الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠١٥
الحديث رقم ٢٠١٥ من كتاب «كتاب فضل ليلة القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٠١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هَذَا الْحَصْرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَقَدْ عَلِمَ ﷺ بِحَالِهِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ تَزَكَّى وَنَفَّعَتْهُ الذِّكْرَى.
قَوْلُهُ: (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ أَيُّمَا حِفْظٍ) بِرَفْعِ أَيُّ وَمَا زَائِدَةٌ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ حِفْظٌ وَمِنَ الزُّهْرِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَفِظْنَاهُ، وَرُوِيَ بِنَصْبِ أَيَّمَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِحَفِظَ الْمُقَدَّرِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: قَامَ بَدَلَ صَامَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ هُنَا وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. . . إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزَّهْرِيَّاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَرِيبًا.
٢ - بَاب الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ
٢٠١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ.
٢٠١٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا فَقَالَ اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: الْتَمِسُوا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا - وَهِيَ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - مَعْقُودَتَانِ لِبَيَانِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ سَأَذْكُرُهَا مُفَصَّلَةً بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَرْحِ أَحَادِيثِ الْبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
قَوْلُهُ: (أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أُرُوا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ فِي الْمَنَامِ: إِنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَوَاخِرُ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ السَّبْعُ الَّتِي أَوَّلُهَا لَيْلَةُ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ وَآخِرُهَا لَيْلَةُ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَا ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الثَّانِي تَدْخُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ وَلَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ نَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَإِنَّ نَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَكَأَنَّهُ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَأَمَرَ بِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي فِي الْوِتْرِ مِنْهَا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: إِنْ غُلِبْتُمْ فَلَا تُغْلَبُوا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَنْ
كَانَ يلْتَمِسَهَا فَيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي، وَهَذَا السِّيَاقُ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ مِنْ تَفْسِيرِ السَّبْعِ.
قَوْلُهُ: (أَرَى) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: أَعْلَمُ، وَالْمُرَادُ أُبْصِرُ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: (رُؤْيَاكُمْ) قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا جَاءَ بِإِفْرَادِ الرُّؤْيَا، وَالْمُرَادُ مَرَائِيكُمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رُؤْيَا وَاحِدَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْسَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا رُوِيَ بِتَوْحِيدِ الرُّؤْيَا، وَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، قَالَ: وَأَفْصَحُ مِنْهُ رُؤَاكُمْ جَمْعُ رُؤْيَا؛ لِيَكُونَ جَمْعًا فِي مُقَابَلَةِ جَمْعٍ.
قَوْلُهُ: (تَوَاطَأَتْ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ: تَوَافَقَتْ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَالصَّوَابُ بِالْهَمْزِ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ بِرِجْلِهِ مَكَانَ وَطْءِ صَاحِبِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ قَدْرِ الرُّؤْيَا وَجَوَازِ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ، وَسَنَذْكُرُ بَسْطَ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ الرُّؤْيَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ منْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا، فَقَالَ: اعْتَكَفْنَا) لَمْ يَذْكُرِ الْمَسْئُولَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَةِ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ يَحْيَى فِي بَابِ السُّجُودِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ فَنَتَحَدَّثَ؟ فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَأَفَادَ بَيَانَ سَبَبِ السُّؤَالِ، وَفِيهِ تَأْنِيسُ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ فِي طَلَبِ الِاخْتِلَاءِ بِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِمَّا يُرِيدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ.
قَوْلُهُ: (اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ اللَّيَالِي، وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُوصَفَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لَكِنْ وُصِفَتْ بِالْمُذَكَّرِ عَلَى إِرَادَةِ الْوَقْتِ أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ التَّقْدِيرُ الثُّلُثُ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّيَالِي الْعَشْرُ الَّتِي هِيَ الثُّلُثُ الْأَوْسَطُ مِنَ الشَّهْرِ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ: الْعَشْرُ الْوُسُطُ، بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ، جَمْعُ وُسْطَى، وَيُرْوَى بِفَتْحِ السِّينِ مِثْلُ كُبُرٍ وَكُبْرَى، وَرَوَاهُ الْبَاجِيُّ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْكَانِهَا عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبَزْلٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ الْأَوْسَطِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: كَانَ يُجَاوِرُ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْآتِيَةِ فِي أَوَّلِ الِاعْتِكَافِ: كَانَ يَعْتَكِفُ وَالِاعْتِكَافُ مُجَاوَرَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ: اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ وَزَادَ فِيهَا: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ: قُدَّامَكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَصَفَ الْأَوَّلَ وَالْأَوْسَطَ بِالْمُفْرَدِ وَالْأَخِيرَ بِالْجَمْعِ إِشَارَةً
إِلَى تَصْوِيرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ: حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبَابِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ خُطْبَتَهُ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَوَّلُ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ الْأَخِيرِ لَيْلَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ
كَانَتْ فِي صُبْحِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ، وَوُقُوعَ الْمَطَرِ كَانَ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ، وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ: وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا أَيْ: مِنَ الصُّبْحِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَيَكُونُ فِي إِضَافَةِ الصُّبْحِ إِلَيْهَا تَجَوُّزٌ. وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ اللَّيْلَةَ تُضَافُ لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَرَدَّ عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، والدَّرَاوَرْدِيِّ - يَعْنِي: رِوَايَةَ حَدِيثِ الْبَابِ - مُسْتَقِيمَةٌ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ مُشْكِلَةٌ، وَأَشَارَ إِلَى تَأْوِيلِهَا بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِيضَاحِ، وَأَفَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ الرُّوَاةَ عَنْ مَالِكٍ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ: هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَالشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ: يَخْرُجُ فِي صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ فَقَالُوا: وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنَ اعْتِكَافِهِ، وَمَنِ اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ، هَلْ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُصْبِحَ؟ قَالَ: وَأَظُنُّ الْوَهْمَ دَخَلَ مِنْ وَقْتِ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ.
قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا قَرَّرَهُ هُوَ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ الِاخْتِلَافِ. وَقَدْ وَجَّهَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَيْ: حَتَّى إِذَا كَانَ الْمُسْتَقْبَلُ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَوْلُهُ: وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِدْخَالِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (أُرِيتُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهِيَ مِنَ الرُّؤْيَا، أَيْ: أُعْلِمْتُ بِهَا، أَوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ أَيْ: أَبْصَرْتُهَا، وَإِنَّمَا أُرِيَ عَلَامَتَهَا وَهُوَ السُّجُودُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِلَفْظِ: حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نَسِيتُهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ أَنْسَاهُ غَيْرُهُ إِيَّاهَا أَوْ نَسِيَهَا هُوَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ نُسِّيتُهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ، فَهُوَ بِمَعْنَى أُنْسِيتُهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أُنْسِيَ عِلْمَ تَعْيِينِهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَسَيَأْتِي سَبَبُ النِّسْيَانِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (أنِّي أَسْجُدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ أَسْجُدَ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَرْجِعْ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ: مَنِ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ.
قَوْلُهُ: (قَزَعَةٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ أَيْ: قِطْعَةٌ مِنْ سَحَابٍ رَقِيقَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَمَطَرَتْ) بِفَتْحَتَيْنِ، فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَاسْتُهِلَّتِ السَّمَاءُ فَأَمْطَرَتْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ أَيْ: قَطَّرَ الْمَاءُ مِنْ سَقْفِهِ، وَكَانَ عَلَى عَرِيشٍ أَيْ: مِثْلِ الْعَرِيشِ، وَإِلَّا فَالْعَرِيشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ مُظَلَّلًا بِالْجَرِيدِ وَالْخُوصِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ بِحَيْثُ يَكُن مِنَ الْمَطَرِ الْكَثِيرَ.
قَوْلُهُ: (يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ لَمْ يُرَدْ بِهِ مَحْضُ الْأَثَرِ وَهُوَ مَا يَبْقَى بَعْدَ إِزَالَةِ الْعَيْنِ، وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنَ الْفَوَائِدِ تَرْكُ مَسْحِ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي، وَالسُّجُودُ عَلَى الْحَائِلِ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْأَثَرِ الْخَفِيفِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) (بابُ التِمَاسِ لَيْلَةِ القَدْرِ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «التمسوا ليلة القدر» (فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان.
٢٠١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم (أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ) بضمِّ الهمزة من «أُروا» مبنيًّا للمفعول تنصب مفعولين؛ أحدهما: النَّائب عن الفاعل، والآخر: قوله: «ليلة القدر» أي: أراهم اللهُ ليلةَ القدر (فِي المَنَامِ فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) جمع آخِرٍ -بكسر الخاء- قال في «المصابيح»: ولا يجوز «أُخَر» لأنَّه جمعٌ لـ «أخرى» (١)، وهي لا دلالة لها على المقصود -وهو التَّأخير في الوجود- وإنَّما تقتضي المغايرة، تقول: مررت بامرأةٍ حسنةٍ وامرأةٍ أخرى مغايرةٍ لها، ويصحُّ هذا التَّركيب، سواءٌ كان المرور بهذه المرأة المغايرة سابقًا أو لاحقًا، وهذا عكس العشر الأُوَل فإنَّه يصحُّ لأنَّه جمع «أُولى»، ولا يصحُّ: الأوائل لأنَّه (٢) جمع «أوَّلٍ» الذي هو (٣) للمُذكَّر، وواحدُ العشر (٤) ليلةٌ، وهي مُؤنَّثةٌ،
فلا تُوصَف بمُذَكَّرٍ، وقول الكِرمانيِّ (١): -قوله: «في السَّبع الأواخر» ليس ظرفًا للإراءة- معناه: أنَّه صفةٌ لقوله: «في المنام» أي: في المنام الواقع أو الكائن في السَّبع الأواخر، وقول الحافظ ابن حجرٍ: أي: قيل لهم في المنام: إنَّها في السَّبع الأواخر، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس بصحيحٍ لأنَّه يقتضي أنَّ ناسًا قالوا لهم: إنَّ ليلة القدر في السَّبع الأواخر، وليس هذا تفسير قوله: «أُروا ليلةَ القدر في المنام»، بل تفسيره: أنَّ ناسًا أروهم إيَّاها فرأَوا، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنَّها في السَّبع الأواخر، ولا يستلزم هذا رؤيتهم. انتهى. وظاهر الحديث: أنَّ رؤياهم كانت قبل دخول السَّبع الأواخر لقوله: فليتحرَّها في السَّبع الأواخر، ثمَّ يحتمل أنَّهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها، وأنَّ ذلك كان في ليلةٍ من السَّبع الأواخر، ويحتمل أنَّ قائلًا قال لهم: هي في كذا، وعيَّن ليلةً من السَّبع الأواخر ونُسِيت، أو قال: إنَّ ليلة القدر في السَّبع، فهي ثلاث احتمالاتٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرَى) بفتح الهمزة والرَّاء، أي: أعلم (رُؤْيَاكُمْ) بالإفراد؛ والمراد: الجمع، أي: رؤاكم لأنَّها لم تكن رؤيا واحدةً، فهو ممَّا (٢) عاقب الإفراد فيه الجمع لأمن اللَّبس، وقول السَّفاقسيِّ: إنَّ المحدِّثين يروونه بالتَّوحيد وهو جائزٌ، وأفصحُ منه: «رؤاكم»، جمع «رؤيا» ليكون جمعًا في مقابلة جمعٍ أصحُّ (٣) فيه نظرٌ لأنَّه بإضافته إلى ضمير الجمع عُلِم منه التَّعدُّد بالضَّرورة، وإنَّما عبَّر بـ «أرى» لتجانس «رؤياكم»، ومفعول «أرى» الأوَّل: «رؤياكم»، والثَّاني قوله: (قَدْ تَوَاطَأَتْ) بالهمز، قال النَّوويُّ: ولا بدَّ من قراءته مهموزًا، قال الله تعالى: ﴿لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقال في «شرح التَّقريب»: ورُوِي: «تواطت» بترك الهمزة (٤)، وقال في «المصابيح»: ويجوز تركه، أي: توافقت (فِي) رؤيتها في ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا) أي: طالبها وقاصدها (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان من غير تعيينٍ، وهي التي تلي (٥) آخره، أو السَّبع بعد العشرين، والحمل على هذا أولى لتناوله إحدى وعشرين، وثلاثًا وعشرين؛ بخلاف الحمل على الأوَّل فإنَّهما لا يدخلان، ولا تدخل ليلة التَّاسع والعشرين على الثَّاني، وتدخل على الأوَّل، وفي حديث
عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «فلا تُغْلَبوا في السَّبع البواقي»، ولمسلمٍ من طريق عقبة (١) بن حُرَيثٍ عن ابن عمر (٢): «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السَّبع البواقي» وهذا السِّياق يرجِّح الاحتمال الأوَّل من تفسير السَّبع، وظاهر الحديث: أنَّ طلبها في السَّبع مُستَنَده الرُّؤيا، وهو مشكلٌ لأنَّه إن كان المعنى: أنَّه قيل لكلِّ واحدٍ: هي في السَّبع فشرط التَّحمُّل التَّمييز، وهم كانوا نيامًا، وإن كان معناه: أنَّ كلَّ واحدٍ رأى الحوادث التي تكون فيها في (٣) منامه في السَّبع فلا يلزم منه أن تكون في السَّبع كما لو رُؤِيت حوادث القيامة في المنام في ليلةٍ فإنَّه لا تكون تلك اللَّيلة محلًّا لقيامها، وأجيب بأنَّ الاستناد (٤) إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث الاستدلال بها على أمرٍ وجوديٍّ غير مخالفٍ لقاعدة الاستدلال، والحاصل: أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا هنا في أمرٍ ثبت استحبابه مطلقًا؛ وهو طلب ليلة القدر، وإنَّما تُرجَّح السَّبع الأواخر لسبب (٥) المَرَائي (٦) الدَّالَّة على كونها في السَّبع الأواخر، وهو استدلالٌ على أمرٍ وجوديٍّ لزمه استحبابٌ شرعيٌّ مخصوصٌ بالتَّأكيد بالنِّسبة إلى هذه اللَّيالي، لا أنَّها ثبت بها حكمٌ، أو أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث إقراره ﷺ لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هَذَا الْحَصْرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَقَدْ عَلِمَ ﷺ بِحَالِهِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ تَزَكَّى وَنَفَّعَتْهُ الذِّكْرَى.
قَوْلُهُ: (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ أَيُّمَا حِفْظٍ) بِرَفْعِ أَيُّ وَمَا زَائِدَةٌ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ حِفْظٌ وَمِنَ الزُّهْرِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَفِظْنَاهُ، وَرُوِيَ بِنَصْبِ أَيَّمَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِحَفِظَ الْمُقَدَّرِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: قَامَ بَدَلَ صَامَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ هُنَا وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. . . إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزَّهْرِيَّاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَرِيبًا.
٢ - بَاب الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ
٢٠١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ.
٢٠١٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا فَقَالَ اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: الْتَمِسُوا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا - وَهِيَ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - مَعْقُودَتَانِ لِبَيَانِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ سَأَذْكُرُهَا مُفَصَّلَةً بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَرْحِ أَحَادِيثِ الْبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
قَوْلُهُ: (أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أُرُوا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ فِي الْمَنَامِ: إِنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَوَاخِرُ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ السَّبْعُ الَّتِي أَوَّلُهَا لَيْلَةُ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ وَآخِرُهَا لَيْلَةُ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَا ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الثَّانِي تَدْخُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ وَلَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ نَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَإِنَّ نَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَكَأَنَّهُ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَأَمَرَ بِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي فِي الْوِتْرِ مِنْهَا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: إِنْ غُلِبْتُمْ فَلَا تُغْلَبُوا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَنْ
كَانَ يلْتَمِسَهَا فَيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي، وَهَذَا السِّيَاقُ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ مِنْ تَفْسِيرِ السَّبْعِ.
قَوْلُهُ: (أَرَى) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: أَعْلَمُ، وَالْمُرَادُ أُبْصِرُ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: (رُؤْيَاكُمْ) قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا جَاءَ بِإِفْرَادِ الرُّؤْيَا، وَالْمُرَادُ مَرَائِيكُمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رُؤْيَا وَاحِدَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْسَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا رُوِيَ بِتَوْحِيدِ الرُّؤْيَا، وَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، قَالَ: وَأَفْصَحُ مِنْهُ رُؤَاكُمْ جَمْعُ رُؤْيَا؛ لِيَكُونَ جَمْعًا فِي مُقَابَلَةِ جَمْعٍ.
قَوْلُهُ: (تَوَاطَأَتْ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ: تَوَافَقَتْ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَالصَّوَابُ بِالْهَمْزِ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ بِرِجْلِهِ مَكَانَ وَطْءِ صَاحِبِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ قَدْرِ الرُّؤْيَا وَجَوَازِ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ، وَسَنَذْكُرُ بَسْطَ الْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ الرُّؤْيَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ منْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا، فَقَالَ: اعْتَكَفْنَا) لَمْ يَذْكُرِ الْمَسْئُولَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَةِ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ يَحْيَى فِي بَابِ السُّجُودِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ فَنَتَحَدَّثَ؟ فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَأَفَادَ بَيَانَ سَبَبِ السُّؤَالِ، وَفِيهِ تَأْنِيسُ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ فِي طَلَبِ الِاخْتِلَاءِ بِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِمَّا يُرِيدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ.
قَوْلُهُ: (اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ اللَّيَالِي، وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُوصَفَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لَكِنْ وُصِفَتْ بِالْمُذَكَّرِ عَلَى إِرَادَةِ الْوَقْتِ أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ التَّقْدِيرُ الثُّلُثُ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّيَالِي الْعَشْرُ الَّتِي هِيَ الثُّلُثُ الْأَوْسَطُ مِنَ الشَّهْرِ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ: الْعَشْرُ الْوُسُطُ، بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ، جَمْعُ وُسْطَى، وَيُرْوَى بِفَتْحِ السِّينِ مِثْلُ كُبُرٍ وَكُبْرَى، وَرَوَاهُ الْبَاجِيُّ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْكَانِهَا عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبَزْلٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ الْأَوْسَطِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: كَانَ يُجَاوِرُ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْآتِيَةِ فِي أَوَّلِ الِاعْتِكَافِ: كَانَ يَعْتَكِفُ وَالِاعْتِكَافُ مُجَاوَرَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ: اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ وَزَادَ فِيهَا: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ: قُدَّامَكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَصَفَ الْأَوَّلَ وَالْأَوْسَطَ بِالْمُفْرَدِ وَالْأَخِيرَ بِالْجَمْعِ إِشَارَةً
إِلَى تَصْوِيرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ: حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبَابِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ خُطْبَتَهُ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَوَّلُ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ الْأَخِيرِ لَيْلَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ
كَانَتْ فِي صُبْحِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ، وَوُقُوعَ الْمَطَرِ كَانَ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ، وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ: وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا أَيْ: مِنَ الصُّبْحِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَيَكُونُ فِي إِضَافَةِ الصُّبْحِ إِلَيْهَا تَجَوُّزٌ. وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ اللَّيْلَةَ تُضَافُ لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَرَدَّ عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، والدَّرَاوَرْدِيِّ - يَعْنِي: رِوَايَةَ حَدِيثِ الْبَابِ - مُسْتَقِيمَةٌ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ مُشْكِلَةٌ، وَأَشَارَ إِلَى تَأْوِيلِهَا بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِيضَاحِ، وَأَفَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ الرُّوَاةَ عَنْ مَالِكٍ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ: هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَالشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ: يَخْرُجُ فِي صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ فَقَالُوا: وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنَ اعْتِكَافِهِ، وَمَنِ اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ، هَلْ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُصْبِحَ؟ قَالَ: وَأَظُنُّ الْوَهْمَ دَخَلَ مِنْ وَقْتِ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ.
قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا قَرَّرَهُ هُوَ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ الِاخْتِلَافِ. وَقَدْ وَجَّهَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَيْ: حَتَّى إِذَا كَانَ الْمُسْتَقْبَلُ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَوْلُهُ: وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِدْخَالِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (أُرِيتُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهِيَ مِنَ الرُّؤْيَا، أَيْ: أُعْلِمْتُ بِهَا، أَوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ أَيْ: أَبْصَرْتُهَا، وَإِنَّمَا أُرِيَ عَلَامَتَهَا وَهُوَ السُّجُودُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِلَفْظِ: حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نَسِيتُهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ أَنْسَاهُ غَيْرُهُ إِيَّاهَا أَوْ نَسِيَهَا هُوَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ نُسِّيتُهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ، فَهُوَ بِمَعْنَى أُنْسِيتُهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أُنْسِيَ عِلْمَ تَعْيِينِهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَسَيَأْتِي سَبَبُ النِّسْيَانِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (أنِّي أَسْجُدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ أَسْجُدَ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَرْجِعْ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ: مَنِ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ.
قَوْلُهُ: (قَزَعَةٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ أَيْ: قِطْعَةٌ مِنْ سَحَابٍ رَقِيقَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَمَطَرَتْ) بِفَتْحَتَيْنِ، فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَاسْتُهِلَّتِ السَّمَاءُ فَأَمْطَرَتْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ أَيْ: قَطَّرَ الْمَاءُ مِنْ سَقْفِهِ، وَكَانَ عَلَى عَرِيشٍ أَيْ: مِثْلِ الْعَرِيشِ، وَإِلَّا فَالْعَرِيشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ مُظَلَّلًا بِالْجَرِيدِ وَالْخُوصِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ بِحَيْثُ يَكُن مِنَ الْمَطَرِ الْكَثِيرَ.
قَوْلُهُ: (يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ لَمْ يُرَدْ بِهِ مَحْضُ الْأَثَرِ وَهُوَ مَا يَبْقَى بَعْدَ إِزَالَةِ الْعَيْنِ، وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنَ الْفَوَائِدِ تَرْكُ مَسْحِ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي، وَالسُّجُودُ عَلَى الْحَائِلِ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْأَثَرِ الْخَفِيفِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) (بابُ التِمَاسِ لَيْلَةِ القَدْرِ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بابٌ» -بالتَّنوين- «التمسوا ليلة القدر» (فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان.
٢٠١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم (أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ) بضمِّ الهمزة من «أُروا» مبنيًّا للمفعول تنصب مفعولين؛ أحدهما: النَّائب عن الفاعل، والآخر: قوله: «ليلة القدر» أي: أراهم اللهُ ليلةَ القدر (فِي المَنَامِ فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) جمع آخِرٍ -بكسر الخاء- قال في «المصابيح»: ولا يجوز «أُخَر» لأنَّه جمعٌ لـ «أخرى» (١)، وهي لا دلالة لها على المقصود -وهو التَّأخير في الوجود- وإنَّما تقتضي المغايرة، تقول: مررت بامرأةٍ حسنةٍ وامرأةٍ أخرى مغايرةٍ لها، ويصحُّ هذا التَّركيب، سواءٌ كان المرور بهذه المرأة المغايرة سابقًا أو لاحقًا، وهذا عكس العشر الأُوَل فإنَّه يصحُّ لأنَّه جمع «أُولى»، ولا يصحُّ: الأوائل لأنَّه (٢) جمع «أوَّلٍ» الذي هو (٣) للمُذكَّر، وواحدُ العشر (٤) ليلةٌ، وهي مُؤنَّثةٌ،
فلا تُوصَف بمُذَكَّرٍ، وقول الكِرمانيِّ (١): -قوله: «في السَّبع الأواخر» ليس ظرفًا للإراءة- معناه: أنَّه صفةٌ لقوله: «في المنام» أي: في المنام الواقع أو الكائن في السَّبع الأواخر، وقول الحافظ ابن حجرٍ: أي: قيل لهم في المنام: إنَّها في السَّبع الأواخر، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس بصحيحٍ لأنَّه يقتضي أنَّ ناسًا قالوا لهم: إنَّ ليلة القدر في السَّبع الأواخر، وليس هذا تفسير قوله: «أُروا ليلةَ القدر في المنام»، بل تفسيره: أنَّ ناسًا أروهم إيَّاها فرأَوا، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنَّها في السَّبع الأواخر، ولا يستلزم هذا رؤيتهم. انتهى. وظاهر الحديث: أنَّ رؤياهم كانت قبل دخول السَّبع الأواخر لقوله: فليتحرَّها في السَّبع الأواخر، ثمَّ يحتمل أنَّهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها، وأنَّ ذلك كان في ليلةٍ من السَّبع الأواخر، ويحتمل أنَّ قائلًا قال لهم: هي في كذا، وعيَّن ليلةً من السَّبع الأواخر ونُسِيت، أو قال: إنَّ ليلة القدر في السَّبع، فهي ثلاث احتمالاتٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرَى) بفتح الهمزة والرَّاء، أي: أعلم (رُؤْيَاكُمْ) بالإفراد؛ والمراد: الجمع، أي: رؤاكم لأنَّها لم تكن رؤيا واحدةً، فهو ممَّا (٢) عاقب الإفراد فيه الجمع لأمن اللَّبس، وقول السَّفاقسيِّ: إنَّ المحدِّثين يروونه بالتَّوحيد وهو جائزٌ، وأفصحُ منه: «رؤاكم»، جمع «رؤيا» ليكون جمعًا في مقابلة جمعٍ أصحُّ (٣) فيه نظرٌ لأنَّه بإضافته إلى ضمير الجمع عُلِم منه التَّعدُّد بالضَّرورة، وإنَّما عبَّر بـ «أرى» لتجانس «رؤياكم»، ومفعول «أرى» الأوَّل: «رؤياكم»، والثَّاني قوله: (قَدْ تَوَاطَأَتْ) بالهمز، قال النَّوويُّ: ولا بدَّ من قراءته مهموزًا، قال الله تعالى: ﴿لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقال في «شرح التَّقريب»: ورُوِي: «تواطت» بترك الهمزة (٤)، وقال في «المصابيح»: ويجوز تركه، أي: توافقت (فِي) رؤيتها في ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا) أي: طالبها وقاصدها (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان من غير تعيينٍ، وهي التي تلي (٥) آخره، أو السَّبع بعد العشرين، والحمل على هذا أولى لتناوله إحدى وعشرين، وثلاثًا وعشرين؛ بخلاف الحمل على الأوَّل فإنَّهما لا يدخلان، ولا تدخل ليلة التَّاسع والعشرين على الثَّاني، وتدخل على الأوَّل، وفي حديث
عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «فلا تُغْلَبوا في السَّبع البواقي»، ولمسلمٍ من طريق عقبة (١) بن حُرَيثٍ عن ابن عمر (٢): «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السَّبع البواقي» وهذا السِّياق يرجِّح الاحتمال الأوَّل من تفسير السَّبع، وظاهر الحديث: أنَّ طلبها في السَّبع مُستَنَده الرُّؤيا، وهو مشكلٌ لأنَّه إن كان المعنى: أنَّه قيل لكلِّ واحدٍ: هي في السَّبع فشرط التَّحمُّل التَّمييز، وهم كانوا نيامًا، وإن كان معناه: أنَّ كلَّ واحدٍ رأى الحوادث التي تكون فيها في (٣) منامه في السَّبع فلا يلزم منه أن تكون في السَّبع كما لو رُؤِيت حوادث القيامة في المنام في ليلةٍ فإنَّه لا تكون تلك اللَّيلة محلًّا لقيامها، وأجيب بأنَّ الاستناد (٤) إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث الاستدلال بها على أمرٍ وجوديٍّ غير مخالفٍ لقاعدة الاستدلال، والحاصل: أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا هنا في أمرٍ ثبت استحبابه مطلقًا؛ وهو طلب ليلة القدر، وإنَّما تُرجَّح السَّبع الأواخر لسبب (٥) المَرَائي (٦) الدَّالَّة على كونها في السَّبع الأواخر، وهو استدلالٌ على أمرٍ وجوديٍّ لزمه استحبابٌ شرعيٌّ مخصوصٌ بالتَّأكيد بالنِّسبة إلى هذه اللَّيالي، لا أنَّها ثبت بها حكمٌ، أو أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث إقراره ﷺ لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا».