الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٩٧
الحديث رقم ١٧٩٧ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
يبين ابن عمر رضي الله عنهما في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يسافر، وركب بعيره قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال هذا الدعاء العظيم، الذي يتضمن الكثير من المعاني الجليلة، ففيه تنزيه الله عز وجل عن الحاجة والنقص، واستشعار نعمة الله تعالى على العبد، وفيه البراءة من الحول والقوة، والإقرار بالرجوع إلى الله تعالى ، ثم سؤاله سبحانه الخير والفضل والتقوى والتوفيق للعمل الذي يحبه ويتقبله، كما أن فيه التوكل على الله تعالى وتفويض الأمور إليه، كما اشتمل على طلب الحفظ في النفس والأهل، وتهوين مشقة السفر، والاستعاذة من شروره ومضاره، كأن يرجع المسافر فيرى ما يسوؤه في أهله أو ماله أو ولده.
وذكر ابن عمر رضي الله عنهما في الرواية الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفره قال هذا الدعاء، وزاد قوله: (آيبون) أي نحن معشر الرفقاء راجعون (تائبون) أي من المعاصي، (عابدون) من العبادة (لربنا حامدون) شاكرون على السلامة والرجوع، وأنه كان إذا كان بمكان عالٍ، قال: الله أكبر؛ فيتواضع أمام كبرياء الله عز وجل ، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له..» إقرارًا بأنه تعالى المتفرد في إلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأنه جل وعلا الناصر لأوليائه وجنده.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَسْمَاءَ فَاقْتَصَرَ عَلَى إِخْرَاجِهَا دُونَ رِوَايَةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ مَعَ مَا فِيهِمَا مِنَ الِاخْتِلَافِ. وَيُقَوِّي صَنِيعَ الْبُخَارِيِّ مَا تَقَدَّمَ فِي: بَابِ الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِي آخِرِهِ: وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا: وَالْقَائِلُ أَخْبَرَتْنِي عُرْوَةُ الْمَذْكُورُ، وَأُمُّهُ هِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْهَا.
وَفِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ ذِكْرُهَا لِعَائِشَةَ فِيمَنْ طَافَ وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ حَائِضًا، وَكُنْتُ أَوَّلْتُهُ هُنَاكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ تِلْكَ الْعُمْرَةَ كَانَتْ فِي وَقْتٍ آخَرَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنَّ سِيَاقَ رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ تَأْبَاهُ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ الْعُمْرَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْقَوْلُ فِيمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الزُّبَيْرِ كَالْقَوْلِ فِي حَقِّ عَائِشَةَ سَوَاءٌ، وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ: لَيْسَ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مَنْ عَدَا عَائِشَةَ، لِأَنَّ الطُّرُقَ الصَّحِيحَةَ فِيهَا أَنَّهَا حَاضَتْ فَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا تَحَلَّلَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا. قَالَ: وَقِيلَ لَعَلَّ عَائِشَةَ أَشَارَتْ إِلَى عُمْرَتِهَا الَّتِي فَعَلَتْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ حَكَى التَّأْوِيلَ السَّابِقَ وَأَنَّهَا أَرَادَتْ عُمْرَةً أُخْرَى فِي غَيْرِ الَّتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَخَطَّأَهُ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالزُّبَيْرِ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) كَأَنَّهَا سَمَّتْ بَعْضَ مَنْ عَرَفَتْهُ مِمَّنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمْ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ كَانُوا كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ) أَيْ طُفْنَا بِالْبَيْتِ فَاسْتَلَمْنَا الرُّكْنَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ الطَّوَافِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ مَسَحْنَا الرُّكْنَ وَسَاغَ هَذَا الْمَجَازُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ يَمْسَحُ الرُّكْنَ فَصَارَ يُطْلَقُ عَلَى الطَّوَافِ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبَى رَبِيعَةَ:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ … وَمَسَّحَ بِالْأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحٌ
أَيْ طَافَ مَنْ هُوَ طَائِفٌ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَسَحُوا طَافُوا وَسَعَوْا، وَحَذَفَ السَّعْيَ اخْتِصَارًا لَمَّا كَانَ مَنُوطًا بِالطَّوَافِ، قَالَ: وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ لَمْ يُوجِبِ السَّعْيَ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ أَخْبَرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَنَّهُمْ طَافُوا مَعَهُ وَسَعَوْا فَيُحْمَلُ مَا أُجْمِلَ عَلَى مَا بُيِّنَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ لِقَوْلِهَا إِنَّهُمْ أَحَلُّوا بَعْدَ الطَّوَافِ، وَلَمْ يُذْكَرِ الْحَلْقُ. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ نُسُكٌ بِأَنَّهَا سَكَتَتْ عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ فِعْلِهِ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالتَّقْصِيرِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُصَدَّرُ بِذِكْرِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يُقَصِّرَ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى فَقَالَ الْأَكْثَرُ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا وَقَضَاؤُهَا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّقْصِيرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ عَلَيْهِ دَمٌ.
١٢ - بَاب مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ الْغَزْوِ؟
١٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
زنى فلانٌ رُجِم، والتَّقدير: لمَّا أحصن وزنى رُجِم، فإن قلت: في «مسلمٍ»: وكان مع الزُّبير هديٌ فلم يحلَّ، وهو مغايرٌ لما هنا؛ لذكرها الزُّبير مع من أحلَّ، أجاب النَّوويُّ: بأنَّ إحرام الزُّبير بالعمرة وتحلُّله منها كان في غير حجَّة الوداع (ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا.
(١٢) (بابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوِ الغَزْوِ).
١٧٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ) رجع (مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ) الله تعالى (عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتحتين: مكانٍ عالٍ (مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال القرطبيُّ: في تعقيب التَّكبير بالتَّهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن (آيِبُونَ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: نحن آيبون، جمع: آيبٍ، أي: راجعٍ، وزنه ومعناه، أي: راجعون إلى الله تعالى، وليس المرادُ الإخبارَ بمحض الرُّجوع، فإنَّه تحصيل الحاصل، بل الرُّجوع في حالةٍ (١) مخصوصةٍ؛ وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة والاتِّصاف بالأوصاف المذكورة (تَائِبُونَ) من التَّوبة؛ وهي الرُّجوع عمَّا هو مذمومٌ شرعًا إلى ما هو محمودٌ شرعًا، وفيه: إشارةٌ إلى التَّقصير في العبادة، قاله ﷺ على سبيل التَّواضع، أو تعليمًا لأمَّته (عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّها رفعٌ بتقدير: «نحن»، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ
بـ «ساجدون»، أو بسائر الصِّفات على طريق التنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعد به من إظهار دينه بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ (١)﴾ … الآيةَ [النور: ٥٥] وهذا في الغزو ومناسبته للحجِّ قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا ﷺ (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) يوم الأحزاب، أو أحزاب الكفر في جميع الأيَّام والمواطن (وَحْدَهُ) من غير فعل أحدٍ من الآدميِّين، ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى الدُّعاء، أي: اللَّهمَّ اهزم الأحزاب، والأوَّل أظهر، وظاهر قوله: «من غزوٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ» اختصاصه بها، والذي عليه الجمهور: أنَّه يُشرَع في كلِّ سفرِ طاعةٍ كطلب علمٍ، وقِيل: يتعدَّى إلى المباح لأنَّ المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه ما يحصِّل له الثَّواب، وقيل: يُشرَع في سفر المعصية أيضًا لأنَّ مرتكب المعصية أحوج إلى تحصيل الثَّواب من غيره، وتُعقِّب بأنَّ الذي يخصُّه بسفر الطَّاعة لا يمنع المسافر في مباحٍ ولا معصيةٍ من الإكثار من ذكر الله تعالى، وإنَّما النِّزاع في خصوص هذا الذِّكر في هذا الوقت المخصوص، فخصَّه قومٌ به كما يختصُّ الذِّكر المأثور عقب الأذان والصَّلاة (٢). انتهى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٣) في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
(١٣) (بابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ) إلى مكَّة -بكسر الميم وفتح النُّون بصيغة الجمع- صفةٌ لـ «الحاجِّ» لإطلاقه على المفرد والجمع مجازًا واتسَّاعًا كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] قال في «الكشَّاف» ممَّا قرأته فيه: والسَّامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع، و «استقبال»: مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، ولأبي ذرٍّ: «القادِمَيْن» بفتح الميم؛ بصيغة التَّثنية (وَالثَّلَاثَةِ) بالجرِّ: كما في بعض الأصول، عطفًا على «استقبالِ» (٤) أي: واستقبال الثَّلاثة، وفي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَسْمَاءَ فَاقْتَصَرَ عَلَى إِخْرَاجِهَا دُونَ رِوَايَةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ مَعَ مَا فِيهِمَا مِنَ الِاخْتِلَافِ. وَيُقَوِّي صَنِيعَ الْبُخَارِيِّ مَا تَقَدَّمَ فِي: بَابِ الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِي آخِرِهِ: وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا: وَالْقَائِلُ أَخْبَرَتْنِي عُرْوَةُ الْمَذْكُورُ، وَأُمُّهُ هِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْهَا.
وَفِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ ذِكْرُهَا لِعَائِشَةَ فِيمَنْ طَافَ وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ حَائِضًا، وَكُنْتُ أَوَّلْتُهُ هُنَاكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ تِلْكَ الْعُمْرَةَ كَانَتْ فِي وَقْتٍ آخَرَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنَّ سِيَاقَ رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ تَأْبَاهُ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ الْعُمْرَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْقَوْلُ فِيمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الزُّبَيْرِ كَالْقَوْلِ فِي حَقِّ عَائِشَةَ سَوَاءٌ، وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ: لَيْسَ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مَنْ عَدَا عَائِشَةَ، لِأَنَّ الطُّرُقَ الصَّحِيحَةَ فِيهَا أَنَّهَا حَاضَتْ فَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا تَحَلَّلَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا. قَالَ: وَقِيلَ لَعَلَّ عَائِشَةَ أَشَارَتْ إِلَى عُمْرَتِهَا الَّتِي فَعَلَتْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ حَكَى التَّأْوِيلَ السَّابِقَ وَأَنَّهَا أَرَادَتْ عُمْرَةً أُخْرَى فِي غَيْرِ الَّتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَخَطَّأَهُ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالزُّبَيْرِ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) كَأَنَّهَا سَمَّتْ بَعْضَ مَنْ عَرَفَتْهُ مِمَّنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمْ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ كَانُوا كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ) أَيْ طُفْنَا بِالْبَيْتِ فَاسْتَلَمْنَا الرُّكْنَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ الطَّوَافِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ مَسَحْنَا الرُّكْنَ وَسَاغَ هَذَا الْمَجَازُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ يَمْسَحُ الرُّكْنَ فَصَارَ يُطْلَقُ عَلَى الطَّوَافِ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبَى رَبِيعَةَ:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ … وَمَسَّحَ بِالْأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحٌ
أَيْ طَافَ مَنْ هُوَ طَائِفٌ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَسَحُوا طَافُوا وَسَعَوْا، وَحَذَفَ السَّعْيَ اخْتِصَارًا لَمَّا كَانَ مَنُوطًا بِالطَّوَافِ، قَالَ: وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ لَمْ يُوجِبِ السَّعْيَ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ أَخْبَرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَنَّهُمْ طَافُوا مَعَهُ وَسَعَوْا فَيُحْمَلُ مَا أُجْمِلَ عَلَى مَا بُيِّنَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ لِقَوْلِهَا إِنَّهُمْ أَحَلُّوا بَعْدَ الطَّوَافِ، وَلَمْ يُذْكَرِ الْحَلْقُ. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ نُسُكٌ بِأَنَّهَا سَكَتَتْ عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ فِعْلِهِ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالتَّقْصِيرِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُصَدَّرُ بِذِكْرِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يُقَصِّرَ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى فَقَالَ الْأَكْثَرُ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا وَقَضَاؤُهَا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّقْصِيرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ عَلَيْهِ دَمٌ.
١٢ - بَاب مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ الْغَزْوِ؟
١٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
زنى فلانٌ رُجِم، والتَّقدير: لمَّا أحصن وزنى رُجِم، فإن قلت: في «مسلمٍ»: وكان مع الزُّبير هديٌ فلم يحلَّ، وهو مغايرٌ لما هنا؛ لذكرها الزُّبير مع من أحلَّ، أجاب النَّوويُّ: بأنَّ إحرام الزُّبير بالعمرة وتحلُّله منها كان في غير حجَّة الوداع (ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا.
(١٢) (بابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوِ الغَزْوِ).
١٧٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ) رجع (مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ) الله تعالى (عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتحتين: مكانٍ عالٍ (مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال القرطبيُّ: في تعقيب التَّكبير بالتَّهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن (آيِبُونَ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: نحن آيبون، جمع: آيبٍ، أي: راجعٍ، وزنه ومعناه، أي: راجعون إلى الله تعالى، وليس المرادُ الإخبارَ بمحض الرُّجوع، فإنَّه تحصيل الحاصل، بل الرُّجوع في حالةٍ (١) مخصوصةٍ؛ وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة والاتِّصاف بالأوصاف المذكورة (تَائِبُونَ) من التَّوبة؛ وهي الرُّجوع عمَّا هو مذمومٌ شرعًا إلى ما هو محمودٌ شرعًا، وفيه: إشارةٌ إلى التَّقصير في العبادة، قاله ﷺ على سبيل التَّواضع، أو تعليمًا لأمَّته (عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّها رفعٌ بتقدير: «نحن»، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ
بـ «ساجدون»، أو بسائر الصِّفات على طريق التنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعد به من إظهار دينه بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ (١)﴾ … الآيةَ [النور: ٥٥] وهذا في الغزو ومناسبته للحجِّ قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا ﷺ (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) يوم الأحزاب، أو أحزاب الكفر في جميع الأيَّام والمواطن (وَحْدَهُ) من غير فعل أحدٍ من الآدميِّين، ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى الدُّعاء، أي: اللَّهمَّ اهزم الأحزاب، والأوَّل أظهر، وظاهر قوله: «من غزوٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ» اختصاصه بها، والذي عليه الجمهور: أنَّه يُشرَع في كلِّ سفرِ طاعةٍ كطلب علمٍ، وقِيل: يتعدَّى إلى المباح لأنَّ المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه ما يحصِّل له الثَّواب، وقيل: يُشرَع في سفر المعصية أيضًا لأنَّ مرتكب المعصية أحوج إلى تحصيل الثَّواب من غيره، وتُعقِّب بأنَّ الذي يخصُّه بسفر الطَّاعة لا يمنع المسافر في مباحٍ ولا معصيةٍ من الإكثار من ذكر الله تعالى، وإنَّما النِّزاع في خصوص هذا الذِّكر في هذا الوقت المخصوص، فخصَّه قومٌ به كما يختصُّ الذِّكر المأثور عقب الأذان والصَّلاة (٢). انتهى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٣) في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
(١٣) (بابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ) إلى مكَّة -بكسر الميم وفتح النُّون بصيغة الجمع- صفةٌ لـ «الحاجِّ» لإطلاقه على المفرد والجمع مجازًا واتسَّاعًا كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] قال في «الكشَّاف» ممَّا قرأته فيه: والسَّامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع، و «استقبال»: مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، ولأبي ذرٍّ: «القادِمَيْن» بفتح الميم؛ بصيغة التَّثنية (وَالثَّلَاثَةِ) بالجرِّ: كما في بعض الأصول، عطفًا على «استقبالِ» (٤) أي: واستقبال الثَّلاثة، وفي