«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٤٥

الحديث رقم ١٨٤٥ من كتاب «باب جزاء الصيد ونحوه» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٨٤٥ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ : وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ، مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ.»

إسناد حديث البخاري رقم ١٨٤٥

١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ : حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٨٤٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ.

١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ.

[الحديث ١٨٤٦ - أطرافه في: ٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ دُخُولِ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَكَّةَ هُنَا الْبَلَدُ، فَيَكُونُ الْحَرَمُ أَعَمَّ.

قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ - يَعْنِي: بِضَمِّ الْقَافِ - جَاءَهُ خَبَرٌ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ بِالْإِهْلَالِ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَطَّابِينَ وَغَيْرَهُمْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ خَصَّ الْإِحْرَامَ بِمِنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُتَرَدِّدَ إِلَى مَكَّةَ - لِغَيْرِ قَصْدِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا؛ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا، وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ مُطْلَقًا، وَفِيمَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ وَأَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْوُجُوبُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ لَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَسَنِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاقِيتِ. الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْمِغْفَرِ، وَقَدِ اشْتُهِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ، وَوَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ فِي فَوَائِدِ أَبِي الْحَسَنِ الْفَرَّاءِ الْمَوْصِلِيِّ وَفِي الْإِسْنَادِ إِلَى يَزِيدَ مَعَ ضَعْفِهِ ضَعْفٌ، وَقِيلَ: إِنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّاذِّ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي أُوَيْسٍ، وَمَعْمَرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَرِوَايَةَ أَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ عَدِيٍّ، وَأَنَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَدِيٍّ، وَأَنَّ رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ ذَكَرَهَا الْمُزَنِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخُنَا مَنْ أَخْرَجَ رِوَايَتَهُمَا، وَقَدْ وَجَدْتُ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ فِي فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي وَرِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ.

ثُمَّ نَقَلَ شَيْخُنَا عَنِ ابْنِ مُسْدِيٍّ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ قَالَ حِينَ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مَالِكٌ: قَدْ رُوِّيتُهُ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ طَرِيقًا غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ وَعَدَ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ وَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا، وَأَطَالَ ابْنُ مُسْدِيٍّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنْشَدَ فِيهَا شِعْرًا، وَحَاصِلُهَا أَنَّهُمُ اتَّهَمُوا ابْنَ الْعَرَبِيِّ فِي ذَلِكَ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْمُجَازَفَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ مُسْدِيٍّ يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الْقِصَّةِ وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ، فَرَاوِي الْقِصَّةِ عَدْلٌ مُتْقِنٌ، وَالَّذِينَ اتَّهَمُوا

ابْنَ الْعَرَبِيِّ فِي ذَلِكَ هُمُ الَّذِينَ أَخْطَئُوا لِقِلَّةِ اطِّلَاعِهِمْ، وَكَأَنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ إِنْكَارِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَهُ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَوَجَدْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ اثْنَيْ عَشَرَ نَفْسًا غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا شَيْخُنَا وَهُمْ: عُقَيْلٌ فِي مُعْجَمِ ابْنِ جُمَيْعٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ فِي الْإِرْشَادِ لِلْخَلِيلِيِّ، وَابْنُ أَبِي حَفْصٍ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، لِلْخَطِيبِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْمَوَالِي فِي أَفْرَادِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدٌ ابْنَا عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيَّانِ فِي فَوَائِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخُرَاسَانِيِّ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي مُسْنَدِ مَالِكٍ، لِابْنِ عَدِيٍّ، وَبَحْرٌ السِّقَاءُ ذَكَرَهُ جَعْفَرٌ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ لِلْجِيزِيِّ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ذَكَرَهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ عَقِبَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ، عَنْ مَالِكٍ.

وَالْمُخَرَّجِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ إِطْلَاقَ ابْنِ الصَّلَاحِ مُتَعَقَّبٌ، وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ صَحِيحٌ، وَأَنَّ كَلَامَ مَنِ اتَّهَمَهُ مَرْدُودٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي طُرُقِهِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ إِلَّا طَرِيقَ مَالِكٍ، وَأَقْرَبُهَا رِوَايَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي مُسْنَدِ مَالِكٍ وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَتَلِيهَا رِوَايَةُ أَبِي أَوَيْسٍ أَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا وَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ رَفِيقَ مَالِكٍ فِي السَّمَاعِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ - أَيْ: بِشَرْطِ الصِّحَّةِ - وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: تُوبِعَ أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ. وَعِبَارَةُ التِّرْمِذِيِّ سَالِمَةٌ مِنَ الِاعْتِرَاضِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ أَحَد رَوَاهُ غَيْرَ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَوْلُهُ: كَثِيرٌ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ تُوبِعَ فِي الْجُمْلَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ.

قَوْلُهُ: (عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ: زَرَدٌ يُنْسَجُ مِنَ الدُّرُوعِ عَلَى قَدْرِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: هُوَ رَفْرَفُ الْبَيْضَةِ قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَفِي الْمَشَارِقِ هُوَ مَا يُجْعَلُ مِنْ فَضْلِ دُرُوعِ الْحَدِيدِ عَلَى الرَّأْسِ مِثْلُ الْقَلَنْسُوَةِ، وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مَالِكٍ: يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ، وَقَدْ جَزَمَ الْفَاكِهِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بِأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِذَلِكَ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَجَحَ عِنْدَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، رَأَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ مُخْبِرًا بِقِصَّتِهِ، وَيُوَشِّحُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ فِي الْمَغَازِي: فَقَالَ: اقْتُلْهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي اسْمِ قَاتِلِهِ، فَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةٌ لَا أُؤَمِّنُهُمْ لَا فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ: الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ - بِالنُّونِ وَالْقَافِ مُصَغَّرٌ - وَهِلَالُ بْنُ خَطَلٍ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ - قَالَ - فَأَمَّا هِلَالُ بْنُ خَطَلٍ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ: أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَذَكَرَهُمْ، لَكِنْ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ بَدَلَ هِلَالٍ، وَقَالَ: عِكْرِمَةُ، بَدَلَ الْحُوَيْرِثِ، وَلَمْ يُسَمِّ الْمَرْأَتَيْنِ، وَقَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ، عَمَّارًا، وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ الْحَدِيثَ.

وَفِي زِيَادَاتِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوُهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَّا أَرْبَعَةً مِنَ النَّاسِ: عَبْدَ الْعُزَّى بْنَ خَطَلٍ، وَمِقْيَسَ بْنَ صُبَابَةَ الْكِنَانِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَرْحٍ، وَأُمَّ سَارَةَ. فَأَمَّا عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ

الْكَعْبَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ نَفْسِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي تَعْيِينِ قَاتِلِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَلَاذِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، وَتُحْمَلُ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُمُ ابْتَدَرُوا قَتْلَهُ فَكَانَ الْمُبَاشِرَ لَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَرْزَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ شَارَكَهُ فِيهِ، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُرَيْثٍ، وَأَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّى قَاتِلَهُ سَعِيدَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ هُوَ الَّذِي قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ.

وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: فَأُخِذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ مِنْ تَحْتِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقُتِلَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ وَقَدْ جَمَعَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ أَسْمَاءَ مَنْ لَمْ يُؤَمَّنْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَأُمِرَ بِقَتْلِهِ عَشْرَةَ أَنْفُسٍ: سِتَّةَ رِجَالٍ وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ. وَالسَّبَبُ فِي قَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَعَدَمِ دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ مَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ قَالَ: لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ، إِلَّا نَفَرًا سَمَّاهُمْ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ مُصَدَّقًا، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى يَخْدُمُهُ وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ تَيْسًا وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ .

وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ وَابْنَ خَطَلٍ، وَقَالَ: أَطِيعَا الْأَنْصَارِيَّ حَتَّى تَرْجِعَا، فَقَتَلَ ابْنُ خَطَلٍ الْأَنْصَارِيَّ وَهَرَبَ الْمُزَنِيُّ، وَكَانَ مِمَّنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ.

وَمِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ كَانَ أَهْدَرَ دَمَهُمُ النَّبِيُّ قَبْلَ الْفَتْحِ غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَوَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ أَبِي زُنَيْمٍ، وَقَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ اسْمِهِ أَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى عَبْدَ الْعُزَّى، فَلَمَّا أَسْلَمَ سُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ هِلَالٌ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَخٍ لَهُ اسْمُهُ هِلَالٌ، بَيَّنَ ذَلِكَ الْكَلْبِيُّ فِي النَّسَبِ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِلَالِ بْنِ خَطَلٍ، وَقِيلَ: غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ، وَاسْمُ خَطَلٍ عَبْدُ مَنَافٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ فِهْرِ بْنِ غَالِبٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مَالِكٌ رَاوِي الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا اهـ. وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ جَازِمًا بِهِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمئِذٍ مُحْرِمًا وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَمْ يَدْخُلِ النَّبِيُّ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَزَعَمَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْمِغْفَرِ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ مُعَارَضَةٌ، وَتَعَقَّبُوهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ دُخُولِهِ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، ثُمَّ أَزَالَهُ وَلَبِسَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا رَآهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الدُّخُولِ، وَهَذَا الْجَمْعُ لِعِيَاضٍ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يُجْمَعُ بِأَنَّ

الْعِمَامَةَ السَّوْدَاءَ كَانَتْ مَلْفُوفَةً فَوْقَ الْمِغْفَرِ أَوْ كَانَتْ تَحْتَ الْمِغْفَرِ وِقَايَةً لَرَأْسِهِ مِنْ صَدَأِ الْحَدِيدِ، فَأَرَادَ أَنَسٌ بِذِكْرِ الْمِغْفَرِ كَوْنَهُ دَخَلَ مُتَهَيِّئًا لِلْحَرْبِ، وَأَرَادَ جَابِرٌ بِذِكْرِ الْعِمَامَةِ كَوْنَهُ دَخَلَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ مُحْرِمًا، وَلَكِنَّهُ غَطَّى رَأْسَهُ لِعُذْرٍ، فَقَدِ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِ جَابِرٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، لَكِنْ فِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عِيَاضٌ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى مُقَابِلِهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَابْنِ الْقَاصِّ: دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، لَكِنْ زَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ دَلِيلَ ذَلِكَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ إِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَوَازُ دُخُولِهَا لَهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا تَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ غَلَبُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَكَّةَ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِيهَا.

وَقَدْ عَكَسَ اسْتِدْلَالَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَفِي دَعْوَاهُ الْإِجْمَاعَ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ حَكَاهُ الْقَفَّالُ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ صَالَحَهُمْ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَأْمَنْ غَدْرَهُمْ دَخَلَ مُتَأَهِّبًا، وَهَذَا جَوَابٌ قَوِيٌّ، إِلَّا أَنَّ الشَّأْنَ فِي ثُبُوتِ كَوْنِهِ صَالَحَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ صَرِيحًا كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ مِنَ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَاسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ ابْنِ خَطَلٍ عَلَى جَوَازِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ قَوَدًا مِنْ قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ حَدٍّ وَاجِبٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ، وَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُ سَاعَةَ الدُّخُولِ حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَذْعَنَ أَهْلُهَا، وَإِنَّمَا قُتِلَ ابْنُ خَطَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهَى.

وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ الْمَرَادَ بِالسَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَهُ مَا بَيْنَ أَوَّلِ النَّهَارِ وَدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَقَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ قُيِّدَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ نَزْعِهِ الْمِغْفَرَ، وَذَلِكَ عِنْدَ اسْتِقْرَارِهِ بِمَكَّةَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِأَحَدٍ فِيهِ الْقَتْلَ غَيْرِي أَيْ: قَتْلَ النَّفَرِ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ؛ ابْنِ خَطَلٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْقِتَالَ وَالْقَتْلَ مَعًا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَقَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ وَغَيْرِهِ بَعْدَ تَقَضِّي الْقِتَالِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ؛ لِأَنَّ ابْنَ خَطَلٍ كَانَ حَرْبِيًّا وَلَمْ يُدْخِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَمَانِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ، بَلِ اسْتَثْنَاهُ مَعَ مَنِ اسْتثْنى، وَخَرَجَ أَمْرُهُ بِقَتْلِهِ مَعَ أَمَانِهِ لِغَيْرِهِ مَخْرَجًا وَاحِدًا، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ. انْتَهَى.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ فِي جَوَازِ قَتْلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا، لَكِنَّ ابْنَ خَطَلٍ عَمِلَ بِمُوجِبَاتِ الْقَتْلِ فَلَمْ يَتَحَتَّمْ أَنَّ سَبَبَ قَتْلِهِ السَّبُّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ صَبْرًا لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ابْنِ خَطَلٍ صَيَّرَتْهُ كَالْأَسِيرِ فِي يَدِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا جَنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَتَلَهُ قَوَدًا مِنْ دَمِ الْمُسْلِمِ الَّذِي غَدَرَ بِهِ وَقَتَلَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، تَرْجَمَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ لُبْسِ الْمِغْفَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ آلَاتِ السِّلَاحِ حَالَ الْخَوْفِ مِنَ الْعَدُوِّ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَتَى يَحِلُّ لِلْمُعْتَمِرِ مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الذين يجلبون الحطب إلى مكَّة للبيع (وَغَيْرِهِمْ) بالجرِّ، عطفًا على السَّابق المجرور باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «الحطَّابين وغيرَهم» بالنَّصب عطفًا على المفعول السَّابق، والمرادُ بالغير مَنْ (١) يتكرَّر دخوله كالحشَّاشين والسَّقَّائين.

١٨٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبدُ الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ) مفعول: «وقَّتَ»، و «الحُلَيفة»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام، أصله: تصغيرالحَلَفة، واحدةُ (٢) الحَلْفاء؛ وهو النَّبات المعروف؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة ستَّةُ أميالٍ كما رجَّحه النَّوويُّ (وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ) بفتح التَّحتيَّة واللَّامين وسكون الميم الأولى، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ألملم» بهمزةٍ (٣) بدل التَّحتيَّة، وهو الأصل (هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) بضمير المُذكَّرين في هذا الأخير، والمُؤنَّثات في الثَّلاثة السَّابقة، وفي «باب مُهَلِّ أهل مكَّة» [خ¦١٥٢٤] في أوائل «كتاب الحجِّ»: «من غيرهنَّ» بضمير المُؤنَّثات فالأوَّل والثَّالث والرَّابع: للمواقيت، والثَّاني: لأهلها، وكان حقُّه أن يكون للمُذكَّرين، وأجاب ابن مالكٍ: بأنَّه عدل إلى ضمير المُؤنَّثات (٤) لقصد التَّشاكل (مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ممَّن» (أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) الواو بمعنى: «أو»، أو المراد إرادتهما معًا على جهة القران (فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) المذكور (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: النُّسك (حَتَّى) ينشئ (أَهْلُ مَكَّةَ) حجَّهم (مِنْ مَكَّةَ) أمَّا العمرة فمن أدنى الحلِّ لقصَّة عائشة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ.

١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ.

[الحديث ١٨٤٦ - أطرافه في: ٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ دُخُولِ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَكَّةَ هُنَا الْبَلَدُ، فَيَكُونُ الْحَرَمُ أَعَمَّ.

قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ - يَعْنِي: بِضَمِّ الْقَافِ - جَاءَهُ خَبَرٌ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ بِالْإِهْلَالِ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَطَّابِينَ وَغَيْرَهُمْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ خَصَّ الْإِحْرَامَ بِمِنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُتَرَدِّدَ إِلَى مَكَّةَ - لِغَيْرِ قَصْدِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا؛ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا، وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ مُطْلَقًا، وَفِيمَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ وَأَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْوُجُوبُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ لَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَسَنِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاقِيتِ. الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْمِغْفَرِ، وَقَدِ اشْتُهِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ، وَوَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ فِي فَوَائِدِ أَبِي الْحَسَنِ الْفَرَّاءِ الْمَوْصِلِيِّ وَفِي الْإِسْنَادِ إِلَى يَزِيدَ مَعَ ضَعْفِهِ ضَعْفٌ، وَقِيلَ: إِنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّاذِّ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي أُوَيْسٍ، وَمَعْمَرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَرِوَايَةَ أَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ عَدِيٍّ، وَأَنَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَدِيٍّ، وَأَنَّ رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ ذَكَرَهَا الْمُزَنِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخُنَا مَنْ أَخْرَجَ رِوَايَتَهُمَا، وَقَدْ وَجَدْتُ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ فِي فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي وَرِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ.

ثُمَّ نَقَلَ شَيْخُنَا عَنِ ابْنِ مُسْدِيٍّ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ قَالَ حِينَ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مَالِكٌ: قَدْ رُوِّيتُهُ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ طَرِيقًا غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ وَعَدَ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ وَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا، وَأَطَالَ ابْنُ مُسْدِيٍّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنْشَدَ فِيهَا شِعْرًا، وَحَاصِلُهَا أَنَّهُمُ اتَّهَمُوا ابْنَ الْعَرَبِيِّ فِي ذَلِكَ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْمُجَازَفَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ مُسْدِيٍّ يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الْقِصَّةِ وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ، فَرَاوِي الْقِصَّةِ عَدْلٌ مُتْقِنٌ، وَالَّذِينَ اتَّهَمُوا

ابْنَ الْعَرَبِيِّ فِي ذَلِكَ هُمُ الَّذِينَ أَخْطَئُوا لِقِلَّةِ اطِّلَاعِهِمْ، وَكَأَنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ إِنْكَارِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَهُ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَوَجَدْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ اثْنَيْ عَشَرَ نَفْسًا غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا شَيْخُنَا وَهُمْ: عُقَيْلٌ فِي مُعْجَمِ ابْنِ جُمَيْعٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ فِي الْإِرْشَادِ لِلْخَلِيلِيِّ، وَابْنُ أَبِي حَفْصٍ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، لِلْخَطِيبِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْمَوَالِي فِي أَفْرَادِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدٌ ابْنَا عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيَّانِ فِي فَوَائِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخُرَاسَانِيِّ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي مُسْنَدِ مَالِكٍ، لِابْنِ عَدِيٍّ، وَبَحْرٌ السِّقَاءُ ذَكَرَهُ جَعْفَرٌ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ لِلْجِيزِيِّ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ذَكَرَهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ عَقِبَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ، عَنْ مَالِكٍ.

وَالْمُخَرَّجِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ إِطْلَاقَ ابْنِ الصَّلَاحِ مُتَعَقَّبٌ، وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ صَحِيحٌ، وَأَنَّ كَلَامَ مَنِ اتَّهَمَهُ مَرْدُودٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي طُرُقِهِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ إِلَّا طَرِيقَ مَالِكٍ، وَأَقْرَبُهَا رِوَايَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي مُسْنَدِ مَالِكٍ وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَتَلِيهَا رِوَايَةُ أَبِي أَوَيْسٍ أَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا وَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ رَفِيقَ مَالِكٍ فِي السَّمَاعِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ - أَيْ: بِشَرْطِ الصِّحَّةِ - وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: تُوبِعَ أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ. وَعِبَارَةُ التِّرْمِذِيِّ سَالِمَةٌ مِنَ الِاعْتِرَاضِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ أَحَد رَوَاهُ غَيْرَ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَوْلُهُ: كَثِيرٌ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ تُوبِعَ فِي الْجُمْلَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ.

قَوْلُهُ: (عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ: زَرَدٌ يُنْسَجُ مِنَ الدُّرُوعِ عَلَى قَدْرِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: هُوَ رَفْرَفُ الْبَيْضَةِ قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَفِي الْمَشَارِقِ هُوَ مَا يُجْعَلُ مِنْ فَضْلِ دُرُوعِ الْحَدِيدِ عَلَى الرَّأْسِ مِثْلُ الْقَلَنْسُوَةِ، وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مَالِكٍ: يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ، وَقَدْ جَزَمَ الْفَاكِهِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بِأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِذَلِكَ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَجَحَ عِنْدَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، رَأَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ مُخْبِرًا بِقِصَّتِهِ، وَيُوَشِّحُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ فِي الْمَغَازِي: فَقَالَ: اقْتُلْهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي اسْمِ قَاتِلِهِ، فَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةٌ لَا أُؤَمِّنُهُمْ لَا فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ: الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ - بِالنُّونِ وَالْقَافِ مُصَغَّرٌ - وَهِلَالُ بْنُ خَطَلٍ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ - قَالَ - فَأَمَّا هِلَالُ بْنُ خَطَلٍ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ: أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَذَكَرَهُمْ، لَكِنْ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ بَدَلَ هِلَالٍ، وَقَالَ: عِكْرِمَةُ، بَدَلَ الْحُوَيْرِثِ، وَلَمْ يُسَمِّ الْمَرْأَتَيْنِ، وَقَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ، عَمَّارًا، وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ الْحَدِيثَ.

وَفِي زِيَادَاتِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوُهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَّا أَرْبَعَةً مِنَ النَّاسِ: عَبْدَ الْعُزَّى بْنَ خَطَلٍ، وَمِقْيَسَ بْنَ صُبَابَةَ الْكِنَانِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَرْحٍ، وَأُمَّ سَارَةَ. فَأَمَّا عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ

الْكَعْبَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ نَفْسِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي تَعْيِينِ قَاتِلِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَلَاذِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، وَتُحْمَلُ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُمُ ابْتَدَرُوا قَتْلَهُ فَكَانَ الْمُبَاشِرَ لَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَرْزَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ شَارَكَهُ فِيهِ، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُرَيْثٍ، وَأَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّى قَاتِلَهُ سَعِيدَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ هُوَ الَّذِي قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ.

وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: فَأُخِذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ مِنْ تَحْتِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقُتِلَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ وَقَدْ جَمَعَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ أَسْمَاءَ مَنْ لَمْ يُؤَمَّنْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَأُمِرَ بِقَتْلِهِ عَشْرَةَ أَنْفُسٍ: سِتَّةَ رِجَالٍ وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ. وَالسَّبَبُ فِي قَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَعَدَمِ دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ مَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ قَالَ: لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ، إِلَّا نَفَرًا سَمَّاهُمْ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ مُصَدَّقًا، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى يَخْدُمُهُ وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ تَيْسًا وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ .

وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ وَابْنَ خَطَلٍ، وَقَالَ: أَطِيعَا الْأَنْصَارِيَّ حَتَّى تَرْجِعَا، فَقَتَلَ ابْنُ خَطَلٍ الْأَنْصَارِيَّ وَهَرَبَ الْمُزَنِيُّ، وَكَانَ مِمَّنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ.

وَمِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ كَانَ أَهْدَرَ دَمَهُمُ النَّبِيُّ قَبْلَ الْفَتْحِ غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَوَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ أَبِي زُنَيْمٍ، وَقَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ اسْمِهِ أَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى عَبْدَ الْعُزَّى، فَلَمَّا أَسْلَمَ سُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ هِلَالٌ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَخٍ لَهُ اسْمُهُ هِلَالٌ، بَيَّنَ ذَلِكَ الْكَلْبِيُّ فِي النَّسَبِ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِلَالِ بْنِ خَطَلٍ، وَقِيلَ: غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ، وَاسْمُ خَطَلٍ عَبْدُ مَنَافٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ فِهْرِ بْنِ غَالِبٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مَالِكٌ رَاوِي الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا اهـ. وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ جَازِمًا بِهِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمئِذٍ مُحْرِمًا وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَمْ يَدْخُلِ النَّبِيُّ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَزَعَمَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْمِغْفَرِ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ مُعَارَضَةٌ، وَتَعَقَّبُوهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ دُخُولِهِ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، ثُمَّ أَزَالَهُ وَلَبِسَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا رَآهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الدُّخُولِ، وَهَذَا الْجَمْعُ لِعِيَاضٍ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يُجْمَعُ بِأَنَّ

الْعِمَامَةَ السَّوْدَاءَ كَانَتْ مَلْفُوفَةً فَوْقَ الْمِغْفَرِ أَوْ كَانَتْ تَحْتَ الْمِغْفَرِ وِقَايَةً لَرَأْسِهِ مِنْ صَدَأِ الْحَدِيدِ، فَأَرَادَ أَنَسٌ بِذِكْرِ الْمِغْفَرِ كَوْنَهُ دَخَلَ مُتَهَيِّئًا لِلْحَرْبِ، وَأَرَادَ جَابِرٌ بِذِكْرِ الْعِمَامَةِ كَوْنَهُ دَخَلَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ مُحْرِمًا، وَلَكِنَّهُ غَطَّى رَأْسَهُ لِعُذْرٍ، فَقَدِ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِ جَابِرٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، لَكِنْ فِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عِيَاضٌ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى مُقَابِلِهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَابْنِ الْقَاصِّ: دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، لَكِنْ زَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ دَلِيلَ ذَلِكَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ إِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَوَازُ دُخُولِهَا لَهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا تَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ غَلَبُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَكَّةَ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِيهَا.

وَقَدْ عَكَسَ اسْتِدْلَالَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَفِي دَعْوَاهُ الْإِجْمَاعَ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ حَكَاهُ الْقَفَّالُ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ صَالَحَهُمْ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَأْمَنْ غَدْرَهُمْ دَخَلَ مُتَأَهِّبًا، وَهَذَا جَوَابٌ قَوِيٌّ، إِلَّا أَنَّ الشَّأْنَ فِي ثُبُوتِ كَوْنِهِ صَالَحَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ صَرِيحًا كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ مِنَ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَاسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ ابْنِ خَطَلٍ عَلَى جَوَازِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ قَوَدًا مِنْ قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ حَدٍّ وَاجِبٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ، وَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُ سَاعَةَ الدُّخُولِ حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَذْعَنَ أَهْلُهَا، وَإِنَّمَا قُتِلَ ابْنُ خَطَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهَى.

وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ الْمَرَادَ بِالسَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَهُ مَا بَيْنَ أَوَّلِ النَّهَارِ وَدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَقَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ قُيِّدَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ نَزْعِهِ الْمِغْفَرَ، وَذَلِكَ عِنْدَ اسْتِقْرَارِهِ بِمَكَّةَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِأَحَدٍ فِيهِ الْقَتْلَ غَيْرِي أَيْ: قَتْلَ النَّفَرِ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ؛ ابْنِ خَطَلٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْقِتَالَ وَالْقَتْلَ مَعًا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَقَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ وَغَيْرِهِ بَعْدَ تَقَضِّي الْقِتَالِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ؛ لِأَنَّ ابْنَ خَطَلٍ كَانَ حَرْبِيًّا وَلَمْ يُدْخِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَمَانِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ، بَلِ اسْتَثْنَاهُ مَعَ مَنِ اسْتثْنى، وَخَرَجَ أَمْرُهُ بِقَتْلِهِ مَعَ أَمَانِهِ لِغَيْرِهِ مَخْرَجًا وَاحِدًا، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ. انْتَهَى.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ فِي جَوَازِ قَتْلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا، لَكِنَّ ابْنَ خَطَلٍ عَمِلَ بِمُوجِبَاتِ الْقَتْلِ فَلَمْ يَتَحَتَّمْ أَنَّ سَبَبَ قَتْلِهِ السَّبُّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ صَبْرًا لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ابْنِ خَطَلٍ صَيَّرَتْهُ كَالْأَسِيرِ فِي يَدِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا جَنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَتَلَهُ قَوَدًا مِنْ دَمِ الْمُسْلِمِ الَّذِي غَدَرَ بِهِ وَقَتَلَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، تَرْجَمَ بِذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ لُبْسِ الْمِغْفَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ آلَاتِ السِّلَاحِ حَالَ الْخَوْفِ مِنَ الْعَدُوِّ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَتَى يَحِلُّ لِلْمُعْتَمِرِ مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الذين يجلبون الحطب إلى مكَّة للبيع (وَغَيْرِهِمْ) بالجرِّ، عطفًا على السَّابق المجرور باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «الحطَّابين وغيرَهم» بالنَّصب عطفًا على المفعول السَّابق، والمرادُ بالغير مَنْ (١) يتكرَّر دخوله كالحشَّاشين والسَّقَّائين.

١٨٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبدُ الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ) مفعول: «وقَّتَ»، و «الحُلَيفة»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام، أصله: تصغيرالحَلَفة، واحدةُ (٢) الحَلْفاء؛ وهو النَّبات المعروف؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة ستَّةُ أميالٍ كما رجَّحه النَّوويُّ (وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ) بفتح التَّحتيَّة واللَّامين وسكون الميم الأولى، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ألملم» بهمزةٍ (٣) بدل التَّحتيَّة، وهو الأصل (هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) بضمير المُذكَّرين في هذا الأخير، والمُؤنَّثات في الثَّلاثة السَّابقة، وفي «باب مُهَلِّ أهل مكَّة» [خ¦١٥٢٤] في أوائل «كتاب الحجِّ»: «من غيرهنَّ» بضمير المُؤنَّثات فالأوَّل والثَّالث والرَّابع: للمواقيت، والثَّاني: لأهلها، وكان حقُّه أن يكون للمُذكَّرين، وأجاب ابن مالكٍ: بأنَّه عدل إلى ضمير المُؤنَّثات (٤) لقصد التَّشاكل (مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ممَّن» (أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) الواو بمعنى: «أو»، أو المراد إرادتهما معًا على جهة القران (فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) المذكور (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: النُّسك (حَتَّى) ينشئ (أَهْلُ مَكَّةَ) حجَّهم (مِنْ مَكَّةَ) أمَّا العمرة فمن أدنى الحلِّ لقصَّة عائشة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله