انْتَهَى. وَعُرِفَ بِهَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ مَعْنَى حَدِيثِ جُبَيْرٍ وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُمَا اسْتِغْنَاءً بِالرِّوَايَةِ عَنْ عُرْوَةَ لَكِنَّ فِي سِيَاقِ سُفْيَانَ فَوَائِدَ زَائِدَةً.
وَقَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِنَّمَا تَدْفَعُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْحُمْسُ فَلَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ وَقَدْ تَرَكُوا الْمَوْقِفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ ثُمَّ يُصْبِحُ مَعَ قَوْمِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَيَقِفُ مَعَهُمْ وَيَدْفَعُ إِذَا دَفَعُوا. وَلَفْظُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مُخْتَصَرًا وَفِيهِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ لَهُ. وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ أَيْضًا عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ حِمَارًا لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَجَدْتُهُ بِعَرَفَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ وَفَّقَهُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْحُمْسِ فَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي: غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَنْ كَانَ يَأْخُذُ مَأْخَذَهَا مِنَ الْقَبَائِلِ كَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَخُزَاعَةَ وَثَقِيفٍ وَغَزْوَانَ وَبَنِي عَامِرٍ وَبَنِي صَعْصَعَةَ وَبَنِي كِنَانَةَ إِلَّا بَنِي بَكْرٍ وَالْأَحْمَسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ وَسُمُّوا بِذَلِكَ لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمًا وَلَا يَضْرِبُونَ وَبَرًا وَلَا شَعْرًا وَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ وَضَعُوا ثِيَابَهُمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَدَنِيِّ قَالَ: سُمُّوا حُمْسًا بِالْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا حَمْسَاءُ حَجَرُهَا أَبْيَضُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ. انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَأَنَّهُ مِنَ التَّحَمُّسِ وَهُوَ التَّشَدُّدُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: تَحَمَّسَ تَشَدَّدَ وَمِنْهُ حَمِسَ الْوَغَى إِذَا اشْتَدَّ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ رِوَايَةَ جُبَيْرٍ لَهُ لِذَلِكَ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْرٌ وَهُوَ نَظِيرُ رِوَايَتِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ جُبَيْرٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ التَّعَقُّبَ عَلَى السُّهَيْلِيِّ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ رِوَايَةَ جُبَيْرٍ لِذَلِكَ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: انْظُرْ كَيْفَ أَنْكَرَ جُبَيْرٌ هَذَا وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ عَتَّابٌ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَبُو بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ ثُمَّ قَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَا وَقَفَا بِجَمْعٍ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جُبَيْرٌ لَمْ يَشْهَدْ
مَعَهُمَا الْمَوْسِمَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقْفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ وَكَانَ جُبَيْرٌ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَإِنْ كَانَ سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ إِنْكَارًا أَوْ تَعَجُّبًا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وَإِنْ كَانَ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ حِكْمَةِ الْمُخَالَفَةِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْحُمْسُ فَلَا إِشْكَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْفَةٌ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْتُهُ قَبْلُ بِدَلَائِلِهِ وَكَأَنَّهُ تَبِعَ السُّهَيْلِيَّ فِي ظَنِّهِ أَنَّهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ أَوْ وَقَعَ لَهُ اتِّفَاقًا.
وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَةَ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّهَا الْإِفَاضَةُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ بِلَفْظَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ الَّتِي سِيقَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لِمَا وَرَدَ مِنْهُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُشْرَعُ الْإِفَاضَةُ مِنْهُ فَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا أَفَضْتُمُ اذْكُرُوا ثُمَّ لِتَكُنْ إِفَاضَتُكُمْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ لَا مِنْ حَيْثُ كَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ أَوِ التَّقْدِيرُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَهُ وَلْتَكُنْ إِفَاضَتُكُمْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُفِيضُ فِيهِ النَّاسُ غَيْرُ الْحُمْسِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي:
قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) زَادَ مَعْمَرٌ وَكَانَ مِمَّنْ وَلَدَتْ قُرَيْشٌ خُزَاعَةُ وَبَنُو كِنَانَةَ وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثَرِ مُجَاهِدٍ أَنَّ مِنْهُمْ أَيْضًا غَزْوَانَ وَغَيْرَهُمْ، وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا خَطَبَ إِلَيْهِمُ الْغَرِيبُ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنَّ وَلَدَهَا عَلَى دِينِهِمْ فَدَخَلَ فِي الْحُمْسِ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ ثَقِيفٌ وَلَيْثٌ وَخُزَاعَةُ وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يَعْنِي وَغَيْرَهُمْ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْقَبَائِلِ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْ أُمَّهَاتِهِ قُرَيْشِيَّةٌ لَا جَمِيعُ الْقَبَائِلِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي أَبِي) الْقَائِلُ هُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْمَوْصُولُ مِنَ الْحَدِيثِ هَذَا الْقَدْرُ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا. وَقَوْلُهُ فَدَفَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَرَفَعُوا بِالرَّاءِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى عَرَفَاتٍ لِيَقِفُوا بِهَا ثُمَّ يُفِيضُوا مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ جُبَيْرٍ سَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ الطَّوَافِ عُرْيَانًا فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ وَعُرِفَ بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفِيضُوا﴾ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ لَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇، وَعَنْهُ الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ، وَعَنْ غَيْرِهِ آدَمُ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ: النَّاسِي بِكَسْرِ السِّينِ بِوَزْنِ الْقَاضِي، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. نَعَمِ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ مَوْرُوثٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِعَرَفَةَ، فَأَتَانَا ابْنُ مريعٍ فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، يَقُولُ لَكُمْ: كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ، الْحَدِيثَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ خَاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بَلْ هُوَ الْأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا حَكَتْهُ عَائِشَةُ ﵂.
وَأَمَّا الْإِتْيَانُ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) فَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ، وَقِيلَ: لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، لَا لِمَحْضِ التَّرْتِيبِ، وَالْمَعْنَى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ اجْعَلُوا الْإِفَاضَةَ الَّتِي تُفِيضُونَهَا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، لَا مِنْ حَيْثُ كُنْتُمْ تُفِيضُونَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَوْقِعُ (ثُمَّ) هُنَا مَوْقِعُهَا مِنْ قَوْلِكَ أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ، ثُمَّ لَا تُحْسِنْ إِلَى غَيْرِ كَرِيمٍ. فَتَأْتِي (ثُمَّ) لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْكَرِيمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ بَيَّنَ لَهُمْ مَكَانَ الْإِفَاضَةِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«حديث مالكٍ» أي: المذكور قبل «يُذكَر هنا، ولكنِّي لا أُريد أن أدخل فيه» أي: في هذا «الجامع» «مُعَادًا» بضمِّ الميم، أي: مُكرَّرًا، فإن وقع ما يوهم التَّكرار فتأمَّله تجدْه لا يخلو من فوائد إسناديَّةٍ أو متنيَّةٍ؛ كتقييد مُهمَلٍ أو تفسير مُبهَمٍ أو زيادةٍ لا بدَّ منها، ونحو ذلك ممَّا يقف عليه من تتَّبع هذا الكتاب، وما وقع له ممَّا سوى ذلك فبغير قصدٍ، وهو نادر الوقوع. ووقع في نسخة الصَّغانيِّ: «يدخل في هذا الباب هذا الحديث» حديث مالكٍ عن ابن شهابٍ «ولكنِّي أريد أن أدخل فيه غير مُعادٍ» والحاصل من ذلك أنَّه قال: زيادة الحديث المذكور كانت مناسِبةً أن تدخل في «باب التَّعجيل إلى الموقف» ولكنِّي ما أدخلته فيه (١) لأنِّي ما أدخلت فيه مُكرَّرًا إلَّا لفائدةٍ، وكأنَّه لم يظفر بطريقٍ آخر فيه غير الطَّريقين المذكورين (٢) فلذا لم يُدِخله، وفي «الكِرمانيِّ»: وقال أبو عبد الله: يُزاد في هذا الباب هَمْ هذا الحديث؛ بفتح هاء «هَمْ» وسكون ميمها، قِيلَ: إنَّها فارسيَّةٌ، وقِيلَ: عربيَّةٌ، ومعناها قريبٌ من معنى: «أيضًا». انتهى.
(٩١) (بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) دون غيرها من الأماكن.
١٦٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمِّ الجيم (٣) وفتح المُوحَّدة، و «مُطعِمٍ»: بضمِّ الميم وكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه قَالَ: (كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي). قال
البخاريُّ: «ح»: (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن مطعمٍ» (عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا) أي: أضعته أو ذهب هو، زاد إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده»: في الجاهليَّة، وزاد المؤلِّف في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «لي» (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) أي: في يوم عرفة، متعلِّقٌ بـ «أضللتُ» (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ) قال جُبَيرٌ: (فَقُلْتُ: هَذَا) أي (١): النَّبيُّ ﷺ (وَاللهِ مِنَ الحُمْسِ) بحاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ وميمٍ ساكنةٍ، قال في «القاموس»: والحُمْس: الأمكنة الصُّلبة، جمع: أَحْمَسَ، وبه لُقِّبت (٢) قريشٌ وكنانة وجَديلة ومَنْ تابعهم لتحمُّسهم في دينهم، أو لالتجائهم للحمساء؛ وهي الكعبة لأنَّ حجرها أبيض يميل (٣) إلى السَّواد. انتهى.
وهذا الأخير رواه إبراهيم الحربيُّ (٤) في «غريب الحديث» من طريق عبد العزيز بن عمر (٥)، والأوَّل أكثر وأشهر، وقال ابن إسحاق: كانت قريشٌ -لا أدري قبل الفيل أو بعده- ابتدعت أمر الحُمْس رأيًا، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرُّون أنَّها من المشاعر والحجِّ إلَّا أنَّهم قالوا: نحن أهل الحرم ونحن الحُمْس، والحُمْسُ أهل الحرم، قالوا (٦): ولا ينبغي للحُمْس أن يتأقَّطوا الأقط ولا يسلوا (٧) السَّمن وهم حرمٌ، ولا يدخلوا بيتًا من شعرٍ، ولا يستظلُّوا -إن استظلُّوا (٨) - إلَّا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثمَّ قالوا: لا ينبغي لأهل الحلِّ أن يأكلوا من طعامٍ جاؤوا به معهم من الحلِّ إلى الحرم إذا جاؤوا حجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أوَّل طوافهم إلَّا في ثياب الحُمْس.