«مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ». بَابُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦١

الحديث رقم ١٦١ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الاستنثار في الوضوء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٦١ في صحيح البخاري

«مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».

بَابُ الِاسْتِجْمَارِ وِتْرًا

إسناد حديث البخاري رقم ١٦١

١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٦١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٥ - بَاب الِاسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ

ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ

١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ.

[الحديث ١٦١ - طرفه في: ١٦٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِنْثَارِ) هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّثْرِ بِالنُّونِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ - أَيْ: يَجْذِبُهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ - لِتَنْظِيفِ مَا فِي دَاخِلِهِ فَيَخْرُجُ بِرِيحِ أَنْفِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَةُ فِعْلِهِ بِغَيْرِ الْيَدِ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ فِعْلَ الدَّابَّةِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. وَإِذَا اسْتَنْثَرَ بِيَدِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْيُسْرَى، بَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُقَيَّدًا بِهَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ.

قَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ) أَيْ: رَوَى الِاسْتِنْثَارَ (عُثْمَانُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ، (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ.

قَوْلُهُ: (وَابْنُ عَبَّاسٍ) تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي بَابِ غَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ غَرْفَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الِاسْتِنْثَارِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَاسْتَنْثَرَ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (أَبُو إِدْرِيسَ) هُوَ الْخَوْلَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ عَنْ يُونُسَ، أَبَا سَعِيدٍ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَسْتَنْثِرْ) ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ كَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الِاسْتِنْثَارِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الِاسْتِنْشَاقِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالِاسْتِنْثَارِ، وَصَرَّحَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.

وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ بِمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قَوْلِهِ لِلْأَعْرَابِيِّ: تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ. وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِنْشَاقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَهُ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ بَلْ وَلَا الْمَضْمَضَةَ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْمَضْمَضَةَ أَيْضًا، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهَا أَيْضًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ مَعَ صِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَهُ لَا يُعِيدُ، وَهَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ، فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ إِلَّا عَنْ عَطَاءٍ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِيجَابِ الْإِعَادَةِ، ذَكَرَهُ كُلَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدًا. وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَلَفْظُهُ: وَإِذَا اسْتَنْثَرَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وِتْرًا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَأَصْلُهُ لِمُسْلِمٍ.

وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ: إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ التَّنْظِيفُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعُونَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ بِتَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَسِ تَصِحُّ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ، وَيُزَادُ لِلْمُسْتَيْقِظِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ. وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ مَبَاحِثِهِ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أَيْ: اسْتَعْمَلَ الْجِمَارَ - وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ - فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٥) هذا (١) (بابُ الاِسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ) وهو دفع الماء الذي يستنشقه المتوضِّئ، أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرجه بريح أنفه، سواءٌ كان بإعانة يده أم لا (ذَكَرَهُ) أي: الاستنثار (عُثْمَانُ) بن عفَّان فيما رواه المؤلِّف موصولًا في «باب مسح الرَّأس كلّه» كما تقدَّم (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) فيما (٢) وصله المؤلِّف [خ¦٤/ ٢٨ - ٢٨٩] فيما سيأتي إن شاء الله تعالى (وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ) وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ: «وعبد الله بن عبَّاسٍ» وتقدَّم حديثه موصولًا عند المؤلِّف في «باب غسل الوجه من غَرْفَةٍ» [خ¦١٤٠] لكن ليس فيه ذكر «الاستنثار»، قال في «الفتح»: وكأنَّ المصنِّف أشار بذلك إلى ما رواه أحمدُ وأبو داود والحاكمُ من حديثه موقوفًا: استنثروا مرَّتين بالغتين أو ثلاثًا.

١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) اسمه: عبد الله بن عثمان المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: ابن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله -بالهمزة والذَّال المُعجَمَة- ابن عبد الله الخولانيُّ -بالمُعجَمَة- التَّابعيُّ الجليل، قاضي دمشق لمعاوية، المُتوفَّى سنة ثمانين (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت عنِ المُستملي: «أنَّه قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) بأن يُخرِج ما في أنفه من أذًى بعد الاستنشاق لِما فيه من تنقية مجرى النَّفَس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه من الثُّفْل تصحُّ مجاري الحروف، وفيه طرد الشَّيطان لِما (٣) عند

المؤلِّف رحمه الله تعالى في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٥]: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضَّأ (١) فليستنثر ثلاثًا، فإنَّ الشَّيطان يبيت على خيشومه» والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشَّيطان عليه حقيقةٌ أو هو على الاستعارة لأنَّ ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارةٌ توافق الشَّياطين (٢)، فهو على عادة العرب في نسبتهم المُستخبَث والمُستبشَع (٣) إلى الشَّيطان، أو ذلك عبارةٌ عن تكسيله عن القيام إلى الصَّلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته لعموم النَّائمين أو مخصوصٌ بمن لم يفعل ما يحترس به (٤) في منامه كقراءة آية «الكرسيِّ»؟ وظاهر الأمر فيه: للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به -كأحمد وإسحاق وغيرهما- أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب «المغني» من الحنابلة أنَّهم يقولون بذلك، وأنَّ مشروعيَّة الاستنشاق لا تحصل إلَّا بالاستنثار، وقول العينيِّ: إنَّ الإجماع قائمٌ على عدم وجوبه، يردُّه تصريح ابن بطَّالٍ بأنَّ بعض العلماء قال بوجوبه، وقال الجمهور: إنَّ الأمر فيه للنَّدب مستدلِّين له بما أخرجه التِّرمذيُّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه من قوله للأعرابيِّ: «من توضَّأ كما أمر الله … » فأحال (٥) على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أي: مسح محلِّ النَّجو بالجمار، وهي الأحجار الصِّغار (فَلْيُوتِرْ) وحمله بعضهم على استعمال البَخور، فإنَّه يُقال: تجمَّر واستجمر، أي: فلْيأخذ ثلاث قطعٍ من الطِّيب ويتطيَّب ثلاثًا أو أكثر وترًا، حكاه ابن حبيبٍ عن ابن عمرَ، ولا يصحُّ، وكذا حكاه ابن عبد البرِّ عن مالكٍ، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عنه خلافه، والأظهر الأوَّل (٦).

(٢٦) (بابُ الاِسْتِجْمَارِ) بالأحجار حال كونه (وِتْرًا).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٥ - بَاب الِاسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ

ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ

١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ.

[الحديث ١٦١ - طرفه في: ١٦٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِنْثَارِ) هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّثْرِ بِالنُّونِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ - أَيْ: يَجْذِبُهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ - لِتَنْظِيفِ مَا فِي دَاخِلِهِ فَيَخْرُجُ بِرِيحِ أَنْفِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَةُ فِعْلِهِ بِغَيْرِ الْيَدِ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ فِعْلَ الدَّابَّةِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. وَإِذَا اسْتَنْثَرَ بِيَدِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْيُسْرَى، بَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُقَيَّدًا بِهَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ.

قَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ) أَيْ: رَوَى الِاسْتِنْثَارَ (عُثْمَانُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ، (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ.

قَوْلُهُ: (وَابْنُ عَبَّاسٍ) تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي بَابِ غَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ غَرْفَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الِاسْتِنْثَارِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَاسْتَنْثَرَ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (أَبُو إِدْرِيسَ) هُوَ الْخَوْلَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ عَنْ يُونُسَ، أَبَا سَعِيدٍ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَسْتَنْثِرْ) ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ كَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الِاسْتِنْثَارِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الِاسْتِنْشَاقِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالِاسْتِنْثَارِ، وَصَرَّحَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.

وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ بِمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قَوْلِهِ لِلْأَعْرَابِيِّ: تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ. وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِنْشَاقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَهُ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ بَلْ وَلَا الْمَضْمَضَةَ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْمَضْمَضَةَ أَيْضًا، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهَا أَيْضًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ مَعَ صِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَهُ لَا يُعِيدُ، وَهَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ، فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ إِلَّا عَنْ عَطَاءٍ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِيجَابِ الْإِعَادَةِ، ذَكَرَهُ كُلَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدًا. وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَلَفْظُهُ: وَإِذَا اسْتَنْثَرَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وِتْرًا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَأَصْلُهُ لِمُسْلِمٍ.

وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ: إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ التَّنْظِيفُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعُونَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ بِتَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَسِ تَصِحُّ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ، وَيُزَادُ لِلْمُسْتَيْقِظِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ. وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ مَبَاحِثِهِ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أَيْ: اسْتَعْمَلَ الْجِمَارَ - وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ - فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٥) هذا (١) (بابُ الاِسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ) وهو دفع الماء الذي يستنشقه المتوضِّئ، أي: يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرجه بريح أنفه، سواءٌ كان بإعانة يده أم لا (ذَكَرَهُ) أي: الاستنثار (عُثْمَانُ) بن عفَّان فيما رواه المؤلِّف موصولًا في «باب مسح الرَّأس كلّه» كما تقدَّم (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) فيما (٢) وصله المؤلِّف [خ¦٤/ ٢٨ - ٢٨٩] فيما سيأتي إن شاء الله تعالى (وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ) وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ: «وعبد الله بن عبَّاسٍ» وتقدَّم حديثه موصولًا عند المؤلِّف في «باب غسل الوجه من غَرْفَةٍ» [خ¦١٤٠] لكن ليس فيه ذكر «الاستنثار»، قال في «الفتح»: وكأنَّ المصنِّف أشار بذلك إلى ما رواه أحمدُ وأبو داود والحاكمُ من حديثه موقوفًا: استنثروا مرَّتين بالغتين أو ثلاثًا.

١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) اسمه: عبد الله بن عثمان المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: ابن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله -بالهمزة والذَّال المُعجَمَة- ابن عبد الله الخولانيُّ -بالمُعجَمَة- التَّابعيُّ الجليل، قاضي دمشق لمعاوية، المُتوفَّى سنة ثمانين (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت عنِ المُستملي: «أنَّه قال»: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) بأن يُخرِج ما في أنفه من أذًى بعد الاستنشاق لِما فيه من تنقية مجرى النَّفَس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه من الثُّفْل تصحُّ مجاري الحروف، وفيه طرد الشَّيطان لِما (٣) عند

المؤلِّف رحمه الله تعالى في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٥]: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضَّأ (١) فليستنثر ثلاثًا، فإنَّ الشَّيطان يبيت على خيشومه» والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشَّيطان عليه حقيقةٌ أو هو على الاستعارة لأنَّ ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارةٌ توافق الشَّياطين (٢)، فهو على عادة العرب في نسبتهم المُستخبَث والمُستبشَع (٣) إلى الشَّيطان، أو ذلك عبارةٌ عن تكسيله عن القيام إلى الصَّلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته لعموم النَّائمين أو مخصوصٌ بمن لم يفعل ما يحترس به (٤) في منامه كقراءة آية «الكرسيِّ»؟ وظاهر الأمر فيه: للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به -كأحمد وإسحاق وغيرهما- أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب «المغني» من الحنابلة أنَّهم يقولون بذلك، وأنَّ مشروعيَّة الاستنشاق لا تحصل إلَّا بالاستنثار، وقول العينيِّ: إنَّ الإجماع قائمٌ على عدم وجوبه، يردُّه تصريح ابن بطَّالٍ بأنَّ بعض العلماء قال بوجوبه، وقال الجمهور: إنَّ الأمر فيه للنَّدب مستدلِّين له بما أخرجه التِّرمذيُّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه من قوله للأعرابيِّ: «من توضَّأ كما أمر الله … » فأحال (٥) على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أي: مسح محلِّ النَّجو بالجمار، وهي الأحجار الصِّغار (فَلْيُوتِرْ) وحمله بعضهم على استعمال البَخور، فإنَّه يُقال: تجمَّر واستجمر، أي: فلْيأخذ ثلاث قطعٍ من الطِّيب ويتطيَّب ثلاثًا أو أكثر وترًا، حكاه ابن حبيبٍ عن ابن عمرَ، ولا يصحُّ، وكذا حكاه ابن عبد البرِّ عن مالكٍ، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عنه خلافه، والأظهر الأوَّل (٦).

(٢٦) (بابُ الاِسْتِجْمَارِ) بالأحجار حال كونه (وِتْرًا).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله