«أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤٢

الحديث رقم ١٥٤٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما لا يلبس المحرم من الثياب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم…

«أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، أَوْ وَرْسٌ».

سند حديث: ١٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

١٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رجلا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم…

قد عرف الصحابة رضي الله عنهم أن للإحرام هيئة تخالف هيئة الإحلال، ولذا سأل رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء المباحة، التي يلبسها المحرم.
ولمّا كان من اللائق أن يكون السؤال عن الأشياء التي يجتنبها، لأنها معدودة قليلة وقد أُعْطِي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم أجابه ببيان الأشياء التي يجتنبها المحرم ويبقى ما عداها على أصل الحل، وبهذا يحصل العلم الكثير.
فأخذ صلى الله عليه وسلم يَعُدُّ عليه ما يحرم على الرجل المحرم من اللباس، منبها بكل نوع منها على ما شابهه من أفراده، فقال:
لا يلبس القميص، وكل ما فُصِّل وَخِيطَ على قدر البدن، ولا العمائم، والبرانس، وكل ما يغطى به الرأس، ملاصقاً له، ولا السراويل، وكل ما غطي به -ولو عضواً- كالقفازين ونحوهما، مخيطاً أو مُحِيطاً، ولا الخفاف ونحوهما، مما يجعل بالرجلين ساترين للكعبين، من قطن أو صوف، أو جلد أو غير ذلك.
فمن لم يجد وقت إحرامه نعلين، فَلْيَلْبَسْ الخفين ولْيَقْطَعْهُما من أسفل الكعبيِن، ليكونا على هيئة النعلين.
ثم زاد صلى الله عليه وسلم فوائد لم تكن في السؤال، وإنما المقام يقتضيها، فَبيَّن ما يحرم على المحرم مطلقاً من ذكر وأنثى، فقال:
ولا يلبس شيئاً من الثياب، أو غيرها مَخِيطاً أو غير مخيط، إذا كان مُطَيَّباً بالزعفران أو الورس، منبهاً بذلك على اجتناب أنواع الطيب.
ثم بيَّن ما يجب على المرأة، من تحريم تغطية وجهها وإدخال كفيها فيما يسترهما، فقال: "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين".

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن السؤال ينبغي أن يكون متوجهاً إلى المقصود علمه.
  • جواز الجهر بالسؤال في المسجد للمصلحة.
  • ينبغي للمسئول، إذا رأى السؤال غير ملائم أن يعدله ويقيمه إلى المعنى المطلوب، ويضرب صفحاً عن السؤال.
  • أن الأشياء التي يجتنبها المحرم من الملابس قليلة معدودة، وأما الأشياء المباحة فهي كثيرة، ولهذا المعنى صرف النبي -صلى الله عليه وسلم- سؤال السائل عن ما يلبسه المحرم إلى بيان ما لا يلبسه.
  • بلاغة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحسن جوابه.
  • منع المحرم من لبس القميص والعمائم والسَّرَاوِيلاَتِ، والبَرَانِسَ، والخِفَافَ ويبقى ما عداها على أصل الحل.
  • نبَّه عليه الصلاة والسلام بالقميص والسراويل على كلِّ مَخِيط، وبالعمائم، والبَرَانِسَ على كلِّ ما يغطِّي الرأس، وبالخِفَاف على كلِّ ما يستر الرجل.
  • تحريم هذه الأشياء الملبوسة خاصة بالرجُل، وأمَّا المرأة، فيباح لها لبُس المخيط وتغطية الرأس.
  • أن الممنوع لبس هذه الأنواع على هيئتها، فلو استعملها بغير لُبس مثل أن يرتدي بالقميص فلا بأس به.
  • منع المحرم من لبس الثياب المطيبة بالزَعْفَرَان، أو وَرْس، ويقاس عليهما بقية أنواع الطيب.
  • تحريم تغطية المرأة وجهها، لأن إحرامها فيه. وتحريم لبس القُفَازَين، على الذكر والأنثى.
  • جواز لبس الخُفَين لعادم النَعلين، إذا قطعهما أسفل من الكعبين.
  • حكمة التشريع الإسلامي بتخصيص لباس واحد.
  • يسر الشريعة الإسلامية.
  • حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على العلم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رجلا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَبَّاسٍ: عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ في إِهْلَالِهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْجَبَ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا، فَسَمِعَ مِنْهُ قَوْمٌ فَحَفِظُوهُ، ثُمَّ رَكِبَ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَسَمِعُوهُ حِينَ ذَاكَ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا عَلَا شَرَفَ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوهُ، فَنَقَلَ كُلُّ أَحَدٍ مَا سَمِعَ، وَإِنَّمَا كَانَ إِهْلَالُهُ فِي مُصَلَّاهُ وَأيْمُ اللَّهِ، ثُمَّ أَهَلَّ ثَانِيًا وَثَالِثًا. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ دُونَ الْقِصَّةِ، فَعَلَى هَذَا فَكَانَ إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَنْ يَخُصُّ الْإِهْلَالَ بِالْقِيَامِ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ.

(فَائِدَةٌ): الْبَيْدَاءُ هَذِهِ فَوْقَ عِلْمِي ذِي الْحُلَيْفَةِ لِمَنْ صَعَدَ مِنَ الْوَادِي، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَغَيْرُهُ.

٢١ - بَاب مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ

١٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ) الْمُرَادُ بِالْمُحْرِمِ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قَرَنَ، وَحَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يَسْتَشْكِلُ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ؛ يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ النِّيَّةُ، لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْإِحْرَامُ رُكْنُهُ، وَشَرْطُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، وَيُعْتَرَضُ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ التَّلْبِيَةُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا، وَكَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ، انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَجْمُوعُ الصِّفَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تَجَرُّدٍ وَتَلْبِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ التَّلْبِيَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْغَرَضِ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ. وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ: مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا. وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُمَا. نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ؛ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ. وَأَشَارَ نَافِعٌ إِلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّهُ خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَجَابَ بِهِ السَّائِلُ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ابْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ. . . إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزْلِهِ، لِأَنَّ مَا لَا يُلْبَسُ مُنْحَصِرٌ، فَحَصَلَ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ، فَقَالَ:

لَا يَلْبَسُ كَذَا؛ أَيْ وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ، انْتَهَى.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: سُئِلَ عَمَّا يُلْبَسُ فَأَجَابَ بِمَا لَا يُلْبَسُ لِيَدُلَّ بِالِالْتِزَامِ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى مَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ أَخْصَرَ وَأَحْصَرَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَقَّ السُّؤَالِ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْعَارِضُ فِي الْإِحْرَامِ الْمُحْتَاجُ لِبَيَانِهِ، إِذِ الْجَوَازُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ مَعْلُومٌ بِالِاسْتِصْحَابِ، فَكَانَ الْأَلْيَقُ السُّؤَالَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا يُشْبِهُ أُسْلُوبَ الْحَكِيمِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الْآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ جِنْسِ الْمُنْفَقِ، وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ إِلَى ذِكْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَهَمُّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَيْفَ كَانَ، وَلَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ، انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى سِيَاقِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ؛ وَهِيَ شَاذَّةٌ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ لَا عَلَى نَافِعٍ، وَرَوَاهُ سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ فَقَالَ مَرَّةً: مَا يَتْرُكُ، وَمَرَّةً: مَا يَلْبَسُ.

وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ نَافِعٍ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، فَاسْتَقَامَتْ رِوَايَةُ نَافِعٍ لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَاتَّجَهَ الْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ. وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّ هَذَا مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِمَا يَحْصُرُ أَنْوَاعَ مَا لَا يُلْبَسُ، كَأَنْ يُقَالَ: مَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ وَلَا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ كَالْقَمِيصِ أَوْ بَعْضِهِ كَالسَّرَاوِيلِ أَوِ الْخُفِّ، وَلَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ أَصْلًا، وَلَا يَلْبَسُ مَا مَسَّهُ طِيبٌ كَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ ذِكْرُ الْمُهِمِّ وَهُوَ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَيُوجِبُ الْفِدْيَةَ.

قَوْلُهُ: (الْمُحْرِمُ) أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الرَّجُلُ، وَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَإِنَّمَا تَشْتَرِكُ مَعَ الرَّجُلِ فِي مَنْعِ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ اللَّيْثِ الْآتِي فِي آخِرِ الْحَجِّ: لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَلْبَسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَرُوِيَ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، قَالَ عِيَاضٌ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ، وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى كُلِّ مَخِيطٍ، وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ مَا يُغَطَّى الرَّأْسُ بِهِ مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ، وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ مَا يَسْتُرُ الرِّجْلُ، انْتَهَى. وَخَصَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْإِجْمَاعَ الثَّانِي بِأَهْلِ الْقِيَاسِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَالْمُرَادُ بِتَحْرِيمِ الْمَخِيطِ مَا يُلْبَسُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ، فَأَمَّا لَوِ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ مَثَلًا فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْعِمَامَةَ وَالْبُرْنُسَ مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ، قَالَ: وَمِنَ النَّادِرِ الْمِكْتَلُ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عَلَى رَأْسِهِ كَلَابِسِ الْقُبَعِ صَحَّ مَا قَالَ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ وَضْعِهِ عَلَى رَأْسِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْحَامِلِ لِحَاجَتِهِ لَا يَضُرُّ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَمِمَّا لَا يَضُرُّ أَيْضًا الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا، وَكَذَا سَتْرُ الرَّأْسِ بِالْيَدِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أَحَدٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَحَدٍ فِي الْإِثْبَاتِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ إِلَّا إِنْ كَانَ يَعْقُبُهُ نَفْيٌ.

قَوْلُهُ: (لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ زِيَادَةً حَسَنَةً تُفِيدُ ارْتِبَاطَ ذِكْرِ النَّعْلَيْنِ بِمَا سَبَقَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَلَى أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ

الْمَقْطُوعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ صَارَا كَالنَّعْلَيْنِ جَازَ، وَإِلَّا مَتَى سَتَرَا مِنْ ظَاهِرِ الرِّجْلِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِلْفَاقِدِ. وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ؛ إِمَّا لِفَقْدِهِ، أَوْ تَرْكِ بَذْلِ الْمَالِكِ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنِ الثَّمَنِ إِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ أَوِ الْأُجْرَةُ، وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ إِلَّا إِنْ أُعِيرَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَلْبَسْ) ظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّهُ لَمَّا شُرِعَ لِلتَّسْهِيلِ لَمْ يُنَاسِبِ التَّثْقِيلَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلرُّخْصَةِ.

قَوْلُهُ: (وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ: حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ. وَالْمُرَادُ كَشْفُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ؛ وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَيؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا اضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إِلَى الْخُفَّيْنِ خَرَقَ ظُهُورَهُمَا وَتَرَكَ فِيهِمَا قَدْرَ مَا يَسْتَمْسِكُ رِجْلَاهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الْكَعْبُ هُنَا هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنْ مُحَمَّدٍ، وأنَّ السَّبَبَ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ، فَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَنَقَلَهُ هِشَامٌ إِلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ، وَبِهَذَا يُتَعَقَّبُ عَلَى مَنْ نَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، كَابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْكَعْبَ هُوَ الشَّاخِصُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ - أَنْ يَكُونَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ - أَنَّ الْكَعْبَ عَظْمٌ مُسْتَدِيرٌ تَحْتَ عَظْمِ السَّاقِ حَيْثُ مَفْصِلُ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ قَدَمٍ كَعْبَيْنِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ بِلَفْظِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهَا هُنَا. وَأَجَابَ الْحَنَابِلَةُ بِأَشْيَاءَ؛ مِنْهَا دَعْوَى النَّسْخِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَهُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَهُ، وَقَالَ: انْظُرُوا أَيُّ الْحَدِيثَيْنِ قُبِلَ، ثُمَّ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ. وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا فِي الْأُمِّ فَقَالَ: كِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ، وَزِيَادَةُ ابْنِ عُمَرَ لَا تُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَزَبَتْ عَنْهُ أَوْ شَكَّ، أَوْ قَالَهَا فَلَمْ يَقُلْهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ، انْتَهَى.

وَسَلَكَ بَعْضُهُمُ التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ، انْتَهَى. وَهُوَ تَعْلِيلٌ مَرْدُودٌ، بَلْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ. عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا؛ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ بِإِسْنَادٍ وُصِفَ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ الْأَسَانِيدِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ نَافِعٌ، وَسَالِمٌ، بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَأْتِ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ، حَتَّى قَالَ الْأَصِيلِيُّ: إِنَّهُ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مَوْصُوفٌ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّرَاوِيلِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عَطَاءٍ: إِنَّ الْقَطْعَ فَسَادٌ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ) الرَّجل (المُحْرِمُ) قارنًا أو مفردًا أو متمتِّعًا (مِنَ الثِّيَابِ؟) وعند البيهقيِّ: أنَّ ذلك وقع والنَّبيُّ يخطب في مُقدَّم مسجد المدينة، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند المؤلِّف في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٤٣]: أنَّه خطب بذلك في عرفاتٍ، فيُحمَل على التَّعدُّد (قَالَ رَسُولُ اللهِ ) مجيبًا له: (لَا يَلْبَسُِ القُمُصَ) بضمِّ القاف والميم بالجمع، و «يلبسُ» بالرَّفع، وهو الأشهر على الخبر عن حكم الله؛ إذ هو جواب السُّؤال، أو خبرٌ بمعنى النَّهي، وبالجزم على النَّهي، وكُسِر لالتقاء السَّاكنين، فإن قلت: السُّؤال وقع عمَّا يجوز لبسه، والجواب وقع عمَّا لا يجوز لبسه، فما الحكمة فيه؟ أُجيب بأنَّ الجواب بما لا يجوز لبسه أحصر وأخصر ممَّا يجوز، فَذِكْرُه أَوْلى؛ إذ هو قليلٌ، ويُفهَم منه ما يُباح، فتحصل المطابقة بين الجواب والسُّؤال بالمفهوم، وقِيلَ: كان الأليق السُّؤال عن الذي لا يُباح، إذ الإباحة الأصل ولذا أجاب بذلك تنبيهًا للسَّائل على الأليق، ويُسمَّى مِثلُ ذلك: أسلوب الحكيم؛ نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ … الآية [البقرة: ١٨٩] فإنَّهم سألوا عن حكمة اختلاف القمر؛ حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا ثمَّ يزيد ثمَّ ينقص؟ فأجابهم بأنَّ الحكمة الظَّاهرة في ذلك أن تكون معالم للنَّاس يوقِّتون بها أمورهم، ومعالم

للعبادات المُوقَّتة، تُعرَف بها أوقاتها، وخصوصًا الحجُّ فبيَّن فساد سؤالهم؛ وهو أنَّه كان ينبغي أن يسألوا عمَّا ينفعهم في دينهم، ولا يسألوا عمَّا لا حاجة لهم في السُّؤال عنه، نعم المطابقة واقعةٌ بين السُّؤال والجواب على إحدى الرِّوايتين، فقد رواه أبو عَوانة من طريق ابن جريجٍ عن نافعٍ بلفظ: ما يترك المُحرِم؟ وهي شاذَّةٌ، والاختلاف فيها على ابن جريجٍ لا على نافعٍ، ورواه سالمٌ عن أبيه عند أحمد، وابن خزيمة وأبي عَوانة في «صحيحيهما» بلفظ: أنَّ رجلًا قال: ما يجتنب المُحرِم من الثِّياب؟ وأخرجه أحمد عن ابن عيينة عن الزُّهريِّ، فقال مرَّةً: ما يترك؟ ومرَّةً: ما يلبس؟ وأخرجه المؤلِّف في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٤٢] من طريق إبراهيم بن سعدٍ عن الزُّهريِّ بلفظ نافعٍ، فالاختلاف فيه على الزُّهريِّ يُشعِر بأنَّ بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافعٍ لعدم الاختلاف عليه فيها، واتَّجه البحث المتقدِّم فيها، قاله في «فتح الباري». ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لا يلبس القميص» بالإفراد (وَلَا العَمَائِمَ) جمع عمامةٍ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سروالٍ فارسيٌّ مُعرَّبٌ، والسَّراوين -بالنُّون- لغةٌّ، والشّروال (١) بالشِّين المعجمة (٢) لغةٌ (وَلَا البَرَانِسَ) جمع بُرنُسٍ؛ بضمِّ النُّون، قال في القاموس: البُرْنُس -بالضَّمِّ (٣) -: قلنسوةٌ طويلةٌ، أو كلُّ ثوبٍ رأسُه منه، دُرَّاعةً كان أو جُبَّةً. انتهى. وهو غير منصرفٍ، قِيلَ: لأنَّه منقولٌ عن الجمع بصيغة «مفاعيل»، وأنَّ واحده سروالةٌ، وحكى ابن الحاجب: أنَّ من العرب من يصرفه (٤) (وَلَا الخِفَافَ) بكسر الخاء جمعُ خُفٍّ، فنبَّه بالقميص والسَّراويل (٥) على كلِّ مخيطٍ، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ما يغطِّي الرَّأس، مخيطًا كان أو غيره، فيحرم على الرَّجل ستر رأسه أو بعضه كالبياض الذي وراء الأذن ممَّا يُعَدُّ ساترًا عُرْفًا ولو بعصابةٍ ومرهمٍ؛ وهو ما يُوضَع على الجراحة، وطينٍ ساترٍ، لا ستره بماءٍ كأن غطس فيه، وخيطٍ شدَّ به رأسه، وهودجٍ استظلَّ به

وإن مسَّه، ولا بوضع (١) كفِّه وكذا كفِّ غيره، ومحمولٍ (٢) كقُفَّةٍ على رأسه لأنَّ ذلك لا يُعَدُّ ساترًا، وظاهرُ كلامهم عدمُ حرمة ذلك، سواءٌ قصد السَّتر به أم لا، لكن جزم الفُوْرَانيُّ وغيره: بوجوب الفدية فيما إذا قصد بحمل القُفَّة ونحوها السَّتر، وظاهره حرمة ذلك حينئذٍ، ولا أثر لتوسُّده وسادةً أو عمامةً، فإنَّه حاسر الرَّأس عُرْفًا، ونبَّه بـ «الخِفاف» على كلِّ ما يستر الرِّجل ممَّا (٣) يلبس عليه من مداسٍ وجوربٍ وغيرهما (إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «أحدٌ»، ويُستفاد منه -كما قاله ابن المُنيِّر في «الحاشية» -: جواز استعمال «أحدٌ» في الإثبات؛ خلافًا لمن خصَّه بضرورة الشِّعر كقوله:

وقد ظَهَرْتَ فما (٤) تخفى على أحدٍ … إلَّا على أحدٍ لا يعرف القمرا

قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنَّ «أحدًا» لا يُستعَمل في الإثبات إلَّا أن يعقب النَّفي، وكأنَّ الإثبات حينئذٍ في سياق النَّفي ونظير هذا زيادة الباء، فإنَّها لا تكون إلَّا في النَّفي، ثمَّ رأيناها زِيدت في الإثبات الذي هو في (٥) سياق النَّفي؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]. انتهى. والمستثنى منه محذوفٌ، ذكره مَعْمَرٌ في روايته عن الزُّهريِّ عن سالمٍ بلفظ: «وليُحرِم أحدُكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين، فإن لم يجد نعلين» (فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) ولأبي الوقت: «فليلبس الخفَّين» بالتَّعريف (وَلْيَقْطَعْهُمَا) أي: بشرط أن يقطعهما (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) ولا فدية عليه،

فإنَّها (١) لو وجبت لبيَّنها النَّبيُّ ، وهذا موضع بيانها، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرَّأس يحلقه ويفدي، وقال الحنابلة: ومن لم يجد إزارًا لبس سراويل، ومتى وجد إزارًا خلعه، أو نعلين لبس خفَّين ويحرم قطعها، واستدلُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ وجابرٍ في «الصَّحيح»: «من لم يجد نعلين فليلبس خفَّين» [خ¦٥٨٠٤] وليس فيه ذكر القطع، وقالوا: قطعهما إضاعة مالٍ، قالوا (٢): وإنَّ حديث ابن عمر المصرِّح بقطعهما منسوخٌ، وأُجيب بأنَّه لا يرتاب أحدٌ من المحدِّثين أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ من حديث ابن عبَّاسٍ لأنَّ حديث ابن عمر جاء بإسنادٍ وُصِف بأنَّه أصحُّ الأسانيد، واتَّفق عليه عن ابن عمر غيرُ واحدٍ من الحفُّاظ، منهم: نافعٌ وسالمٌ بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ فلم يأتِ مرفوعًا إلَّا من رواية جابر بن زيدٍ (٣) عنه، وبأنَّه يجب حمل حديث ابن عبَّاسٍ وجابرٍ على حديث ابن عمر لأنَّهما مطلقان، وفي حديث ابن عمر زيادةٌ لم يذكراها يجب الأخذ بها، وبأنَّ إضاعة المال إنَّما تكون في المنهيِّ عنه لا فيما أُذِن فيه، والأمر في قوله: «فليلبس الخفَّين» للإباحة لا للوجوب، والسِّرُّ في تحريم المخيط وغيره ممَّا ذكر مخالفةُ العادة والخروج عن المألوف لإشعار النَّفس بأمرين: الخروج عن الدُّنيا والتَّذكُّر للبس الأكفان عند نزع المخيط وتنبيهها (٤) على التَّلبُّس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجبٌ للإقبال (٥) عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشرائطها وآدابها (٦).

(وَلَا تَلْبَسُوا) بفتح أوَّله وثالثه (مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بالتَّعريف، ولأبي ذرٍّ: «زعفرانٌ» قال الزَّركشيُّ: بالتَّنوين لأنَّه ليس فيه إلَّا الألف والنُّون فقط، وهو لا يمنع الصَّرف، فلو سَمَّيت به امتنع (أَوْ وَرْسٌ) بفتح الواو وسكون الرَّاء بعدها سينٌ مُهمَلةٌ: نبتٌ أصفر مثل نبات السِّمسم، طيِّب الرِّيح يُصبَغ به، بين الحمرة والصُّفرة (٧)، أشهر طِيبٍ في بلاد اليمن؛ لكن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَحَدِيث أنس وَأخرجه السِّتَّة، خلا ابْن مَاجَه، من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أنس، فِي حَدِيث لَهُ قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا ركب رَاحِلَته واستوت بِهِ أهلَّ. وَلأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الْحسن، فَلَمَّا أَتَى على جبل الْبَيْدَاء أهلَّ، وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر عَن ثَابت عَن أنس فِي حَدِيث: فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ نَاقَته، قَالَ: لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة مَعًا. وَحَدِيث الْمسور بن مخرمَة أخرجه البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة، وَفِيه: فَلَمَّا كَانَ بِذِي الحليفة قلد الْهَدْي وَأَشْعرهُ وَأحرم مِنْهَا. وَحَدِيث سعد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق إِسْحَاق عَن أبي الزِّنَاد عَن عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص، قَالَت: قَالَ سعد: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَخذ طَرِيق الْفَرْع أهلَّ إِذا اسْتَقَلت بِهِ رَاحِلَته. وَإِذا أَخذ طَرِيق أُحُد أهل إِذا أشرف على جبل الْبَيْدَاء. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة أبي حسان الْأَعْرَج عَنهُ، وَفِيه: ثمَّ ركب رَاحِلَته، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ على الْبَيْدَاء أهلَّ بِالْحَجِّ، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: ثمَّ قعد على بعيره، فَلَمَّا اسْتَوَى على الْبَيْدَاء أهل بِالْحَجِّ.

وَعَن هَذَا اخْتلف الْعلمَاء فِي الْموضع الَّذِي أحرم مِنْهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ قوم: إِنَّه أهل من مَسْجِد ذِي الحليفة. وَقَالَ آخَرُونَ: لم يهل إلَاّ بعد أَن اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته بعد خُرُوجه من الْمَسْجِد، وروى ذَلِك أَيْضا عَن ابْن عمر وَأنس وَابْن عَبَّاس وَجَابِر، وَقَالَ آخَرُونَ: بل أحرم حِين أظل على الْبَيْدَاء. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأنكر قوم أَن يكون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم من الْبَيْدَاء، رُوِيَ ذَلِك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه قَالَ: مَا أهل إلَاّ من ذِي الحليفة، قَالُوا: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك بَعْدَمَا ركب رَاحِلَته، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه كَانَ يهل إِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة، وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَن يكون ذَلِك بَعْدَمَا تنبعث بِهِ رَاحِلَته، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مَالك عَن المَقْبُري عَن عبيد بن جريج عَن ابْن عمر قَالَ: لم أر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يهل حَتَّى تنبعث بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة. انْتهى. قلت: أَرَادَ الطَّحَاوِيّ بقوله: وَأنكر قوم الزُّهْرِيّ وَعبد الْملك بن جريج وَعبد الله بن وهب، فَإِنَّهُم قَالُوا: مَا أحرم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إلَاّ من عِنْد الْمَسْجِد. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك أردنَا أَن نَنْظُر من أَيْن جَاءَ اخْتلَافهمْ، فروى سعيد بن جُبَير، قَالَ قلت: لِابْنِ عَبَّاس: كَيفَ اخْتلف النَّاس فِي إهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَت طَائِفَة: أهل فِي مُصَلَّاهُ، وَقَالَت طَائِفَة: حِين اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته، وَقَالَت طَائِفَة: حِين علا الْبَيْدَاء؟ وسَاق بَقِيَّة كَلَامه نَحْو مَا ذكره أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: يَا أَبَا الْعَبَّاس، عجبت لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي إهلال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ: إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك، إِنَّمَا كَانَت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة وَاحِدَة، فَمن هُنَاكَ اخْتلفُوا خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَاجا، فَلَمَّا صلى فِي مَسْجِد ذِي الحليفة ركعتيه أوجب فِي مَجْلِسه، فَأهل بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه، فَسمع ذَلِك مِنْهُ أَقوام فحفظوه عَنهُ، ثمَّ ركب، فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهلَّ، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، وَذَلِكَ أَن النَّاس كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته ثمَّ مضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا علا شرف الْبَيْدَاء أهلَّ، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهلَّ حِين علا شرف الْبَيْدَاء، وأيم الله، لقد أوجب فِي مُصَلَّاهُ، وأهلَّ حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته وَأهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء. قَالَ سعيد بن جُبَير: فَمن أَخذ بقول ابْن عَبَّاس: أهل فِي مُصَلَّاهُ إِذا فرغ من ركعتيه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَبين ابْن عَبَّاس الْوَجْه الَّذِي جَاءَ فِيهِ اخْتلَافهمْ، وَأَن إهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي ابْتَدَأَ الْحَج وَدخل فِيهِ، كَانَ فِي مُصَلَّاهُ، فَبِهَذَا نَأْخُذ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء وَقَتَادَة: الْمُسْتَحبّ الْإِحْرَام من الْبَيْدَاء. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْبَيْدَاء هَذِه فَوق علمي ذِي الحليفة لمن صعد من الْوَادي، وَفِي أول الْبَيْدَاء بِئْر مَاء.

١٢ - (بابُ مَا لَا يَلْبَسُ المْحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا لَا يلبس الْمحرم، أَي: مَا لَا يجوز لبسه للْمحرمِ، سَوَاء كَانَ محرما بِحَجّ أَو بِعُمْرَة، أَو كَانَ مُتَمَتِّعا أَو قَارنا. وَقَوله: (من الثِّيَاب) ، بَيَان لما قبله.

٢٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عَن عَبْدِ الله بنِ عُمَر

َ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رَجُلاً قالَ يَا رسولَ الله مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافِ إلَاّ أحدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيئا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانِ أوْ وَرْسٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يلبس الْقَمِيص) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي آخر كتاب الْعلم فِي: بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمغايرة بَينهمَا فِي بعض الْمَتْن، فَإِنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ذكر هَذِه الْأَشْيَاء هُنَاكَ بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَذكر هُنَا بِصِيغَة الْجمع، وَهُنَاكَ: فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ وَهنا (وَلَا الْخفاف إِلَّا أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ) وَهُنَاكَ: (وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا تَحت الْكَعْبَيْنِ) وَهنا: (أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ) وَلَيْسَ هُنَاكَ: وَلَا تلبسوا ... إِلَى آخِره. ولنتكلم هُنَا على مَا لم يسْبق فِيمَا مضى.

فَقَوله: (قَالَ يَا رَسُول الله! مَا يلبس الْمحرم) وَسَيَأْتِي من طَرِيق اللَّيْث عَن نَافِع بِلَفْظ: مَاذَا تَأْمُرنَا أَن نلبس من الثِّيَاب فِي الْإِحْرَام؟ وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عمر بن نَافِع عَن أَبِيه: مَا نلبس من الثِّيَاب إِذا أحرمنا؟ وَهَذَا يدل على أَن السُّؤَال عَن ذَلِك كَانَ قبل الْإِحْرَام. وَقد حكى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي بكر النَّيْسَابُورِي أَن فِي رِوَايَة ابْن جريج وَاللَّيْث عَن نَافِع أَن ذَلِك كَانَ فِي الْمَسْجِد. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، وَمن طَرِيق عبد الْوَهَّاب بن عَطاء عَن عبد الله بن عون، كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: نَادَى رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يخْطب بذلك الْمَكَان، وَأَشَارَ نَافِع إِلَى مقدم الْمَسْجِد، فَذكر الحَدِيث، وَظهر من ذَلِك أَنه كَانَ فِي الْمَدِينَة. فَإِن قلت: قد وَقع فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْآتِي فِي أَوَاخِر الْحَج أنهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب بذلك فِي عَرَفَات. قلت: يحمل على التَّعَدُّد. قَوْله: (مَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب؟ قَالَ: لَا يلبس) إِلَى آخِره. قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَت الْعلمَاء: هَذَا من بديع الْكَلَام وجزله، لِأَن مَا لَا يلبس منحصر، فَحصل التَّصْرِيح بِهِ، وَأما الملبوس الْجَائِز فَغير منحصر، فَحصل التَّصْرِيح بِهِ، وَأما الملبوس الْجَائِز فَغير منحصر فَقَالَ: (لَا يلبس) كَذَا ... أَي: ويلبس مَا سواهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: سُئِلَ عَمَّا يلبس فَأجَاب بِمَا لَا يلبس، ليدل بالالتزام من طَرِيق الْمَفْهُوم على مَا يجوز، وَإِنَّمَا عدل عَن الْجَواب لِأَنَّهُ أخصر وأحصر. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَدَلِيله أَنه نبه بالقمص والسراويل على جَمِيع مَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَهُوَ مَا كَانَ مخيطا أَو مَعْمُولا على قدر الْبدن أَو الْعُضْو كالجوشن والتبان وَغَيرهمَا، وَنبهَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعمائم والبرانس على كل سَاتِر للرأس مخيطا كَانَ أَو غَيره، حَتَّى الْعِصَابَة فَإِنَّهَا حرَام. وَنبهَ بالخفاف على كل سَاتِر للرِّجل من مداس وجورب وَغَيرهَا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن الْمُعْتَبر فِي الْجَواب مَا يحصل مِنْهُ الْمَقْصُود كَيفَ كَانَ، وَلَو بتغيير أَو زِيَادَة، وَلَا يشْتَرط الْمُطَابقَة، قَوْله وَلَا تشْتَرط الْمُطَابقَة. قلت: لَيْسَ على الْإِطْلَاق، بل الأَصْل اشْتِرَاطهَا وَلَكِن ثَمَّ مَوضِع يكون الْعُدُول عَنْهَا إِلَى غَيره وَهُوَ الأهم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس) وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (مَا يلبس الْمحرم؟) أَي: الرجل الْمحرم، وَالدَّلِيل على اخْتِصَاص الحكم بِالرِّجَالِ تَوْجِيه الْخطاب نحوهم بقوله: وَلَا تلبسوا. فَإِن قلت: وَاو الضَّمِير يسْتَعْمل متْنا، و: لَا، للقبيلتين على التغليب. قلت: نعم، وَلَكِن فِيهِ اخْتِصَاص بالمذكرين، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ فِي آخر حَدِيث اللَّيْث الْآتِي فِي آخر الْحَج: (وَلَا تنتقب الْمَرْأَة) . قَوْله: (وَلَا يلبس) ، خبر فِي معنى النَّهْي. قَوْله: (القمص) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْمِيم وَضمّهَا جمع: قَمِيص، وَيجمع أَيْضا على أقمصة وقمصان. قَوْله: (والعمائم) جمع عِمَامَة، يُقَال: اعتمَّ بالعمامة وتعمم بهَا، والسراويلات جمع سَرَاوِيل، والبرانس جمع برنس، وَهُوَ كل ثوب رَأسه مِنْهُ ملتزق بِهِ من ذراعه، أَو جُبَّة أَو ممطر أَو غَيره. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ قلنسوة طَوِيلَة كَانَ النساك يلبسونها فِي صدر الْإِسْلَام، وَهُوَ من البرس، بِكَسْر الْبَاء، وَهُوَ الْقطن، وَالنُّون زَائِدَة، وَقيل: إِنَّه غير عَرَبِيّ، والخفاف، بِكَسْر الْخَاء: جمع خف. قَوْله: (إلَاّ أحد) ، الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يلبس الْمحرم الْخُفَّيْنِ إلَاّ أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ فَإِنَّهُ يلبس الْخُفَّيْنِ بِشَرْط أَن يقطعهما حَتَّى يَكُونَا تَحت الْكَعْبَيْنِ فَيكون حِينَئِذٍ كالنعلين. وَقَوله: (لَا يجد نَعْلَيْنِ) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لأحد. قيل: فِيهِ دَلِيل على أَن لفظ: أحد، يجوز اسْتِعْمَاله فِي الْإِثْبَات خلافًا لمن قَالَ: لَا يجوز ذَلِك إلَاّ لضَرُورَة الشّعْر، وَالْمرَاد من قَوْله: (وليقطعهما أَسْفَل

من الْكَعْبَيْنِ) كشف الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَام، وهما العظمان الناتئان عِنْد مفصل السَّاق والقدم، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، قَالَ: إِذا اضْطر الْمحرم إِلَى الْخُفَّيْنِ خرق ظهورهما وَترك فيهمَا قدر مَا يسْتَمْسك رِجْلَاهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَمن تبعه من الْحَنَفِيَّة: الكعب هُنَا هُوَ الْعظم الَّذِي فِي وسط الْقدَم عِنْد معقد الشرَاك. وَقيل: إِن ذَلِك لَا يعرف عِنْد أهل اللُّغَة. قلت: الَّذِي قَالَ: لَا يعرف عِنْد أهل اللُّغَة، هُوَ ابْن بطال، وَالَّذِي قَالَه هُوَ لَا يعرف، وَكَيف وَالْإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن إِمَام فِي اللُّغَة والعربية؟ فَمن أَرَادَ تَحْقِيق صدق هَذَا فَلْينْظر فِي مُصَنفه الَّذِي وَضعه على أوضاع يعجز عَنهُ الفحول من الْعلمَاء والأساطين من الْمُحَقِّقين، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ (الْجَامِع الْكَبِير) وَالَّذِي قَالَه هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْأَصْمَعِي، قَالَه الإِمَام فَخر الدّين. قَوْله: (لَا تلبسوا) يدْخل فِيهِ الْإِنَاث أَيْضا، ذكره ليشْمل الذُّكُور وَالْإِنَاث. قَوْله: (مَسّه الزَّعْفَرَان) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنه صفة لقَوْله: (شَيْئا) ، والزعفران إسم أعجمي، وَقد صرفته الْعَرَب فَقَالُوا: ثوب مزعفر، وَقد زعفر ثَوْبه يزعفره زعفرة، وَيجمع على: زعافر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا أعلمهُ ينْبت شَيْء مِنْهُ من أَرض الْعَرَب، والورس، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الورس يزرع بِأَرْض الْيمن زرعا، وَلَا يكون بِغَيْر الْيمن، وَلَا يكون مِنْهُ شَيْء بريا، ونباته مثل حب السمسم، فَإِذا جف عِنْد إِدْرَاكه تفتق فينفض مِنْهُ الورس ويزرع سنة فيجلس عشر سِنِين أَن يُقيم فِي الأَرْض ينْبت ويثمر. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الورس نبت أصفر يكون بِالْيمن يتَّخذ مِنْهُ الغمرة للْوَجْه، تَقول مِنْهُ: أورس الْمَكَان وورست الثَّوْب توريسا: صبغته بالورس، وَمِلْحَفَة وريسة: صبغت بالورس. وَقَالَ ابْن بيطار فِي (جَامعه) : يُؤْتى بالورس من الصين واليمن والهند وَلَيْسَ بنبات يزرع كَمَا زعم من زعم، وَهُوَ يشبه زهر العصفر، وَمِنْه شَيْء يشبه نشارة البابونج، وَمِنْه شَيْء يشبه البنفسج، وَيُقَال: إِن الكركم عروقه.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه:

الأول: يحرَّم على الْمحرم لبس الْقَمِيص، وَنبهَ بِهِ فِي الحَدِيث على كل مخيط من كل مَعْمُول على قدر الْبدن أَو الْعُضْو، وَذَلِكَ مثل الْجُبَّة والقفازين، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُحْرم وَعَلِيهِ قَمِيص أَو جُبَّة، ثمَّ قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعد حَدثنَا عبد الله بن إِدْرِيس عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة. قَالَ: رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَعْرَابِيًا قد أحرم وَعَلِيهِ جُبَّة، فَأمره أَن يَنْزِعهَا. وَفِي بعض طرقه: قَمِيص، بدل: الْجُبَّة، وَهِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) . وَفِي رِوَايَة مقطعات، وَفِي أُخْرَى: أَخْلَاق، والقصة وَاحِدَة، وَلَا يجب قطع الْقَمِيص والجبة على الْمحرم إِذا أَرَادَ نَزعهَا، بل لَهُ أَن ينْزع ذَلِك من رَأسه وَإِن أدّى إِلَى الْإِحَاطَة بِرَأْسِهِ، خلافًا لمن قَالَ: يشقه، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز نزع ذَلِك من الرَّأْس، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، والْحَدِيث حجَّة لَهُم، وَلَو ارتدى بالقميص لَا يضرّهُ.

الثَّانِي: يحرّم عَلَيْهِ السَّرَاوِيل وَلَا يجب عَلَيْهِ قطعه عِنْد عدم الْإِزَار، كَمَا ورد فِي الْخُف، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَهُوَ الْأَصَح عِنْد أَكثر الشَّافِعِيَّة، قَالَه الرَّافِعِيّ. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ: إِنَّه لَا يجوز لبس السَّرَاوِيل إلَاّ إِذا لم يتأت فتقه وَجعله إزارا، فَإِن تأتى ذَلِك لم يجز لبسه، فَإِن لبسه لزمَه الْفِدْيَة. قَالَ الْخطابِيّ: ويحكى عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: يشق السَّرَاوِيل ويتزر بِهِ، وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ، فَإِن لم يجد رِدَاء فَلَا بَأْس أَن يشق قَمِيصه ويرتدي بِهِ، وَإِذا لم يجد الْإِزَار فتق السَّرَاوِيل، فَإِن لبسه وَلم يفتقه لزمَه دم.

الثَّالِث: لَا يتعمم، قَالَ الْخطابِيّ: ذكر الْعِمَامَة والبرنس مَعًا ليدل على أَنه لَا يجوز تَغْطِيَة الرَّأْس، لَا بالمعتاد وَلَا بالنادر. قَالَ: وَمن النَّادِر المكتل يحملهُ على رَأسه. قلت: مُرَاده أَن يَجعله على رَأسه كلبس القبع، وَلَا يلْزم شَيْء بِمُجَرَّد وَضعه على رَأسه كَهَيئَةِ الْحَامِل لِحَاجَتِهِ، وَلَو انغمس فِي المَاء لَا يضرّهُ، فَإِنَّهُ لَا يُسمى لابسا، وَكَذَا لَو ستر رَأسه بِيَدِهِ.

الرَّابِع: الْخفاف، الشَّرْط فِي الْخُفَّيْنِ الْقطع، خلافًا لِأَحْمَد فَإِنَّهُ أجَاز لَيْسَ الْخُفَّيْنِ من غير قطع، وَهُوَ الْمَشْهُور عَنهُ، وَحكى عَن عَطاء مثله. قَالَ: لِأَن فِي قلعهما فَسَادًا. قَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون عَطاء لم يبلغهُ حَدِيث ابْن عمر، وَإِنَّمَا الْفساد أَن يفعل مَا نهت عَنهُ الشَّرِيعَة، فَأَما مَا أذن فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَيْسَ بِفساد. قَالَ: وَالْعجب من أَحْمد فِي هَذَا فَإِنَّهُ لَا يكَاد يُخَالف سنة تبلغه. وَقلت: سنة لم تبلغه، وَيُشبه أَن يكون إِنَّمَا ذهب إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس الْآتِي فِي أَوَاخِر الْحَج بِلَفْظ: (من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ) . قلت: أجابت الْحَنَابِلَة عَنهُ بأَشْيَاء: مِنْهَا: دَعْوَى النّسخ فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَإِن الْبَيْهَقِيّ روى عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: لم يذكر ابْن عَبَّاس

الْقطع، وَقَالَ ابْن عمر: وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، فَلَا أَدْرِي أَي الْحَدِيثين نسخ الآخر. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَمْرو قَالَ: أنظروا أَيهمَا قبل؟ حَدِيث ابْن عمر أَو حَدِيث ابْن عَبَّاس؟ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فحملهما عَمْرو بن دِينَار على نسخ أَحدهمَا الآخر. قَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَبَين فِي رِوَايَة ابْن عون وَغَيره عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن ذَلِك كَانَ بِالْمَدِينَةِ قبل الْإِحْرَام، وَبَين فِي رِوَايَة شُعْبَة عَن عَمْرو عَن أبي الشعْثَاء، وَجَابِر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس أَن ذَلِك كَانَ بِعَرَفَة، وَذَلِكَ بعد قصَّة ابْن عمر، وَأجَاب الشَّافِعِي عَن هَذَا فِي (الْأُم) فَقَالَ: كِلَاهُمَا حَافظ صَادِق، وَزِيَادَة ابْن عمر لَا تخَالف ابْن عَبَّاس لاحْتِمَال أَن يكون عزب عَنهُ، أَو شكّ فِيهِ، فَلم يؤده. وَإِمَّا سكت عَنهُ وَإِمَّا أَدَّاهُ فَلم يؤد عَنهُ. وَمِنْهَا: مَا قَالُوا: مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ: إِن حَدِيث ابْن عمر اخْتلف فِي وَقفه وَرَفعه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس لم يخْتَلف فِي رَفعه. وَأجِيب: عَن هَذَا بِأَنَّهُ لم يخْتَلف على ابْن عمر فِي رفع الْأَمر بِالْقطعِ إلَاّ فِي رِوَايَة شَاذَّة، على أَنه اخْتلف فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا، وَلَا يشك أحد من الْمُحدثين أَن حَدِيث ابْن عمر أصح من حَدِيث ابْن عَبَّاس، لِأَن حَدِيث ابْن عمر جَاءَ بِإِسْنَاد، وصف بِكَوْنِهِ أصح الْأَسَانِيد، وَاتفقَ عَلَيْهِ عَن ابْن عمر غير وَاحِد من الْحفاظ، مِنْهُم: نَافِع وَسَالم: بِخِلَاف حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَلم يَأْتِ مَرْفُوعا إلَاّ من رِوَايَة جَابر بن زيد عَنهُ، حَتَّى قَالَ الْأصيلِيّ: إِنَّه شيخ بَصرِي لَا يعرف. وَمِنْهَا: أَن بَعضهم قاسوه على السَّرَاوِيل، ورد بِأَن الْقيَاس مَعَ وجود النَّص فَاسد الِاعْتِبَار. وَمِنْهَا: أَن بَعضهم احْتَجُّوا بقول عَطاء: إِن الْقطع فَسَاد، وَالله لَا يحب الْفساد. وَقد أُجِيب: عَنهُ بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَمِنْهَا: مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ: إِن الْأَمر بِالْقطعِ يحمل على الْإِبَاحَة لَا على الِاشْتِرَاط، عملا بِالْحَدِيثين. وَأجِيب: بِأَنَّهُ تعسف، وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَوْضِعه، وَالْأَحْسَن فِي هَذَا أَن يُقَال: إِن حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد ورد فِي بعض طرقه الصَّحِيحَة مُوَافَقَته لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قطع الْخُفَّيْنِ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه، قَالَ: أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا أَيُّوب عَن عَمْرو عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِذا لم يجد إزارا فليلبس السَّرَاوِيل، وَإِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ) ، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود الجحدري وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَغَيره، وباقيهم رجال الصَّحِيح، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة على الْمَذْهَب الصَّحِيح.

الْخَامِس: الزَّعْفَرَان والورس، وَظَاهر الحَدِيث أَنه لَا يجوز لبس مَا مَسّه الورس والزعفران، سَوَاء انْقَطَعت رَائِحَته وَذهب ردعه بِحَيْثُ لَا ينفض، أَو مَعَ بَقَاء ذَلِك. وَفِي (الْمُوَطَّأ) أَن مَالِكًا سُئِلَ عَن ثوب مَسّه طيب ثمَّ ذهب ريح الطّيب مِنْهُ، هَل يحرم فِيهِ؟ قَالَ: نعم، لَا بَأْس بذلك مَا لم يكن فِيهِ صباغ زعفران أَو ورس. قَالَ مَالك: وَإِنَّمَا يكره لبس المشبعات لِأَنَّهَا تنفض، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه إِن كَانَ بِحَيْثُ لَو أَصَابَهُ المَاء فاحت الرَّائِحَة مِنْهُ لم يجز اسْتِعْمَاله، وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِيمَا إِذا بَقِي اللَّوْن فَقَط وَجْهَيْن مبنيين على الْخلاف فِي أَن مُجَرّد اللَّوْن هَل يعْتَبر؟ قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالصَّحِيح أَنه لَا يعْتَبر، وَقَالَ أَصْحَابنَا: مَا غسل من ذَلِك حَتَّى صَار لَا ينفض فَلَا بَأْس بلبسه فِي الْإِحْرَام، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن وطاووس وَقَتَادَة وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَمعنى: لَا ينفض، لَا يَتَنَاثَر صبغه. وَقيل: لَا يفوح رِيحه، وهما منقولان عَن مُحَمَّد بن الْحسن، والتعويل على زَوَال الرَّائِحَة، حَتَّى لَو كَانَ لَا يَتَنَاثَر صبغه، وَلكنه يفوح رِيحه يمْنَع من ذَلِك، لِأَن ذَلِك دَلِيل بَقَاء الطّيب، إِذْ الطّيب مَا لَهُ رَائِحَة طيبَة. وَقد روى الطَّحَاوِيّ عَن فَهد عَن يحيى بن عبد الحميد عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن ابْن أبي عمرَان عَن عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ عَن أبي مُعَاوِيَة عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تلبسوا ثوبا مَسّه ورس أَو زعفران. يَعْنِي: فِي الْإِحْرَام، إلَاّ أَن يكون غسيلاً) . وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا من حَدِيث يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي. فَإِن قلت: مَا حَال هَذِه الزِّيَادَة؟ أَعنِي قَوْله: إلَاّ أَن يكون غسيلاً؟ قلت: صَحِيح، لِأَن رِجَاله ثِقَات، وروى هَذِه الزِّيَادَة أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، وَهُوَ ثِقَة ثَبت. فَإِن قلت: قَالَ ابْن خزم: وَلَا نعلمهُ صَحِيحا، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: أَبُو مُعَاوِيَة مُضْطَرب الحَدِيث فِي أَحَادِيث عبيد الله، وَلم يَجِيء أحد بِهَذِهِ غَيره؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ ابْن أبي عمرَان: رَأَيْت يحيى بن معِين وَهُوَ متعجب من الْحمانِي إِذْ حدث بِهَذَا الحَدِيث، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ: هَذَا

الحَدِيث عِنْدِي، ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ، فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يحيى الْحمانِي، فَكتب عَنهُ يحيى بن معِين، وَكفى لصِحَّة هَذَا الحَدِيث شَهَادَة عبد الرَّحْمَن وَكِتَابَة يحيى بن معِين وَرِوَايَة أبي مُعَاوِيَة، وَأما قَول ابْن حزم: وَلَا نعلمهُ صَحِيحا، فَهِيَ نفي لعلمه بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا لَا يسْتَلْزم نفي صِحَة الحَدِيث فِي علم غَيره، فَافْهَم. وَقد روى أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حَدِيثا يدل على جَوَاز لبس المزعفر للْمحرمِ إِذا لم يكن فِيهِ نفض وَلَا ردع.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد من ظَاهر الحَدِيث: جَوَاز لبس المزعفر والمورس لغير الرجل الْمحرم، لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك فِي جَوَاز السُّؤَال عَمَّا يلبس الْمحرم، فَدلَّ على جَوَازه لغيره، فَإِن قلت: أخرج الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يتزعفر الرجل؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: الْجمع بَين الْحَدِيثين أَنه يحْتَمل أَن يُقَال: إِن جَوَاب سُؤَالهمْ انْتهى عِنْد قَوْله: أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ اسْتَأْنف بِهَذَا لَا تعلق لَهُ بالمسؤول عَنهُ، فَقَالَ: وَلَا تلبسوا شَيْئا من الثِّيَاب ... إِلَى آخِره، ثمَّ ذكر حكم الْمَرْأَة الْمُحرمَة. انْتهى. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال فِيهِ بعد، بل الْأَوْجه أَن المُرَاد من النَّهْي عَن تزعفر الرجل أَن يزعفر بدنه، فَأَما لبس الثَّوْب المزعفر لغير الْمحرم فَلَا بَأْس بِهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يزعفر الرجل جلده، وَإِسْنَاده صَحِيح، والْحَدِيث الَّذِي يُنْهِي النَّهْي عَن مُطلق التزعفر، وَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد الَّذِي فِيهِ بِأَن يزعفر الرجل جلده، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ورد فِي جَوَاز لبس الثِّيَاب المزعفرة والمورسة للرِّجَال، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث قيس بن سعد، قَالَ: أَتَانَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَضَعْنَا لَهُ مَا يتبرَّد فاغتسل، ثمَّ أَتَيْته بملحفة صفراء فَرَأَيْت أثر الورس عَلَيْهِ، لفظ ابْن مَاجَه. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: كَانَ يصْبغ بالصفرة ثِيَابه كلهَا حَتَّى عمَامَته، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَفِي لفظ لَهُ: إِن ابْن عمر كَانَ يصْبغ ثِيَابه بالزعفران، فأصله فِي (الصَّحِيح) وَلَفظه: أما الصُّفْرَة فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصْبغ بهَا. وَجمع الْخطابِيّ بِأَن مَا صبغ غزله ثمَّ نسج فَلَيْسَ بداخل فِي النَّهْي، وَوَافَقَهُ الْبَيْهَقِيّ على هَذَا، فَإِن قلت: قد علم أَن الْمحرم قد منع من لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالزعفران أَو الورس، فَمَا حكمه إِذا توسد عَلَيْهِ أَو نَام؟ قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف فِي (الْإِمْلَاء) : لَا يَنْبَغِي لمحرم أَن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران وَلَا الورس، وَلَا ينَام عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يصير مُسْتَعْملا للطيب، فَكَانَ كاللبس، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: اخْتلف أهل الْعلم فِي الورس هَل هُوَ طيب أم لَا؟ فَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَنه لَيْسَ بِطيب، فَقَالَ: والورس، وَإِن لم يكن طيبا فَلهُ رَائِحَة طيبَة، فَأَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يبين تجنب الطّيب الْمَحْض، وَمَا يشبه الطّيب فِي ملايمة الشم واستحسانه. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: هُوَ فِيمَا يُقَال: أشهر طيب فِي بِلَاد الْيمن، وَفِي كَلَام النَّوَوِيّ أَيْضا مَا يشْعر أَنه طيب. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: نبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالورس والزعفران على مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يقْصد بِهِ الطّيب فَهِيَ حرَام على القبيلتين، فَيكْرَه للْمحرمِ لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بِغَيْر طيب، وَأما الْفَوَاكِه كالأترج والتفاح وأزهار الْبَوَادِي كالشيخ والقيصوم وَغَيرهمَا فَلَيْسَ بِحرَام.

٢٢ - (بابُ الرُّكُوبِ وَالارْتِدَافِ فِي الحَجِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الرّكُوب والارتداف فِي الْحَج، والارتداف أَن يركب الرَّاكِب خَلفه آخر.

٤٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفَةَ إلَى المُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةَ إلَى مِنَىً قَالَ فَكلَاهُمَا قَالَ لَمْ يَزَلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.

(الحَدِيث ٣٤٥١ طرفه فِي: ٦٨٦١) ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا. وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، ووهب هُوَ ابْن جرير بن حَازِم يروي عَن أَبِيه جرير، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن

مَسْعُود أَبُو عبد الله الهزلي أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين.

وَأخرجه مُسلم من حَدِيث كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات ... الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. وروى من حَدِيث عَطاء قَالَ: أَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدف الْفضل من جمع، قَالَ: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ردف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره فَاء، بِمَعْنى: الرديف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب، وَكَذَلِكَ الرديف، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد. قَوْله: (من عَرَفَة) أَي: من عَرَفَات، وَهُوَ اسْم لموْضِع الْوُقُوف. قَوْله: (إِلَى الْمزْدَلِفَة) ، بِلَفْظ الْفَاعِل من الإزدلاف، وَهُوَ التَّقَرُّب والتقدم لِأَن الْحجَّاج إِذا أفاضوا من عَرَفَات ازدلفوا إِلَيْهَا، أَي: تقربُوا مِنْهَا وتقدموا إِلَيْهَا، وَسميت بذلك لمجيء النَّاس فِي زلف من اللَّيْل، وَهُوَ مَوضِع بحرم مَكَّة. قَوْله: (الْفضل) هُوَ ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب. قَوْله: (فكلاهما) أَي: أُسَامَة وَالْفضل. قَوْله: (حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) ، أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة، وَهِي حد منى من الْجَانِب الغربي من جِهَة مَكَّة. وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الْجَمْرَة الْكُبْرَى، والجمرة والحصاة، وَهنا اسْم لمجتمع الْحَصَى.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْحَج رَاكِبًا أفضل، وَقد مر الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب الْحَج على الرجل. وَفِيه: إرداف الْعَالم. وَفِيه: التَّوَاضُع بالإرداف للرجل الْكَبِير وَالسُّلْطَان الْجَلِيل. وَفِيه: حجَّة لأبي حنيفَة وصاحبيه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد بن عَليّ وَأبي عبيد والطبري فِي قَوْلهم: يُلَبِّي الْحَاج وَلَا يقطع التَّلْبِيَة حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَهُوَ الْمَنْقُول أَيْضا عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن حَيّ، وروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن مَسْعُود ومَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ثمَّ اخْتلف بعض هَؤُلَاءِ، فَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يقطع التَّلْبِيَة مَعَ أول حَصَاة يرميها من جَمْرَة الْعقبَة. وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَطَائِفَة من أهل النّظر والأثر: لَا يقطعهَا حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة بأسرها، قَالُوا: وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) وَلم يقل: حَتَّى رمى بَعْضهَا. قلت: روى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شريك عَن عَامر بن شَقِيق عَن أبي وَائِل (عَن عبد الله: رمقت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة بِأول حَصَاة) . فَإِن قلت: أخرج ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : عَن الْفضل بن عَبَّاس قَالَ: (أفضت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات، فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، يكبر مَعَ كل حَصَاة، ثمَّ قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة) . قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه زِيَادَة غَرِيبَة لَيست فِي الرِّوَايَات عَن الْفضل، وَإِن كَانَ ابْن خُزَيْمَة قد اخْتَارَهَا. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: فِيهِ نَكَارَة. وَقَوله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، يدل على أَنه قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ وَمَالك وَأَصْحَابه وَأكْثر أهل الْمَدِينَة: (الْحَاج لَا يُلَبِّي فيعرفة بل يكبر ويهلل) . وَرُوِيَ ذَلِك عَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَجَابِر بن عبد الله.

ثمَّ اخْتلفُوا مَتى يقطع التَّلْبِيَة؟ فَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك أَصْحَابه: يقطعهَا إِذا توجه إِلَى عَرَفَات، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عُثْمَان وَعَائِشَة، وَرُوِيَ عَنْهُمَا خلاف ذَلِك، فَقَالَ الزُّهْرِيّ والسائب بن يزِيد وَسليمَان بن يسَار وَابْن الْمسيب فِي رِوَايَة: (يقطعهَا حِين يقف بِعَرَفَات) ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث أُسَامَة بن زيد، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: (كنت ردف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة فَكَانَ لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، وَكَانَ إِذا وجد فجوة نَص) . قَوْله: (فجوة) ، بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا: وَهِي مَا اتَّسع من الأَرْض وَقد روى فِي (الْمُوَطَّأ) : فُرْجَة. قَوْله: (نَص) ، أَي: رفع فِي سيره وأسرع، وَالنَّص مُنْتَهى الْغَايَة فِي كل شَيْء، قَالَه فِي (الْمطَالع) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَإِذا التحم عَلَيْهِ النَّاس أعنق، وَإِذا وجد فُرْجَة نَص) . قَوْله: (أعتق) ، من العَنَق وَهُوَ: السّير الْيَسِير الَّذِي تمد فِيهِ الدَّابَّة عُنُقهَا للاستعانة، وَهُوَ دون الْإِسْرَاع. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك لَا يدل على نفي التَّلْبِيَة وَخُرُوج وَقتهَا، وَقَوله: لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، يَعْنِي: الزِّيَادَة من جِنْسهَا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَبَّاسٍ: عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ في إِهْلَالِهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْجَبَ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا، فَسَمِعَ مِنْهُ قَوْمٌ فَحَفِظُوهُ، ثُمَّ رَكِبَ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَسَمِعُوهُ حِينَ ذَاكَ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا عَلَا شَرَفَ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوهُ، فَنَقَلَ كُلُّ أَحَدٍ مَا سَمِعَ، وَإِنَّمَا كَانَ إِهْلَالُهُ فِي مُصَلَّاهُ وَأيْمُ اللَّهِ، ثُمَّ أَهَلَّ ثَانِيًا وَثَالِثًا. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ دُونَ الْقِصَّةِ، فَعَلَى هَذَا فَكَانَ إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَنْ يَخُصُّ الْإِهْلَالَ بِالْقِيَامِ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ.

(فَائِدَةٌ): الْبَيْدَاءُ هَذِهِ فَوْقَ عِلْمِي ذِي الْحُلَيْفَةِ لِمَنْ صَعَدَ مِنَ الْوَادِي، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَغَيْرُهُ.

٢١ - بَاب مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ

١٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ) الْمُرَادُ بِالْمُحْرِمِ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قَرَنَ، وَحَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يَسْتَشْكِلُ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ؛ يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ النِّيَّةُ، لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْإِحْرَامُ رُكْنُهُ، وَشَرْطُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، وَيُعْتَرَضُ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ التَّلْبِيَةُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا، وَكَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ، انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَجْمُوعُ الصِّفَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تَجَرُّدٍ وَتَلْبِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ التَّلْبِيَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْغَرَضِ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ. وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ: مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا. وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُمَا. نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ؛ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ. وَأَشَارَ نَافِعٌ إِلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّهُ خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَجَابَ بِهِ السَّائِلُ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ابْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ. . . إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزْلِهِ، لِأَنَّ مَا لَا يُلْبَسُ مُنْحَصِرٌ، فَحَصَلَ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ، فَقَالَ:

لَا يَلْبَسُ كَذَا؛ أَيْ وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ، انْتَهَى.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: سُئِلَ عَمَّا يُلْبَسُ فَأَجَابَ بِمَا لَا يُلْبَسُ لِيَدُلَّ بِالِالْتِزَامِ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى مَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ أَخْصَرَ وَأَحْصَرَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَقَّ السُّؤَالِ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْعَارِضُ فِي الْإِحْرَامِ الْمُحْتَاجُ لِبَيَانِهِ، إِذِ الْجَوَازُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ مَعْلُومٌ بِالِاسْتِصْحَابِ، فَكَانَ الْأَلْيَقُ السُّؤَالَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا يُشْبِهُ أُسْلُوبَ الْحَكِيمِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الْآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ جِنْسِ الْمُنْفَقِ، وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ إِلَى ذِكْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَهَمُّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَيْفَ كَانَ، وَلَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ، انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى سِيَاقِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ؛ وَهِيَ شَاذَّةٌ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ لَا عَلَى نَافِعٍ، وَرَوَاهُ سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ فَقَالَ مَرَّةً: مَا يَتْرُكُ، وَمَرَّةً: مَا يَلْبَسُ.

وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ نَافِعٍ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، فَاسْتَقَامَتْ رِوَايَةُ نَافِعٍ لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَاتَّجَهَ الْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ. وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّ هَذَا مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِمَا يَحْصُرُ أَنْوَاعَ مَا لَا يُلْبَسُ، كَأَنْ يُقَالَ: مَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ وَلَا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ كَالْقَمِيصِ أَوْ بَعْضِهِ كَالسَّرَاوِيلِ أَوِ الْخُفِّ، وَلَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ أَصْلًا، وَلَا يَلْبَسُ مَا مَسَّهُ طِيبٌ كَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ ذِكْرُ الْمُهِمِّ وَهُوَ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَيُوجِبُ الْفِدْيَةَ.

قَوْلُهُ: (الْمُحْرِمُ) أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الرَّجُلُ، وَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَإِنَّمَا تَشْتَرِكُ مَعَ الرَّجُلِ فِي مَنْعِ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ اللَّيْثِ الْآتِي فِي آخِرِ الْحَجِّ: لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَلْبَسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَرُوِيَ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، قَالَ عِيَاضٌ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ، وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى كُلِّ مَخِيطٍ، وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ مَا يُغَطَّى الرَّأْسُ بِهِ مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ، وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ مَا يَسْتُرُ الرِّجْلُ، انْتَهَى. وَخَصَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْإِجْمَاعَ الثَّانِي بِأَهْلِ الْقِيَاسِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَالْمُرَادُ بِتَحْرِيمِ الْمَخِيطِ مَا يُلْبَسُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ، فَأَمَّا لَوِ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ مَثَلًا فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْعِمَامَةَ وَالْبُرْنُسَ مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ، قَالَ: وَمِنَ النَّادِرِ الْمِكْتَلُ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عَلَى رَأْسِهِ كَلَابِسِ الْقُبَعِ صَحَّ مَا قَالَ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ وَضْعِهِ عَلَى رَأْسِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْحَامِلِ لِحَاجَتِهِ لَا يَضُرُّ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَمِمَّا لَا يَضُرُّ أَيْضًا الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا، وَكَذَا سَتْرُ الرَّأْسِ بِالْيَدِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أَحَدٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَحَدٍ فِي الْإِثْبَاتِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ إِلَّا إِنْ كَانَ يَعْقُبُهُ نَفْيٌ.

قَوْلُهُ: (لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ زِيَادَةً حَسَنَةً تُفِيدُ ارْتِبَاطَ ذِكْرِ النَّعْلَيْنِ بِمَا سَبَقَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَلَى أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ

الْمَقْطُوعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ صَارَا كَالنَّعْلَيْنِ جَازَ، وَإِلَّا مَتَى سَتَرَا مِنْ ظَاهِرِ الرِّجْلِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِلْفَاقِدِ. وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ؛ إِمَّا لِفَقْدِهِ، أَوْ تَرْكِ بَذْلِ الْمَالِكِ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنِ الثَّمَنِ إِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ أَوِ الْأُجْرَةُ، وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ إِلَّا إِنْ أُعِيرَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَلْبَسْ) ظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّهُ لَمَّا شُرِعَ لِلتَّسْهِيلِ لَمْ يُنَاسِبِ التَّثْقِيلَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلرُّخْصَةِ.

قَوْلُهُ: (وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ: حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ. وَالْمُرَادُ كَشْفُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ؛ وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَيؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا اضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إِلَى الْخُفَّيْنِ خَرَقَ ظُهُورَهُمَا وَتَرَكَ فِيهِمَا قَدْرَ مَا يَسْتَمْسِكُ رِجْلَاهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الْكَعْبُ هُنَا هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنْ مُحَمَّدٍ، وأنَّ السَّبَبَ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ، فَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَنَقَلَهُ هِشَامٌ إِلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ، وَبِهَذَا يُتَعَقَّبُ عَلَى مَنْ نَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، كَابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْكَعْبَ هُوَ الشَّاخِصُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ - أَنْ يَكُونَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ - أَنَّ الْكَعْبَ عَظْمٌ مُسْتَدِيرٌ تَحْتَ عَظْمِ السَّاقِ حَيْثُ مَفْصِلُ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ قَدَمٍ كَعْبَيْنِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ بِلَفْظِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهَا هُنَا. وَأَجَابَ الْحَنَابِلَةُ بِأَشْيَاءَ؛ مِنْهَا دَعْوَى النَّسْخِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَهُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَهُ، وَقَالَ: انْظُرُوا أَيُّ الْحَدِيثَيْنِ قُبِلَ، ثُمَّ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ. وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا فِي الْأُمِّ فَقَالَ: كِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ، وَزِيَادَةُ ابْنِ عُمَرَ لَا تُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَزَبَتْ عَنْهُ أَوْ شَكَّ، أَوْ قَالَهَا فَلَمْ يَقُلْهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ، انْتَهَى.

وَسَلَكَ بَعْضُهُمُ التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ، انْتَهَى. وَهُوَ تَعْلِيلٌ مَرْدُودٌ، بَلْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ. عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا؛ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ بِإِسْنَادٍ وُصِفَ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ الْأَسَانِيدِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ نَافِعٌ، وَسَالِمٌ، بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَأْتِ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ، حَتَّى قَالَ الْأَصِيلِيُّ: إِنَّهُ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مَوْصُوفٌ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّرَاوِيلِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عَطَاءٍ: إِنَّ الْقَطْعَ فَسَادٌ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ) الرَّجل (المُحْرِمُ) قارنًا أو مفردًا أو متمتِّعًا (مِنَ الثِّيَابِ؟) وعند البيهقيِّ: أنَّ ذلك وقع والنَّبيُّ يخطب في مُقدَّم مسجد المدينة، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند المؤلِّف في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٤٣]: أنَّه خطب بذلك في عرفاتٍ، فيُحمَل على التَّعدُّد (قَالَ رَسُولُ اللهِ ) مجيبًا له: (لَا يَلْبَسُِ القُمُصَ) بضمِّ القاف والميم بالجمع، و «يلبسُ» بالرَّفع، وهو الأشهر على الخبر عن حكم الله؛ إذ هو جواب السُّؤال، أو خبرٌ بمعنى النَّهي، وبالجزم على النَّهي، وكُسِر لالتقاء السَّاكنين، فإن قلت: السُّؤال وقع عمَّا يجوز لبسه، والجواب وقع عمَّا لا يجوز لبسه، فما الحكمة فيه؟ أُجيب بأنَّ الجواب بما لا يجوز لبسه أحصر وأخصر ممَّا يجوز، فَذِكْرُه أَوْلى؛ إذ هو قليلٌ، ويُفهَم منه ما يُباح، فتحصل المطابقة بين الجواب والسُّؤال بالمفهوم، وقِيلَ: كان الأليق السُّؤال عن الذي لا يُباح، إذ الإباحة الأصل ولذا أجاب بذلك تنبيهًا للسَّائل على الأليق، ويُسمَّى مِثلُ ذلك: أسلوب الحكيم؛ نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ … الآية [البقرة: ١٨٩] فإنَّهم سألوا عن حكمة اختلاف القمر؛ حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا ثمَّ يزيد ثمَّ ينقص؟ فأجابهم بأنَّ الحكمة الظَّاهرة في ذلك أن تكون معالم للنَّاس يوقِّتون بها أمورهم، ومعالم

للعبادات المُوقَّتة، تُعرَف بها أوقاتها، وخصوصًا الحجُّ فبيَّن فساد سؤالهم؛ وهو أنَّه كان ينبغي أن يسألوا عمَّا ينفعهم في دينهم، ولا يسألوا عمَّا لا حاجة لهم في السُّؤال عنه، نعم المطابقة واقعةٌ بين السُّؤال والجواب على إحدى الرِّوايتين، فقد رواه أبو عَوانة من طريق ابن جريجٍ عن نافعٍ بلفظ: ما يترك المُحرِم؟ وهي شاذَّةٌ، والاختلاف فيها على ابن جريجٍ لا على نافعٍ، ورواه سالمٌ عن أبيه عند أحمد، وابن خزيمة وأبي عَوانة في «صحيحيهما» بلفظ: أنَّ رجلًا قال: ما يجتنب المُحرِم من الثِّياب؟ وأخرجه أحمد عن ابن عيينة عن الزُّهريِّ، فقال مرَّةً: ما يترك؟ ومرَّةً: ما يلبس؟ وأخرجه المؤلِّف في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٤٢] من طريق إبراهيم بن سعدٍ عن الزُّهريِّ بلفظ نافعٍ، فالاختلاف فيه على الزُّهريِّ يُشعِر بأنَّ بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافعٍ لعدم الاختلاف عليه فيها، واتَّجه البحث المتقدِّم فيها، قاله في «فتح الباري». ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لا يلبس القميص» بالإفراد (وَلَا العَمَائِمَ) جمع عمامةٍ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سروالٍ فارسيٌّ مُعرَّبٌ، والسَّراوين -بالنُّون- لغةٌّ، والشّروال (١) بالشِّين المعجمة (٢) لغةٌ (وَلَا البَرَانِسَ) جمع بُرنُسٍ؛ بضمِّ النُّون، قال في القاموس: البُرْنُس -بالضَّمِّ (٣) -: قلنسوةٌ طويلةٌ، أو كلُّ ثوبٍ رأسُه منه، دُرَّاعةً كان أو جُبَّةً. انتهى. وهو غير منصرفٍ، قِيلَ: لأنَّه منقولٌ عن الجمع بصيغة «مفاعيل»، وأنَّ واحده سروالةٌ، وحكى ابن الحاجب: أنَّ من العرب من يصرفه (٤) (وَلَا الخِفَافَ) بكسر الخاء جمعُ خُفٍّ، فنبَّه بالقميص والسَّراويل (٥) على كلِّ مخيطٍ، وبالعمائم والبرانس على كلِّ ما يغطِّي الرَّأس، مخيطًا كان أو غيره، فيحرم على الرَّجل ستر رأسه أو بعضه كالبياض الذي وراء الأذن ممَّا يُعَدُّ ساترًا عُرْفًا ولو بعصابةٍ ومرهمٍ؛ وهو ما يُوضَع على الجراحة، وطينٍ ساترٍ، لا ستره بماءٍ كأن غطس فيه، وخيطٍ شدَّ به رأسه، وهودجٍ استظلَّ به

وإن مسَّه، ولا بوضع (١) كفِّه وكذا كفِّ غيره، ومحمولٍ (٢) كقُفَّةٍ على رأسه لأنَّ ذلك لا يُعَدُّ ساترًا، وظاهرُ كلامهم عدمُ حرمة ذلك، سواءٌ قصد السَّتر به أم لا، لكن جزم الفُوْرَانيُّ وغيره: بوجوب الفدية فيما إذا قصد بحمل القُفَّة ونحوها السَّتر، وظاهره حرمة ذلك حينئذٍ، ولا أثر لتوسُّده وسادةً أو عمامةً، فإنَّه حاسر الرَّأس عُرْفًا، ونبَّه بـ «الخِفاف» على كلِّ ما يستر الرِّجل ممَّا (٣) يلبس عليه من مداسٍ وجوربٍ وغيرهما (إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «أحدٌ»، ويُستفاد منه -كما قاله ابن المُنيِّر في «الحاشية» -: جواز استعمال «أحدٌ» في الإثبات؛ خلافًا لمن خصَّه بضرورة الشِّعر كقوله:

وقد ظَهَرْتَ فما (٤) تخفى على أحدٍ … إلَّا على أحدٍ لا يعرف القمرا

قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنَّ «أحدًا» لا يُستعَمل في الإثبات إلَّا أن يعقب النَّفي، وكأنَّ الإثبات حينئذٍ في سياق النَّفي ونظير هذا زيادة الباء، فإنَّها لا تكون إلَّا في النَّفي، ثمَّ رأيناها زِيدت في الإثبات الذي هو في (٥) سياق النَّفي؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]. انتهى. والمستثنى منه محذوفٌ، ذكره مَعْمَرٌ في روايته عن الزُّهريِّ عن سالمٍ بلفظ: «وليُحرِم أحدُكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين، فإن لم يجد نعلين» (فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) ولأبي الوقت: «فليلبس الخفَّين» بالتَّعريف (وَلْيَقْطَعْهُمَا) أي: بشرط أن يقطعهما (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) ولا فدية عليه،

فإنَّها (١) لو وجبت لبيَّنها النَّبيُّ ، وهذا موضع بيانها، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرَّأس يحلقه ويفدي، وقال الحنابلة: ومن لم يجد إزارًا لبس سراويل، ومتى وجد إزارًا خلعه، أو نعلين لبس خفَّين ويحرم قطعها، واستدلُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ وجابرٍ في «الصَّحيح»: «من لم يجد نعلين فليلبس خفَّين» [خ¦٥٨٠٤] وليس فيه ذكر القطع، وقالوا: قطعهما إضاعة مالٍ، قالوا (٢): وإنَّ حديث ابن عمر المصرِّح بقطعهما منسوخٌ، وأُجيب بأنَّه لا يرتاب أحدٌ من المحدِّثين أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ من حديث ابن عبَّاسٍ لأنَّ حديث ابن عمر جاء بإسنادٍ وُصِف بأنَّه أصحُّ الأسانيد، واتَّفق عليه عن ابن عمر غيرُ واحدٍ من الحفُّاظ، منهم: نافعٌ وسالمٌ بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ فلم يأتِ مرفوعًا إلَّا من رواية جابر بن زيدٍ (٣) عنه، وبأنَّه يجب حمل حديث ابن عبَّاسٍ وجابرٍ على حديث ابن عمر لأنَّهما مطلقان، وفي حديث ابن عمر زيادةٌ لم يذكراها يجب الأخذ بها، وبأنَّ إضاعة المال إنَّما تكون في المنهيِّ عنه لا فيما أُذِن فيه، والأمر في قوله: «فليلبس الخفَّين» للإباحة لا للوجوب، والسِّرُّ في تحريم المخيط وغيره ممَّا ذكر مخالفةُ العادة والخروج عن المألوف لإشعار النَّفس بأمرين: الخروج عن الدُّنيا والتَّذكُّر للبس الأكفان عند نزع المخيط وتنبيهها (٤) على التَّلبُّس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجبٌ للإقبال (٥) عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشرائطها وآدابها (٦).

(وَلَا تَلْبَسُوا) بفتح أوَّله وثالثه (مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بالتَّعريف، ولأبي ذرٍّ: «زعفرانٌ» قال الزَّركشيُّ: بالتَّنوين لأنَّه ليس فيه إلَّا الألف والنُّون فقط، وهو لا يمنع الصَّرف، فلو سَمَّيت به امتنع (أَوْ وَرْسٌ) بفتح الواو وسكون الرَّاء بعدها سينٌ مُهمَلةٌ: نبتٌ أصفر مثل نبات السِّمسم، طيِّب الرِّيح يُصبَغ به، بين الحمرة والصُّفرة (٧)، أشهر طِيبٍ في بلاد اليمن؛ لكن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَحَدِيث أنس وَأخرجه السِّتَّة، خلا ابْن مَاجَه، من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أنس، فِي حَدِيث لَهُ قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا ركب رَاحِلَته واستوت بِهِ أهلَّ. وَلأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الْحسن، فَلَمَّا أَتَى على جبل الْبَيْدَاء أهلَّ، وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر عَن ثَابت عَن أنس فِي حَدِيث: فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ نَاقَته، قَالَ: لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة مَعًا. وَحَدِيث الْمسور بن مخرمَة أخرجه البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة، وَفِيه: فَلَمَّا كَانَ بِذِي الحليفة قلد الْهَدْي وَأَشْعرهُ وَأحرم مِنْهَا. وَحَدِيث سعد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق إِسْحَاق عَن أبي الزِّنَاد عَن عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص، قَالَت: قَالَ سعد: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَخذ طَرِيق الْفَرْع أهلَّ إِذا اسْتَقَلت بِهِ رَاحِلَته. وَإِذا أَخذ طَرِيق أُحُد أهل إِذا أشرف على جبل الْبَيْدَاء. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة أبي حسان الْأَعْرَج عَنهُ، وَفِيه: ثمَّ ركب رَاحِلَته، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ على الْبَيْدَاء أهلَّ بِالْحَجِّ، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: ثمَّ قعد على بعيره، فَلَمَّا اسْتَوَى على الْبَيْدَاء أهل بِالْحَجِّ.

وَعَن هَذَا اخْتلف الْعلمَاء فِي الْموضع الَّذِي أحرم مِنْهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ قوم: إِنَّه أهل من مَسْجِد ذِي الحليفة. وَقَالَ آخَرُونَ: لم يهل إلَاّ بعد أَن اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته بعد خُرُوجه من الْمَسْجِد، وروى ذَلِك أَيْضا عَن ابْن عمر وَأنس وَابْن عَبَّاس وَجَابِر، وَقَالَ آخَرُونَ: بل أحرم حِين أظل على الْبَيْدَاء. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأنكر قوم أَن يكون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم من الْبَيْدَاء، رُوِيَ ذَلِك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن أَبِيه قَالَ: مَا أهل إلَاّ من ذِي الحليفة، قَالُوا: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك بَعْدَمَا ركب رَاحِلَته، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه كَانَ يهل إِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة، وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَن يكون ذَلِك بَعْدَمَا تنبعث بِهِ رَاحِلَته، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مَالك عَن المَقْبُري عَن عبيد بن جريج عَن ابْن عمر قَالَ: لم أر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يهل حَتَّى تنبعث بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة. انْتهى. قلت: أَرَادَ الطَّحَاوِيّ بقوله: وَأنكر قوم الزُّهْرِيّ وَعبد الْملك بن جريج وَعبد الله بن وهب، فَإِنَّهُم قَالُوا: مَا أحرم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إلَاّ من عِنْد الْمَسْجِد. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك أردنَا أَن نَنْظُر من أَيْن جَاءَ اخْتلَافهمْ، فروى سعيد بن جُبَير، قَالَ قلت: لِابْنِ عَبَّاس: كَيفَ اخْتلف النَّاس فِي إهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَت طَائِفَة: أهل فِي مُصَلَّاهُ، وَقَالَت طَائِفَة: حِين اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته، وَقَالَت طَائِفَة: حِين علا الْبَيْدَاء؟ وسَاق بَقِيَّة كَلَامه نَحْو مَا ذكره أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: يَا أَبَا الْعَبَّاس، عجبت لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي إهلال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ: إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك، إِنَّمَا كَانَت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة وَاحِدَة، فَمن هُنَاكَ اخْتلفُوا خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَاجا، فَلَمَّا صلى فِي مَسْجِد ذِي الحليفة ركعتيه أوجب فِي مَجْلِسه، فَأهل بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه، فَسمع ذَلِك مِنْهُ أَقوام فحفظوه عَنهُ، ثمَّ ركب، فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهلَّ، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، وَذَلِكَ أَن النَّاس كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته ثمَّ مضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا علا شرف الْبَيْدَاء أهلَّ، وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهلَّ حِين علا شرف الْبَيْدَاء، وأيم الله، لقد أوجب فِي مُصَلَّاهُ، وأهلَّ حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته وَأهل حِين علا شرف الْبَيْدَاء. قَالَ سعيد بن جُبَير: فَمن أَخذ بقول ابْن عَبَّاس: أهل فِي مُصَلَّاهُ إِذا فرغ من ركعتيه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَبين ابْن عَبَّاس الْوَجْه الَّذِي جَاءَ فِيهِ اخْتلَافهمْ، وَأَن إهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي ابْتَدَأَ الْحَج وَدخل فِيهِ، كَانَ فِي مُصَلَّاهُ، فَبِهَذَا نَأْخُذ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء وَقَتَادَة: الْمُسْتَحبّ الْإِحْرَام من الْبَيْدَاء. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْبَيْدَاء هَذِه فَوق علمي ذِي الحليفة لمن صعد من الْوَادي، وَفِي أول الْبَيْدَاء بِئْر مَاء.

١٢ - (بابُ مَا لَا يَلْبَسُ المْحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا لَا يلبس الْمحرم، أَي: مَا لَا يجوز لبسه للْمحرمِ، سَوَاء كَانَ محرما بِحَجّ أَو بِعُمْرَة، أَو كَانَ مُتَمَتِّعا أَو قَارنا. وَقَوله: (من الثِّيَاب) ، بَيَان لما قبله.

٢٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عَن عَبْدِ الله بنِ عُمَر

َ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رَجُلاً قالَ يَا رسولَ الله مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافِ إلَاّ أحدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيئا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانِ أوْ وَرْسٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يلبس الْقَمِيص) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي آخر كتاب الْعلم فِي: بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمغايرة بَينهمَا فِي بعض الْمَتْن، فَإِنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ذكر هَذِه الْأَشْيَاء هُنَاكَ بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَذكر هُنَا بِصِيغَة الْجمع، وَهُنَاكَ: فَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ وَهنا (وَلَا الْخفاف إِلَّا أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ) وَهُنَاكَ: (وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا تَحت الْكَعْبَيْنِ) وَهنا: (أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ) وَلَيْسَ هُنَاكَ: وَلَا تلبسوا ... إِلَى آخِره. ولنتكلم هُنَا على مَا لم يسْبق فِيمَا مضى.

فَقَوله: (قَالَ يَا رَسُول الله! مَا يلبس الْمحرم) وَسَيَأْتِي من طَرِيق اللَّيْث عَن نَافِع بِلَفْظ: مَاذَا تَأْمُرنَا أَن نلبس من الثِّيَاب فِي الْإِحْرَام؟ وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عمر بن نَافِع عَن أَبِيه: مَا نلبس من الثِّيَاب إِذا أحرمنا؟ وَهَذَا يدل على أَن السُّؤَال عَن ذَلِك كَانَ قبل الْإِحْرَام. وَقد حكى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي بكر النَّيْسَابُورِي أَن فِي رِوَايَة ابْن جريج وَاللَّيْث عَن نَافِع أَن ذَلِك كَانَ فِي الْمَسْجِد. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، وَمن طَرِيق عبد الْوَهَّاب بن عَطاء عَن عبد الله بن عون، كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: نَادَى رجل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يخْطب بذلك الْمَكَان، وَأَشَارَ نَافِع إِلَى مقدم الْمَسْجِد، فَذكر الحَدِيث، وَظهر من ذَلِك أَنه كَانَ فِي الْمَدِينَة. فَإِن قلت: قد وَقع فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْآتِي فِي أَوَاخِر الْحَج أنهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب بذلك فِي عَرَفَات. قلت: يحمل على التَّعَدُّد. قَوْله: (مَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب؟ قَالَ: لَا يلبس) إِلَى آخِره. قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَت الْعلمَاء: هَذَا من بديع الْكَلَام وجزله، لِأَن مَا لَا يلبس منحصر، فَحصل التَّصْرِيح بِهِ، وَأما الملبوس الْجَائِز فَغير منحصر، فَحصل التَّصْرِيح بِهِ، وَأما الملبوس الْجَائِز فَغير منحصر فَقَالَ: (لَا يلبس) كَذَا ... أَي: ويلبس مَا سواهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: سُئِلَ عَمَّا يلبس فَأجَاب بِمَا لَا يلبس، ليدل بالالتزام من طَرِيق الْمَفْهُوم على مَا يجوز، وَإِنَّمَا عدل عَن الْجَواب لِأَنَّهُ أخصر وأحصر. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَدَلِيله أَنه نبه بالقمص والسراويل على جَمِيع مَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَهُوَ مَا كَانَ مخيطا أَو مَعْمُولا على قدر الْبدن أَو الْعُضْو كالجوشن والتبان وَغَيرهمَا، وَنبهَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعمائم والبرانس على كل سَاتِر للرأس مخيطا كَانَ أَو غَيره، حَتَّى الْعِصَابَة فَإِنَّهَا حرَام. وَنبهَ بالخفاف على كل سَاتِر للرِّجل من مداس وجورب وَغَيرهَا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن الْمُعْتَبر فِي الْجَواب مَا يحصل مِنْهُ الْمَقْصُود كَيفَ كَانَ، وَلَو بتغيير أَو زِيَادَة، وَلَا يشْتَرط الْمُطَابقَة، قَوْله وَلَا تشْتَرط الْمُطَابقَة. قلت: لَيْسَ على الْإِطْلَاق، بل الأَصْل اشْتِرَاطهَا وَلَكِن ثَمَّ مَوضِع يكون الْعُدُول عَنْهَا إِلَى غَيره وَهُوَ الأهم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس) وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (مَا يلبس الْمحرم؟) أَي: الرجل الْمحرم، وَالدَّلِيل على اخْتِصَاص الحكم بِالرِّجَالِ تَوْجِيه الْخطاب نحوهم بقوله: وَلَا تلبسوا. فَإِن قلت: وَاو الضَّمِير يسْتَعْمل متْنا، و: لَا، للقبيلتين على التغليب. قلت: نعم، وَلَكِن فِيهِ اخْتِصَاص بالمذكرين، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ فِي آخر حَدِيث اللَّيْث الْآتِي فِي آخر الْحَج: (وَلَا تنتقب الْمَرْأَة) . قَوْله: (وَلَا يلبس) ، خبر فِي معنى النَّهْي. قَوْله: (القمص) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْمِيم وَضمّهَا جمع: قَمِيص، وَيجمع أَيْضا على أقمصة وقمصان. قَوْله: (والعمائم) جمع عِمَامَة، يُقَال: اعتمَّ بالعمامة وتعمم بهَا، والسراويلات جمع سَرَاوِيل، والبرانس جمع برنس، وَهُوَ كل ثوب رَأسه مِنْهُ ملتزق بِهِ من ذراعه، أَو جُبَّة أَو ممطر أَو غَيره. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ قلنسوة طَوِيلَة كَانَ النساك يلبسونها فِي صدر الْإِسْلَام، وَهُوَ من البرس، بِكَسْر الْبَاء، وَهُوَ الْقطن، وَالنُّون زَائِدَة، وَقيل: إِنَّه غير عَرَبِيّ، والخفاف، بِكَسْر الْخَاء: جمع خف. قَوْله: (إلَاّ أحد) ، الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يلبس الْمحرم الْخُفَّيْنِ إلَاّ أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ فَإِنَّهُ يلبس الْخُفَّيْنِ بِشَرْط أَن يقطعهما حَتَّى يَكُونَا تَحت الْكَعْبَيْنِ فَيكون حِينَئِذٍ كالنعلين. وَقَوله: (لَا يجد نَعْلَيْنِ) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لأحد. قيل: فِيهِ دَلِيل على أَن لفظ: أحد، يجوز اسْتِعْمَاله فِي الْإِثْبَات خلافًا لمن قَالَ: لَا يجوز ذَلِك إلَاّ لضَرُورَة الشّعْر، وَالْمرَاد من قَوْله: (وليقطعهما أَسْفَل

من الْكَعْبَيْنِ) كشف الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَام، وهما العظمان الناتئان عِنْد مفصل السَّاق والقدم، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، قَالَ: إِذا اضْطر الْمحرم إِلَى الْخُفَّيْنِ خرق ظهورهما وَترك فيهمَا قدر مَا يسْتَمْسك رِجْلَاهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَمن تبعه من الْحَنَفِيَّة: الكعب هُنَا هُوَ الْعظم الَّذِي فِي وسط الْقدَم عِنْد معقد الشرَاك. وَقيل: إِن ذَلِك لَا يعرف عِنْد أهل اللُّغَة. قلت: الَّذِي قَالَ: لَا يعرف عِنْد أهل اللُّغَة، هُوَ ابْن بطال، وَالَّذِي قَالَه هُوَ لَا يعرف، وَكَيف وَالْإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن إِمَام فِي اللُّغَة والعربية؟ فَمن أَرَادَ تَحْقِيق صدق هَذَا فَلْينْظر فِي مُصَنفه الَّذِي وَضعه على أوضاع يعجز عَنهُ الفحول من الْعلمَاء والأساطين من الْمُحَقِّقين، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ (الْجَامِع الْكَبِير) وَالَّذِي قَالَه هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْأَصْمَعِي، قَالَه الإِمَام فَخر الدّين. قَوْله: (لَا تلبسوا) يدْخل فِيهِ الْإِنَاث أَيْضا، ذكره ليشْمل الذُّكُور وَالْإِنَاث. قَوْله: (مَسّه الزَّعْفَرَان) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنه صفة لقَوْله: (شَيْئا) ، والزعفران إسم أعجمي، وَقد صرفته الْعَرَب فَقَالُوا: ثوب مزعفر، وَقد زعفر ثَوْبه يزعفره زعفرة، وَيجمع على: زعافر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا أعلمهُ ينْبت شَيْء مِنْهُ من أَرض الْعَرَب، والورس، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الورس يزرع بِأَرْض الْيمن زرعا، وَلَا يكون بِغَيْر الْيمن، وَلَا يكون مِنْهُ شَيْء بريا، ونباته مثل حب السمسم، فَإِذا جف عِنْد إِدْرَاكه تفتق فينفض مِنْهُ الورس ويزرع سنة فيجلس عشر سِنِين أَن يُقيم فِي الأَرْض ينْبت ويثمر. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الورس نبت أصفر يكون بِالْيمن يتَّخذ مِنْهُ الغمرة للْوَجْه، تَقول مِنْهُ: أورس الْمَكَان وورست الثَّوْب توريسا: صبغته بالورس، وَمِلْحَفَة وريسة: صبغت بالورس. وَقَالَ ابْن بيطار فِي (جَامعه) : يُؤْتى بالورس من الصين واليمن والهند وَلَيْسَ بنبات يزرع كَمَا زعم من زعم، وَهُوَ يشبه زهر العصفر، وَمِنْه شَيْء يشبه نشارة البابونج، وَمِنْه شَيْء يشبه البنفسج، وَيُقَال: إِن الكركم عروقه.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه:

الأول: يحرَّم على الْمحرم لبس الْقَمِيص، وَنبهَ بِهِ فِي الحَدِيث على كل مخيط من كل مَعْمُول على قدر الْبدن أَو الْعُضْو، وَذَلِكَ مثل الْجُبَّة والقفازين، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُحْرم وَعَلِيهِ قَمِيص أَو جُبَّة، ثمَّ قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعد حَدثنَا عبد الله بن إِدْرِيس عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة. قَالَ: رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَعْرَابِيًا قد أحرم وَعَلِيهِ جُبَّة، فَأمره أَن يَنْزِعهَا. وَفِي بعض طرقه: قَمِيص، بدل: الْجُبَّة، وَهِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) . وَفِي رِوَايَة مقطعات، وَفِي أُخْرَى: أَخْلَاق، والقصة وَاحِدَة، وَلَا يجب قطع الْقَمِيص والجبة على الْمحرم إِذا أَرَادَ نَزعهَا، بل لَهُ أَن ينْزع ذَلِك من رَأسه وَإِن أدّى إِلَى الْإِحَاطَة بِرَأْسِهِ، خلافًا لمن قَالَ: يشقه، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز نزع ذَلِك من الرَّأْس، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، والْحَدِيث حجَّة لَهُم، وَلَو ارتدى بالقميص لَا يضرّهُ.

الثَّانِي: يحرّم عَلَيْهِ السَّرَاوِيل وَلَا يجب عَلَيْهِ قطعه عِنْد عدم الْإِزَار، كَمَا ورد فِي الْخُف، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَهُوَ الْأَصَح عِنْد أَكثر الشَّافِعِيَّة، قَالَه الرَّافِعِيّ. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ: إِنَّه لَا يجوز لبس السَّرَاوِيل إلَاّ إِذا لم يتأت فتقه وَجعله إزارا، فَإِن تأتى ذَلِك لم يجز لبسه، فَإِن لبسه لزمَه الْفِدْيَة. قَالَ الْخطابِيّ: ويحكى عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: يشق السَّرَاوِيل ويتزر بِهِ، وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ، فَإِن لم يجد رِدَاء فَلَا بَأْس أَن يشق قَمِيصه ويرتدي بِهِ، وَإِذا لم يجد الْإِزَار فتق السَّرَاوِيل، فَإِن لبسه وَلم يفتقه لزمَه دم.

الثَّالِث: لَا يتعمم، قَالَ الْخطابِيّ: ذكر الْعِمَامَة والبرنس مَعًا ليدل على أَنه لَا يجوز تَغْطِيَة الرَّأْس، لَا بالمعتاد وَلَا بالنادر. قَالَ: وَمن النَّادِر المكتل يحملهُ على رَأسه. قلت: مُرَاده أَن يَجعله على رَأسه كلبس القبع، وَلَا يلْزم شَيْء بِمُجَرَّد وَضعه على رَأسه كَهَيئَةِ الْحَامِل لِحَاجَتِهِ، وَلَو انغمس فِي المَاء لَا يضرّهُ، فَإِنَّهُ لَا يُسمى لابسا، وَكَذَا لَو ستر رَأسه بِيَدِهِ.

الرَّابِع: الْخفاف، الشَّرْط فِي الْخُفَّيْنِ الْقطع، خلافًا لِأَحْمَد فَإِنَّهُ أجَاز لَيْسَ الْخُفَّيْنِ من غير قطع، وَهُوَ الْمَشْهُور عَنهُ، وَحكى عَن عَطاء مثله. قَالَ: لِأَن فِي قلعهما فَسَادًا. قَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون عَطاء لم يبلغهُ حَدِيث ابْن عمر، وَإِنَّمَا الْفساد أَن يفعل مَا نهت عَنهُ الشَّرِيعَة، فَأَما مَا أذن فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَيْسَ بِفساد. قَالَ: وَالْعجب من أَحْمد فِي هَذَا فَإِنَّهُ لَا يكَاد يُخَالف سنة تبلغه. وَقلت: سنة لم تبلغه، وَيُشبه أَن يكون إِنَّمَا ذهب إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس الْآتِي فِي أَوَاخِر الْحَج بِلَفْظ: (من لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ) . قلت: أجابت الْحَنَابِلَة عَنهُ بأَشْيَاء: مِنْهَا: دَعْوَى النّسخ فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَإِن الْبَيْهَقِيّ روى عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: لم يذكر ابْن عَبَّاس

الْقطع، وَقَالَ ابْن عمر: وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، فَلَا أَدْرِي أَي الْحَدِيثين نسخ الآخر. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَمْرو قَالَ: أنظروا أَيهمَا قبل؟ حَدِيث ابْن عمر أَو حَدِيث ابْن عَبَّاس؟ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فحملهما عَمْرو بن دِينَار على نسخ أَحدهمَا الآخر. قَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَبَين فِي رِوَايَة ابْن عون وَغَيره عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن ذَلِك كَانَ بِالْمَدِينَةِ قبل الْإِحْرَام، وَبَين فِي رِوَايَة شُعْبَة عَن عَمْرو عَن أبي الشعْثَاء، وَجَابِر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس أَن ذَلِك كَانَ بِعَرَفَة، وَذَلِكَ بعد قصَّة ابْن عمر، وَأجَاب الشَّافِعِي عَن هَذَا فِي (الْأُم) فَقَالَ: كِلَاهُمَا حَافظ صَادِق، وَزِيَادَة ابْن عمر لَا تخَالف ابْن عَبَّاس لاحْتِمَال أَن يكون عزب عَنهُ، أَو شكّ فِيهِ، فَلم يؤده. وَإِمَّا سكت عَنهُ وَإِمَّا أَدَّاهُ فَلم يؤد عَنهُ. وَمِنْهَا: مَا قَالُوا: مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ: إِن حَدِيث ابْن عمر اخْتلف فِي وَقفه وَرَفعه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس لم يخْتَلف فِي رَفعه. وَأجِيب: عَن هَذَا بِأَنَّهُ لم يخْتَلف على ابْن عمر فِي رفع الْأَمر بِالْقطعِ إلَاّ فِي رِوَايَة شَاذَّة، على أَنه اخْتلف فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا، وَلَا يشك أحد من الْمُحدثين أَن حَدِيث ابْن عمر أصح من حَدِيث ابْن عَبَّاس، لِأَن حَدِيث ابْن عمر جَاءَ بِإِسْنَاد، وصف بِكَوْنِهِ أصح الْأَسَانِيد، وَاتفقَ عَلَيْهِ عَن ابْن عمر غير وَاحِد من الْحفاظ، مِنْهُم: نَافِع وَسَالم: بِخِلَاف حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَلم يَأْتِ مَرْفُوعا إلَاّ من رِوَايَة جَابر بن زيد عَنهُ، حَتَّى قَالَ الْأصيلِيّ: إِنَّه شيخ بَصرِي لَا يعرف. وَمِنْهَا: أَن بَعضهم قاسوه على السَّرَاوِيل، ورد بِأَن الْقيَاس مَعَ وجود النَّص فَاسد الِاعْتِبَار. وَمِنْهَا: أَن بَعضهم احْتَجُّوا بقول عَطاء: إِن الْقطع فَسَاد، وَالله لَا يحب الْفساد. وَقد أُجِيب: عَنهُ بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَمِنْهَا: مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ: إِن الْأَمر بِالْقطعِ يحمل على الْإِبَاحَة لَا على الِاشْتِرَاط، عملا بِالْحَدِيثين. وَأجِيب: بِأَنَّهُ تعسف، وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَوْضِعه، وَالْأَحْسَن فِي هَذَا أَن يُقَال: إِن حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد ورد فِي بعض طرقه الصَّحِيحَة مُوَافَقَته لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قطع الْخُفَّيْنِ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه، قَالَ: أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا أَيُّوب عَن عَمْرو عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِذا لم يجد إزارا فليلبس السَّرَاوِيل، وَإِذا لم يجد النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ) ، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود الجحدري وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَغَيره، وباقيهم رجال الصَّحِيح، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة على الْمَذْهَب الصَّحِيح.

الْخَامِس: الزَّعْفَرَان والورس، وَظَاهر الحَدِيث أَنه لَا يجوز لبس مَا مَسّه الورس والزعفران، سَوَاء انْقَطَعت رَائِحَته وَذهب ردعه بِحَيْثُ لَا ينفض، أَو مَعَ بَقَاء ذَلِك. وَفِي (الْمُوَطَّأ) أَن مَالِكًا سُئِلَ عَن ثوب مَسّه طيب ثمَّ ذهب ريح الطّيب مِنْهُ، هَل يحرم فِيهِ؟ قَالَ: نعم، لَا بَأْس بذلك مَا لم يكن فِيهِ صباغ زعفران أَو ورس. قَالَ مَالك: وَإِنَّمَا يكره لبس المشبعات لِأَنَّهَا تنفض، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه إِن كَانَ بِحَيْثُ لَو أَصَابَهُ المَاء فاحت الرَّائِحَة مِنْهُ لم يجز اسْتِعْمَاله، وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِيمَا إِذا بَقِي اللَّوْن فَقَط وَجْهَيْن مبنيين على الْخلاف فِي أَن مُجَرّد اللَّوْن هَل يعْتَبر؟ قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالصَّحِيح أَنه لَا يعْتَبر، وَقَالَ أَصْحَابنَا: مَا غسل من ذَلِك حَتَّى صَار لَا ينفض فَلَا بَأْس بلبسه فِي الْإِحْرَام، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن وطاووس وَقَتَادَة وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَمعنى: لَا ينفض، لَا يَتَنَاثَر صبغه. وَقيل: لَا يفوح رِيحه، وهما منقولان عَن مُحَمَّد بن الْحسن، والتعويل على زَوَال الرَّائِحَة، حَتَّى لَو كَانَ لَا يَتَنَاثَر صبغه، وَلكنه يفوح رِيحه يمْنَع من ذَلِك، لِأَن ذَلِك دَلِيل بَقَاء الطّيب، إِذْ الطّيب مَا لَهُ رَائِحَة طيبَة. وَقد روى الطَّحَاوِيّ عَن فَهد عَن يحيى بن عبد الحميد عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن ابْن أبي عمرَان عَن عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ عَن أبي مُعَاوِيَة عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تلبسوا ثوبا مَسّه ورس أَو زعفران. يَعْنِي: فِي الْإِحْرَام، إلَاّ أَن يكون غسيلاً) . وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا من حَدِيث يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي. فَإِن قلت: مَا حَال هَذِه الزِّيَادَة؟ أَعنِي قَوْله: إلَاّ أَن يكون غسيلاً؟ قلت: صَحِيح، لِأَن رِجَاله ثِقَات، وروى هَذِه الزِّيَادَة أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، وَهُوَ ثِقَة ثَبت. فَإِن قلت: قَالَ ابْن خزم: وَلَا نعلمهُ صَحِيحا، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: أَبُو مُعَاوِيَة مُضْطَرب الحَدِيث فِي أَحَادِيث عبيد الله، وَلم يَجِيء أحد بِهَذِهِ غَيره؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ ابْن أبي عمرَان: رَأَيْت يحيى بن معِين وَهُوَ متعجب من الْحمانِي إِذْ حدث بِهَذَا الحَدِيث، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ: هَذَا

الحَدِيث عِنْدِي، ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ، فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يحيى الْحمانِي، فَكتب عَنهُ يحيى بن معِين، وَكفى لصِحَّة هَذَا الحَدِيث شَهَادَة عبد الرَّحْمَن وَكِتَابَة يحيى بن معِين وَرِوَايَة أبي مُعَاوِيَة، وَأما قَول ابْن حزم: وَلَا نعلمهُ صَحِيحا، فَهِيَ نفي لعلمه بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا لَا يسْتَلْزم نفي صِحَة الحَدِيث فِي علم غَيره، فَافْهَم. وَقد روى أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حَدِيثا يدل على جَوَاز لبس المزعفر للْمحرمِ إِذا لم يكن فِيهِ نفض وَلَا ردع.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد من ظَاهر الحَدِيث: جَوَاز لبس المزعفر والمورس لغير الرجل الْمحرم، لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك فِي جَوَاز السُّؤَال عَمَّا يلبس الْمحرم، فَدلَّ على جَوَازه لغيره، فَإِن قلت: أخرج الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يتزعفر الرجل؟ قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: الْجمع بَين الْحَدِيثين أَنه يحْتَمل أَن يُقَال: إِن جَوَاب سُؤَالهمْ انْتهى عِنْد قَوْله: أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ اسْتَأْنف بِهَذَا لَا تعلق لَهُ بالمسؤول عَنهُ، فَقَالَ: وَلَا تلبسوا شَيْئا من الثِّيَاب ... إِلَى آخِره، ثمَّ ذكر حكم الْمَرْأَة الْمُحرمَة. انْتهى. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال فِيهِ بعد، بل الْأَوْجه أَن المُرَاد من النَّهْي عَن تزعفر الرجل أَن يزعفر بدنه، فَأَما لبس الثَّوْب المزعفر لغير الْمحرم فَلَا بَأْس بِهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يزعفر الرجل جلده، وَإِسْنَاده صَحِيح، والْحَدِيث الَّذِي يُنْهِي النَّهْي عَن مُطلق التزعفر، وَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد الَّذِي فِيهِ بِأَن يزعفر الرجل جلده، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ورد فِي جَوَاز لبس الثِّيَاب المزعفرة والمورسة للرِّجَال، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث قيس بن سعد، قَالَ: أَتَانَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَضَعْنَا لَهُ مَا يتبرَّد فاغتسل، ثمَّ أَتَيْته بملحفة صفراء فَرَأَيْت أثر الورس عَلَيْهِ، لفظ ابْن مَاجَه. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: كَانَ يصْبغ بالصفرة ثِيَابه كلهَا حَتَّى عمَامَته، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَفِي لفظ لَهُ: إِن ابْن عمر كَانَ يصْبغ ثِيَابه بالزعفران، فأصله فِي (الصَّحِيح) وَلَفظه: أما الصُّفْرَة فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصْبغ بهَا. وَجمع الْخطابِيّ بِأَن مَا صبغ غزله ثمَّ نسج فَلَيْسَ بداخل فِي النَّهْي، وَوَافَقَهُ الْبَيْهَقِيّ على هَذَا، فَإِن قلت: قد علم أَن الْمحرم قد منع من لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالزعفران أَو الورس، فَمَا حكمه إِذا توسد عَلَيْهِ أَو نَام؟ قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف فِي (الْإِمْلَاء) : لَا يَنْبَغِي لمحرم أَن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران وَلَا الورس، وَلَا ينَام عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يصير مُسْتَعْملا للطيب، فَكَانَ كاللبس، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: اخْتلف أهل الْعلم فِي الورس هَل هُوَ طيب أم لَا؟ فَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَنه لَيْسَ بِطيب، فَقَالَ: والورس، وَإِن لم يكن طيبا فَلهُ رَائِحَة طيبَة، فَأَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يبين تجنب الطّيب الْمَحْض، وَمَا يشبه الطّيب فِي ملايمة الشم واستحسانه. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: هُوَ فِيمَا يُقَال: أشهر طيب فِي بِلَاد الْيمن، وَفِي كَلَام النَّوَوِيّ أَيْضا مَا يشْعر أَنه طيب. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: نبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالورس والزعفران على مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يقْصد بِهِ الطّيب فَهِيَ حرَام على القبيلتين، فَيكْرَه للْمحرمِ لبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بِغَيْر طيب، وَأما الْفَوَاكِه كالأترج والتفاح وأزهار الْبَوَادِي كالشيخ والقيصوم وَغَيرهمَا فَلَيْسَ بِحرَام.

٢٢ - (بابُ الرُّكُوبِ وَالارْتِدَافِ فِي الحَجِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الرّكُوب والارتداف فِي الْحَج، والارتداف أَن يركب الرَّاكِب خَلفه آخر.

٤٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفَةَ إلَى المُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةَ إلَى مِنَىً قَالَ فَكلَاهُمَا قَالَ لَمْ يَزَلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.

(الحَدِيث ٣٤٥١ طرفه فِي: ٦٨٦١) ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا. وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، ووهب هُوَ ابْن جرير بن حَازِم يروي عَن أَبِيه جرير، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن

مَسْعُود أَبُو عبد الله الهزلي أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين.

وَأخرجه مُسلم من حَدِيث كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات ... الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. وروى من حَدِيث عَطاء قَالَ: أَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدف الْفضل من جمع، قَالَ: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ردف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره فَاء، بِمَعْنى: الرديف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب، وَكَذَلِكَ الرديف، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد. قَوْله: (من عَرَفَة) أَي: من عَرَفَات، وَهُوَ اسْم لموْضِع الْوُقُوف. قَوْله: (إِلَى الْمزْدَلِفَة) ، بِلَفْظ الْفَاعِل من الإزدلاف، وَهُوَ التَّقَرُّب والتقدم لِأَن الْحجَّاج إِذا أفاضوا من عَرَفَات ازدلفوا إِلَيْهَا، أَي: تقربُوا مِنْهَا وتقدموا إِلَيْهَا، وَسميت بذلك لمجيء النَّاس فِي زلف من اللَّيْل، وَهُوَ مَوضِع بحرم مَكَّة. قَوْله: (الْفضل) هُوَ ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب. قَوْله: (فكلاهما) أَي: أُسَامَة وَالْفضل. قَوْله: (حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) ، أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة، وَهِي حد منى من الْجَانِب الغربي من جِهَة مَكَّة. وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الْجَمْرَة الْكُبْرَى، والجمرة والحصاة، وَهنا اسْم لمجتمع الْحَصَى.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْحَج رَاكِبًا أفضل، وَقد مر الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب الْحَج على الرجل. وَفِيه: إرداف الْعَالم. وَفِيه: التَّوَاضُع بالإرداف للرجل الْكَبِير وَالسُّلْطَان الْجَلِيل. وَفِيه: حجَّة لأبي حنيفَة وصاحبيه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد بن عَليّ وَأبي عبيد والطبري فِي قَوْلهم: يُلَبِّي الْحَاج وَلَا يقطع التَّلْبِيَة حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَهُوَ الْمَنْقُول أَيْضا عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن حَيّ، وروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن مَسْعُود ومَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ثمَّ اخْتلف بعض هَؤُلَاءِ، فَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يقطع التَّلْبِيَة مَعَ أول حَصَاة يرميها من جَمْرَة الْعقبَة. وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَطَائِفَة من أهل النّظر والأثر: لَا يقطعهَا حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة بأسرها، قَالُوا: وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) وَلم يقل: حَتَّى رمى بَعْضهَا. قلت: روى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شريك عَن عَامر بن شَقِيق عَن أبي وَائِل (عَن عبد الله: رمقت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة بِأول حَصَاة) . فَإِن قلت: أخرج ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : عَن الْفضل بن عَبَّاس قَالَ: (أفضت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات، فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة، يكبر مَعَ كل حَصَاة، ثمَّ قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة) . قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه زِيَادَة غَرِيبَة لَيست فِي الرِّوَايَات عَن الْفضل، وَإِن كَانَ ابْن خُزَيْمَة قد اخْتَارَهَا. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: فِيهِ نَكَارَة. وَقَوله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، يدل على أَنه قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ وَمَالك وَأَصْحَابه وَأكْثر أهل الْمَدِينَة: (الْحَاج لَا يُلَبِّي فيعرفة بل يكبر ويهلل) . وَرُوِيَ ذَلِك عَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَجَابِر بن عبد الله.

ثمَّ اخْتلفُوا مَتى يقطع التَّلْبِيَة؟ فَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك أَصْحَابه: يقطعهَا إِذا توجه إِلَى عَرَفَات، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عُثْمَان وَعَائِشَة، وَرُوِيَ عَنْهُمَا خلاف ذَلِك، فَقَالَ الزُّهْرِيّ والسائب بن يزِيد وَسليمَان بن يسَار وَابْن الْمسيب فِي رِوَايَة: (يقطعهَا حِين يقف بِعَرَفَات) ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث أُسَامَة بن زيد، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: (كنت ردف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة فَكَانَ لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، وَكَانَ إِذا وجد فجوة نَص) . قَوْله: (فجوة) ، بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا: وَهِي مَا اتَّسع من الأَرْض وَقد روى فِي (الْمُوَطَّأ) : فُرْجَة. قَوْله: (نَص) ، أَي: رفع فِي سيره وأسرع، وَالنَّص مُنْتَهى الْغَايَة فِي كل شَيْء، قَالَه فِي (الْمطَالع) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَإِذا التحم عَلَيْهِ النَّاس أعنق، وَإِذا وجد فُرْجَة نَص) . قَوْله: (أعتق) ، من العَنَق وَهُوَ: السّير الْيَسِير الَّذِي تمد فِيهِ الدَّابَّة عُنُقهَا للاستعانة، وَهُوَ دون الْإِسْرَاع. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك لَا يدل على نفي التَّلْبِيَة وَخُرُوج وَقتهَا، وَقَوله: لَا يزِيد على التَّكْبِير والتهليل، يَعْنِي: الزِّيَادَة من جِنْسهَا.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل