«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٨٣

الحديث رقم ١٧٨٣ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب العمرة ليلة الحصبة وغيرها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٨٣ في صحيح البخاري

«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ لَنَا: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي.»

بَابُ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٧٨٣

١٧٨٣ -

⦗٤⦘

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٨٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَمَا يَزِيدُ بِحُضُورِ الْقَلْبِ وَبِخُلُوصِ الْقَصْدِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عُمْرَةٌ فَرِيضَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةِ فَرِيضَةٍ، وَعُمْرَةٌ نَافِلَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ نَافِلَةٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُهُ كَحَجَّةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَرَكَةِ رَمَضَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ. قُلْتُ: الثَّالِثُ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَلَا نَعْلَمُ هَذَا إِلَّا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ فِي آخِرِ حَدِيثِهَا قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ: الْحَجُّ حَجَّةٌ وَالْعُمْرَةُ عُمْرَةٌ، وَقَدْ قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ لِي، فَمَا أَدْرِي أَلِي خَاصَّةً تَعْنِي أَوْ لِلنَّاسِ عَامَّةً. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالسَّبَبُ فِي التَّوَقُّفِ اسْتِشْكَالُ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ صَحَّ جَوَابُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ) لَمْ يَعْتَمِرِ النَّبِيُّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ ثَبَتَ فَضْلُ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ بِحَدِيثِ الْبَابِ، فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ أَفْضَلُ، وَأَمَّا فِي حَقِّهِ فَمَا صَنَعَهُ هُوَ أَفْضَلُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَهُ، فَأَرَادَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَهُوَ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لِغَيْرِهِ لَكَانَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهَدْيِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَغِلُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَخَشِيَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى أُمَّتِهِ؛ إِذْ لَوِ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ لَبَادَرُوا إِلَى ذَلِكَ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ، وَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ وَخَوْفًا مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ.

٥ - بَاب الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا

١٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ لَنَا: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا) الْحَصْبَةُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ وَزْنُ الضَّرْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا لَيْلَةُ الْمَبِيتِ بِالْمُحَصَّبِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى التَّحْصِيبِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْحَجِّ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِقْهُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْحَاجَّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ إِذَا تَمَّ حَجُّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَيْلَةُ الْحَصْبَةِ هِيَ لَيْلَةُ النَّفْرِ الْأَخِيرِ لِأَنَّهَا آخِرُ أَيَّامِ الرَّمْيِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْعُمْرَةِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَائِشَةُ عَنِ الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: هِيَ خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ. وَقَالَ عَلِيٌّ نَحْوَهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ النَّفَقَةِ انْتَهَى. وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِقَصْدِ الْعُمْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ بَابٍ، وَمُحَمَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَهُوَ ابْنُ سَلَامٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت «ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ (١) الضَّرير البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (٢) (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ) في حجَّة الوداع لخمسٍ بقين من ذي القعدة، حال كوننا مكملين ذا القعدة (مُوَافِينَ) مستقبلين (لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) قال الجوهريُّ: وافى فلانٌ: أتى، ووفى: تمَّ، والخمس قريبةٌ من آخر الشَّهر، فوافاهم الهلال وهم في الطَّريق؛ لأنَّهم دخلوا مكَّة في الرَّابع من ذي الحجَّة (فَقَالَ لَنَا) بسَرِف بعد الإحرام كما في رواية عائشة [خ¦١٧٨٨] أو بعد الطَّواف كما في رواية جابرٍ [خ¦١٥٦٨] فيحتمل أنَّه كرَّر أمرهم بذلك بعد الطَّواف؛ لأنَّ العزيمة إنَّما كانت في الآخر حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة: (مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ) يدخله على العمرة (فَلْيُهِلَّ) بالحجِّ إذا كان معه هديٌ، فيصير قارنًا، ثمَّ لا يحلُّ منهما جميعًا حتَّى ينحر هديه (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ) منكم (بِعُمْرَةٍ) يدخلها على الحجِّ (فَلْيُهِلَّ (٣) بِعُمْرَةٍ) يفسخ بها حجَّه (٤) إذا لم يكن معه هديٌ (فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) وفي رواية السَّرخسيِّ: «لأحللت» بالحاء المهملة (قَالَتْ) عائشة : (فَمِنَّا) أي: فكان منَّا (مَنْ أَهَلَّ) من الميقات (بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) مفردًا، أي: ومنَّا من قرن (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) وروى القاسم عنها [خ¦٢٩٤] أنَّها قالت: «خرجنا مع رسول الله ولا نرى إلَّا الحجَّ»، وفي روايةٍ [خ¦٣٠٥] «لا نذكر إلَّا الحجَّ»، وفي روايةٍ: «لبَّينا بالحجِّ» [خ¦٢٥/ ٨٣ - ٢٥٩٧] وفي روايةٍ (٥) أخرى: «مهلِّين بالحجِّ» [خ¦١٧٨٨] وقد جمع ذلك مسلمٌ في «صحيحه»، وقد جمعوا بين ذلك بأنَّها أحرمت أوَّلًا بالحجِّ كما صحَّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحُّ من فعله وأكثر

أصحابه، ثمَّ أحرمت بالعمرة حين أمر النَّبيُّ أصحابه بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فأخبر عروة باعتمارها في آخر الأمر ولم يذكر أوَّل أمرها.

(فَأَظَلَّنِي) أي: قرب منِّي (يَوْمُ عَرَفَةَ) يُقال: أظلَّني فلانٌ، وإنَّما يُقال (١) ذلك لأنَّ ظلَّه كأنَّه وقع عليك لقربه منك (وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ) ترك الطَّواف بالبيت وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ) أي: اتركي عملها من الطَّواف والسَّعي وتقصير الشَّعر، لا أنَّها تدع العمرة نفسها، وإنَّما أمرها بذلك لأنَّها لمَّا حاضت تعذَّر عليها إتمام العمرة والتَّحلُّل منها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) أي: حلِّي ضفر شعره (وَامْتَشِطِي) سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي بِالحَجِّ) فصارت مدخلةً للحجِّ على العمرة وقارنةً (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ) بعد أن طهرت يوم النَّحر (أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ) أخي (إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ) منه (بِعُمْرَةٍ مَكَانَِ عُمْرَتِي) بنصب «مكانَ» على الظَّرفيَّة، ويجوز الجرُّ على البدل من «عمرةٍ»، والمراد: مكان عمرتها التي أرادت أن تأتي بها مفردةً كما وقع لسائر أمَّهات المؤمنين وغيرهنَّ من الصَّحابة الذين فسخوا الحجَّ إلى العمرة، وأتمُّوا العمرة، وتحلَّلوا منها قبل يوم التَّروية، وأحرموا بالحجِّ من مكَّة يوم التَّروية، فحصلت لهم حجَّةٌ منفردةٌ (٢) وعمرةٌ منفردةٌ، وأمَّا عائشة فإنمَّا (٣) حصل لها عمرةٌ مندرجةٌ في حجَّةٍ بالقران، فأرادت عمرةً منفردةً، كما حصل لغيرها.

(٦) (بابُ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ) «تفعيل» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون النُّون وكسر العين المهملة: موضعٌ على ثلاثة أميالٍ أو أربعةٍ من مكَّة أقرب أطراف الحلِّ إلى البيت، سُمِّي به لأنَّ على (٤)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَمَا يَزِيدُ بِحُضُورِ الْقَلْبِ وَبِخُلُوصِ الْقَصْدِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عُمْرَةٌ فَرِيضَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةِ فَرِيضَةٍ، وَعُمْرَةٌ نَافِلَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ نَافِلَةٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُهُ كَحَجَّةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَرَكَةِ رَمَضَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ. قُلْتُ: الثَّالِثُ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَلَا نَعْلَمُ هَذَا إِلَّا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ فِي آخِرِ حَدِيثِهَا قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ: الْحَجُّ حَجَّةٌ وَالْعُمْرَةُ عُمْرَةٌ، وَقَدْ قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ لِي، فَمَا أَدْرِي أَلِي خَاصَّةً تَعْنِي أَوْ لِلنَّاسِ عَامَّةً. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالسَّبَبُ فِي التَّوَقُّفِ اسْتِشْكَالُ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ صَحَّ جَوَابُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ) لَمْ يَعْتَمِرِ النَّبِيُّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ ثَبَتَ فَضْلُ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ بِحَدِيثِ الْبَابِ، فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ أَفْضَلُ، وَأَمَّا فِي حَقِّهِ فَمَا صَنَعَهُ هُوَ أَفْضَلُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَهُ، فَأَرَادَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَهُوَ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لِغَيْرِهِ لَكَانَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهَدْيِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَغِلُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَخَشِيَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى أُمَّتِهِ؛ إِذْ لَوِ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ لَبَادَرُوا إِلَى ذَلِكَ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ، وَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ وَخَوْفًا مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ.

٥ - بَاب الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا

١٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ لَنَا: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا) الْحَصْبَةُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ وَزْنُ الضَّرْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا لَيْلَةُ الْمَبِيتِ بِالْمُحَصَّبِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى التَّحْصِيبِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْحَجِّ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِقْهُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْحَاجَّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ إِذَا تَمَّ حَجُّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَيْلَةُ الْحَصْبَةِ هِيَ لَيْلَةُ النَّفْرِ الْأَخِيرِ لِأَنَّهَا آخِرُ أَيَّامِ الرَّمْيِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْعُمْرَةِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَائِشَةُ عَنِ الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: هِيَ خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ. وَقَالَ عَلِيٌّ نَحْوَهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ النَّفَقَةِ انْتَهَى. وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِقَصْدِ الْعُمْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ بَابٍ، وَمُحَمَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَهُوَ ابْنُ سَلَامٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت «ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ (١) الضَّرير البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (٢) (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ) في حجَّة الوداع لخمسٍ بقين من ذي القعدة، حال كوننا مكملين ذا القعدة (مُوَافِينَ) مستقبلين (لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) قال الجوهريُّ: وافى فلانٌ: أتى، ووفى: تمَّ، والخمس قريبةٌ من آخر الشَّهر، فوافاهم الهلال وهم في الطَّريق؛ لأنَّهم دخلوا مكَّة في الرَّابع من ذي الحجَّة (فَقَالَ لَنَا) بسَرِف بعد الإحرام كما في رواية عائشة [خ¦١٧٨٨] أو بعد الطَّواف كما في رواية جابرٍ [خ¦١٥٦٨] فيحتمل أنَّه كرَّر أمرهم بذلك بعد الطَّواف؛ لأنَّ العزيمة إنَّما كانت في الآخر حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة: (مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ) يدخله على العمرة (فَلْيُهِلَّ) بالحجِّ إذا كان معه هديٌ، فيصير قارنًا، ثمَّ لا يحلُّ منهما جميعًا حتَّى ينحر هديه (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ) منكم (بِعُمْرَةٍ) يدخلها على الحجِّ (فَلْيُهِلَّ (٣) بِعُمْرَةٍ) يفسخ بها حجَّه (٤) إذا لم يكن معه هديٌ (فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) وفي رواية السَّرخسيِّ: «لأحللت» بالحاء المهملة (قَالَتْ) عائشة : (فَمِنَّا) أي: فكان منَّا (مَنْ أَهَلَّ) من الميقات (بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) مفردًا، أي: ومنَّا من قرن (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) وروى القاسم عنها [خ¦٢٩٤] أنَّها قالت: «خرجنا مع رسول الله ولا نرى إلَّا الحجَّ»، وفي روايةٍ [خ¦٣٠٥] «لا نذكر إلَّا الحجَّ»، وفي روايةٍ: «لبَّينا بالحجِّ» [خ¦٢٥/ ٨٣ - ٢٥٩٧] وفي روايةٍ (٥) أخرى: «مهلِّين بالحجِّ» [خ¦١٧٨٨] وقد جمع ذلك مسلمٌ في «صحيحه»، وقد جمعوا بين ذلك بأنَّها أحرمت أوَّلًا بالحجِّ كما صحَّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحُّ من فعله وأكثر

أصحابه، ثمَّ أحرمت بالعمرة حين أمر النَّبيُّ أصحابه بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فأخبر عروة باعتمارها في آخر الأمر ولم يذكر أوَّل أمرها.

(فَأَظَلَّنِي) أي: قرب منِّي (يَوْمُ عَرَفَةَ) يُقال: أظلَّني فلانٌ، وإنَّما يُقال (١) ذلك لأنَّ ظلَّه كأنَّه وقع عليك لقربه منك (وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ) ترك الطَّواف بالبيت وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ) أي: اتركي عملها من الطَّواف والسَّعي وتقصير الشَّعر، لا أنَّها تدع العمرة نفسها، وإنَّما أمرها بذلك لأنَّها لمَّا حاضت تعذَّر عليها إتمام العمرة والتَّحلُّل منها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) أي: حلِّي ضفر شعره (وَامْتَشِطِي) سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي بِالحَجِّ) فصارت مدخلةً للحجِّ على العمرة وقارنةً (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ) بعد أن طهرت يوم النَّحر (أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ) أخي (إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ) منه (بِعُمْرَةٍ مَكَانَِ عُمْرَتِي) بنصب «مكانَ» على الظَّرفيَّة، ويجوز الجرُّ على البدل من «عمرةٍ»، والمراد: مكان عمرتها التي أرادت أن تأتي بها مفردةً كما وقع لسائر أمَّهات المؤمنين وغيرهنَّ من الصَّحابة الذين فسخوا الحجَّ إلى العمرة، وأتمُّوا العمرة، وتحلَّلوا منها قبل يوم التَّروية، وأحرموا بالحجِّ من مكَّة يوم التَّروية، فحصلت لهم حجَّةٌ منفردةٌ (٢) وعمرةٌ منفردةٌ، وأمَّا عائشة فإنمَّا (٣) حصل لها عمرةٌ مندرجةٌ في حجَّةٍ بالقران، فأرادت عمرةً منفردةً، كما حصل لغيرها.

(٦) (بابُ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ) «تفعيل» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون النُّون وكسر العين المهملة: موضعٌ على ثلاثة أميالٍ أو أربعةٍ من مكَّة أقرب أطراف الحلِّ إلى البيت، سُمِّي به لأنَّ على (٤)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد